ما جل فيهم عيدك المأثور

ما جَلَّ فيهِم عيدُكَ المَأثورُ
إِلّا وَأَنتَ أَجَلُّ يا فِكتورُ
ذَكَروكَ بِالمِئَةِ السِنينَ وَإِنَّها
عُمرٌ لِمِثلِكَ في النُجومِ قَصيرُ
سَتدومُ ما دامَ البَيانُ وَما اِرتَقَت
لِلعالَمينَ مَدارِكٌ وَشُعورُ
وَلَئِن حُجِبتَ فَأَنتَ في نَظَرِ الوَرى
كَالنَجمِ لَم يُرَ مِنهُ إِلّا النورُ
لَولا التُقى لَفَتَحتُ قَبرَكَ لِلمَلا
وَسَأَلتُ أَينَ السَيِّدَ المَقبورُ
وَلَقُلتُ يا قَومُ اُنظُروا اِنجيلَكُم
هَل فيهِ مِن قَلَمِ الفَقيدِ سُطورُ
مَن بَعدَهُ مَلَكَ البَيانَ فَعِندَكُم
تاجٌ فَقَدتُم رَبَّهُ وَسَريرُ
ماتَ القَريضُ بِمَوتِ هوجو وَاِنقَضى
مُلكُ البَيانِ فَأَنتُمُ جُمهورُ
ماذا يَزيدُ العيدُ في إِجلالِهِ
وَجَلالُهُ بِيَراعِهِ مَسطورِ
فَقَدَت وُجوهَ الكائِناتِ مُصَوِّراً
نَزَلَ الكَلامُ عَلَيهِ وَالتَصويرُ
كُشِفَ الغَطاءُ لَهُ فَكُلُّ عِبارَةٍ
في طَيِّها لِلقارِئينَ ضَميرُ
لَم يُعيِهِ لَفظٌ وَلا مَعنىً وَلا
غَرَضٌ وَلا نَظمٌ وَلا مَنثورُ
مُسلي الحَزينِ يَفُكُّهُ مِن حُزنِهِ
وَيَرُدُّهُ لِلَّهِ وَهوَ قَريرُ
ثَأَرَ المُلوكُ وَظَلَّ عِندَ إِبائِهِ
يَرجو وَيَأمَلُ عَفوَهُ المَثؤورُ
وَأَعارَ واتِرلو جَلالَ يَراعِهِ
فَجَلالُ ذاكَ السَيفِ عَنهُ قَصيرُ
يا أَيُّها البَحرُ الَّذي عَمَّرَ الثَرى
وَمِنَ الثَرى حُفَرٌ لَهُ وَقُبورُ
أَنتَ الحَقيقَةُ إِن تَحَجَّبَ شَخصُها
فَلَها عَلى مَرِّ الزَمانِ ظُهورُ
اِرفَع حِدادَ العالَمينَ وَعُد لَهُم
كَيما يُعَيِّدَ بائِسٌ وَفَقيرُ
وَاِنظُر إِلى البُؤَساءِ نَظرَةَ راحِمٍ
قَد كانَ يُسعَدُ جَمعَهُم وَيُجيرُ
الحالُ باقِيَةٌ كَما صَوَّرتَها
مِن عَهدِ آدَمَ ما بِها تَغييرُ
البُؤسُ وَالنُعمى عَلى حالَيهِما
وَالحَظُّ يَعدِلُ تارَةً وَيَجورُ
وَمِنَ القَوِيِّ عَلى الضَعيفِ مُسَيطِرٌ
وَمِنَ الغَنِيِّ عَلى الفَقيرِ أَميرُ
وَالنَفسُ عاكِفَةٌ عَلى شَهَواتِها
تَأوي إِلى أَحقادِها وَتَثورُ
وَالعَيشُ آمالٌ تَجِدُّ وَتَنقَضي
وَالمَوتُ أَصدَقُ وَالحَياةُ غُرورُ

