اخذت السماء يا دار ركنا

أخذتِ السماء يا دار ركنا
وأويت الكواكب الزهر سُكنى
وجمعت السعادتين فباتت
فيك دنيا الصلاح للدين خِدنا
نادَما الدهر في ذَراك وفضا
من سلاف الوداد دَنا فدنا
وإذا الخُلق كان عقد وداد
لم ينل منه من وشَى وتجنى
وأرى العلم كالعبادة في أبـ
ـعد غاياته إلى الله أدنى
واسع الساح يرسل الفكر فيها
كل من شك ساعة أو تظنى
هل سألنا أبا العلاء وإن قلّـ
ـب عينا في عالم الكون وسنى
كيف يهذِى بخالق الطير من لم
يعلم الطير هل بكى أو تغنى
أنتِ كالشمس رفرفا والسماكـ
ـين رواقا والمجرّة صحنا
لو تسترت كنت كالقبة الغرا
ء ذيلا من الجلال وردنا
إن تكن للثواب والبر دارا
كيف إن تمت الملاوة قرنا
لا تَعدِّى السنين إن ذكر العـ
ـلم فما تعلمين للعلم سنا
سوف تفنى في ساحتيك الليالي
وهو باق على المدى ليس يفنى
يا عكاظا حوى الشبا فصاحا
قرشيين في المجامع لُسنا
بثهم في كنانة الله نورا
من ظلام على البصائر أخنى
علَّموا بالبيان لا غرباء
فيه يوما ولا أعاجم لُكنا
فتية محسنون لم يخلفوا العـ
ـلم رجاء ولا المعلم ظنا
صدعوا ظلمة على الريف حلت
وأضاءوا الصعيد سهلا وحزنا
من قضى منهم تفرق فكرا
في نهى النشء أو تقسم ذهنا
ناد دار العلوم إن شئت يا عا
يش أو شئت نادها يا سُكَينا
قل لها يا ابنة المبارك إيه
قد جرت كاسمه أمورك يمنا
هو في المهرجان حى شهيد
يجتلى غرس فضله كيف أجنى
وهو في العرس إن تحجّب أو لم
يحتجب والد العروس المهنا
ما جرى ذكره بناديك حتى
وقف الدمع في الشؤون فأثنى
رب خير ملئت منه سرورا
ذكّر الخيرين فاهتجت حزنا
أدرى إذ بناك أن كان يبني
فوق أنف العدوّ للضاد حصنا
حائط الملك بالمدارس إن شئـ
ـت وإن شئت بالمعاقل يبني
أنظر الناس هل ترى لحياة
عَطَلت من نباهة الذكر معنى
لا الغني في الرجال ناب عن الفضـ
ـل وسلطانه ولا الجاه أغنى
رب عاث في الأرض لم يجعل الأر
ض له إن أقام أو سار وزنا
عاش لم ترمه بعين وأودى
همَلا لم تهب لناعيه أذنا
نظّم الله ملكه بعباد
عبقريين أورثوا الملك حسنا
شغلتهم عن الحسود المعالي
إنما يُحسد العظيم ويُشنا
من ذكىّ الفؤاد يوِرث علما
أو بديع الخيال يَخلق فنا
كم قديم كرقعة النجم حر
لم يقلل له الجديدان شأنا
وحديد عليه يختلف الدهـ
ـر ويفنى الزمان قرنا فقرنا
فاحتفظ بالذخيرتين جميعا
عادة الفطن بالذخائر يعنى
يا شبابا سقونيَ الودّ محضا
وسقوا شانئي على الغل أجنا
كلما صار للكهولة شعري
أنشدوه فعاد أمرد لدنا
أسرة الشاعر الرواة وما عنَّـ
ـوه والمرء بالقريب معنى
هم يضنون في الحياة بما قا
ل ويُلفَون في الحياة أضنا
وإذا ما انقضى وأهلوه لم يعـ
ـدم شقيقا من الرواة أو أبنا
النبوغَ النبوغَ حتى تنصوا
راية العلم كالهلال وأسنى
نحن في صورة الممالك ما لم
يصبح العلم والمعلم منا
لا تنادوا الحصون والسفن وادعوا الـ
ـعلم ينشئ لكم حصونا وسفنا
إن ركب الحضارة اخترق الأر
ض وشق السماء ريحا ومزنا
وصحبناه كالغبار فلا رحـ
ـلا شددنا ولا ركابا زممنا
دان آباؤنا الزمان مليا
ومليا لحادث الدهر دنا
كم نباهي بلحد ميت وكم نحـ
ـمل من هادم ولم يبن مَنَّا
قد أنَى أن نقول نحن ولا نسـ
ـمع أبناءنا يقولون كنا

