علي قدر الهوي ياتي العتاب

على قدر الهوى يأتي العتاب
ومن عاتبت تفديه الصحاب
صحوت فأنكر السلوانَ قلبي
علىّ وراجع الطربَ الشباب
وللعيش الصبا فإذا تولى
فكل بقية في الكأس صاب
وما ورثت له عندى حبال
ولا ضاقت له عني ثياب
كأنّ رواية الأشواق عود
على بدء وما كمل الكتاب
إذا ما اعتضت عن عشق بعشق
أُعيد الكأس وامتدّ الشراب
وكل هوى بلائمة مشوب
وحبك في الملامة لا يشاب
لأنك أنت للأوطان كهف
وأنت حقوق مصرِك والطِلاب
فأهلا بالأمير وما رأينا
هلالا تستقرّ به الركاب
ولا شمسا برأس التنين حلّت
وفي الدنيا ضحاها واللعاب
تغيب عن البلاد وعن بنيها
وما لك عن قلوبهم غياب
أظلتك الخلافة في ذراها
وبرت سوحها بك والرحاب
وفُتِّح للرعاية ألف باب
هناك وسُدّ للواشين باب
وردنا الماء بينكما نميرا
وأظمأَ من يريبكما السراب
وما وجدوا لمفسدة مجالا
ولكن تنبح القمر الكلاب
فعيشا فرقدين من الليالي
وعاش خلائق بكما وطابوا
نداء الخلف بينكما عقيم
وداعي الله بينكما مجاب

