الا حبذا صحبة المكتب

أَلا حَبَّذا صُحبَةَ المَكتَبِ
وَأَحبِب بِأَيّامِهِ أَحبِبِ
وَيا حَبَّذا صِبيَةٌ يَمرَحو
نَ عِنانُ الحَياةِ عَلَيهِم صَبي
كَأَنَّهُمو بَسَماتُ الحَيا
ةِ وَأَنفاسُ رَيحانَها الطَيِّبِ
يُراحُ وَيُغدى بِهِم كَالقَطي
عِ عَلى مَشرِقِ الشَمسِ وَالمَغرِبِ
إِلى مَرتَعٍ أَلِفوا غَيرَهُ
وَراعٍ غَريبِ العَصا أَجنَبي
وَمُستَقبَلٍ مِن قُيودِ الحَيا
ةِ شَديدٍ عَلى النَفسِ مُستَصعَبِ
فِراخٌ بِأَيكٍ فَمِن ناهِضٍ
يَروضُ الجَناحَ وَمِن أَزغَبِ
مَقاعِدُهُم مِن جَناحِ الزَما
نِ وَما عَلِموا خَطَرَ المَركَبِ
عَصافيرُ عِندَ تَهَجّي الدُرو
سِ مِهارٌ عَرابيدُ في المَلعَبِ
خَلِيّونَ مِن تَبِعاتِ الحَيا
ةِ عَلى الأُمِّ يَلقونَها وَالأَبِ
جُنونُ الحَداثَةِ مِن حَولِهِم
تَضيقُ بِهِ سَعَةُ المَذهَبِ
عَدا فَاِستَبَدَّ بِعَقلِ الصَبِيّ
وَأَعدى المُؤَدِّبَ حَتّى صَبى
لَهُم جَرَسٌ مُطرِبٌ في السَرا
حِ وَلَيسَ إِذا جَدَّ بِالمُطرِبِ
تَوارَت بِهِ ساعَةٌ لِلزَما
نِ عَلى الناسِ دائِرَةُ العَقرَبِ
تَشولُ بِإِبرَتِها لِلشَبا
بِ وَتَقذِفُ بِالسُمِّ في الشُيَّبِ
يَدُقُّ بِمِطرَقَتَيها القَضا
ءَ وَتَجري المَقاديرُ في اللَولَبِ
وَتِلكَ الأَواعي بِأَيمانِهِم
حَقائِبُ فيها الغَدُ المُختَبي
فَفيها الَّذي إِن يُقِم لا يُعَدَّ
مِنَ الناسِ أَو يَمضِ لا يُحسَبِ
وَفيها اللِواءُ وَفيها المَنا
رُ وَفيها التَبيعُ وَفيها النَبي
وَفيها المُؤَخَّرُ خَلفَ الزِحا
مِ وَفيها المُقَدَّمُ في المَوكِبِ
جَميلٌ عَلَيهِم قَشيبُ الثِيا
بِ وَما لَم يُجَمَّل وَلَم يَقشِبِ
كَساهُم بَنانُ الصِبا حُلَّةً
أَعَزَّ مِن المِخمَلِ المُذهَبِ
وَأَبهى مِنَ الوَردِ تَحتَ النَدى
إِذا رَفَّ في فَرعِهِ الأَهدَبِ
وَأَطهَرَ مِن ذَيلِها لَم يَلُمّ
مِنَ الناسِ ماشٍ وَلَم يَسحَبِ
قَطيعٌ يُزَجّيهِ راعٍ مِنَ الدَه
رِ لَيسَ بِلَينٍ وَلا صُلَّبِ
أَهابَت هِرواتُهُ بِالرِفا
قِ وَنادَت عَلى الحُيَّدِ الهُرَّبِ
وَصَرَّفَ قُطعانَهُ فَاِستَبَدّ
وَلَم يَخشَ شَيئاً وَلَم يَرهَبِ
أَرادَ لِمَن شاءَ رَعيَ الجَدي
بِ وَأَنزَلَ مَن شاءَ بِالمُخصِبِ
وَرَوّى عَلى رِيِّها الناهلا
تِ وَرَدَّ الظِماءَ فَلَم تَشرَبِ
وَأَلقى رِقاباً إِلى الضارِبي
نَ وَضَنَّ بِأُخرى فَلَم تُضرَبِ
وَلَيسَ يُبالي رِضا المُستَري
حِ وَلا ضَجَرَ الناقِمِ المُتعَبِ
وَلَيسَ بِمُبقٍ عَلى الحاضِري
نَ وَلَيسَ بِباكٍ عَلى الغُيَّبِ
فَيا وَيحَهُم هَل أَحَسّوا الحَيا
ةَ لَقَد لَعِبوا وَهيَ لَم تَلعَبِ
تُجَرِّبُ فيهِم وَما يَعلَمو
نَ كَتَجرُبَةِ الطِبِّ في الأَرنَبِ