يا حماة الطفل خير المحسنين

يا حماة الطفل خير المحسنين
يدكم فيها يد الله المعين
أنظروا عند توافى جمعكم
تجدوا في الجمع جبريل الأمين
ظَلَّلَ الطفلَ ووافاه
مهرجان الله عرض المرسلين
يذكر الفضلَ على الدهر لكم
من رعيتم من بنات وبنين
عرفوا الدهر ولما يولَدوا
فسل الدهر أكانوا مذنبين
غرباء الأهل نزَّاح الحِمى
وجدوا الدار بكم والأقربين
قل لمن إن قيل في البِر لهم
قبضوا الراح وولوا معرضين
أتقوا الأيام في أعقابكم
أأخذتم لهمُ عهد السنين
يأخذ الله وإن طال المدى
ويُدان المرء ما كان يدين
خَلق الحظَّ جُمانا وحصى
خالقُ الإنسان من ماء وطين
ولأمر ما وسر غامض
تسعد النطفة أو يشقى الجنين
فوليد تسجد الدنيا له
وسواه في زوايا المهملين
وابن كسرى لا يُلَقَّى راية
يتلقاها ابن عبد باليمن
رب مهد أزرت البؤسى به
فيه كنز خبأ الغيبُ ثمين
مرضَعا يقطر بؤسا يومه
مغِدق النعمى غدا في العالمين
أو ضعيِف الركن في ألفافه
هو ركن القوم ضرغام العرين
أو طويلِ الصمت أعمى في الصبا
بين برديه المعرىُّ المبين
أو فتاة هينةٍ فوق الثرى
ولَدت من بالثريا يستهين
سيد النيل وواديه معا
مصرك الغرة والشرق الجبين
سعد الكل بناديك فلا
بائس يشقى ولا طفل حزين
ارحم الحساد واغفر للعدا
أنت عند الله والشعب مكين

صرت ارجو بان تكون المرجي

صرت أرجو بأن تكون المرجى
وبان يبدل الهجا لك مدحا
تلك كف قد اكتفت واكتفينا
فرأينا أن نعقب الصفع صفحا