انا من بدل بالكتب الصحابا

أَنا مَن بَدَّلَ بِالكُتبِ الصِحابا
لَم أَجِد لي وافِياً إِلّا الكِتابا
صاحِبٌ إِن عِبتَهُ أَو لَم تَعِب
لَيسَ بِالواجِدِ لِلصاحِبِ عابا
كُلَّما أَخلَقتُهُ جَدَّدَني
وَكَساني مِن حِلى الفَضلِ ثِيابا
صُحبَةٌ لَم أَشكُ مِنها ريبَةً
وَوِدادٌ لَم يُكَلِّفني عِتابا
رُبَّ لَيلٍ لَم نُقَصِّر فيهِ عَن
سَمَرٍ طالَ عَلى الصَمتِ وَطابا
كانَ مِن هَمِّ نَهاري راحَتي
وَنَدامايَ وَنَقلِيَ وَالشَرابا
إِن يَجِدني يَتَحَدَّث أَو يَجِد
مَلَلاً يَطوي الأَحاديثَ اِقتِضابا
تَجِدُ الكُتبَ عَلى النَقدِ كَما
تَجِدُ الإِخوانَ صِدقاً وَكِذابا
فَتَخَيَّرها كَما تَختارُهُ
وَاِدَّخِر في الصَحبِ وَالكُتبِ اللُبابا
صالِحُ الإِخوانِ يَبغيكَ التُقى
وَرَشيدُ الكُتبِ يَبغيكَ الصَوابا
غالِ بِالتاريخِ وَاِجعَل صُحفَهُ
مِن كِتابِ اللَهِ في الإِجلالِ قابا
قَلِّبِ الإِنجيلَ وَاِنظُر في الهُدى
تَلقَ لِلتاريخِ وَزناً وَحِسابا
رُبَّ مَن سافَرَ في أَسفارِهِ
بِلَيالي الدَهرِ وَالأَيّامِ آبا
وَاِطلُبِ الخُلدَ وَرُمهُ مَنزِلاً
تَجِدِ الخُلدَ مِنَ التاريخِ بابا
عاشَ خَلقٌ وَمَضَوا ما نَقَصوا
رُقعَةَ الأَرضِ وَلا زادوا التُرابا
أَخَذَ التاريخُ مِمّا تَرَكوا
عَمَلاً أَحسَنَ أَو قَولاً أَصابا
وَمِنَ الإِحسانِ أَو مِن ضِدِّهِ
نَجَحَ الراغِبُ في الذِكرِ وَخابا
مَثَلُ القَومِ نَسوا تاريخَهُم
كَلَقيطٍ عَيَّ في الناسِ اِنتِسابا
أَو كَمَغلوبٍ عَلى ذاكِرَةٍ
يَشتَكي مِن صِلَةِ الماضي اِنقِضابا
يا أَبا الحُفّاظِ قَد بَلَّغتَنا
طِلبَةً بَلَّغَكَ اللَهُ الرِغابا
لَكَ في الفَتحِ وَفي أَحداثِهِ
فَتَحَ اللَهُ حَديثاً وَخِطابا
مَن يُطالِعهُ وَيَستَأنِس بِهِ
يَجِدُ الجِدَّ وَلا يَعدَم دِعابا
صُحُفٌ أَلَّفَتها في شِدَّةٍ
يَتَلاشى دونَها الفِكرُ اِنتِهابا
لُغَةُ الكامِلِ في اِستِرسالِهِ
وَاِبنُ خَلدونَ إِذا صَحَّ وَصابا
إِنَّ لِلفُصحى زِماماً وَيَداً
تَجنِبُ السَهلَ وَتَقتادُ الصَعابا
لُغَةُ الذِكرِ لِسانُ المُجتَبى
كَيفَ تَعيا بِالمُنادينَ جَوابا
كُلُّ عَصرٍ دارُها إِن صادَفَت
مَنزِلاً رَحباً وَأَهلاً وَجَنابا
إِئتِ بِالعُمرانِ رَوضاً يانِعاً
وَاِدعُها تَجرِ يَنابيعَ عِذابا
لا تَجِئها بِالمَتاعِ المُقتَنى
سَرَقاً مِن كُلِّ قَومٍ وَنِهابا
سَل بِها أَندَلُساً هَل قَصَّرَت
دونَ مِضمارِ العُلى حينَ أَهابا
غُرِسَت في كُلِّ تُربٍ أَعجَمٍ
فَزَكَت أَصلاً كَما طابَت نِصابا
وَمَشَت مِشيَتَها لَم تَرتَكِب
غَيرَ رِجلَيها وَلَم تَحجِل غُرابا
إِنَّ عَصراً قُمتَ تَجلوهُ لَنا
لَبِسَ الأَيّامَ دَجناً وَضَبابا
المَماليكُ تَمَشّى ظُلمُهُم
ظُلُماتٍ كَدُجى اللَيلِ حِجابا
كُلُّهُم كافورُ أَو عَبدُ الخَنا
غَيرَ أَنَّ المُتَنَبّي عَنهُ خابا
وَلِكُلٍّ شيعَةٌ مِن جِنسِهِ
إِنَّ لِلشَرِّ إِلى الشَرِّ اِنجِذابا
ظُلُماتٌ لا تَرى في جُنحِها