كنيسة صارت إلى مسجد

كَنيسَةٌ صارَت إِلى مَسجِدِ
هَدِيَّةُ السَيِّدِ لِلسَيِّدِ
كانَت لِعيسى حَرَماً فَاِنتَهَت
بِنُصرَةِ الروحِ إِلى أَحمَدِ
شَيَّدَها الرومُ وَأَقيالُهُمُ
عَلى مِثالِ الهَرَمِ المُخلَدِ
تُنبِئُ عَن عِزٍّ وَعَن صَولَةٍ
وَعَن هَوىً لِلدينِ لَم يَخمُدِ
مَجامِرُ الياقوتِ في صَحنِها
تَملُؤُهُ مِن نَدِّها الموقَدِ
وَمِثلُ ما قَد أودِعَت مِن حُلىً
لَم تَتَّخِذ داراً وَلَم تُحشَدِ
كانَت بِها العَذراءُ مِن فَضَّةٍ
وَكانَ روحُ اللَهِ مِن عَسجَدِ
عيسى مِنَ الأُمِّ لَدى هالَةٍ
وَالأُمُّ مِن عيسى لَدى فَرقَدِ
جَلّاهُما فيها وَحَلّاهُما
مُصَوِّرُ الرومِ القَديرُ اليَدِ
وَأَودَعَ الجُدرانَ مِن نَقشِهِ
بَدائِعاً مِن فَنِّهِ المُفرَدِ
فَمِن مَلاكٍ في الدُجى رائِحٍ
عِندَ مَلاكٍ في الضُحى مُغتَدي
وَمِن نَباتٍ عاشَ كَالبَبَّغا
وَهوَ عَلى الحائِطِ غَضٌّ نَدي
فَقُل لِمَن شادَ فَهَدَّ القُوى
قُوى الأَجيرِ المُتعَبِ المُجهَدِ
كَأَنَّهُ فِرعَونُ لَمّا بَنى
لِرَبِّهِ بَيتاً فَلَم يَقصِدِ
أَيُعبَدُ اللَهُ بِسَومِ الوَرى
ما لا يُسامُ العَيرُ في المِقوَدِ
كَنيسَةٌ كَالفَدَنِ المُعتَلي
وَمَسجِدٌ كَالقَصرِ مِن أَصيَدِ
وَاللَهُ عَن هَذا وَذا في غِنىً
لَو يَعقِلُ الإِنسانُ أَو يَهتَدي
قَد جاءَها الفاتِحُ في عُصبَةٍ
مِنَ الأُسودِ الرُكَّعِ السُجَّدِ
رَمى بِهِم بُنيانَها مِثلَما
يَصطَدِمُ الجَلمَدُ بِالجَلمَدِ
فَكَبَّروا فيها وَصَلّى العِدا
وَاِختَلَطَ المَشهَدُ بِالمَشهَدِ
وَما تَوانى الرومُ يَفدونَها
وَالسَيفُ في المُفدِيِّ وَالمُفتَدي
فَخانَها مِن قَيصَرٍ سَعدُهُ
وَأُيِّدَت بِالقَيصَرِ الأَسعَدِ
بِفاتِحٍ غازٍ عَفيفِ القَنا
لا يَحمِلُ الحِقدَ وَلا يَعتَدي
أَجارَ مَن أَلقى مَقاليدَهُ
مِنهُم وَأَصفى الأَمنَ لِلمُرتَدي
وَنابَ عَمّا كانَ مِن زُخرُفٍ
جَلالَةُ المَعبودِ في المَعبَدِ
فَيا لِثَأرٍ بَينَنا بَعدَهُ
أَقامَ لَم يَقرُب وَلَم يَبعُدِ
باقٍ كَثَأرِ القُدسِ مِن قَبلِهِ
لا نَنتَهي مِنهُ وَلا يَبتَدي
فَلا يَغُرَّنكَ سُكونُ المَلا
فَالشَرُّ حَولَ الصارِمِ المُغمَدِ
لَن يَترُكَ الرومُ عِباداتِهِم
أَو يَنزِلَ التُركُ عَنِ السُؤدَدِ
هَذا لَهُم بَيتٌ عَلى بَيتِهِم
ما أَشبَهَ المَسجِدَ بِالمَسجِدِ
فَإِن يُعادوا في مَفاتيحِهِ
فَيا لِيَومٍ لِلوَرى أَسوَدِ
يَشيبُ فيهِ الطِفلُ في مَهدِهِ
وَيُزعَجُ المَيتُ مِنَ الَمرقَدِ
فَكُن لَنا اللَهُمَّ في أَمسِنا
وَكُن لَنا اليَومَ وَكُن في غَدِ
لَولا ضَلالٌ سابِقٌ لَم يَقُم
مِن أَجلِكَ الخَلقُ وَلَم يَقعُدِ
فَكُلُّ شَرٍّ بَينَهُم أَو أَذى
أَنتَ بَراءٌ مِنهُ طُهرُ اليَدِ