يقال كانت فارة الغيطان

يُقالُ كانَت فَأرَةُ الغيطانِ
تَتيهُ بِاِبنَيها عَلى الفيرانِ
قَد سَمَّتِ الأَكبَرَ نورَ الغَيطِ
وَعَلَّمَتهُ المَشيَ فَوقَ الخَيطِ
فَعَرَفَ الغِياضَ وَالمُروجا
وَأَتقَنَ الدُخولَ وَالخُروجا
وَصارَ في الحِرفَةِ كَالآباءِ
وَعاشَ كَالفَلّاحِ في هَناءِ
وَأَتعَبَ الصَغيرُ قَلبَ الأُمِّ
بِالكِبرِ فَاِحتارَت بِما تُسَمّي
فَقالَ سَمّيني بِنورِ القَصرِ
لِأَنَّني يا أُمُّ فَأرُ العَصرِ
إِنّي أَرى ما لَم يَرَ الشَقيقُ
فَلي طَريقٌ وَلَهُ طَريقُ
لَأَدخُلَنَّ الدارَ بَعدَ الدارِ
وَثباً مِنَ الرَفِّ إِلى الكَرارِ
لَعَلَّني إِن ثَبَتَت أَقدامي
وَنُلتُ يا كُلَّ المُنى مَرامي
آتيكُما بِما أَرى في البَيتِ
مِن عَسَلٍ أَو جُبنَةٍ أَو زَيتِ
فَعَطَفَت عَلى الصَغيرِ أُمُّه
وَأَقبَلَت مِن وَجدِها تَضُمُّه
تَقولُ إِنّي يا قَتيلَ القوتِ
أَخشى عَلَيكَ ظُلمَةَ البُيوتِ
كانَ أَبوكَ قَد رَأى الفَلاحا
في أَن تَكونَ مِثلَهُ فَلّاحا
فَاِعمَل بِما أَوصى تُرِح جَناني
أَو لا فَسِر في ذِمَّةِ الرَحمَنِ
فَاِستَضحَكَ الفَأرُ وَهَزَّ الكَتِفا
وَقالَ مَن قالَ بِذا قَد خَرِفا
ثُمَّ مَضى لِما عَلَيهِ صَمَّما
وَعاهَدَ الأُمَّ عَلى أَن تَكتُما
فَكانَ يَأتي كُلَّ يَومِ جُمعَه
وَجُبنَةٌ في فَمِهِ أَو شَمعَه
حَتّى مَضى الشَهرُ وَجاءَ الشَهرُ
وَعُرِفَ اللِصُّ وَشاعَ الأَمرُ
فَجاءَ يَوماً أُمَّهُ مُضطَرِباً
فَسَأَلتُهُ أَينَ خَلّى الذَنَبا
فَقالَ لَيسَ بِالفَقيدِ مِن عَجَب
في الشَهدِ قَد غاصَ وَفي الشَهدِ ذَهَب
وَجاءَها ثانِيَةً في خَجَلِ
مِنها يُداري فَقدَ إِحدى الأَرجُلِ
فَقالَ رَفٌّ لَم أصِبهُ عالي
صَيَّرَني أَعرج في المَعالي
وَكانَ في الثالِثَةِ اِبنُ الفارَه
قَد أَخلَفَ العادَةَ في الزِيارَه
فَاِشتَغَلَ القَلبُ عَلَيهِ وَاِشتَعَل
وَسارَتِ الأُمُّ لَهُ عَلى عَجَل
فَصادَفتهُ في الطَريقِ مُلقى
قَد سُحِقَت مِنهُ العِظامُ سَحقا
فَناحَتِ الأُمُّ وَصاحَت واها
إِنَّ المَعالي قَتَلَت فَتاها

بين المقطم والمقطم نسبة

بين المقطم والمقطم نسبة
في الثقل لا تخفى العقلاء
فصخور ذا وسطور ذا وكلاهما
متألف من صخرة صماء
لكن بينهما اختلافا بَيِّناً
كتباين الأفعال والأسماء
هذا حجارته إذا ما قُطِّعت
صلحت بجملتها لكل بناء
لكن ذاك سطوره ما سُطرت
إلا لهدم فضائل العقلاء

هو ذا مذهبي وهذا شعاري

هو ذا مذهبي وهذا شعاري
وهو للناس من زمان شعار
لم أحاسَب وكان في البيت قط
كيف أرضى وليس في البيت فار

دار الزمان

دار الزمان فدارا
يستعقبان جهارا
أضحى النضار حديدا
أضحى الحديد نضارا
أمسى الصَّغار جلالا
أمسى الجلال صغارا
أمر قضاه الإله
والناس فيه حيارى

فتي العقل والنغمة العاليه

فَتى العَقلِ وَالنَغمَةِ العالِيَه
مَضى وَمَحاسِنَهُ باقِيَه
فَلا سوقَةٌ لَم تَكُن أُنسَهُ
وَلا مَلِكٌ لَم تَزِن نادِيَه
وَلَم تَخلُ مِن طيبِها بَلدَةٌ
وَلَم تَخلُ مِن ذِكرِها ناحِيَه
يَكادُ إِذا هُوَ غَنّى الوَرى
بِقافِيَةٍ يُنطِقُ القافِيَه
يَتيهُ عَلى الماسِ بَعضُ النُحاسِ
إِذا ضَمَّ أَلحانَهُ الغالِيَه
وَتَحكُمُ في النَفسِ أَوتارُهُ
عَلى العودِ ناطِقَةً حاكِيَه
وَتَبلُغُ مَوضِعَ أَوطارِها
وَتُفشي سَريرَتَها الخافِيَه
وَكَم آيَةٍ في الأَغاني لَهُ
هِيَ الشَمسُ لَيسَ لَها ثانِيَه
إِذا ما تَنادى بِها العارِفونَ
قُلِ البَرقُ وَالرَعدُ مِن غادِيَه
فَإِن هَمَسوا بَعدَ جَهرٍ بِها
فَخَفقُ الحُلِيِّ عَلى الغانِيَه
لَقَد شابَ فَردي وَجازَ المَشيبَ
وَعَيدا شَبيبَتُها زاهِيَه
تُمَثِّلُ مِصرَ لِهَذا الزَمانِ
كَما هِيَ في الأَعصُرِ الخالِيَه
وَنَذكُرُ تِلكَ اللَيالي بِها
وَنَنشُدُ تِلكَ الرُؤى السارِيَه
وَنَبكي عَلى عِزِّنا المُنقَضي
وَنَندُبُ أَيّامَنا الماضِيَه
فَيا آلَ فَردي نُعَزّيكُمُ
وَنَبكي مَعَ الأُسرَةِ الباكِيَه
فَقَدنا بِمَفقودِكُم شاعِراً
يَقِلُّ الزَمانُ لَهُ راوِيَه