غَيرَ هَذا الأَزهَرِ السَمحِ شِهابا
زيدَتِ الأَخلاقُ فيهِ حائِطاً
فَاِحتَمى فيها رِواقاً وَقِبابا
وَتَرى الأَعزالَ مِن أَشياخِهِ
صَيَّروهُ بِسِلاحِ الحَقِّ غابا
قَسَماً لَولاهُ لَم يَبقَ بِها
رَجُلٌ يَقرَأُ أَو يَدري الكِتابا
حَفِظَ الدينَ مَلِيّاً وَمَضى
يُنقِذُ الدُنيا فَلَم يَملِك ذَهابا
أوذِيَت هَيبَتُهُ مِن عَجزِهِ
وَقُصارى عاجِزٍ أَن لا يُهابا
لَم تُغادِر قَلَماً في راحَةٍ
دَولَةٌ ما عَرَفَت إِلّا الحِرابا
أَقعَدَ اللَهُ الجَبرَتِيَّ لَها
قَلَماً عَن غائِبِ الأَقلامِ نابا
خَبَّأَ الشَيخُ لَها في رُدنِهِ
مِرقَماً أَدهى مِنَ الصِلِّ اِنسِيابا
مَلِكٌ لَم يُغضِ عَن سَيِّئَةٍ
يا لَهُ مِن مَلَكٍ يَهوى السِبابا
لا يَراهُ الظُلمُ في كاهِلِهِ
وَهوَ يَكوي كاهِلَ الظُلمِ عِقابا
صُحُفُ الشَيخِ وَيَومِيّاتُهُ
كَزَمانِ الشَيخِ سُقماً وَاِضطِرابا
مِن حَواشٍ كَجَليدٍ لَم يَذُب
وَفُصولٍ تُشبِهُ التِبرَ المُذابا
وَالجَبَرتِيُّ عَلى فِطنَتِهِ
مَرَّةً يَغبى وَحيناً يَتَغابى
مُنصِفٌ ما لَم يَرُض عاطِفَةً
أَو يُعالِجُ لِهَوى النَفسِ غِلابا
وَإِذا الحَيُّ تَوَلّى بِالهَوى
سيرَةَ الحَيِّ بَغى فيها وَحابى
وَقعَةُ الأَهرامِ جَلَّت مَوقِعاً
وَتَعالَت في المَغازي أَن تُرابا
عِظَةُ الماضي وَمُلقى دَرسِهِ
لِعُقولٍ تَجعَلُ الماضي مَثابا
مِن بَناتِ الدَهرِ إِلّا أَنَّها
تَنشُرُ الدَهرَ وَتَطويهِ كَعابا
وَمِنَ الأَيّامِ ما يَبقى وَإِن
أَمعَنَ الأَبطالُ في الدَهرِ اِحتِجابا
هِيَ مِن أَيِّ سَبيلٍ جِئتَها
غايَةٌ في المَجدِ لا تَدنو طِلابا
اُنظُرِ الشَرقَ تَجِدها صَرَّفَت
دَولَةَ الشَرقِ اِستِواءً وَاِنقِلابا
جَلَبَت خَيراً وَشَرّاً وَسَقَت
أُمَماً في مَهدِهِم شُهداً وَصابا
في نَصيبينَ لَبِسنا حُسنَها
وَعَلى التَلِّ لَبِسناها مَعابا
إِنَّ سِرباً زَحَفَ النَسرُ بِهِ
قَطَعَ الأَرضَ بِطاحاً وَهِضابا
إِن تَرامَت بَلَداً عِقبانُهُ
خَطَفَت تاجاً وَاِصطادَت عُقابا
شَهِدَ الجَيزِيُّ مِنهُم عُصبَةً
لَبِسوا الغارَ عَلى الغارِ اِغتِصابا
كَذِئابِ القَفرِ مِن طولِ الوَغى
وَاِختِلافِ النَقعِ لَوناً وَإِهابا
قادَهُم لِلفَتحِ في الأَرضِ فَتىً
لَو تَأَنّى حَظَّهُ قادَ الصَحابا
غَرَّتِ الناسَ بِهِ نَكبَتُهُ
جَمَعَ الجُرحُ عَلى اللَيثِ الذُبابا
بَرَزَت بِالمَنظَرِ الضاحي لَهُم
فَيلَقٌ كَالزَهرِ حُسناً وَاِلتِهابا
حُلِّيَ الفُرسانُ فيها جَوهَراً
وَجَلالُ الخَيلِ دُرّاً وَذَهابا
في سِلاحٍ كَحُلِيِّ الغيدِ ما
لَمَسَت طَعناً وَلا مَسَّت ضِرابا
طَرِحَت مِصرٌ فَكانَت مومِيا
بَينَ لِصَّينِ أَراداها جُذابا
نالَها الأَعرَضُ ظَفَراً مِنهُما
مِن ذِئابِ الحَربِ وَالأَطوَلُ نابا
وَبَنو الوادي رِجالاتُ الحِمى
وَقَفوا مِن ساقِهِ الجَيشَ ذُنابى
مَوقِفَ العاجِزِ مِن حِلفِ الوَغى
يَحرُسُ الأَحمالَ أَو يَسقي مُصابا

