دع ما يضرك والتمس ما ينفع

دع ما يضرك والتمس ما ينفع
واختر لنفسك ما يزين ويرفع
واسمع لقول العقل لا قول الهوى
إن الهوى لضلالة لا تتبع
واجعل شبابك من هواك بمأمن
إن الشباب هو العنان الأطوع
واعلم فقِدما للمالك فتِّحت
بالعلم أبواب السعادة أجمع
إن الشعوب إذا أرادوا نهضة
بذرائع العلم الصحيح تذرّعوا
وانظر بعين في الأمور جلية
لا تُثبت الأشياء عين تدمع
مما أَحب به الرجال بلادهم
أن يحسن الإنسان فيما يصنع
واحفظ على مصر السكينة إنها
روض بأفياء السكينة ممرع
وصن اليدين عن الدماء فإنها
في البغى أوخم ما يكون المرتع
الختل من خلق الذئاب وشهوة
في الرأس يركبها الجبان فيشجع
برىء العباد من الشرائع كلها
إن كان قتل النفس مما يرفع
لا تذكرنّ الحرب أو أهوالها
إلا بقلب خاشع يتوجع
واذرف على القلب الدموع فكلكم
في آدم أهل وآدم يجمع
للخلق صبيان كما لك صبية
ولهم لباس فارقوه ومضجع
واخرج من الحرب العوان بِعبِرة
إن العظات من الحوادث أوقع
إسمع حديث جُناتها وصلاتها
هل كان فيها للديانة موضع
المال باعثها الأثيم ولم تزل
تُردى المطامع ناسهن وتصرع
لما رمت دول المسيح بهولها
مشت اثنتان لها وهبت أربع
يتقاذفون وللكنائس هِزة
ويسوع ينظرو الزكية تسمع
والله يغضب والعناصر تبتلىِ
والسيف يضحك في الدماء ويلمع
نزل البلاء وحل طوفان دم
بالمسلمين سماؤه لا تقلع
كانوا بظل السلم لا بهلالهم
شر يراد ولا حماه مروع
لولا قضاء الله ما خاضوا الوغى
إن القضاء إذا أتى لا يُدفع
تلك العوان على الشديد شديدة
أين السيوف لمثلها والأدرع
ماذا اندفاع المسلمين بموقف
الغالب المنصور فيه مضعضع
حرب على حرب حنانك ربنا
لم يبق منا ما ينال المدفع
لا تأخذن بريئنا بمسيئنا
فالعدل كلٌّ حاصد ما يزرع
يا رب بالرسل الكرام بآلهم
باللوح والكرسى وهو المفزع
أدرك دماء الخلق إن دماءهم
سالت فوجه الأرض منها مترع
سبحت ببحر دمائهم أشلاؤهم
والأرض لا تَروَى ولا هي تشبع
زاد الأرامل واليتامي كثرةً
حتى لقد صعدت إليك الأدمع
يا رب هل تلك القيامة كلها
أم للقيامة بعد ذلك موقع