قد سمع الثعلب أهل القرى

قَد سَمِعَ الثَعلَبُ أَهلَ القُرى
يَدعونَ مُحتالاً بِيا ثَعلَبُ
فَقالَ حَقّاً هَذِهِ غايَةٌ
في الفَخرِ لا تُؤتى وَلا تُطلَبُ
مَن في النُهى مِثلِيَ حَتّى الوَرى
أَصبَحتُ فيهِم مَثَلاً يُضرَبُ
ما ضَرَّ لَو وافَيتُهُم زائِراً
أُريهُمُ فَوقَ الَّذي اِستَغرَبوا
لَعَلَّهُم يُحيونَ لي زينَةً
يَحضُرُها الديكُ أَوِ الأَرنَبُ
وَقَصَدَ القَومَ وَحَيّاهُمُ
وَقامَ فيما بَينَهُم يَخطُبُ
فَأُخِذَ الزائِرُ مِن أُذنِهِ
وَأُعطِيَ الكَلبَ بِهِ يَلعَبُ
فَلا تَثِق يَوماً بِذي حيلَةٍ
إِذ رُبَّما يَنخَدِعُ الثَعلَبُ

لام فيكم عذوله وأطالا

لامَ فيكُم عَذولُهُ وَأَطالا
كَم إِلى كَم يُعالِجُ العُذّالا
كُلَّ يَومٍ لَهُم أَحاديثُ لَومٍ
بَدَأَت راحَةً وَعادَت مَلالا
بَعَثتُ ذِكرَكُم فَجاءَت خِفافاً
وَاِقتَضَت هَجرَكُم فَراحَت ثِقالا
أَيُّها المُنكِرُ الغَرامَ عَلَينا
حَسبُكَ اللَهُ قَد جَحَدتَ الجَمالا
آيَةُ الحُسنِ لِلقُلوبِ تَجَلَّت
كَيفَ لا تَعشَقُ العُيونُ اِمتِثالا
لَكَ نُصحي وَما عَلَيكَ جِدالي
آفَةُ النُصحِ أَن يَكونَ جِدالا
وَهَبِ الرُشدَ أَنَّني أَنا أَسلو
ما مِنَ العَقلِ أَن تَرومَ مُحالا

مفسر آي الله بالأمس بيننا

مُفَسِّرَ آيِّ اللَهِ بِالأَمسِ بَينَنا
قُمِ اليَومَ فَسِّر لِلوَرى آيَةَ المَوتِ
رُحِمتَ مَصيرُ العالَمينَ كَما تَرى
وَكُلُّ هَناءٍ أَو عَزاءٍ إِلى فَوتِ
هُوَ الدَهرُ ميلادٌ فَشُغلٌ فَمَأتَمٌ
فَذِكرٌ كَما أَبقى الصَدى ذاهِبَ الصَوتِ

