سل الليل عن أفلاكه هل جرت سدى

سل الليل عن أفلاكه هل جرت سدى
وهيهات ما يجرين إلا إلى مدى
تنظَّمن في هام الفضاء وصدره
وحلينه فرقا وزنّ المقلدا
ولحنٌ به للقارئين قصيدة
من الحكمة العلياء لم ترض منشدا
تسيل بها نورا خلال كتابه
وتجرى حواشيه لجينا وعسجدا
سماءَ الدجى حركت ساكن خاطري
فهيجي بنات الشعر فيه لتسعِدا
تبدّدت الظلماء والشهب قبلها
وشمل همومي ما يريد تبدّدا
فيا ندمائي الظلماء والشهب قبلها
أرى الجام مهتزا بها متوقدا
ولا تشفقوا بي من ضلال فإنما
إلى ضِلتي في شربها ينتهى الهدى
لقد نهلت كفى وعلت بكأسها
مرارا وصدرى لا يُبلّ له صدى
وما قصِّرت بنت الكروم وإنما
مددتم بها الأيدي ومدّ الأسى يدا
ولست امرأ ترقى الهموم لصدره
ولكنها نفس تحاول مقصدا
أضيق بها حينا وطورا تضيق بي
كما عالج الغمد الحسام المهندا
وأشقى بها هما وأعيا مطالبا
وأتعب فيها بالمحبين حسدا
ومن يك قد ذم الأعادي فإنني
لدائي من الأحباب لا أظلم العدى
وما كنت من يرجوهم لمهمة
ولكنما استقضيت حقا مؤكدا
وما مال ذو حق وإن جل حقه
إلى الحقد إلا ضيع الحق واعتدى
ولو شئت جاءتني المعالي مطيعة
ولكن وجدت الصبر أعذب موردا
أرى الصدق ملكا والرياء عبودة
وإن كان ملكا للكثير وسؤددا
وأعلم أن اليوم بالأمس لاحق
وأن لعباس وللأمة الغدا

وإن موليير نجم لا أفول له

وإن موليير نجم لا أفول له
وأن تغيب في الأحقاب واحتجبا
شريعة من بيان الغرب صافية
وإن يك الشرق أحيانا بها شربا
وآية الأدب الرّومَى في لغة
لم تُخل من سرها عجما ولا عربا
لو استطاع ذووها من عنايتهم
بنشرها علّموها الجن والشهبا
فاحفظ لسانك واجهد في صيانته
كما يصون الكريم العرض والحسبا
كأنما كانت الدنيا على يده
يصوِّر الناس عنها كلما كَتبا
إذا مضى يعرض الأخلاق عارية
أراك من كل نفس صورة عجبا
يأتي النفوس فينضُو عن طبائعها
سترا ويهتك عن أهوالها الحجبا
فربما ازددت علما بالبخيل وإن
نشأت تلقاه جَدا أو تراه أبا
وقد يزيدك بالكذاب معرفة
وأنت تضحى وتمسى تسمع الكذبا
وقد يريك أخا الوجهين منكشفا
وأنت تلقاه في الإِخوان منتقبا

يا جارة الوادي طربت وعادني

يا جارة الوادي طربت وعادني
ما زادني شوقا إلى مرآك
فقطعت ليلي غارقا نشوان في
ما يشبه الأحلام من ذكراك
مثّلت في الذكرى هواك وفي الكرى
لمّا سموت به وصنتُ هواك
ولكم على الذكرى لقلبي عبرةٌ
والذكريات صدى السنين الحاكي
ولقد مررت على الرياض بربوة
كم راقصت فيها رؤاي رؤاك
خضراء قد سبت الربيع بدلّها
غنّاء كنت حيالها ألقاك
لم أدر ما طيب العناق على الهوى
والروض أسكرهُ الصبا بشذاك
لم أدر والأشواق تصرخ في دمي
حتّى ترفّق ساعدي فطواك
وتأوّدت أعطاف بانك في يدي
سكرى وداعب أضلعي فطواك
أين الشقائق منك حين تمايلا
وأحمرّ من خفريهما خدّاك
ودخلت في ليلين فرعك والدجى
والسكر أغراني بما أغراك
فطغى الهوى وتناهبتك عواطفي
ولثمت كالصبح المنوّر فاك
وتعطّلت لغة الكلام وخاطبت
قلبي بأحلى قبلة شفتاك
وبلغت بعض مآربي إذ حدّثت
عينيّ في لغة الهوى عيناك
لا أمس من عمر الزمان ولا غد
بنواك آه من النوى رحماك
سمراء يا سؤلي وفرحة خاطري
جمع الزمان فكان يوم لقاك