اصاب المجاهد عقبي الشهيد

أَصابَ المُجاهِدُ عُقبى الشَهيدِ
وَأَلقى عَصاهُ المُضافُ الشَريد
وَأَمسى جَماداً عَدُوُّ الجُمودِ
وَباتَ عَلى القَيدِ خَصمُ القُيود
حَداهُ السِفارُ إِلى مَنزِلٍ
يُلاقي الخَفيفَ عَلَيهِ الوَئيد
فَقَرَّ إِلى موعِدٍ صادِقٍ
مُعِزُّ اليَقينِ مُذِلُّ الجُحود
وَباتَ الحَوارِيُّ مِن صاحِبَيهِ
شَهَيدَينِ أَسرى إِلَيهِم شَهيد
تَسَرَّبَ في مَنكِبَي مُصطَفى
كَأَمسِ وَبَينَ ذِراعَي فَريد
فَيا لَكَ قَبراً أَكَنَّ الكُنوزَ
وَساجَ الحُقوقَ وَحاطَ العُهود
لَقَد غَيَّبوا فيكَ أَمضى السُيوفِ
فَهَل أَنتَ يا قَبرُ أَوفى الغُمود
ثَلاثُ عَقائِدَ في حُفرَةٍ
تَدُكُّ الجِبالَ وَتوهي الحَديد
قَعَدنَ فَكُنَّ الأَساسَ المَتينَ
وَقامَ عَلَيها البِناءُ المَشيد
فَلا تَنسَ أَمسِ وَآلاءَهُ
أَلا إِنَّ أَمسِ أَساسُ الوُجود
وَلَولا البِلى في زَوايا القُبورِ
لَما ظَهَرَت جِدَّةٌ لِلمُهود
وَمَن طَلَبَ الخُلقَ مِن كَنزِهِ
فَإِنَّ العَقيدَةَ كَنزٌ عَتيد
تَعَلَّمَ بِالصَبرِ أَو بِالثَباتِ
جَليدُ الرِجالِ وَغَيرُ الجَليد
طَريدَ السِياسَةِ مُنذُ الشَبابِ
لَقَد آنَ أَن يَستَريحَ الطَريد
لَقيتَ الدَواهِيَ مِن كَيدِها
وَما كَالسِياسَةِ داهٍ يَكيد
حَمَلتَ عَلى النَفسِ ما لا يُطا
قُ وَجاوَزَتِ المُسَتَطاعَ الجُهود
وَقُلِّبتَ في النارِ مِثلَ النُضا
رِ وَغُرِّبتَ مِثلَ الجُمانِ الفَريد
أَتَذكُرُ إِذ أَنتَ تَحتَ اللِواءِ
نَبيهَ المَكانَةِ لِجَمَّ العَديد
إِذا ما تَطَلَّعتَ في الشاطِئَينِ
رَبا الريفُ وَاِفتَنَّ فيكَ الصَعيد
وَهَزَّ النَدِيُّ لَكَ المَنكِبَينِ
وَراحَ الثَرى مِن زِحامٍ يَميد
رَسائِلُ تُذري بِسَجعِ البَديعِ
وَتُنسي رَسائِلَ عَبدِ الحَميد
يَعيها شُيوخُ الحِمى كَالحَديثِ
وَيَحفَظُها النَشءُ حِفظَ النَشيد
فَما بالُها نَكِرَتها الأُمورُ
وَطولُ المَدى وَاِنتِقالُ الجُدود
لَقَد نَسِيَ القَومُ أَمسِ القَريبَ
فَهَل لِأَحاديثِهِ مِن مُعيد
يَقولونَ ما لِأَبي ناصِرٍ
وَلِلتُركِ ما شَأنُهُ وَالهُنود
وَفيمَ تَحَمَّلَ هَمَّ القَريبِ
مِنَ المُسلِمينَ وَهَمَّ البَعيد
فَقُلتُ وَما ضَرَّكُم أَن يَقومَ
مِنَ المُسلِمينَ إِمامٌ رَشيد
أَتَستَكثِرونَ لَهُم واحِداً
وَلّى القَديمُ نَصيرَ الحَديد
سَعى لِيُؤَلِّفَ بَينَ القُلوبِ
فَلَم يَعدُ هَديَ الكِتابِ المَجيد
يَشُدُّ عُرا الدينِ في دارِهِ
وَيَدعو إِلى اللَهِ أَهلَ الجُحود
وَلِلقَومِ حَتّى وَراءَ القِفارِ
دُعاةٌ تُغَنّى وَرُسلٌ تَشيد
جَزى اللَهُ مَلكاً مِنَ المُحسِنين
رَؤوفُ الفُؤادِ رحيمُ الوَريد
كَأَنَّ البَيانَ بِأَيّامِهِ
أَوِ العِلمَ تَحتَ ظِلالِ الرَشيد
يُداوي نَداهُ جِراحَ الكِرامِ
وَيُدرِكُهُم في زَوايا اللُحود
أَجارَ عِيالَكَ مِن دَهرِهِم
وَجامَلَهُم في البَلاءِ الشَديد
تَوَلّى الوَليدَةُ في يُتمِها
وَكَفكَفَ بِالعَطفِ دَمعَ الوَليد
سَلامٌ أَبا ناصِرٍ في التُراب
يُعيرُ التُرابَ رَفيفَ الوُرود
بَعُدتَ وَعَزَّ إِلَيكَ البَريدُ
وَهَل بَينَ حَيٍّ وَمَيتٍ بَريد
أَجَل بَينَنا رُسلُ الذِكرَياتِ
وَماضٍ يُطيفُ وَدَمعٌ يَجود
وَفِكرٌ وَإِن عَقَلَتهُ الحَياةُ
يَظَلُّ بِوادي المَنايا يَرود
أَجَل بَينَنا الخُشُبُ الدائِباتُ
وَإِن كانَ راكِبُها لا يُعود
مَضى الدَهرُ وَهيَ وَراءَ الدُموعِ
قِيامٌ بِمُلكِ الصَحارى قُعود
وَكَم حَمَلَت مِن صَديدٍ يَسيلُ
وَكَم وَضَعَت مِن حِناشٍ وَدود
نَشَدتُكَ بِالمَوتِ إِلّا أَبَنتَ
أَأَنتَ شَقِيٌّ بِهِ أَم سَعيد
وَكَيفَ يُسَمّى الغَريبَ اِمرُؤٌ
نَزيلُ الأُبُوَّةِ ضَيفُ الجُدود
وَكَيفَ يُقالُ لِجارِ الأَوائِ
لِ جارِ الأَواخِرِ ناءٍ وَحيد