سَقَتهُم بِسُمٍّ جَرى في الأُصو
لِ وَرَوّى الفُروعَ وَلَم يَنضُبِ
وَدارَ الزَمانُ فَدالَ الصِبا
وَشَبَّ الصِغارُ عَنِ المَكتَبِ
وَجَدَّ الطِلابُ وَكَدَّ الشَبا
بُ وَأَوغَلَ في الصَعبِ فَالأَصعَبِ
وَعادَت نَواعِمُ أَيّامِهِ
سِنينَ مِنَ الدَأَبِ المُنصِبِ
وَعُذِّبَ بِالعِلمِ طُلّابُهُ
وَغَصّوا بِمَنهَلِهِ الأَعذَبِ
رَمَتهُم بِهِ شَهَواتُ الحَيا
ةِ وَحُبُّ النَباهَةِ وَالمَكسَبِ
وَزَهو الأُبُوَّةِ مِن مُنجِبٍ
يُفاخِرُ مَن لَيسَ بِالمُنجِبِ
وَعَقلٌ بَعيدُ مَرامي الطِما
حِ كَبيرُ اللُبانَةِ وَالمَأرَبِ
وَلوعُ الرَجاءِ بِما لَم تَنَل
عُقولُ الأَوالي وَلَم تَطلُبِ
تَنَقَّلَ كَالنَجمِ مِن غَيهَبٍ
يَجوبُ العُصورَ إِلى عَيهَبِ
قَديمُ الشُعاعِ كَشَمسِ النَها
رِ جَديدٌ كَمِصباحِها المُلهِبِ
أَبُقراطُ مِثلُ اِبنِ سينا الرَئي
سِ وَهوميرُ مِثلُ أَبي الطَيِّبِ
وَكُلُّهُمو حَجَرٌ في البِنا
ءِ وَغَرسٌ مِنَ المُثمِرِ المُعقِبِ
تُؤَلِفُهُم في ظِلالِ الرَخا
ءِ وَفي كَنَفِ النَسَبِ الأَقرَبِ
وَتَكسِرُ فيهِم غُرورَ الثَرا
ءِ وَزَهوَ الوِلادَةِ وَالمَنصِبِ
بُيوتٌ مُنَزَّهَةٌ كَالعَتي
قِ وَإِن لَم تُسَتَّر وَلَم تُحجَبِ
يُداني ثَراها ثَرى مَكَّةٍ
وَيَقرُبُ في الطُهرِ مِن يَثرِبِ
إِذا ما رَأَيتَهُمو عِندَها
يَموجونَ كَالنَحلِ عِندَ الرُبى
رَأَيتَ الحَضارَةَ في حُصنِها
هُناكَ وَفي جُندِها الأَغلَبِ
وَتَعرِضُهُم مَوكِباً مَوكِباً
وَتَسأَلُ عَن عَلَمِ المَوكِبِ
دَعِ الحَظَّ يَطلَع بِهِ في غَدٍ
فَإِنَّكَ لَم تَدرِ مَن يَجتَبي
لَقَد زَيَّنَ الأَرضَ بِالعَبقَرِيِّ
مُحَلّي السَماواتِ بِالكَوكَبِ
وَخَدَّشَ ظُفرُ الزَمانِ الوُجو
هَ وَغَيَّضَ مِن بِشرِها المُعجِبِ
وَغالَ الحَداثَةَ شَرخُ الشَبا
بِ وَلَو شِيَتِ المُردُ في الشُيَّبِ
سَرى الشَيبُ مُتَّئِداً في الرُؤو
سِ سُرى النارِ في المَوضِعِ المُعشِبِ
حَريقٌ أَحاطَ بِخَيطِ الحَيا
ةِ تَعَجَّبتُ كَيفَ عَلَيهِم غَبي
وَمَن تُظهِرِ النارُ في دارِهِ
وَفي زَرعِهِ مِنهُمو يَرعَبِ
قَدِ اِنصَرَفوا بَعدَ عِلمِ الكِتا
بِ لِبابٍ مِنَ العِلمِ لَم يُكتَبِ
حَياةٌ يُغامِرُ فيها اِمرُؤٌ
تَسَلَّحَ بِالنابِ وَالمِخلَبِ
وَصارَ إِلى الفاقَةِ اِبنُ الغَنِيّ
وَلاقى الغِنى وَلَدُ المُترَبِ
وَقَد ذَهَبَ المُمتَلي صِحَّةً
وَصَحَّ السَقيمُ فَلَم يَذهَبِ
وَكَم مُنجِبٍ في تَلَقِّ الدُرو
سِ تَلَقّى الحَياةَ فَلَم يُنجِبِ
وَغابَ الرِفاقُ كَأَن لَم يَكُن
بِهِم لَكَ عَهدٌ وَلَم تَصحَبِ
إِلى أَن فَنوا ثَلَّةً ثَلَّةً
فَناءَ السَرابِ عَلى السَبسَبِ