يا عزيزاً لنا بمصر علمنا

يا عَزيزاً لَنا بِمِصرَ عَلِمنا
أَنَّهُ بِالرِضا الخِديوِيِّ فائِزُ
سَرَّنا أَنَّكَ اِرتَقَيتَ وَتَرقى
فَكَأَنّا نَحوزُ ما أَنتَ حائِزُ
رُتبَةً أَلسُنُ العُلا أَرَّختَها
أَنتَ مَحمودُ في العُلا المُتَمايِزِ

بثثت شكواي فذاب الجليد

بَثَثتُ شَكوايَ فَذابَ الجَليدُ
وَأَشفَقَ الصَخرُ وَلانَ الحَديد
وَقَلبُكَ القاسي عَلى حالِهِ
هَيهاتَ بَل قَسوَتُهُ لي تَزيد

لحظها لحظها رويدا رويدا

لحظها لحظها رويدا رويدا
كم إلى كم تكيد للروح كيدا
هذه مصر جاءها الدهر يسعى
وهو يا طالما جفاها وصدّا
ليس للدهر من وفاء ولكن
هاب فيها العباس أن يستبدّا
صاحب النيل في البرية إيه
حرّر النيل للبرية وردا
وارفع الصوت إن عصرك حر
لن يرى من سماع صوتك بدّا
إنما الملك أن تكون بلاد
وتصيب البلاد بالملك مجدا
فتول الذي سننت ونجِّح
لرعاياك في المعارف قصدا
ومر العلم أن يزور بلادا
عهدتها له الخلائق مهدا
واقدح الكهرباء فيه لتهدى
وأقمها على البخار لتندى
وأجلُ بأس الحديد فيها وجدّد
عهد بنّائها الذي كان عهدا
وأدع سودانها إليك يلبى
إنه كان للأعزة عبدا
حسبه حسبه كفاه كفاه
ما يراه العزيز عظما وجلدا
قل لراج أن يسترق يراعى
أنا لا أشترى بذا التاج قيدا
نومة السيف قد تكون حياة
ورأيت اليراع إن نام أردى

يا دنشواي على رباك سلام

يا دِنشِوايَ عَلى رُباكِ سَلامُ
ذَهَبَت بِأُنسِ رُبوعِكِ الأَيّامُ
شُهَداءُ حُكمِكِ في البِلادِ تَفَرَّقوا
هَيهاتَ لِلشَملِ الشَتيتِ نِظامُ
مَرَّت عَلَيهِم في اللُحودِ أَهِلَّةٌ
وَمَضى عَلَيهِم في القُيودِ العامُ
كَيفَ الأَرامِلُ فيكِ بَعدَ رِجالِها
وَبِأَيِّ حالٍ أَصبَحَ الأَيتامُ
عِشرونَ بَيتاً أَقفَرَت وَاِنتابَها
بَعدَ البَشاشَةِ وَحشَةٌ وَظَلامُ
يا لَيتَ شِعري في البُروجِ حَمائِمٌ
أَم في البُروجِ مَنِيَّةٌ وَحِمامُ
نَيرونُ لَو أَدرَكتَ عَهدَ كَرومِرٍ
لَعَرَفتَ كَيفَ تُنَفَّذُ الأَحكامُ
نوحي حَمائِمَ دِنشِوايَ وَرَوِّعي
شَعباً بِوادي النيلِ لَيسَ يَنامُ
إِن نامَتِ الأَحياءُ حالَت بَينَهُ
سَحراً وَبَينَ فِراشِهِ الأَحلامُ
مُتَوَجِّعٌ يَتَمَثَّلُ اليَومَ الَّذي
ضَجَّت لِشِدَّةِ هَولِهِ الأَقدامُ
السوطُ يَعمَلُ وَالمَشانِقُ أَربَعٌ
مُتَوَحِّداتٌ وَالجُنودُ قِيامُ
وَالمُستَشارُ إِلى الفَظائِعِ ناظِرٌ
تَدمى جُلودٌ حَولَهُ وَعِظامُ
في كُلِّ ناحِيَةٍ وَكُلِّ مَحَلَّةٍ
حَزعاً مِنَ المَلَأِ الأَسيَفِ زِحامُ
وَعَلى وُجوهِ الثاكِلينَ كَآبَةٌ
وَعَلى وُجوهِ الثاكِلاتِ رُغامُ