سكن الزمان ولانت الاقدار

سَكَنَ الزَمانُ وَلانَتِ الأَقدارُ
وَلِكُلِّ أَمرٍ غايَةٌ وَقَرارُ
أَرخى الأَعِنَّةَ لِلخُطوبِ وَرَدَّها
فَلَكٌ بِكُلِّ فُجاءَةٍ دَوّارُ
يَجري بِأَمرٍ أَو يَدورُ بِضِدِّهِ
لا النَقضُ يُعجِزُهُ وَلا الإِمرارُ
هَل آذَنَتنا الحادِثاتُ بِهُدنَةٍ
وَهَل اِستَجابَ فَسالَمَ المِقدارُ
سُدِلَ السِتارُ وَهَل شَهِدتَ رِوايَةً
لَم يَعتَرِضها في الفُصولِ سِتارُ
وَجَرَت فَما اِستَولَت عَلى الأَمَدِ المُنى
وَعَدَت فَما حَوَتِ المَدى الأَوطارُ
دونَ الجَلاءِ وَدونَ يانِعِ وَردِهِ
خُطُواتُ شَعبٍ في القَتادِ تُسارُ
وَبِناءُ أَخلاقٍ عَلَيهِ مِنَ النُهى
سُوَرٌ وَمِن عِلمِ الزَمانِ إِطارُ
وَحَضارَةٌ مِن مَنطِقِ الوادي لَها
أَصلٌ وَمِن أَدَبِ البِلادِ نِجارُ
أَعمى هَوى الوَطَنِ العَزيزِ عِصابَةٌ
مُستَهتِرينَ إِلى الجَرائِمِ ساروا
يا سوءَ سُنَّتِهِم وَقُبحَ غُلُوِّهِم
إِنَّ العَقائِدَ بِالغُلُوِّ تُضارُ
وَالحَقُّ أَرفَعُ مِلَّةً وَقَضِيَّةً
مِن أَن يَكونَ رَسولُهُ الإِضرارُ
أُخِذَت بِذَنبِهِمُ البِلادُ وَأُمَّةٌ
بِالريفِ ما يَدرونَ ما السِردارُ
في فِتنَةٍ خُلِطَ البَريءُ بِغَيرِهِ
فيها وَلُطِّخَ بِالدَمِ الأَبرارُ
لَقِيَ الرِجالُ الحادِثاتِ بِصَبرِهِم
حَتّى اِنجَلَت غُمَمٌ لَها وَغِمارُ
لانوا لَها في شِدَّةٍ وَصَلابَةٍ
لَينَ الحَديدِ مَشَت عَلَيهِ النارُ
الحَقُّ أَبلَجُ وَالكِنانَةُ حُرَّةٌ
وَالعِزُّ لِلدُستورِ وَالإِكبارُ
الأَمرُ شورى لا يَعيثُ مُسَلَّطٌ
فيهِ وَلا يَطغى بِهِ جَبّارُ
إِنَّ العِنايَةَ لِلبِلادِ تَخَيَّرَت
وَالخَيرُ ما تَقضي وَما تَختارُ
عَهدٌ مِنَ الشورى الظَليلَةِ نُضِّرَت
آصالُهُ وَاِخضَلَّتِ الأَسحارُ
تَجني البِلادُ بِهِ ثِمارَ جُهودِها
وَلِكُلِّ جُهدٍ في الحَياةِ ثِمارُ
بُنيانُ آباءٍ مَشَوا بِسِلاحِهِم
وَبَنينَ لَم يَجِدوا السِلاحَ فَثاروا