كان ذئب يتغذي

كانَ ذِئبٌ يَتَغَذّى
فَجَرَت في الزَورِ عَظمَه
أَلزَمَتهُ الصَومَ حَتّى
فَجَعَت في الروحِ جِسمَه
فَأَتى الثَعلَبُ يَبكي
وَيُعَزّي فيهِ أُمَّه
قالَ يا أُمَّ صَديقي
بِيَ مِمّا بِكِ غُمَّه
فَاِصبِري صَبراً جَميلاً
إِنَّ صَبرَ الأُمِّ رَحمَه
فَأَجابَت يا اِبنَ أُختي
كُلُّ ما قَد قُلتَ حِكمَه
ما بِيَ الغالي وَلَكِن
قَولُهُم ماتَ بِعَظمَه
لَيتَهُ مِثلَ أَخيهِ
ماتَ مَحسوداً بِتُخمَه

ايدسن ماذا تري في الكهرباء

إيدسن ماذا ترى في الكهرباء
أنت في الأرض فمن ذا في السماء
إن تكن تحكم في أزرارها
إنه في يده زر القضاء
كلما حركه في خلقه
ذهب العقل وجنّ العقلاء
فتأمّل هل ترى من حيلة
في سلوك مرسلات من ذكاء
قد حكيت الشمس حتى غضبت
من نحاس تجعل الصيف شتاء
من رآها قال قد سخّرها
لك من سخرها للأنبياء
لُعبة الناظر في غرفته
أم أفاد العلم أم أجدى الثراء
يا ملوك المال فيما زعموا
هل ملكتم خطرات من هواء
ليت لي الريح فسامتكمو
وأخذت الملك بيعا وشراء
أُشرك البائس في نعمائه
وأسوِّى القسم بين الفقراء
صدق الواهم منكم إنها
لهي الدنيا خيال وهباء
كل ما ساء وما سرّ بها
ينقضى بين صباح ومساء

صحا القلب الا من خمار اماني

صَحا القَلبُ إِلّا مِن خُمارِ أَماني
يُجاذِبُني في الغيدِ رَثَّ عِناني
حَنانَيكَ قَلبي هَل أُعيدُ لَكَ الصِبا
وَهَل لِلفَتى بِالمُستَحيلِ يَدانِ
تَحُنُّ إِلى ذاكَ الزَمانِ وَطيبِهِ
وَهَل أَنتَ إِلّا مِن دَمٍ وَحَنانِ
إِذا لَم تَصُن عَهداً وَلَم تَرعَ ذِمَّةً
وَلَم تَدَّكِر إِلفاً فَلَستَ جَناني
أَتَذَكُرُ إِذ نُعطي الصَبابَةَ حَقَّها
وَنَشرَبُ مِن صِرفِ الهَوى بِدِنانِ
وَأَنتَ خَفوقٌ وَالحَبيبُ مُباعِدٌ
وَأَنتَ خَفوقٌ وَالحَبيبُ مُدانُ
وَأَيّامَ لا آلو رِهاناً مَعَ الهَوى
وَأَنتَ فُؤادي عِندَ كُلِّ رِهانِ
لَقَد كُنتُ أَشكو مِن خُفوقِكِ دائِباً
فَوَلّى فَيا لَهَفي عَلى الخَفَقانِ
سَقاكَ التَصابي بَعدَ ما عَلَّكَ الصِبا
فَكَيفَ تَرى الكَأسَينِ تَختَلِفانِ
وَما زُلتُ في رَيعِ الشَبابِ وَإِنَّما
يَشيبُ الفَتى في مِصرَ قَبلَ أَوانِ
وَلا أَكذِبُ الباري بَنى اللَهُ هَيكَلي
صَنيعَةَ إِحسانٍ وَرِقَّ حِسانِ
أَدينُ إِذا اِقتادَ الجَمالُ أَزِمَّتي
وَأَعنو إِذا اِقتادَ الجَميلُ عِناني