قف علي كنز بباريس دفين

قِف عَلى كِنزٍ بِباريسَ دَفين
مِن فَريدٍ في المَعاني وَثَمين
وَاِفتَقِد جَوهَرَةً مِن شَرَفٍ
صَدَفُ الدَهرِ بِتُربَتِها ضَنين
قَد تَوارَت في الثَرى حَتّى إِذا
قَدُمَ العَهدُ تَوارَت في السِنين
غَرَّبَت حَتّى إِذا ما اِستَيأَسَت
دَنَتِ الدارُ وَلَكِن لاتَ حين
لَم تُذِب نارُ الوَغى ياقوتَها
وَأَذابَتهُ تَباريحُ الحَنين
لا تَلوموها أَلَيسَت حُرَّةً
وَهَوى الأَوطانِ لِلأَحرارِ دين
غَيَّبَت باريسُ ذُخراً وَمَضى
تُربُها القَيِّمُ بِالحِرزِ الحَصين
نَزَلَ الأَرضَ وَلَكِن بَعدَ ما
نَزَلَ التاريخَ قَبرَ النابِغين
أَعظُمُ اللَيثِ تَلقاها الشَرى
وَرُفاتُ النَسرِ حازَتهُ الوُكون
وَحَوى الغِمدُ بَقايا صارِمٍ
لَم تُقَلِّب مِثلَهُ أَيدي القُيون
شَيَّدَ الناسُ عَلَيهِ وَبَنوا
حائِطَ الشَكِّ عَلى أُسِّ اليَقين
لَستَ تُحصي حَولَهُ أَلوِيَةً
أُسِرَت أَمسِ وَراياتٍ سُبين
نامَ عَنها وَهيَ في سُدَّتِهِ
دَيدَبانٌ ساهِرُ الجَفنِ أَمين
وَكَأَيٍّ مِن عَدُوٍّ كاشِحٍ
لَكَ بِالأَمسِ هُوَ اليَومَ خَدين
وَوَلّى كانَ يَسقيكَ الهَوى
عَسَلاً قَد باتَ يَسقيكَ الوَزين
فَإِذا اِستَكرَمتَ وُدّاً فَاِتَّهِم
جَوهَرُ الوُدِّ وَإِن صَحَّ ظَنين
مَرمَرٌ أُضجِعَ في مَسنونِهِ
حَجَرُ الأَرضِ وَضِرغامُ العَرين
جَلَّلَتهُ هَيبَةُ الثاوي بِهِ
رَوعَةَ الحِكمَةِ في الشِعرِ الرَصين
هَل دَرى المَرمَرُ ماذا تَحتَهُ
مِن قُوى نَفسٍ وَمِن خَلقٍ مَتين
أَيُّها الغالونَ في أَجداثِهِم
اِبحَثوا في الأَرضِ هَل عيسى دَفين
يُمَحّي المَيتُ وَيَبلى رَمسُهُ
وَيَغولُ الرَبعَ ما غالَ القَطين
حَصِّنوا ما شِئتُمُ مَوتاكُمُ
هَل وَراءَ المَوتِ مِن حِصنٍ حَصين
لَيسَ في قَبرٍ وَإِن نالَ السُها
ما يَزيدُ المَيتَ وَزناً وَيَزين
فَاِنزِلِ التاريخَ قَبراً أَو فَنَم
في الثَرى غُفلاً كَبَعضِ الهامِدين
وَاِخدَعِ الأَحياءَ ما شِئتَ فَلَن
تَجِدَ التاريخَ في المُنخَدِعين
يا عِصامِيّاً حَوى المَجدَ سِوى
فَضلَةٍ قَد قُسِّمَت في المُعرِقين
أُمُّكَ النَفسُ قَديماً أَكرَمَت
وَأَبوكَ الفَضلُ خَيرُ المُنجِبين
نَسَبُ البَدرِ أَوِ الشَمسِ إِذا