فيهِ مِنَ التَلِّ المُدَرَّجِ حائِطٌ
وَمِنَ المَشانِقِ وَالسُجونِ جِدارُ
أَبَتِ التَقَيُّدَ بِالهَوى وَتَقَيَّدَت
بِالحَقِّ أَو بِالواجِبِ الأَحرارُ
في مَجلِسٍ لا مالُ مِصرَ غَنيمَةٌ
فيهِ وَلا سُلطانُ مِصرَ صِغارُ
ما لِلرِجالِ سِوى المَراشِدَ مَنهَجٌ
فيهِ وَلا غَيرَ الصَلاحِ شِعارُ
يَتَعاوَنونَ كَأَهلِ دارٍ زُلزِلَت
حَتّى تَقَرَّ وَتَطمَئِنَّ الدارُ
يُجرونَ بِالرِفقِ الأُمورَ وَفُلكَها
وَالريحُ دونَ الفُلكِ وَالإِعصارُ
وَمَعَ المُجَدِّدِ بِالأَناةِ سَلامَةٌ
وَمَعَ المُجَدِّدِ بِالجِماحِ عِثارُ
الأُمَّةُ اِئتَلَفَت وَرَصَّ بِناءَها
بانٍ زَعامَتُهُ هُدىً وَمَنارُ
أَسَدٌ وَراءَ السِنِّ مَعقودُ الحُبا
يَأبى وَيَغضَبُ لِلشَرى وَيَغارُ
كَهفُ القَضِيَّةِ لا تَنامُ نُيوبُهُ
عَنها وَلا تَتَناعَسُ الأَظفارُ
يَومَ الخَميسِ وَراءَ فَجرِكَ لِلهُدى
صُبحٌ وَلِلحَقِّ المُبينِ نَهارُ
ما أَنتَ إِلّا فارِسِيٌّ لَيلُهُ
عُرسٌ وَصَدرُ نَهارِهِ إِعذارُ
بَكَرَت تُزاحِمُ مِهرَجانِكَ أُمَّةٌ
وَتَلَفَّتَت خَلفَ الزِحامِ دِيارُ
وَرَوى مَواكِبَكَ الزَمانُ لِأَهلِهِ
وَتَنَقَّلَت بِجَلالِها الأَخبارُ
أَقبَلتَ بِالدُستورِ أَبلَجَ زاهِراً
يَفتَنُّ في قَسَماتِهِ النُظّارُ
وَذُؤابَةُ الدُنيا تَرِفُّ حَداثَةً
عَن جانِبَيهِ وَلِلزَمانِ عِذارُ
يَحمي لَفائِفَهُ وَيَحرُسُ مَهدَهُ
شَيخٌ يَذودُ وَفِتيَةٌ أَنصارُ
وَكَأَنَّهُ عيسى الهُدى في مَهدِهِ
وَكَأَنَّ سَعداً يوسُفُ النَجّارُ
التاجُ فُصِّلَ في سَمائِكَ بِالضُحى
مِنكَ الحِلى وَمِنَ الضُحى الأَنوارُ
يَكسو مِنَ الدُستورِ هامَةَ رَبِّهِ
ما لَيسَ يَكسو الفاتِحينَ الغارُ
بِالحَقِّ يَفتَحُ كُلُّ هادٍ مُصلِحٍ
ما لَيسَ يَفتَحُ بِالقَنا المِغوارُ
وَطَني لَدَيكَ وَأَنتَ سَمحٌ مُفضِلٌ
تُنسى الذُنوبُ وَتُذكَرُ الأَعذارُ
تابَ الزَمانُ إِلَيكَ مِن هَفَواتِهِ
بِوَزارَةٍ تُمحى بِها الأَوزارُ