اهلا وسهلا بحاميها وفاديها

أهلا وسهلا بحاميها وفاديها
ومرحبا وسلاما يا عرابيها
وبالكرامة يامن راح يفضحها
ومقدم الخير يا من جاء يخزيها
وعد لها حين لا تغنى مدافعها
عن الزعيم ولا تجدى طوابيها
وارجع إليها فيا لله فاتحها
يوم الإياب ويا لله غازيها
وانزل على الطائر الميمون ساحتها
واجلس على تلّها وانعق بواديها
وبِض لها بيضة للنصر كافلة
إن الدجاج عقيم في نواحيها
واظلم صحيح البخارى كل أونة
ونم عن الحرب واقرأ في لياليها
وأخرج القوم من مصر بخارقة
تفوق فاشودة فيها وتنسيها
من العجائب صاروا من أحبتها
فيما زعمت وكانوا من أعاديها
كأن ما كان من حرب ومن حَرَب
عتب المودة لا يودى بصافيها
وضع عمامتك الخضراء من شرف
يعرفك كل جهول من أهاليها
وقصّ رؤياك مكذوبا بمضحكها
على النبيين مكذوبا بمبكيها
فلست تعدم عميا من أكابرها
ولست تعدم بكما من أعاليها
ولست تعدم وغدا من أسافلها
يزف للأمة البشرى ويهديها
ولست تعدم في الأجواد ذا سفه
يحصى الديون التي تشكو ويقضيها
قل للمَّلك أدورد أصبت غنى
عن الهنود وإرلندا وما فيها
هذا عرابي تمنى أن تقابله
وأن ينال يداً جلت أياديها
فمر بانكلترا تزجى فيالقها
وبالأساطيل تدوى في موانيها
ومر بلندرة تبدو بزينتها
وتنجلى للبرايا في مجاليها
فأين روبرس منه إذ ييمها
وأين سيمور منه إذ يوافيها
هذا الذي يعرف الافرنج صولته
والبر يعلمها والبحر يدريها
وسله بالله إن صافحت راحته
ما نفسه ما مناها ما مساعيها
وأين أيمانه اللاتي أشاد بها
أن لا يحكم فيها غير أهليها
وأين يموت عزيزا دون أربعها
ولا يعيش ذليلا في مغانيها
وقل له بلسان النيل توجعه
والنفس إن صغرت لا شئ يؤذيها
تلك العظام بلا قبر ولا كفن
لولاك لم يبل في العشرين باليها
فاقَر السلام عليها حين تندبها
وأمّل العفو منها حين تبكيها
وناجِها مرة في العمر واحدة
لو كان سهلا عليها أن تناجيها
أوردتها الموت لم تبلغ بها شرفا
ولا توخيت بالأوطان تنويها
وما رأت لك سيفا تستضىء به
يوم القتال ولا وجها يحييها
باتت يرى الموت فيها كيف يدركها
وبت تنظر مصرا كيف تأتيها
فأصبحت غنما مر الذئاب بها
ونام عنها غداة الروع راعيها
يا ابن الحسين حسين مات من ظمأ
وأنت محتفل بالنفس ترويها
تلك الأبوة ما هذى شمائلها
للعارفينَ ولا هذى معانيها
وأنت أصغر أن تعطى مفاخرها
وأنت أسمج أن تكسى معاليها
لم ينصر الله بالأحلام صاحبها
لكن بكل عوان كان يذكيها
والمواقف يغشاها مؤلّبة
والحوض يمنعه والخيل يحميها
أبوّة المصطفى ما زال يلبسها
حر قشيب شباب الفخر ضافيها
حتى تنازعها في مصر صبيتها
دعوى وحتى تردّتها غوانيها
وأصبحت لجبان القوم منقبة
وزينة لجهول القوم يبديها
هلا سبقت غداة التل ناعيها
على المنية مسرورا تلاقيها
هلا تكفنت في الهيجا برايتها
مثل الدراويش خانتها عواليها
ما زال جمعهم في الحرب ينشرها
حتى أتاها فناء الجمع يطويها
هلا أبيت على العافين عفوهم
لكي يقال أبىّ النفس عاليها
زعمت أنك أولى من أعزتها
بها وأحنى عليها من مواليها
وكنت تطرب إذ تتلى مدائحها
فأين دمعك إذ تتلى مراثيها

فيم ابتسامك للدنيا وغايتها

فيم ابتسامك للدنيا وغايتها
ترد كل محب عنك منتحيا
وما اتساعك منها بعد ما حسبت
عليك ضيقة الأجداث منقلبا
كم صاحب لبدور الأرض فارقهم
لم يحص من حشرات الأرض ما صحبا
وناعم كان يُؤذى من غِلالته
تالَّف الدود والأكفان والتربا
لا يعرف العيش حتى ينقضى فنرى
صدق الحياة بعين الموت والكذبا
كل الحقائق فيها الشك محتمل
إلا المنية تأبى الشك والريبا
وما رأيت على علمي وتجربتي
كالموت جدا ولا ما قبله لعبا
ما مات من أودع الدنيا عظيم نبا
ولا قضى من قضى للمجد ما وجبا
وما استوى المرء يطوى ذكره معه
وذاهب فضله في الناس ما ذهبا
فإن مررت على الدنيا فمرَّ فتى
ولا تمرنّ مثل الأكثرين هبا
فالخلد صفنان خلد الناس بعدهم
بالذكر والخلد عند الله مرتقبا
أبكى رفاعة أبكى العلم والأدبا
أبكى المروءة والفضل الذي احتجبا
أبكى القوافي كضوء الشمس سائرة
ابكى المحابر والأقلام والكتبا
ابكى الأحاديث تجرى كلها ادبا
ابكى البلاغة ابكى بعدك العربا
يا ابن الذي بعثت مصرا معارفه
ابوك كان لأبناء البلاد ابا
اتيتما وظلام الجهل يملؤها
كالشمس والبدر لا ادعو كما الشهبا
تربيان لها الأبناء صالحة
وتخرجان حماة الدولة النخبا
والشكر اولى واحرى في الشعوب به
من يمطر العلم ممن يمطر الذهبا
قال النعاة قضى خير الكرام ابا
فقلت إن شاء ربى خيرهم عقبا
لا يهدم الله بيتا أُسه شرف
مدت له يده من فضله طنبا