جيءَ باِلآباءِ مَغمورٌ رَهين
وَأُصولُ الخَمرِ ما أَزكى عَلى
خُبثِ ما قَد فَعَلَت بِالشارِبين
لا يَقولَنَّ اِمرو أَصلي فَما
أَصلُهُ مِسكٌ وَأَصلُ الناسِ طين
قَد تَتَوَّجتَ فَقالَت أُمَمٌ
وَلَدُ الثَورَةِ عَقَّ الثائِرين
وَتَزَوَّجتَ فَقالوا مالَهُ
وَلِحورٍ مِن بَناتِ المَلكِ عين
قَسَماً لَو قَدَروا ما اِحتَشَموا
لا يَعِفُّ الناسُ إِلّا عاجِزين
أَرَأَيتَ الخَيرَ وافى أُمَّةً
لَم يَنالوا حَظَّهُم في النابِغين
يَصلُحُ المُلكُ عَلى طائِفَةٍ
هُم جَمالُ الأَرضِ حيناً بَعدَ حين
مَلَؤوا الدُنيا عَلى قِلَّتِهِم
وَقَديماً مُلِئَت بِالمُرسَلين
يَحسُنُ الدَهرُ بِهِم ما طَلَعوا
وَبِهِم يَزدادُ حُسناً آفِلين
قَد أَقاموا قُدوَةً صالِحَةً
وَمَضَوا أَمثِلَةً لِلمُحتَذين
إِنَّما الأُسوَةُ وَالدُنيا أُسىً
سَبَبُ العُمرانِ نَظمُ العالَمين
يا صَريعَ المَوتِ نَدمانَ البِلى
كُلُّ حَيٍّ بِالَّذي ذُقتَ رَهين
كِدتَ مِن قَتلِ المَنايا خِبرَةً
تَعلَمُ الآجالَ أَيّانَ تَحين
يا مُبيدَ الأَسدِ في آجامِها
هَل أَبادَت خَيلُكَ الدودَ المَهين
يا عَزيزَ السِجنِ بِالبابا إِلى
كَم تَرَدّى في الثَرى ذُلَّ السَجين
رُبَّ يَومٍ لَكَ جَلّى وَاِنثَنى
سائِلَ الغُرَّةِ مَمسوحَ الجَبين
أَحرَزَ الغايَةَ نَصراً غالِياً
لِفَرَنسا وَحَوى الفَتحَ الثَمين
قَيصَرا الأَنسابِ فيهِ نازَلا
قَيصَرَ النَفسِ عِصامَ المالِكين
مُجلِسَ التاجِ عَلى مَفرِقِهِ
بِيَدَيهِ لا بِأَيدي المُجلِسين
حَولَ اِستَرلَتزَ كانَ المُتلَقّى
وَاِصطِدامُ النَسرِ بِالمُستَنسِرين
وُضِعَ الشَطرَنجُ فَاِستَقبَلتَهُ
بِبَنانٍ عابِثٍ بِاللاعِبين
فَإِذا المَلكانِ هَذا خاضِعٌ
لَكَ في الجَمعِ وَهَذا مُستَكين
صِدتَ شاهَ الروسِ وَالنِمسا مَعاً
مَن رَأى شاهَينِ صَيداً في كَمين
يا مُلَقّى النَصرِ في أَحلامِهِ
أَينَ مِن وادي الكَرى سَنتِ هِلين
يا مُنيلَ التاجِ في المَهدِ اِبنُه
ما الَّذي غَرَّكَ بِالغَيبِ الجَنين
اِتَّئِد في أُمَّةٍ أَرهَقتَها
إِنَّها كَالناسِ مِن ماءٍ وَطين
أَتعَبَ الريحَ مَدى ما سَلَكَت
مِن سُهولٍ وَأَجازَت مِن حُزون
مِن أَديمٍ يَهرَأُ الدُبَّ إِلى
فَلَواتٍ تُنضِجُ الضَبَّ الكَنين