كاني بالحمام اصاب ركني

كأني بالحمام أصاب ركنى
فمال وأى ركن لا يميل
وأدركني ونجم صباى عال
فخَّر النجم وازدوج الأفوال
فلا يغرركما ولدىَّ بعدى
زُها الدنيا ومنظرها الجميل

يمد الدجي في لوعتي ويزيد

يَمُدُّ الدُجى في لَوعَتي وَيَزيدُ
وَيُبدِئُ بَثّي في الهَوى وَيُعيدُ
إِذا طالَ وَاِستَعصى فَما هِيَ لَيلَةٌ
وَلَكِن لَيالٍ ما لَهُنَّ عَديدُ
أَرِقتُ وَعادَتني لِذِكرى أَحِبَّتي
شُجونٌ قِيامٌ بِالضُلوعِ قُعودُ
وَمَن يَحمِلِ الأَشواقَ يَتعَب وَيَختَلِف
عَلَيهِ قَديمٌ في الهَوى وَجَديدُ
لَقيتَ الَّذي لَم يَلقَ قَلبٌ مِنَ الهَوى
لَكَ اللَهُ يا قَلبي أَأَنتَ حَديدُ
وَلَم أَخلُ مِن وَجدٍ عَلَيكَ وَرِقَّةٍ
إِذا حَلَّ غيدٌ أَو تَرَحَّلَ غيدُ
وَرَوضٍ كَما شاءَ المُحِبّونَ ظِلُّهُ
لَهُم وَلِأَسرارِ الغَرامِ مَديدُ
تُظَلِّلُنا وَالطَيرَ في جَنَباتِهِ
غُصونٌ قِيامٌ لِلنَسيمِ سُجودُ
تَميلُ إِلى مُضنى الغَرامِ وَتارَةً
يُعارِضُها مُضنى الصَبا فَتَحيدُ
مَشى في حَواشيها الأَصيلُ فَذُهِّبَت
وَمارَت عَلَيها الحَليُ وَهيَ تَميدُ
وَقامَت لَدَيها الطَيرُ شَتّى فَآنِسٌ
بِأَهلٍ وَمَفقودُ الأَليفِ وَحيدُ
وَباكٍ وَلا دَمعٌ وَشاكٍ وَلا جَوىً
وَجَذلانُ يَشدو في الرُبى وَيُشيدُ
وَذي كَبرَةٍ لَم يُعطَ بِالدَهرِ خِبرَةً
وَعُريانُ كاسٍ تَزدَهيهِ مُهودُ
غَشَيناهُ وَالأَيّامُ تَندى شَبيبَةً
وَيَقطُرُ مِنها العَيشُ وَهوَ رَغيدُ
رَأَت شَفَقاً يَنعى النَهارَ مُضَرَّجاً
فَقُلتُ لَها حَتّى النَهارُ شَهيدُ
فَقالَت وَما بِالطَيرِ قُلتُ سَكينَةٌ
فَما هِيَ مِمّا نَبتَغي وَنَصيدُ
أُحِلَّ لَنا الصَيدانِ يَومَ الهَوى مَهاً
وَيَومَ تُسَلُّ المُرهَفاتُ أُسودُ
يُحَطَّمُ رُمحٌ دونَنا وَمُهَنَّدٌ
وَيَقتُلُنا لَحظٌ وَيَأسِرُ جيدُ
وَنَحكُمُ حَتّى يُقبِلَ الدَهرُ حُكمَنا
وَنَحنُ لِسُلطانِ الغَرامِ عَبيدُ
أَقولُ لِأَيّامِ الصِبا كُلَّما نَأَت
أَما لَكَ يا عَهدَ الشَبابِ مُعيدُ
وَكَيفَ نَأَت وَالأَمسُ آخرُ عَهدِها
لَأَمسُ كَباقي الغابِراتِ عَهيدُ
جَزِعتُ فَراعَتني مِنَ الشَيبِ بَسمَةٌ
كَأَنّي عَلى دَربِ المَشيبِ لَبيدُ
وَمِن عَبَثِ الدُنيا وَما عَبَثَت سُدىً
شَبَبنا وَشِبنا وَالزَمانُ وَليدُ