أمس انقضى واليوم مرقاة الغد

أَمسِ اِنقَضى وَاليَومُ مَرقاةُ الغَدِ
إِسكَندَرِيَّةُ آنَ أَن تَتَجَدَّدي
يا غُرَّةَ الوادي وَسُدَّةَ بابِهِ
رُدّي مَكانَكَ في البَرِيَّةِ يُردَدِ
فيضي كَأَمسِ عَلى العُلومِ مِنَ النُهى
وَعَلى الفُنونِ مِنَ الجَمالِ السَرمَدي
وَسِمي النَبالَةَ بِالمَلاحِمِ تَتَّسِم
وَسِمى الصَبابَةَ بِالعَواطِفِ تَخلُدِ
وَضَعي رِواياتِ الخَلاعَةِ وَالهَوى
لِمُمَثِّلينَ مِنَ العُصورِ وَشُهَّدِ
لا تَجعَلي حُبَّ القَديمِ وَذِكرَهُ
حَسَراتِ مِضياعٍ وَدَفعَ مُبَدَّدِ
إِنَّ القَديمَ ذَخيرَةٌ مِن صالِحٍ
تَبني المُقَصِّرَ أَو تَحُثُّ المُقتَدي
لا تَفتِنَنكِ حَضارَةٌ مَجلوبَةٌ
لَم يُبنَ حائِطُها بِمالِكِ وَاليَدِ
لَو مالَ عَنكِ شِراعُها وَبُخارُها
لَم يَبقَ غَيرُ الصَيدِ وَالمُتَصَيِّدِ
وُجِدَت وَكانَ لِغَيرِ أَهلِكِ أَرضُها
وَسَماؤُها وَكَأَنَّها لَم توجَدِ
جاري النَزيلَ وَسابِقيهِ إِلى الغِنى
وَإِلى الحِجا وَإِلى العُلا وَالسُؤدُدِ
وَاِبني كَما يَبنى المَعاهِدَ وَاِشرِعي
لِشَبابِكِ العِرفانَ عَذبَ المَورِدِ
إِنّي حَذِرتُ عَلَيكَ مِن أُمِّيَّةٍ
رَبَضَت كَجُنحِ الغَيهَبِ المُتَلَبِّدِ
أَخِزانَةَ الوادي عَلَيكِ تَحِيَّةٌ
وَعَلى النَدِيِّ وَكُلِّ أَبلَجَ في النَدي
ما أَنتِ إِلّا مِن خَزائِنِ يوسُفٍ
بِالقَصدِ موحِيَةٌ لِمَن لَم يَقصِدِ
قُلِّدتِ مِن مالِ البِلادِ أَمانَةً
يا طالَما اِفتَقَرَت إِلى المُتَقَلِّدِ
وَبَلَغتِ مِن إيمانِها وَرَجائِها
ما يَبلُغُ المِحرابُ مِن مُتَعَبِّدِ
فَلَوَ اَنَّ أَستارَ الجَلالِ سَعَت إِلى
غَيرِ العَتيقِ لَبِستِ مِمّا يَرتَدي
إِنّا نُعَظِّمُ فيكِ أَلوِيَةً عَلى
جَنَباتِها حَشدٌ يَروحُ وَيَغتَدي
وَإِذا طَعِمتَ مِنَ الخَلِيَّةِ شَهدَها
فَاِشهَد لِقائِدِها وَلِلمُتَجَنِّدِ
لا تَمنَحِ المَحبوبَ شُكرَكَ كُلَّهُ
وَاِقرِن بِهِ شُكرَ الأَجيرِ المُجهَدِ
إِسكَندَرِيَّةُ شُرِّفَت بِعِصابَةٍ
بيضِ الأَسِرَّةِ وَالصَحيفَةِ وَاليَدِ
خَدَموا حِمى الوَطَنِ العَزيزِ فَبورِكوا
خَدَماً وَبورِكَ في الحِمى مِن سَيِّدِ
ما بالُ ذاكَ الكوخِ صَرَّحَ وَاِنجَلى
عَن حائِطَي صَرحٍ أَشَمَّ مُمَرَّدِ
مِن كَسرِ بَيتٍ أَو جِدارِ سَقيفَةٍ
رَفَعَ الثَباتُ بِنايَةً كَالفَرقَدِ
فَإِذا طَلَعتَ عَلى جَلالَةِ رُكنِها
قُل تِلكَ إِحدى مُعجِزاتِ مُحَمَّدِ