عبد المجيد

عبد المجيد لقيتَ من
ريب المنية ما سنلقى
في الكأس بعدك فَضلة
كل بكأس الموت يُسقى
والشمس شاربة بها
يوما تضل عليه شرقا
مارستَ كل الحق هل
صادفت غير الموت حقا
النفس في عشق الحياة
ة تموت دون الوصل عشقا
والناس في غمر الشقا
ء على اختلاف العمق غرقى
ليت المنون حكتك في
تصريفها عدلا وفقاً
عِجلت إليك فغيَّبت
زين الشباب نُهى وخلقا
الأرض فوقك مأتم
جيب الفضيلة فيه شُقا
ماذا جنيت على أب
شيخ بدمع ليس يرقا
منَّيته في ذا الشباب
منىً فهلا كنّ صدقا
قد كان يرجو أن تعيش
وكان يأمل أن سترقى
والمرء يسعَد بالبنين
وفيك مُعتَبر ويشقى
من للصغار الذائقين
برغمهم لليتم رقا
ضَعُفُوا كأفراخ الحمام
فمن لهم عطفا وزقا
من للقضاء تركته
جزِعا ضعيف الركن قلقا
يبكي ويستبكي عليـ
ـك المشتِكي والمستحقا
نم حيث ضافك في الثرى
خَلق وحيث تَضيف خلقا
إن التي جاورتها
لم ترع للجيران حقا
عق الخلائق ظهرها
وأظن باطنها أعقا
كل عليها زائل
لا شيء غير الله يبقى

بين الملامة فيكم والهوي الجلل

بين الملامة فيكم والهوى الجلل
لي موقف الدمع بين العذر والعذل
إذا سمعت لقلبي زاد بي كلَفى
وإن سمعت لغير القلب لم أخَل
والحب باللوم كالدنيا لصاحبها
لم يخل من راحة فيها ومن ملل
ودعتكم وفؤادي خافق بيدى
والبين يأخذ من حولي ومن حيلي
وما توهمت قلبي قبل فرقتكم
يهب مثل هبوب الركب والإبل
لما أجبن النوى وكَّلن بي حدقا
بين الشفاعة في الأحباب والسُّؤل
من علَّم العِيس نجوانا ورحمتنا
فأومأت برقاب خُشَّع ذُلُل
ردّوا إلى اليأس مضنى لا حراك به
لعل في اليأس بُرءاً ليس في الأمل
لو تبصرون وقوفى في منازلكم
رأيتم طللا يبكى على طلل
بليت مثل بلاها وارتدت سقمي
كلا الَّلبُوسين فيكم أجمل الحلل
لو كنت لازار أعطِى يوم منبعث
بذلته فوق عمري غير مبتذل
أو كنت يوشع تجرى الشمس طوع يدى
طمعت منكم غداة البين في المهل
أو كنت عيسى أعيد الميت سيرته
أعدت للسقم جسما مات بالعلل
أو كنت موسى يخط اليم لي سبلا
حملتكم في عيون سمحة السبل
مولاى عيدك عيد الناس كلهم
وأنت جامعة الأجناس والملل
وما صنوف الرعايا حافلين به
إلا كبيت برب البيت محتفل
وأنت كالشمس لم يخصص بها أفق
وأنت كالبدر لم يَرهَن على نزل
إن الملوك على الكرسيّ مربعها
وأنت تجلس في الأسماع والمُقَل
حللت من كل نفس في سريرتها
وقمت منها مكان البِشر والجذل
آل الندى لك والأمثال سائرة
ولو تقدمت ما زادت على مثل
إن يسبقوك لفضل أو لمكرمة
فالسبق في الدهر لا في الفضل للأُوَل
وأنت لولا تليد الملك تحرزه
من الشمائل في ملك وفي خول
بلوت في الجاه قوما والغنى نفرا
فما تهيبت كالأخلاق في الرجل
فهن من كل جاه أو غنى بدل
وما لهن إذا أخطأن من بدل
قل للمشارق موتى غير راجعة
ففي الممات شفاء الجهل والكسل
فما تعلاتها والموت مدركها
إلا كما أمن المسلول للأَجل
إن الشعوب إذا ما أدبرت حبست
مالا عن البر أو علما عن العمل
ونام كل نصوح عن مجاهلها
ولو أراد هدى أعيا فلم يقل
شقيت بالشعر في ناس أعوذ بهم
من أن يقول الأعادي شاعر الهمل
وضعت بالحمة الغرّاء في زمني
كما يضيع شعاع الشمس في الوحل
مولاى أحمد هذا لا سمىَّ له
وأنت كل سيوف العصر والدول
لما رأيتك تاج القرن مدّخرا
قلّدتك الماس من مدحي ومن غزلي
وبشرتني المنى فيما تحدثني
بمظهر لسرير النيل مقتبل
وسؤدد لأميري فوق سؤدده
وما المزيد الذي أرجو بمحتمل
وإنما أنا سار في سنا قمر
يقول للبدر في غاياته اكتمل