صرح علي الوادي المبارك ضاحي

صَرحٌ عَلى الوادي المُبارَكِ ضاحي
مُتَظاهِرُ الأَعلامِ وَالأَوضاحِ
ضافي الجَلالَةِ كَالعَتيقِ مُفضَلٌ
ساحاتِ فَضلٍ في رِحابِ سَماحِ
وَكَأَنَّ رَفرَفَهُ رِواقٌ مِن ضُحىً
وَكَأَنَّ حائِطَهُ عَمودُ صَباحِ
الحَقُّ خَلفَ جَناحٍ اِستَذرى بِهِ
وَمَراشِدُ السُلطانِ خَلفَ جَناحِ
هُوَ هَيكَلُ الحُرِيَّةِ القاني لَهُ
ما لِلهَياكِلِ مِن فِدىً وَأَضاحِ
يَبني كَما تُبنى الخَنادِقُ في الوَغى
تَحتَ النِبالِ وَصَوبِها السَحّاحِ
يَنهارُ الاِستِبدادُ حَولَ عِراصِهِ
مِثلَ اِنهِيارِ الشِركِ حَولَ صَلاحِ
وَيُكَبُّ طاغوتُ الأُمورِ لِوَجهِهِ
مُتَحَطِّمَ الأَصنامِ وَالأَشباحِ
هُوَ ما بَنى الأَعزالُ بِالراحاتِ أَو
هُوَ ما بَنى الشُهَداءُ بِالأَرواحِ
أَخَذَتهُ مِصرُ بكُلِّ يَومٍ قاتِمٍ
وَردِ الكَواكِبِ أَحمَرِ الإِصباحِ
هَبَّت سِماحاً بِالحَياةِ شَبابُها
وَالشَيبُ بِالأَرماقِ غَيرُ شِحاحِ
وَمَشَت إِلى الخَيلِ الدَوارِعِ وَاِنبَرَت
لِلظافِرِ الشاكي بِغَيرِ سِلاحِ
وَقَفاتُ حَقٍّ لَم تَقِفها أُمَّةٌ
إِلّا اِنثَنَت آمالُها بِنَجاحِ
وَإِذا الشُعوبُ بَنَوا حَقيقَةَ مُلكِهِم
جَعَلوا المَآتِمَ حائِطَ الأَفراحِ
بُشرى إِلى الوادي تَهُزُّ نَباتَهُ
هَزَّ الرَبيعِ مَناكِبَ الأَدواحِ
تَسري مُلَمَّحَةَ الحُجولِ عَلى الرُبى
وَتَسيلُ غُرَّتُها بِكُلِّ بِطاحِ
اِلتامَتِ الأَحزابُ بَعدَ تَصَدُّعٍ
وَتَصافَتِ الأَقلامُ بَعدَ تَلاحي
سُحِبَت عَلى الأَحقادِ أَذيالُ الهَوى
وَمَشى عَلى الضِغنِ الوِدادُ الماحي
وَجَرَت أَحاديثُ العِتابِ كَأَنَّها
سَمَرٌ عَلى الأَوتارِ وَالأَقداحِ
تَرمي بِطَرفِكَ في المَجامِعِ لا تَرى
غَيرَ التَعانُقِ وَاِشتِباكِ الراحِ
شَمسَ النَهارِ تَعَلَّمي الميزانَ مِن
سَعدِ الدِيارِ وَشَيخِها النَضّاحِ
ميلي اِنظُريهِ في النَدِيِّ كَأَنَّهُ
عُثمانُ عَن أُمِّ الكِتابِ يُلاحي
كَم تاجِ تَضحِيَةٍ وَتاجِ كَرامَةٍ
لِلعَينِ حَولَ جَبينِهِ اللَمّاحِ
وَالشَيبُ مُنبَثِقٌ كَنورِ الحَقِّ مِن
فَودَيهِ أَو فَجرِ الهُدى المِنصاحِ
لَبّى أَذانَ الصُلحِ أَوَّلَ قائِمٍ
وَالصُلحُ خُمسُ قَواعِدُ الإِصلاحِ
سَبَقَ الرِجالَ مُصافِحاً وَمُعانِقاً
يُمنى السَماحِ وَهَيكَلَ الإِسحاجِ
عَدلى الجَليلِ اِبنِ الجَليلِ مِنَ المَلا
وَالماجِدِ اِبنِ الماجِدِ المِسماحِ