أبني أباظة إن رافع بيتكم

أبني أباظة إن رافع بيتكم
جعل المكارم فيه والأحسابا
جاء الكرام بكم فيما قصرتمو
عن والد وولدتمو الأنجابا
جربت ودّ شبابكم وكهولكم
فوجدت شيبا عليَة وشبابا
اختالت الشرقية الكبرى بكم
وجلت فتاكم في البيان شهابا
لَسِنٌ إذا صعد المنابر أو نضا
قلما شأى الخطباء والكتابا
وتراه أرفع أن يقول دنّية
يوم الخصومة أو يخط سبابا
لا يخدم الأمم الرجال إذا همو
لم يخدموا الأخلاق والآدابا
فكرى أذقت اليوم عفو بلاغة
وزففت محضا للنهى ولبابا
من كل فاكهة وكل فكاهة
هيأت نحلا واتخذت شرابا
ما زلت تنثر كل طيبة الشذى
حتى جمعت من الزهور كتابا
فأتى ألذ من الربيع وعهده
فضلا وأمتع في البدائع بابا
تلك الرسائل لو شكوت بها الهوى
عطفت على أهل الهوى الأحبابا
عاتبت فيها الحادثات بحكمة
حتى لكدت تلينهن عتابا
ولو استطعت شفيت من أضغانها
شِيَعَ الرجال بمصر والأحزابا