شأنك والدمع والبكاء

شأنك والدمع والبكاء
لا تدخر في الشؤون ماء
لا تذكر الصبر في مصاب
تجاوز الصبر والعزاء
لا خير في الصبر والتأسى
إذا هما عارضا الوفاء
أبكى الأخلاء في ديار
من أنسهم أصبحت خلاء
من حق إخوانك القدامى
إن تسقى العهد والإخاء
إن البكى فاسترح إليه
يصرف للراحة العناء
من خلق الحزن كان أحرى
أن يخلق الدمع والبكاء
تبارك الله من طبيب
قد خلق الداء والدواء
رب خليل بكيت أرجو
لحقه بالبكى قضاء
ولو يردّ القضاءَ دمع
لحولت أدمعي القضاء
ومثل عبد اللطيف يُبكى
ويتبع الذكر والثناء
فتى كلدن القنا اهتزازا
ومرهفات الظُبى مضاء
صوّره الله صالحات
وصاغ أجزاءه حياء
وزاده ما حبا أباه
متانة الدين والإباء
وأضلعا لا تقاس طهرا
بها الغوادي ولا نقاء
ما كان قسّا ولا زيادا
ولا بسحر البيان جاء
لكن إذا قام قال صدقا
وجانب الزور والرياء
سبحان من قاته غدوا
وكف عن قوته عشاء
ومن أتانا بالشمس صبحا
ومن تولى بها مساء
يالكِ دنيا لذّت نعيما
للقوم واستعذبت بلاء
إذا أنتهينا منها تساوى
ماسرّ من حالها وساء
الطفل يحبو إليك حبا
والشيخ يمشى لك انحناء
إليك عبداللطيف دمعا
ألَّفت منثوره رثاء
قوافيا كنت تشتهيها
واليوم تبدى لها جفاء
كم قمت من موقف لمصر
وكنت من دونها وقاء
ونبت عنها في مجلسيها
نيابة كانت الغناء
ألست من فتية شِهام
سنّوا المحاماة والرماء
فتاهم بالشباب ضحى
ما أعظم الذبح والفداء
ومات أبطالهم جياعا
في غير أوطانهم ظِماء
ولو أرادوا متاع دنيا
لأدركوا الحكم والثراء
قضية الحق منذ قامت
لم تأل أركانَها بناء
تحذو على مصطفى وتبنى
جيلا من الحق أقوياء
شرعتمو للشباب دينا
كدينهم بيِّنا سواء
لما أتيم به جعلتم
رأس تعاليمه الجلاء
جمعتم مصر ثم سرتم
فكنتم الجمع واللواء
وما عرفتم لغير مصر
وغير أحبابها ولاء
لم تمسحوا للعميد رأسا
ولا نفضتم له حذاء
وعابثٍ بالرفات يبنى
حوادث الأمس كيف شاء
يقول كنتم للترك حزبا
وعاهلِ الترك أولياء
ويشهد الله ما أتيتم
إلا هدى الرأى والدهاء
داريتمو في سبيل مصر
سيادة أصبحت هباء
سيروا إلى الله فهو أولى
بكم وأوفى لكم جزاء
لا غبن بالحق إن ذهبتم
فان للفكرة البقاء