حُلوُ السَجِيَّةِ في قَناةٍ مُرَّةٍ
ثَمِلُ الشَمائِلِ في وَقارٍ صاحِ
شَتّى فَضائِلَ في الرِجالِ كَأَنَّها
شَتّى سِلاحٍ مِن قَنا وَصِفاحِ
فَإِذا هِيَ اِجتَمَعَت لِمُلكِ جَبهَةً
كانَت حُصونَ مَناعَةٍ وَنِطاحِ
اللَهُ أَلَّفَ لِلبِلادِ صُدورَها
مِن كُلِّ داهِيَةٍ وَكُلِّ صُراحِ
وَزُراءُ مَملَكَةٍ وَدَعائِمُ دَولَةٍ
أَعلامُ مُؤتَمَرٍ أُسودُ صَباحِ
يَبنونَ بِالدُستورِ حائِطَ مُلكِهِم
لا بِالصِفاحِ وَلا عَلى الأَرماحِ
وَجَواهِرُ التيجانِ ما لَم تُتَّخَذ
مِن مَعدِنِ الدُستورِ غَيرُ صِحاحِ
اِحتَلَّ حِصنَ الحَقِّ غَيرُ جُنودِهِ
وَتَكالَبَت أَيدٍ عَلى المِفتاحِ
ضَجَّت عَلى أَبطالِها ثُكُناتُهُ
وَاِستَوحَشَت لِكُماتِها النُزّاحِ
هُجِرَت أَرائِكُهُ وَعُطِّلَ عودُهُ
وَشَلا مِنَ الغادينَ وَالروّاحِ
وَعَلاهُ نَسجُ العَنكَبوتِ فَزادَهُ
كَالغارِ مِن شَرَفٍ وَسِمتِ صَلاحِ
قُل لِلبَنينِ مَقالَ صِدقٍ وَاِقتَصِد
ذَرعُ الشَبابِ يَضيقُ بِالنُصّاحِ
أَنتُم بَنو اليَومَ العَصيبِ نَشَأتُمو
في قَصفِ أَنواءٍ وَعَصفِ رِياحِ
وَرَأَيتُمو الوَطَنَ المُؤَلَّفَ صَخرَةً
في الحادِثاتِ وَسَيلِها المُجتاحِ
وَشَهِدتُمو صَدعَ الصُفوفِ وَما جَنى
مِن أَمرِ مُفتاتٍ وَنَهيِ وَقاحِ
صَوتُ الشُعوبِ مِنَ الزَئيرِ مُجَمَّعاً
فَإِذا تَفَرَّقَ كانَ بَعضَ نُباحِ
أَظمَتكُموُ الأَيّامُ ثُمَّ سَقَتكُمو
رَنَقاً مِنَ الإِحسانِ غَيرَ قَراحِ
وَإِذا مُنِحتَ الخَيرَ مِن مُتَكَلِّفٍ
ظَهَرَت عَلَيهِ سَجِيَّةُ المَنّاحِ
تَرَكتُكُمو مِثلَ المَهيضِ جَناحُهُ
لا في الحِبالِ وَلا طَليقَ سَراحِ
مَن صَيَّرَ الأَغلالَ زَهرَ قَلائِدٍ
وَكَسا القُيودَ مَحاسِنَ الأَوضاحِ
إِنَّ الَّتي تَبغونَ دونَ مَنالِها
طولُ اِجتِهادٍ وَاِضطِرادُ كِفاحِ
سيروا إِلَيها بِالأَناةِ طَويلَةً
إِنَّ الأَناةَ سَبيلُ كُلِّ فَلاحِ
وَخُذوا بِناءَ المُلكِ عَن دُستورِكُم
إِنَّ الشِراعَ مُثَقِّفُ المَلّاحِ
يا دارَ مَحمودٍ سَلِمتِ وَبورِكَت
أَركانُكِ الهرَمِيَّةُ الصُفّاحِ
وَاِزدَدتِ مِن حُسنِ الثَناءِ وَطيبِهِ
حَجَراً هُوَ الدُرِيُّ في الأَمداحِ
الأُمَّةُ اِنتَقَلَت إِلَيكِ كَأَنَّما
أَنزَلتِها مِن بَيتِها بِجَناحِ
بَرَكاتُ شَيخٍ بِالصَعيدِ مُحَمَّلٌ
عِبءَ السِنينَ مُؤَمَّلٍ نَفّاحِ
بِالأَمسِ جادَ عَلى القَضِيَّةِ بِاِبنِهِ
وَاليَومَ آواها بِأَكرَمَ ساحِ