لَكَ في كُلِّ مُغارٍ غارَةٌ
وَعَلَيها الدَمعُ فيهِ وَالأَنين
وَمِنَ المَكرِ تَغَنّيكَ بِها
هَل يُزَكّي الذَبحَ غَيرُ الذابِحين
سُخِّرَ الناسُ وَإِن لَم يَشعُروا
لِقَوِيٍّ أَو غَنِيٍّ أَو مُبين
وَالجَماعاتُ ثَنايا المُرتَقى
في المَعالي وَجُسورُ العابِرين
يا خَطيبَ الدَهرِ هَل مالَ البِلى
بِلِسانٍ كانَ ميزانَ الشُؤون
تُرجَحُ السِلمُ إِذا حَرَّكتَهُ
كِفَّةً أَو تُرجَحُ الحَربُ الزَبون
خُطَبٌ لا صَوتَ إِلّا دونَها
في صَداها الخَيلُ تَجري وَالسِنين
مِن قَصيرِ اللَفظِ في مَكرِ النُهى
وَطَويلِ الرُمحِ في كِبارِ الوَتين
غَيرَ وَضاعٍ وَلا واشٍ وَلا
مُنكِرِ القَولِ وَلا لَغوِ اليَمين
سِرنَ أَمثالاً فَلَو لَم يُحيِهِ
سَيفُهُ أَحيَينَهُ في الغابِرين
قُم إِلى الأَهرامِ وَاِخشَع وَاِطَّرِح
خَيلَةَ الصيدِ وَزَهوَ الفاتِحين
وَتَمَهَّل إِنَّما تَمشي إِلى
حَرَمِ الدَهرِ وَمِحرابِ القُرون
هُوَ كَالصَخرَةِ عِندَ القِبطِ أَو
كَالحَطيمِ الطُهرِ عِندَ المُسلِمين
وَتَسَنَّم مِنبَراً مِن حَجَرٍ
لَم يَكُن قَبلَكَ حَظَّ الخاطِبين
وَاِدعُ أَجيالاً تَوَلَّت يَسمَعوا
لَكَ وَاِبعَث في الأُوالي حاشِرين
وَأَعِدها كَلِماتٍ أَربَعاً
قَد أَحاطَت بِالقُرونِ الأَربَعين
أَلهَبَت خَيلاً وَحَضَّت فَيلَقاً
وَأَحالَت عَسَلاً صابَ المَنون
قَد عَرَضتَ الدَهرَ وَالجَيشَ مَعاً
غايَةٌ قَصَّرَ عَنها الفاتِحون
ما عَلِمنا قائِداً في مَوطِنٍ
صَفَحَ الدَهرَ وَصَفَّ الدارِعين
فَتَرى الأَحياءَ في مُعتَرَكٍ
وَتَرى المَوتى عَلَيهِم مُشرِفين
عِظَةٌ قومي بِها أَولى وَإِن
بَعُدَ العَهدُ فَهَل يَعتَبِرون
هَذِهِ الأَهرامُ تاريخُهُمُ
كَيفَ مِن تاريخِهِم لا يَستَحون
يا كَثيرَ الصَيدِ لِلصَيدِ العُلا
قُم تَأَمَّل كَيفَ صادَتكَ المَنون
قُم تَرَ الدُنيا كَما غادَرتَها
مَنزِلَ الغَدرِ وَماءَ الخادِعين
وَتَرَ الحَقَّ عَزيزاً في القَنا
هَيِّناً في العُزَّلِ المُستَضعَفين
وَتَرَ الأَمرَ يَداً فَوقَ يَدٍ
وَتَرَ الناسَ ذِئاباً وَضيئين
وَتَرَ العِزَّ لِسَيفٍ نَزِقٍ
في بِناءِ المُلكِ أَو رَأيٍ رَزين
سُنَنٌ كانَت وَنَظمٌ لَم يَزَل
وَفَسادٌ فَوقَ باعِ المُصلِحين