المشرقان عليك ينتحبان

المَشرِقانِ عَلَيكَ يَنتَحِبانِ
قاصيهُما في مَأتَمٍ وَالداني
يا خادِمَ الإِسلامِ أَجرُ مُجاهِدٍ
في اللَهِ مِن خُلدٍ وَمِن رِضوانِ
لَمّا نُعيتَ إِلى الحِجازِ مَشى الأَسى
في الزائِرينَ وَرُوِّعَ الحَرَمانِ
السِكَّةُ الكُبرى حِيالَ رُباهُما
مَنكوسَةُ الأَعلامِ وَالقُضبانِ
لَم تَألُها عِندَ الشَدائِدِ خِدمَةً
في اللَهِ وَالمُختارِ وَالسُلطانِ
يا لَيتَ مَكَّةَ وَالمَدينَةَ فازَتا
في المَحفِلَينِ بِصَوتِكَ الرَنّانِ
لِيَرى اَلأَواخِرُ يَومَ ذاكَ وَيَسمَعوا
ما غابَ مِن قُسٍّ وَمِن سَحبانِ
جارَ التُرابِ وَأَنتَ أَكرَمُ راحِلٍ
ماذا لَقيتَ مِنَ الوُجودِ الفاني
أَبكي صِباكَ وَلا أُعاتِبُ مَن جَنى
هَذا عَلَيهِ كَرامَةً لِلجاني
يَتَساءَلونَ أَبِالسُلالِ قَضَيتَ أَم
بِالقَلبِ أَم هَل مُتَّ بِالسَرطانِ
اللَهُ يَشهَدُ أَنَّ مَوتَكَ بِالحِجا
وَالجِدِّ وَالإِقدامِ وَالعِرفانِ
إِن كانَ لِلأَخلاقِ رُكنٌ قائِمٌ
في هَذِهِ الدُنيا فَأَنتَ الباني
بِاللَهِ فَتِّش عَن فُؤادِكَ في الثَرى
هَل فيهِ آمالٌ وَفيهِ أَماني
وِجدانُكَ الحَيُّ المُقيمُ عَلى المَدى
وَلَرُبَّ حَيٍّ مَيتِ الوِجدانِ
الناسُ جارٍ في الحَياةِ لِغايَةٍ
وَمُضَلَّلٌ يَجري بِغَيرِ عِنانِ
وَالخُلدُ في الدُنيا وَلَيسَ بِهَيِّنٍ
عُليا المَراتِبِ لَم تُتَح لِجَبانِ
فَلَو أَنَّ رُسلَ اللَهِ قَد جَبَنوا لَما
ماتوا عَلى دينٍ مِنَ الأَديانِ
المَجدُ وَالشَرَفُ الرَفيعُ صَحيفَةٌ
جُعِلَت لَها الأَخلاقُ كَالعُنوانِ
وَأَحَبُّ مِن طولِ الحَياةِ بِذِلَّةٍ
قِصَرٌ يُريكَ تَقاصُرَ الأَقرانِ
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ
إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها
فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني
لِلمَرءِ في الدُنيا وَجَمِّ شُؤونِها
ما شاءَ مِن رِبحٍ وَمِن خُسرانِ
فَهيَ القَضاءُ لِراغِبٍ مُتَصَلِّعٍ
وَهيَ المَضيقُ لِمُؤثِرِ السُلوانِ
الناسُ غادٍ في الشَقاءِ وَرائِحٌ
يَشقى لَهُ الرُحَماءُ وَهوَ الهاني
وَمُنَعَّمٌ لَم يَلقَ إِلّا لَذَّةً
في طَيِّها شَجَنٌ مِنَ الأَشجانِ
فَاِصبِر عَلى نُعمى الحَياةِ وَبُؤسِها
نُعمى الحَياةِ وَبُؤسِها سِيّانِ
يا طاهِرَ الغَدَواتِ وَالرَوحاتِ وَال
خَطَراتِ وَالإِسرارِ وَالإِعلانِ
هَل قامَ قَبلَكَ في المَدائِنِ فاتِحٌ
غازٍ بِغَيرِ مُهَنَّدٍ وَسِنانِ
يَدعو إِلى العِلمِ الشَريفِ وَعِندَهُ
أَنَّ العُلومَ دَعائِمُ العُمرانِ
لَفّوكَ في عَلَمِ البِلادِ مُنَكَّساً
جَزِعَ الهِلالُ عَلى فَتى الفِتيانِ
ما اِحمَرَّ مِن خَجَلٍ وَلا مِن ريبَةٍ
لَكِنَّما يَبكي بِدَمعٍ قاني
يُزجونَ نَعشَكَ في السَناءِ وَفي السَنا
فَكَأَنَّما في نَعشِكَ القَمَرانِ