اخترت يوم الهول يوم وداع

اِختَرتَ يَومَ الهَولِ يَومَ وَداعِ
وَنَعاكَ في عَصفِ الرِياحِ الناعي
هَتَفَ النُعاةُ ضُحىً فَأَوصَدَ دونَهُم
جُرحُ الرَئيسِ مَنافِذَ الأَسماعِ
مَن ماتَ في فَزَعِ القِيامَةِ لَم يَجِد
قَدَماً تُشَيِّعُ أَو حَفاوَةَ ساعي
ما ضَرَّ لَو صَبَرَت رِكابُكَ ساعَةً
كَيفَ الوُقوفُ إِذا أَهابَ الداعي
خَلِّ الجَنائِزَ عَنكَ لا تَحفِل بِها
لَيسَ الغُرورُ لِمَيِّتٍ بِمَتاعِ
سِر في لِواءِ العَبقَرِيَّةِ وَاِنتَظِم
شَتّى المَواكِبِ فيهِ وَالأَتباعِ
وَاِصعَدَ سَماءَ الذِكرِ مِن أَسبابِها
وَاِظهَر بِفَضلٍ كَالنَهارِ مُذاعِ
فُجِعَ البَيانُ وَأَهلُهُ بِمُصَوِّرٍ
لَبِقٍ بِوَشيِ المُمتِعاتِ صَناعِ
مَرموقِ أَسبابِ الشَبابِ وَإِن بَدَت
لِلشَيبِ في الفَودِ الأَحَمِّ رَواعي
تَتَخَيَّلُ المَنظومَ في مَنثورِهِ
فَتَراهُ تَحتَ رَوائِعِ الأَسجاعِ
لَم يَجحَدِ الفُصحى وَلَم يَهجُم عَلى
أُسلوبِها أَو يُزرِ بِالأَوضاعِ
لَكِن جَرى وَالعَصرَ في مِضمارِها
شَوطاً فَأَحرَزَ غايَةَ الإِبداعِ
حُرُّ البَيانِ قَديمُهُ وَجَديدُهُ
كَالشَمسِ جِدَّةَ رُقعَةٍ وَشُعاعِ
يونانُ لَو بيعَت بِهوميرٍ لَما
خَسِرَت لَعَمرُكَ صَفقَةُ المُبتاعِ
يا مُرسِلَ النَظَراتِ في الدُنيا وَما
فيها عَلى ضَجَرٍ وَضيقِ ذِراعِ
وَمُرَقرِقَ العَبَراتِ تَجري رِقَّةً
لِلعالَمِ الباكي مِنَ الأَوجاعِ
مَن ضاقَ بِالدُنيا فَلَيسَ حَكيمَها
إِنَّ الحَكيمَ بِها رَحيبُ الباعِ
هِيَ وَالزَمانُ بِأَرضِهِ وَسَمائِهِ
في لُجَّةِ الأَقدارِ نِضوُ شِراعِ
مَن شَذَّ ناداهُ إِلَيهِ فَرَدَّهُ
قَدَرٌ كَراعٍ سائِقٍ بِقِطاعِ
ما خَلفُهُ إِلّا مَقودٌ طائِعٌ
مُتَلَفِّتٌ عَن كِبرِياءِ مُطاعِ
جَبّارُ ذِهنٍ أَو شَديدُ شَكيمَةٍ
يَمضي مُضِيَّ العاجِزِ المُنصاعِ
مَن شَوَّهَ الدُنيا إِلَيكَ فَلَم تَجِد
في المُلكِ غَيرَ مُعَذَّبينَ جِياعِ
أَبِكُلِّ عَينٍ فيهِ أَو وَجهٍ تَرى
لَمَحاتِ دَمعٍ أَو رُسومِ دِماعِ
ما هَكَذا الدُنيا وَلَكِن نُقلَةٌ
دَمعُ القَريرِ وَعَبرَةُ المُلتاعِ
لا الفَقرُ بِالعَبَراتِ خُصَّ وَلا الغِنى
غِيَرُ الحَياةِ لَهُنَّ حُكمُ مَشاعِ
ما زالَ في الكوخِ الوَضيعِ بَواعِثٌ
مِنها وَفي القَصرِ الرَفيعِ دَواعي
في القَفرِ حَيّاتٌ يُسَيِّبُها بِهِ
حاوي القَضاءِ وَفي الرِياضِ أَفاعي
وَلَرُبَّ بُؤسٍ في الحَياةِ مُقَنَّعٍ
أَربى عَلى بُؤسٍ بِغَيرِ قِناعِ
يا مُصطَفى البُلَغاءِ أَيَّ يَراعَةٍ
فَقَدوا وَأَيَّ مُعَلِّمٍ بِيَراعِ
اليَومَ أَبصَرتَ الحَياةَ فَقُل لَنا
ماذا وَراءَ سَرابِها اللَمّاعِ
وَصِفِ المَنونَ فَكَم قَعَدتَ تَرى لَها
شَبَحاً بِكُلِّ قَرارَةٍ وَيَفاعِ
سَكَنَ الأَحِبَّةُ وَالعِدى وَفَرَغتَ مِن
حِقدِ الخُصومِ وَمِن هَوى الأَشياعِ
كَم غارَةٍ شَنّوا عَلَيكَ دَفَعتَها
تَصِلُ الجُهودَ فَكُنَّ خَيرَ دِفاعِ
وَالجُهدُ موتٍ في الحَياةِ ثِمارَهُ
وَالجُهدُ بَعدَ المَوتِ غَيرُ مُضاعِ
فَإِذا مَضى الجيلُ المِراضُ صُدورُهُ
وَأَتى السَليمُ جَوانِبَ الأَضلاعِ
فَاِفزَع إِلى الزَمَنِ الحَكيمِ فَعِندَهُ
نَقدٌ تَنَزَّهَ عَن هَوىً وَنِزاعِ
فَإِذا قَضى لَكَ أُبتَ مِن شُمِّ العُلا
بِثَنِيَّةٍ بَعُدَت عَلى الطَلّاعِ
وَأَجَلُّ ما فَوقَ التُرابِ وَتَحتَهُ
قَلَمٌ عَلَيهِ جَلالَةُ الإِجماعِ
تِلكَ الأَنامِلُ نامَ عَنهُنَّ البِلى
عُطِّلنَ مِن قَلَمٍ أَشَمَّ شُجاعِ
وَالجُبنُ في قَلَمِ البَليغِ نَظيرُهُ
في السَيفِ مَنقَصَةٌ وَسوءُ سَماعِ