بالله يا نسمات النيل في السحر

بِاللَهِ يا نَسَماتِ النيلِ في السَحَرِ
هَل عِندَكُنَّ عَنِ الأَحبابِ مِن خَبَرِ
عَرَفتُكُنَّ بِعَرفٍ لا أُكَيِّفُهُ
لا في الغَوالي وَلا في النَورِ وَالزَهَرِ
مِن بَعضِ ما مَسَحَ الحُسنُ الوُجوهَ بِهِ
بَينَ الجَبينِ وَبَينَ الفَرقِ وَالشَعَرِ
فَهَل عَلِقتُنَّ أَثناءَ السُرى أَرَجاً
مِنَ الغَدائِرِ أَو طيباً مِنَ الطُرَرِ
هِجتُنَّ لي لَوعَةً في القَلبِ كامِنَةً
وَالجُرحُ إِن تَعتَرِضهُ نَسمَةٌ يَثُرِ
ذَكَرتُ مِصرَ وَمَن أَهوى وَمَجلِسَنا
عَلى الجَزيرَةِ بَينَ الجِسرِ وَالنَهَرِ
وَاليَومُ أَشيَبُ وَالآفاقُ مُذهَبَةٌ
وَالشَمسُ مُصفَرَةٌ تَجري لِمُنحَدَرِ
وَالنَخلُ مُتَّشِحٌ بِالغَيمِ تَحسَبُهُ
هيفَ العَرائِسِ في بيضٍ مِنَ الأَزُرِ
وَما شَجانِيَ إِلّا صَوتُ ساقِيَةٍ
تَستَقبِلُ اللَيلَ بَينَ النَوحِ وَالعَبَرِ
لَم يَترُكِ الوَجدُ مِنها غَيرَ أَضلُعِها
وَغَيرَ دَمعٍ كَصَوبِ الغَيثِ مُنهَمِرِ
بَخيلَةٌ بِمَآقيها فَلَو سُئِلَت
جَفناً يُعينُ أَخا الأَشواقِ لَم تُعِرِ
في لَيلَةٍ مِن لَيالي الدَهرِ طَيِّبَةٍ
مَحا بِها كُلَّ ذَنبٍ غَيرِ مُغتَفَرِ
عَفَّت وَعَفَّ الهَوى فيها وَفازَ بِها
عَفُّ الإِشارَةِ وَالأَلفاظِ وَالنَظَرِ
بِتنا وَباتَت حَناناً حَولَنا وَرِضاً
ثَلاثَةٌ بَينَ سَمعِ الحُبِّ وَالبَصَرِ
لا أَكذِبُ اللَهَ كانَ النَجمُ رابِعَنا
لَو يُذكَرُ النَجمُ بَعدَ البَدرِ في خَبَرِ
وَأَنصَفَتنا فَظُلمٌ أَن تُجازِيَها
شَكوى مِنَ الطولِ أَو شَكوى مِنَ القِصَرِ
دَع بَعدَ ريقَةِ مَن تَهوى وَمَنطِقِهِ
ما قيلَ في الكَأسِ أَو ما قيلَ في الوَتَرِ
وَلا تُبالِ بِكِنزٍ بَعدَ مَبسِمِهِ
أَغلى اليَواقيتُ ما أُعطيتَ وَالدُرَرِ
وَلَم يَرُعني إِلّا قَولُ عاذِلَةٍ
ما بالُ أَحمَدَ لَم يَحلُم وَلَم يَقِرِ
هَلّا تَرَفَّعَ عَن لَهوٍ وَعَن لَعِبٍ
إِنَّ الصَغائِرَ تُغري النَفسَ بِالصَغَرِ
فَقُلتُ لِلمَجدِ أَشعاري مُسَيَّرَةً
وَفي غَواني العُلا لا في المَها وَطَري
مِصرُ العَزيزَةُ ما لي لا أُوَدِّعُها
وَداعَ مُحتَفِظٍ بِالعَهدِ مُدَّكِرِ
خَلَّفتُ فيها القَطا ما بَينَ ذي زَغَبٍ
وَذي تَمائِمَ لَم يَنهَض وَلَم يَطِرِ
أَسلَمتُهُم لِعُيونِ اللَهِ تَحرُسُهُم
وَأَسلَموني لِظِلِّ اللَهِ في البَشَرِ