وَكَأَنَّهُ نَعشُ الحُسَينِ بِكَربُلا
يَختالُ بَينَ بُكاً وَبَينَ حَنانِ
في ذِمَّةِ اللَهِ الكَريمِ وَبِرِّهِ
ما ضَمَّ مِن عُرفٍ وَمِن إِحسانِ
وَمَشى جَلالُ المَوتِ وَهوَ حَقيقَةٌ
وَجَلالُكَ المَصدوقُ يَلتَقِيانِ
شَقَّت لِمَنظَرِكَ الجُيوبَ عَقائِلٌ
وَبَكَتكَ بِالدَمعِ الهَتونِ غَواني
وَالخَلقُ حَولَكَ خاشِعونَ كَعَهدِهِم
إِذ يُنصِتونَ لِخُطبَةٍ وَبَيانِ
يَتَساءَلونَ بِأَيِّ قَلبٍ تُرتَقى
بَعدَ المَنابِرِ أَم بِأَيِّ لِسانِ
لَو أَنَّ أَوطاناً تُصَوَّرُ هَيكَلاً
دَفَنوكَ بَينَ جَوانِحِ الأَوطانِ
أَو كانَ يُحمَلُ في الجَوارِحِ مَيِّتٌ
حَمَلوكَ في الأَسماعِ وَالأَجفانِ
أَو صيعَ مِن غُرِّ الفَضائِلِ وَالعُلا
كَفَنٌ لَبِستَ أَحاسِنَ الأَكفانِ
أَو كانَ لِلذِكرِ الحَكيمِ بَقِيَّةٌ
لَم تَأتِ بَعدُ رُثيتَ في القُرآنِ
وَلَقَد نَظَرتُكَ وَالرَدى بِكَ مُحدِقٌ
وَالداءُ مِلءُ مَعالِمِ الجُثمانِ
يَبغي وَيَطغى وَالطَبيبُ مُضَلَّلٌ
قَنِطٌ وَساعاتُ الرَحيلِ دَواني
وَنَواظِرُ العُوّادِ عَنكَ أَمالَها
دَمعٌ تُعالِجُ كَتمَهُ وَتُعاني
تُملي وَتَكتُبُ وَالمَشاغِلُ جَمَّةٌ
وَيَداكَ في القِرطاسِ تَرتَجِفانِ
فَهَشَشتَ لي حَتّى كَأَنَّكَ عائِدي
وَأَنا الَّذي هَدَّ السَقامُ كِياني
وَرَأَيتُ كَيفَ تَموتُ آسادُ الشَرى
وَعَرَفتُ كَيفَ مَصارِعُ الشُجعانِ
وَوَجَدتُ في ذاكَ الخَيالِ عَزائِماً
ما لِلمَنونِ بِدَكِّهِنَّ يَدانِ
وَجَعَلتَ تَسأَلُني الرِثاءَ فَهاكَهُ
مِن أَدمُعي وَسَرائِري وَجِناني
لَولا مُغالَبَةُ الشُجونِ لِخاطِري
لَنَظَمتُ فيكَ يَتيمَةَ الأَزمانِ
وَأَنا الَّذي أَرثي الشُموسَ إِذا هَوَت
فَتَعودُ سيرَتَها إِلى الدَوَرانِ
قَد كُنتَ تَهتُفُ في الوَرى بِقَصائِدي
وَتُجِلُّ فَوقَ النَيِّراتِ مَكاني
ماذا دَهاني يَومَ بِنتَ فَعَقَّني
فيكَ القَريضُ وَخانَني إِمكاني
هَوِّن عَلَيكَ فَلا شَماتَ بِمَيّتٍ
إِنَّ المَنِيَّةَ غايَةُ الإِنسانِ
مَن لِلحَسودِ بِمَيتَةٍ بُلِّغتَها
عَزَّت عَلى كِسرى أَنوشِروانِ
عوقِبتَ مِن حَرَبِ الحَياةِ وَحَربِها
فَهَل اِستَرَحتَ أَمِ اِستَراحَ الشاني
يا صَبَّ مِصرَ وَيا شَهيدَ غَرامِها
هَذا ثَرى مِصرَ فَنَم بِأَمانِ
اِخلَع عَلى مِصرَ شَبابَكَ عالِياً
وَاِلبِس شَبابَ الحورِ وَالوِلدانِ
فَلَعَلَّ مِصراً مِن شَبابِكَ تَرتَدي
مَجداً تَتيهُ بِهِ عَلى البُلدانِ
فَلَوَ اَنَّ بِالهَرَمَينِ مِن عَزَماتِهِ
بَعضَ المَضاءِ تَحَرَّكَ الهَرَمانِ
عَلَّمتَ شُبّانَ المَدائِنِ وَالقُرى
كَيفَ الحَياةُ تَكونُ في الشُبّانِ
مِصرُ الأَسيفَةُ ريفُها وَصَعيدُها
قَبرٌ أَبَرُّ عَلى عِظامِكَ حاني
أَقسَمتُ أَنَّكَ في التُرابِ طَهارَةٌ
مَلَكٌ يَهابُ سُؤالَهُ المَلَكانِ