فار راي القط علي الجدار

فَأرٌ رَأى القِطَّ عَلى الجِدارِ
مُعَذَّباً في أَضيَقِ الحِصارِ
وَالكَلبُ في حالَتِهِ المَعهودَه
مُستَجمِعاً لِلوَثبَةِ المَوعودَه
فَحاوَلَ الفَأرُ اِغتِنامَ الفُرصَه
وَقالَ أَكفي القِطَّ هَذي الغُصَّه
لَعَلَّهُ يَكتُبُ بِالأَمانِ
لي وَلِأَصحابي مِنَ الجيرانِ
فَسارَ لِلكَلبِ عَلى يَدَيهِ
وَمَكَّنَ التُرابَ مِن عَينَيهِ
فَاِشتَغَلَ الراعي عَنِ الجِدارِ
وَنَزَلَ القِطُّ عَلى بِدارِ
مُبتَهِجاً يُفَكِّرُ في وَليمَه
وَفي فَريسَةٍ لَها كَريمَه
يَجعَلُها لِخَطبِهِ عَلامَه
يَذكُرُها فَيَذكُرُ السَلامَه
فَجاءَ ذاكَ الفَأرُ في الأَثناءِ
وَقالَ عاشَ القِطُّ في هَناءِ
رَأَيتَ في الشِدَّةِ مِن إِخلاصي
ما كانَ مِنها سَبَبَ الخَلاصِ
وَقَد أَتَيتُ أَطلُبُ الأَمانا
فَاِمنُن بِهِ لِمَعشَري إِحسانا
فَقالَ حَقّاً هَذِهِ كَرامَه
غَنيمَةٌ وَقَبلَها سَلامَه
يَكفيكَ فَخراً يا كَريمَ الشيمَه
أَنَّكَ فَأرُ الخَطبِ وَالوَليمَه
وَاِنقَضَّ في الحالِ عَلى الضَعيفِ
يَأكُلُهُ بِالمِلحِ وَالرَغيفِ
فَقُلتُ في المَقامِ قَولاً شاعا
مَن حَفِظَ الأَعداءَ يَوماً ضاعا