شكرتك في اجداثها الشهداء

شكرتك في أجداثها الشهداء
وترنمت بثنائك الأحياء
إن كان في تلك الجماجم ألسن
لم تبل فهي تحية ودعاء
أو كان ينبت ف يالتراب محامد
نبت الثنا لك منه والإطراء
حبست يتامى دمعها وأرامل
لما تنقل في القرى البشراء
وتقول كل حزينة في خدرها
ذهب القاسة وجاءنا الرحماء
فَمَن البشير إلى عظام في الثرى
دُفنت وطاف بها بِلىً وعفاء
بكر القضاء مقرّبا آجالها
إن الحياة أو الممات قضاء
ما فات من بؤس البسوس وشؤمها
أحيت مساوئ عهده الورقاء
طاحت نفوس في سبيل حمامة
دخلت عليها أيكها الغرباء
كان الدفاع مذلة وجبانة
ليت المداره يوم ذاك نساء
سُرعان ما ختم الدفاع القول بل
سرعان ما قتلت به البراء
خلت العشية في السجون أسِرّة
يا ليتها للظالمين وِطاء
هانت عليهم في سبيل رقيهم
مهج مضت مظلومة ودماء
قد أسرفوا في حكمهم وتعسفوا
ما شاء ذلكمو العميد وشاءوا
زرق الجلاليب الذين يحبهم
هم منه في حفر القبور براء
فعلت رعايته بهم ووداده
ما ليس تفعل بعضه البغضاء
أمع المشانق رحمة ومودّة
ومع السياط صداقة ووفاء
أسفرتَ عن فرج البلاد وأهلها
صبحَ الجلوس لك النفوس فداء
العفو غُرتك السنية في الورى
والحلم شيمة ربك الغرّاء
لما بدت منك السعود تمزقت
تلك القيود وأُطلق السجناء
مولاى مصر تجملت وتزينت
لجلوسكم فكأنها الجوزاء
الكهرباء من القلوب سرت إلى
أرجائها فأضاءت الأرجاء
وإذا القلوب صفت لمالك رقها
شفّت ونوّرها هوى وولاء
في كل مغدى موكب ومراحه
للنصر والفتح المبين لواء
حيت محياك الكريم شبيبة
مما غرست كريمة زهراء
هي موئل الآمال ما إن جازها
للملك والوطن العزيز رجاء
علمت بأن حقوق عرشك ف يالورى
حصن لمصر وعصمة ووقاء
وبأن سعيك كان سعى مجاهد
قد خانه الأعوان والنصراء
ودّوا مكانك للغريب إمارة
يأبى الغريب ونفسه السمحاء
ورعية لك في الممالك بَرّة
غمرتهمومن بيتك الآلاء
فعلُ العرابيين فرّق بيننا
بئس الفَعال وقبِّح الزعماء
من كل مفقود الشعور مذبذب
في بردتيه نميمة ورياء
إن كان منهم في البلاد بقية
فعلى البقية لعنة وبلاء
يا دولة الأحرار ما جاملتنا
إلا وفيك مروءة وسخاء
الخير عند للسلام مؤمل
والعون منك يرومه الضعفاء
إن النفوس كما علمت حرائر
كذب الأولى قالوا النفوس إماء
والشعب إن مل الحياة ذليلة
هان الرجال عليه والأشياء
لو تقدرين على الحياة وردّها
قلنا عليك الرد والإحياء
فاستغفري الله العظيم فإنما
لذنوبهم يستغفر العظماء
عارٌ فظائع دنشواى وسُبّة
غسلتهما هذى اليد البيضاء