الناس للدنيا تبع

الناسُ لِلدُنيا تَبَع
وَلِمَن تُحالِفُهُ شِيَع
لا تَهجَعَنَّ إِلى الزَما
نِ فَقَد يُنَبَّهُ مَن هَجَع
وَاِربَأ بِحِلمِكَ في النَوا
زِلِ أَن يُلِمَّ بِهِ الجَزَع
لا تَخلُ مِن أَمَلٍ إِذا
ذَهَب الزَمانُ فَكَم رَجَع
وَاِنفَع بِوُسعِكَ كُلِّهِ
إِنَّ المُوَفَّقَ مَن نَفَع
مِصرٌ بِنَت لِقَضائِها
رُكناً عَلى النَجمِ اِرتَفَع
فيهِ اِحتَمى اِستِقلالُها
وَبِهِ تَحَصَّنَ وَاِمتَنَع
فَليَهنِها وَليَهنِنا
أَنَّ القَضاءَ بِهِ اِضطَلَع
اللَهُ صانَ رِجالَهُ
مِمّا يُدَنِّسُ أَو يَضَع
ساروا بِسيرَةِ مُنذِرٍ
وَأَبي حَنيفَةَ في الوَرَع
وَكَأَنَّ أَيّامَ القَضا
ءِ جَميعُها بِهِمُ الجُمَع
قُل لِلمُبَرَّإِ مُرقُصٍ
أَنتَ النَقِيُّ مِنَ الطَبَع
هَذا القَضاءُ رَماكَ بِال
يُمنى وَبِاليُسرى نَزَع
هَذا قَضاءُ اللَهِ مُم
تَثَلُ الحُكومَةِ مُتَّبَع
عُد لِلمُحاماةِ الشَري
فَةِ عَودَ مُشتاقٍ وَلِع
وَاِلبَس رِداءَكَ طاهِراً
كَرِداءِ مُرقُصَ في البِيَع
وَاِدفَع عَنِ المَظلومِ وَال
مَحرومِ أَبلَغَ مَن دَفَع
وَاِغفِر لِحاسِدِ نِعمَةٍ
بِالأَمسِ نالَكَ أَو وَقَع
ما في الحَياةِ لِأَن تُعا
تِبَ أَو تُحاسِبَ مُتَّسَع