لا يقيمن على الضيم الأسد

لا يُقيمَنَّ عَلى الضَيمِ الأَسَد
نَزَعَ الشِبلُ مِنَ الغابِ الوَتَد
كَبُرَ الشِبلُ وَشَبَّت نابُهُ
وَتَغَطّى مَنكِباهُ بِاللُبَد
اِترُكوهُ يَمشِ في آجامِهِ
وَدَعوهُ عَن حِمى الغابِ يَذُد
وَاِعرُضوا الدُنيا عَلى أَظفارِهِ
وَاِبعَثوهُ في صَحاراها يَصِد
فِتيَةَ الوادي عَرَفنا صَوتَكُم
مَرحَباً بِالطائِرِ الشادي الغَرِد
هُوَ صَوتُ الحَقِّ لَم يَبغِ وَلَم
يَحمِلِ الحِقدَ وَلَم يُخفِ الحَسَد
وَخَلا مِن شَهوَةٍ ما خالَطَت
صالِحاً مِن عَمَلٍ إِلّا فَسَد
حَرَّكَ البُلبُلُ عِطفَي رَبوَةٍ
كانَ فيها البومُ بِالأَيكِ اِنفَرَد
زَنبَقُ المُدنِ وَرَيحانُ القُرى
قامَ في كُلِّ طَريقٍ وَقَعَد
باكِراً كَالنَحلِ في أَسرابِها
كُلُّ سِربٍ قَد تَلاقى وَاِحتَشَد
قَد جَنى ما قَلَّ مِن زَهرِ الرُبا
ثُمَّ أَعطى بَدَلَ الزَهرِ الشُهُد
بَسَطَ الكَفَّ لِمَن صادَفَه
وَمَضى يَقصُرُ خَطواً وَيَمُد
يَجعَلُ الأَوطانَ أُغنِيَتَه
وَيُنادي الناسَ مَن جادَ وَجَد
كُلَّما مَرَّ بِبابٍ دَقَّهُ
أَو رَأى داراً عَلى الدَربِ قَصَد
غادِياً في المُدنِ أَو نَحوَ القِرى
رائِحاً يَسأَلُ قِرشاً لِلبَلَد
أَيُّها الناسُ اِسمَعوا أَصغوا لَهُ
أَخرِجوا المالَ إِلى البِرِّ يَعُد
لا تَرُدّوا يَدَهُم فارِغَةً
طالِبُ العَونِ لِمِصرٍ لا يُرَد
سَيَرى الناسُ عَجيباً في غَدٍ
يَغرِسُ القِرشُ وَيَبني وَيَلِد
يُنهِضُ اللَهُ الصِناعاتِ بِهِ
مِن عِثارٍ لَبَثَت فيهِ الأَبَد
أَو يَزيدَ البِرَّ داراً قَعَدَت
لِكِفاحِ السُلِّ أَو حَربِ الرَمَد
وَهوَ في الأَيدي وَفي قُدرَتِها
لَم يَضِق عَنهُ وَلَم يَعجِز أَحَد
تِلكَ مِصرُ الغَدِ تَبني مُلكَها
نادَتِ الباني وَجاءَت بِالعُدَد
وَعَلى المالِ بَنَت سُلطانَها
ثابِتَ الآساسِ مَرفوعَ العَمَد
وَأَصارَت بَنكَ مِصرٍ كَهفَها
حَبَّذا الرُكنُ وَأَعظِم بِالسَنَد
مَثَلٌ مِن هِمَّةٍ قَد بَعُدَت
وَمَداها في المَعالي قَد بَعُد
رَدَّها العَصرُ إِلى أُسلوبِهِ
كُلُّ عَصرٍ بِأَساليبَ جُدُد
البَنونَ اِستَنهَضوا آبائَهُم
وَدَعا الشِبلُ مِنَ الوادي الأَسَد
أَصبَحَت مِصرُ وَأَضحى مَجدُها
هِمَّةَ الوالِدِ أَو شُغلَ الوَلَد
هَذِهِ الهِمَّةُ بِالأَمسِ جَرَت
فَحَوَت في طَلَبِ الحَقِّ الأَمَد
أَيُّها الجيلُ الَّذي نَرجو لِغَدٍ
غَدُكَ العِزُّ وَدُنياكَ الرَغَد
أَنتَ في مَدرَجَةِ السَيلِ وَقَد
ضَلَّ مَن في مَدرَجِ السَيلِ رَقَد
قُدتَ في الحَقِّ فَقُد في مِثلِهِ
مِن نَواحي القَصدِ أَو سُبلِ الرَشَد
رُبَّ عامٍ أَنتَ فيهِ واجِدٌ
وَاِدَّخِر فيهِ لِعامٍ لا تَجِد
عَلِّمِ الآباءَ وَاِهتِف قائِلاً
أَيُّها الشَعبُ تَعاوَن وَاِقتَصِد
اِجمَعِ القِرشَ إِلى القِرشِ يَكُن
لَكَ مِن جَمعِهِما مالٌ لُبَد
اُطلِبِ القُطنَ وَزاوِل غَيرَهُ
وَاِتَّخِذ سوقاً إِذا سوقٌ كَسَد
نَحنُ قَبلَ القُطنِ كُنّا أُمَّةً
تَهبِطُ الوادي وَتَرعى وَتَرِد
قَد أَخَذنا في الصِناعاتِ المَدى
وَبَنَينا في الأَوالي ما خَلَد
وَغَزَلنا قَبلَ إِدريسَ الكُسا
وَنَسَجنا قَبلَ داوُدَ الزَرَد
إِن تَكُ اليَومَ لِواءً قائِداً
كَم لِواءٍ لَكَ بِالأَمسِ اِنعَقَد