مجموعة لاحمد

مَجموعَةٌ لِأَحمَدٍ
مُعجِزُه فيها بَهَر
تُعَدُّ في تاريخِها
أَليَقَ ديوانٍ ظَهَر

لحظها لحظها رويدا رويدا

لحظها لحظها رويدا رويدا
كم إلى كم تكيد للروح كيدا
هذه مصر جاءها الدهر يسعى
وهو يا طالما جفاها وصدّا
ليس للدهر من وفاء ولكن
هاب فيها العباس أن يستبدّا
صاحب النيل في البرية إيه
حرّر النيل للبرية وردا
وارفع الصوت إن عصرك حر
لن يرى من سماع صوتك بدّا
إنما الملك أن تكون بلاد
وتصيب البلاد بالملك مجدا
فتول الذي سننت ونجِّح
لرعاياك في المعارف قصدا
ومر العلم أن يزور بلادا
عهدتها له الخلائق مهدا
واقدح الكهرباء فيه لتهدى
وأقمها على البخار لتندى
وأجلُ بأس الحديد فيها وجدّد
عهد بنّائها الذي كان عهدا
وأدع سودانها إليك يلبى
إنه كان للأعزة عبدا
حسبه حسبه كفاه كفاه
ما يراه العزيز عظما وجلدا
قل لراج أن يسترق يراعى
أنا لا أشترى بذا التاج قيدا
نومة السيف قد تكون حياة
ورأيت اليراع إن نام أردى

اعطي العهود واقسم الاقساما

أعطى العهود وأقسم الأقساما
أن لا يطول مقامه فأقاما
خمسون عاما في البلاد يسوقها
بالعنف عاما والهوادة عاما
مستعمر جعل الخلاف ذريعة
ليهز رمحا أو يسل حساما
لما أتى الوادي وعبّاً جيشه
وجد الرعية والرعاة نياما
ومشى يقلَّب في المعسكر عينه
فيرى الصفوف ولا يحس إماما
قد أقبل التاريخ في محرابه
بجزى الرجال وينطق الأحكاما
اليوم يُتَّهم الأبوة في البلى
ويُناقشون جماجما وعظما
رفقا على الآباء إن لهم غدا
يوما ينسِّى حرّه الأياما
يُجزّون فيه عن التقاطع بينهم
إن انشقاق الأهل كان حراما
وعن الوثوب جماعة بجماعة
يتنازعون ولاية وحطاما
حتى أنت سفن المغير وخيله
فترّقوا في الضفتين نعاما
يا أيها الجيل الذي يبنى غدا
كن في بنائك حازما مقداما
واجعل أداتك في البناء محبة
وتعاونا وتآلفا ووثاما
وإذا بنيت الملك فآبن حقيقة
لا تبن أوهاما ولا أحلاما
وانظر إلى الماضى فإن المهتدى
من يجعل الماضي هدى وزماما

عرضوا الامان علي الخواطر

عَرَضوا الأَمانَ عَلى الخَواطِر
وَاِستَعرَضوا السُمرَ الخَواطِر
فَوَقَفتُ في حَذَرٍ وَيَأ
بى القَلبُ إِلّا أَن يُخاطِر
يا قَلبُ شَأنَكَ وَالهَوى
هَذي الغُصونُ وَأَنتَ طائِر
إِنَّ الَّتي صادَتكَ تَس
عى بِالقُلوبِ لَها النَواظِر
يا ثَغرَها أَمسَيتُ كَال
غَوّاصِ أَحلُمُ بِالجَواهِر
يا لَحظَها مَن أُمُّها
أَو مَن أَبوها في الجَآذِر
يا شَعرَها لا تَسعَ في
هَتكي فَشَأنُ اللَيلِ ساتِر
يا قَدَّها حَتّامَ تَغ
دو عاذِلاً وَتَروحُ جائِر
وَبِأَيِّ ذَنبٍ قَد طَعَن
تَ حَشايَ يا قَدَّ الكَبائِر