روعوه فتولي مغضبا

رَوَّعوهُ فَتَوَلّى مُغضَبا
أَعَلِمتُم كَيفَ تَرتاعُ الظِبا
خُلِقَت لاهِيَةً ناعِمَةً
رُبَّما رَوَّعَها مُرُّ الصَبا
لي حَبيبٌ كُلَّما قيلَ لَهُ
صَدَّقَ القَولَ وَزَكّى الرِيَبا
كَذَبَ العُذّالُ فيما زَعَموا
أَمَلي في فاتِني ما كَذَبا
لَو رَأَونا وَالهَوى ثالِثُنا
وَالدُجى يُرخي عَلَينا الحُجُبا
في جِوارِ اللَيلِ في ذِمَّتِهِ
نَذكُرُ الصُبحَ بِأَن لا يَقرُبا
مِلءُ بُردَينا عَفافٌ وَهَوى
حَفظَ الحُسنَ وَصُنتُ الأَدَبا
يا غَزالاً أَهِلَ القَلبُ بِهِ
قَلبِيَ السَفحُ وَأَحنى مَلعَبا
لَكَ ما أَحبَبتَ مِن حَبَّتِهِ
مَنهَلاً عَذباً وَمَرعىً طَيِّبا
هُوَ عِندَ المالِكِ الأَولى بِهِ
كَيفَ أَشكو أَنَّهُ قَد سُلِبا
إِن رَأى أَبقى عَلى مَملوكِهِ
أَو رَأى أَتلَفَهُ وَاِحتَسَبا
لَكَ قَدٌّ سَجَدَ البانُ لَهُ
وَتَمَنَّت لَو أَقَلَّتهُ الرُبى
وَلِحاظٌ مِن مَعاني سِحرِهِ
جَمَعَ الجَفنُ سِهاماً وَظُبى
كانَ عَن هَذا لِقَلبي غُنيَةٌ
ما لِقَلبِيَ وَالهَوى بَعدَ الصِبا
فِطرَتي لا آخُذُ القَلبَ بِها
خُلِقَ الشاعِرُ سَمحاً طَرِبا
لَو جَلَوا حُسنَكَ أَو غَنّوا بِهِ
لِلَبيدٍ في الثَمانينَ صَبا
أَيُّها النَفسُ تَجِدّينَ سُدىً
هَل رَأَيتِ العَيشَ إِلّا لَعِبا
جَرِّبي الدُنيا تَهُن عِندَكِ ما
أَهوَنَ الدُنيا عَلى مَن جَرَّبا
نِلتِ فيما نِلتِ مِن مَظهَرِها
وَمُنِحتِ الخُلدَ ذِكراً وَنَبا

منك يا هاجر دائي

مِنكَ يا هاجِرُ دائي
وَبِكَفَّيكَ دَوائي
يا مُنى روحي وَدُنيا
يَ وَسُؤلي وَرَجائي
أَنتَ إِن شِئتَ نَعيمي
وَإِذا شِئتَ شَقائي
لَيسَ مِن عُمرِيَ يَومٌ
لا تَرى فيهِ لِقائي
وَحَياتي في التَداني
وَمَماتي في التَنائي
نَم عَلى نِسيانِ سُهدي
فيكَ وَاِضحَك مِن بُكائي
كُلُّ ما تَرضاهُ يا مَو
لايَ يَرضاهُ وَلائي
وَكَما تَعلَمُ حُبّي
وَكَما تَدري وَفائي
فيكَ يا راحَةَ روحي
طالَ بِالواشي عَنائي
وَتَوارَيتُ بِدَمعي
عَن عُيونِ الرُقَباءِ
أَنا أَهواكَ وَلا أَر
ضى الهَوى مِن شُرَكائي
غِرتُ حَتّى لَتَرى أَر
ضِيَ غَيرى مِن سَمائي
لَيتَني كُنتُ رِداءً
لَكَ أَو كُنتَ رِدائي
لَيتَني ماؤُكَ في الغُل
لَةِ أَو لَيتَكَ مائي

روعوه فتولي مغضبا

روّعوه فتولى مغضبا
أعلمتم كيف ترتاع الظَّبا
خُلقت لاهية ناعمة
ربما روعها مر الصَّبا
لي حبيب كلما قيل له
صدَّق القول وزكّى الريبا
كذب العذال فيما زعموا
أملي في فاتِنِي ما كذبا
لو رأونا والهوى ثالثنا
والدجى يرخى علينا الحجبا
في جوار الليل في ذمته
نذكر الصبح بأن لا يقربا
ملء بردينا عفاف وهوى
حفِظ الحسن وصنت الأدبا
يا غزالا أهِل القلب به
قلبي السفح وأحنى ملعبا
لك ما أحببت من حبته
منهلا عذبا ومرعى طيبا
هو عند المالك الأولى به
كيف أشكو أنه قد سُلبا
إن رأى أبقى على مملوكه
أو رأى أتلفه واحتسبا
لك قدّ سجد البان له
وتمنت لو أقلّته الربى
ولحاظ من معاني سحره
جمع الجفن سهاما وظبى
كان عن ذا لقلبي غنية
ما لقلبي والهوى بعد الصبا
فطرتي لا آخذ القلب بها
خلق الشاعر سمحا طربا
لو جلوا حسنك أو غنوا به
للبيد في الثمانين صبا
أيها النفس تجدَّين سدى
هل رأيت العيش إلا لعبا
جربي الدنيا تهن عند ما
أهون الدنيا على من جربا
نلتِ في ما نلت من مظهرها
ومنحت الخلد ذكرا ونبا
أنا في دنياى أوآخرتي
شاعر النيل وحسبي لقبا
أرد الكوثر إلا أنني
لا أرى الكوثر منه أعذبا
شرفا صاحب مصر شرفا
فتً في هذا المقام الشهبا
كيفما ئشت تفرد بالعلى
نسبا آنا وآنا حسبا
أنت إن عد خواقين الورى
خيرهم جدّا وأزكاهم أبا
أُنشر العرفان واجمع أمة
مثلت في العالمين العربا
كل يوم آية دلت على
أن للعلم القُوى والغلبا
لو بنوا فوق السهى مملكة
لوجدت العلم فيها الطنبا
سُلّم الناس إلى المجد إذا
طلبوا سلمه والسببا
ربِّ بالهجرة بالداعي لها
بالذي هاجر ممن صحبا
إجعل العام رضا الإسلام أو
بلغ الإِسلام فيه مأربا
وأجِره منعما من أمم
كان رأسا حين كانوا الذنبا
حكموا فيه وفي خيراته
وغدوا أهلا وأمسى اجنبا
يا مراد الدهر من أعوامه
ما أتى من وفدها أو ذهبا
هو ذا العام وذى أيامه
جددا تهدى السعود القشبا
فز بها واحيَى إلى أمثالها
عدد الساعات منها حقبا