ملك السماء بهرت في الأنوار

مَلِكَ السَماءِ بَهَرتَ في الأَنوارِ
فَفَداك كُلُّ مُتَوَّجٍ مِن ساري
لَمّا طَلَعتَ عَلى المِياهِ تُنيرُها
سَكَنَت وَقَد كانَت بِغَيرِ قَرارِ
وَزَهَت لِناظِرِها السَماءُ وَقَرَّ ما
في البَحرِ مِن عُبُبٍ وَمِن تَيّارِ
وَأَهَلَّ لِلَّهِ السُراةُ وَأَزلَفوا
لَكَ في الكَمالِ تَحِيَّةَ الإِكبارِ
وَتَأَمَّلوكَ فَكُلُّ جارِحَةٍ لَهُم
عَينٌ تُسامِرُ نورَها وَتُساري
وَالبَدرُ مِنكَ عَلى العَوالِمِ يَجتَلي
بِشرَ الوُجوهِ وَزَحمَةِ الأَبصارِ
مُتَقَدِّمٌ في النورِ مَحجوبٌ بِهِ
موفٍ على الآفاقِ بِالأَسفارِ
يا دُرَّةَ الغَوّاصِ أَخرَجَ ظافِراً
يُمناهُ يَجلوها عَلى النُظّارِ
مُتَهَلِّلاً في الماءِ أَبدى نِصفَهُ
يَسمو بِها وَالنِصفُ كاسٍ عارِ
وافى بِكَ الأُفُقُ السَماءَ فَأَسفَرَت
عَن قُفلِ ماسٍ في سِوارِ نُضارِ
وَنَهَضتَ يَزهو الكَونُ مِنكَ بِمَنظَرٍ
ضاحٍ وَيَحمُلُ مِنكَ تاجَ فَخارِ
الماءُ وَالآفاقُ حَولَكَ فِضَّةٌ
وَالشُهبُ دينارٌ لَدى دينارِ
وَالفُلكُ مُشرِقَةُ الجَوانِبِ في الدُجى
يَبدو لَها ذَيلٌ مِنَ الأَنوارِ
بَينا تَخَطَّرُ في لُجَينٍ مائِجٍ
إِذ تَنثَني في عَسجَدٍ زَخّارِ
وَكَأَنَّها وَالمَوجُ مُنتَظِمٌ وَقَد
أَوفَيتَ ثُمَّ دَنَوتَ كَالمُختارِ
غَيداءُ لاهِيَةٌ تَخُطُّ لِأَغيَدٍ
شِعراً لِيَقرَأَهُ وَأَنتَ القاري
فَليَهنِ بَدرَ الأَرضِ أَنَّكَ صِنوُهُ
وَنَظيرُهُ قُرباً وَبُعدَ مَزارِ
وَحَلاكُما ما البَدرُ إِلّا أَنتُما
وَسِواكُما قَمَرٌ مِنَ الأَقمارِ
أَنتَ الكَريمُ عَلى الوُجودِ بِوَجهِهِ
وَهيَ الضَنينَةُ بِالخَيالِ الساري
هَيفاءُ أَهواها وَأَعشَقُ ذِكرَها
لَكِن أُداري وَالمُحِبُّ يُداري
لي في الهَوى سِرٌّ أَبيتُ أَصونُهُ
وَاللَهُ مُطَّلِعٌ عَلى الأَسرارِ