مضناك جفاه مرقده

مُضناكَ جَفاهُ مَرقَدُهُ
وَبَكاهُ وَرَحَّمَ عُوَّدُهُ
حَيرانُ القَلبِ مُعَذَّبُهُ
مَقروحُ الجَفنِ مُسَهَّدُهُ
أَودى حَرَفاً إِلّا رَمَقاً
يُبقيهِ عَلَيكَ وَتُنفِدُهُ
يَستَهوي الوُرقَ تَأَوُّهُهُ
وَيُذيبُ الصَخرَ تَنَهُّدُهُ
وَيُناجي النَجمَ وَيُتعِبُهُ
وَيُقيمُ اللَيلَ وَيُقعِدُهُ
وَيُعَلِّمُ كُلَّ مُطَوَّقَةٍ
شَجَناً في الدَوحِ تُرَدِّدُهُ
كَم مَدَّ لِطَيفِكَ مِن شَرَكٍ
وَتَأَدَّبَ لا يَتَصَيَّدُهُ
فَعَساكَ بِغُمضٍ مُسعِفُهُ
وَلَعَلَّ خَيالَكَ مُسعِدُهُ
الحُسنُ حَلَفتُ بِيوسُفِهِ
وَالسورَةِ إِنَّكَ مُفرَدُهُ
قَد وَدَّ جَمالَكَ أَو قَبَساً
حَوراءُ الخُلدِ وَأَمرَدُهُ
وَتَمَنَّت كُلُّ مُقَطَّعَةٍ
يَدَها لَو تُبعَثُ تَشهَدُهُ
جَحَدَت عَيناكَ زَكِيَّ دَمي
أَكَذلِكَ خَدُّكَ يَجحَدُهُ
قَد عَزَّ شُهودي إِذ رَمَتا
فَأَشَرتُ لِخَدِّكَ أُشهِدُهُ
وَهَمَمتُ بِجيدِكِ أَشرَكُهُ
فَأَبى وَاِستَكبَرَ أَصيَدُهُ
وَهَزَزتُ قَوامَكَ أَعطِفُهُ
فَنَبا وَتَمَنَّعَ أَملَدُهُ
سَبَبٌ لِرِضاكَ أُمَهِّدُهُ
ما بالُ الخَصرِ يُعَقِّدُهُ
بَيني في الحُبِّ وَبَينَكَ ما
لا يَقدِرُ واشٍ يُفسِدُهُ
ما بالُ العاذِلِ يَفتَحُ لي
بابَ السُلوانِ وَأوصِدُهُ
وَيَقولُ تَكادُ تُجَنُّ بِهِ
فَأَقولُ وَأوشِكُ أَعبُدُهُ
مَولايَ وَروحي في يَدِهِ
قَد ضَيَّعَها سَلِمَت يَدُهُ
ناقوسُ القَلبِ يَدُقُّ لَهُ
وَحَنايا الأَضلُعِ مَعبَدُهُ
قَسَماً بِثَنايا لُؤلُؤها
قَسَمَ الياقوتُ مُنَضَّدُهُ
وَرُضابٍ يوعَدُ كَوثَرُهُ
مَقتولُ العِشقِ وَمُشهَدُهُ
وَبِخالٍ كادَ يُحَجُّ لَهُ
لَو كانَ يُقَبَّلُ أَسوَدُهُ
وَقَوامٍ يَروي الغُصنُ لَهُ
نَسَباً وَالرُمحُ يُفَنِّدُهُ
وَبِخَصرٍ أَوهَنَ مِن جَلَدي
وَعَوادي الهَجرِ تُبَدِّدُهُ
ما خُنتُ هَواكَ وَلا خَطَرَت
سَلوى بِالقَلبِ تُبَرِّدُهُ