السحر من سود العيون لقيته

السِحرُ مِن سودِ العُيونِ لَقيتُهُ
وَالبابِلِيُّ بِلَحظِهِنَّ سُقيتُهُ
الفاتِراتِ وَما فَتَرنَ رِمايَةً
بِمُسَدَّدٍ بَينَ الضُلوعِ مَبيتُهُ
الناعِساتِ الموقِظاتِ لِلهَوى
المُغرِياتِ بِهِ وَكُنتُ سَليتُهُ
القاتِلاتِ بِعابِثٍ في جَفنِهِ
ثَمِلُ الغِرارِ مُعَربَدٌ إِصليتُهُ
الشارِعاتِ الهُدبَ أَمثالَ القَنا
يُحيِ الطَعينَ بِنَظرَةٍ وَيُميتُهُ
الناسِجاتِ عَلى سَواءِ سُطورِهِ
سَقَماً عَلى مُنوالِهِنَّ كُسيتُهُ
وَأَغَنَّ أَكحَلَ مِن مَها بِكَفَّيهِ
عَلِقَت مَحاجِرُهُ دَمي وَعَلِقتُهُ
لُبنانُ دارَتُهُ وَفيهِ كِناسُهُ
بَينَ القَنا الخَطّارِ خُطَّ نَحَيتُهُ
السَلسَبيلُ مِنَ الجَداوِلِ وَردُهُ
وَالآسُ مِن خُضرِ الخَمائِلِ قوتُهُ
إِن قُلتُ تِمثالَ الجَمالِ مُنَصَّباً
قالَ الجَمالُ بِراحَتَيَّ مَثَلتُهُ
دَخَلَ الكَنيسَةَ فَاِرتَقَبتُ فَلَم يُطِل
فَأَتَيتُ دونَ طَريقِهِ فَزَحَمتُهُ
فَاِزوَرَّ غَضباناً وَأَعرَضَ نافِراً
حالٌ مِنَ الغيدِ المِلاحِ عَرَفتُهُ
فَصَرَفتُ تِلعابي إِلى أَترابِهِ
وَزَعَمتُهُنَّ لُبانَتي فَأَغَرتُهُ
فَمَشى إِلَيَّ وَلَيسَ جُؤذَرٍ
وَقَعَت عَلَيهِ حَبائِلي فَقَنَصتُهُ
قَد جاءَ مِن سِحرِ الجُفونِ فَصادَني
وَأَتَيتُ مِن سِحرِ البَيانِ فَسُدتُهُ
لَمّا ظَفَرتُ بِهِ عَلى حَرَمِ الهُدى
لِاِبنِ البَتولِ وَلِلصَلاةِ وَهبتُهُ
قالَت تَرى نَجمَ البَيانِ فَقُلتُ بَل
أُفقُ البَيانِ بِأَرضِكُم يَمَّمتُهُ
بَلِّغِ السُها بِشُموسِهِ وَبُدورِهِ
لُبنانُ وَاِنتَظَمَ المَشارِقَ صيتُهُ
مِن كُلِّ عالي القَدرِ مِن أَعلامِهِ
تَتَهَلَّلُ الفُصحى إِذا سُمّيتُهُ
حامي الحَقيقَةِ لا القَديمَ يَؤودُهُ
حِفظاً وَلا طَلَبُ الجَديدِ يَفوتُهُ
وَعَلى المَشيدِ الفَخمِ مِن آثارِهِ
خُلقٌ يُبينُ جَلالُهُ وَثُبوتُهُ
في كُلِّ رابِيَةٍ وَكُلِّ قَرارَةٍ
تِبرُ القَرائِحِ في التُرابِ لَمَحتُهُ
أَقبَلتُ أَبكي العِلمَ حَولَ رُسومِهِم
ثُمَّ اِنثَنَيتُ إِلى البَيانِ بَكَيتُهُ
لُبنانُ وَالخُلدُ اِختِراعُ اللَهِ لَم
يوسَمَ بِأَزيَنَ مِنهُما مَلَكوتُهُ
هُوَ ذِروَةٌ في الحُسنِ غَيرُ مَرومَةٍ
وَذَرا البَراعَةِ وَالحِجى بَيروتُهُ
مَلِكُ الهِضابِ الشُمِّ سُلطانُ الرُبى
هامُ السَحابِ عُروشُهُ وَتُخوتُهُ
سيناءُ شاطَرَهُ الجَلالَ فَلا يُرى
إِلّا لَهُ سُبُحاتُهُ وَسُموتُهُ
وَالأَبلَقُ الفَردُ اِنتَهَت أَوصافُهُ
في السُؤدُدِ العالي لَهُ وَنُعوتُهُ
جَبَلٌ عَن آذارَ يُزرى صَيفُهُ
وَشِتائُهُ يَئِدِ القُرى جَبَروتُهُ
أَبهى مِنَ الوَشِيِ الكَريمِ مِروجُهُ
وَأَلَذُّ مِن عَطَلِ النُحورِ مُروتُهُ
يَغشى رَوابيهِ عَلى كافورِها
مِسكُ الوِهادِ فَتيقُهُ وَفَتيتُهُ
وَكَأَنَّ أَيّامَ الشَبابِ رُبوعُهُ
وَكَأَنَّ أَحلامَ الكِعابِ بُيوتُهُ
وَكَأَنَّ رَيعانَ الصِبا رَيحانُهُ
سِرَّ السُرورِ يَجودُهُ وَيَقوتُهُ
وَكَأَنَّ أَثداءَ النَواهِدِ تينُهُ
وَكَأَنَّ أَقراطَ الوَلائِدِ توتُهُ
وَكَأَنَّ هَمسَ القاعِ في أُذُنِ الصَفا
صَوتُ العِتابِ ظُهورُهُ وَخُفوتُهُ
وَكَأَنَّ ماءَهُما وَجَرسَ لُجَينِهِ
وَضحُ العَروسِ تَبينُهُ وَتُصيتُهُ
زُعَماءُ لُبنانَ وَأَهلَ نَدِيِّهِ
لُبنانُ في ناديكُمو عَظَمتُهُ
قَد زادَني إِقبالُكُم وَقُبولُكُم
شَرَفاً عَلى الشَرَفِ الَّذي أَولَيتُهُ
تاجُ النِيابَةِ في رَفيعِ رُؤوسِكُم
لَم يُشرَ لُؤلُؤُهُ وَلا ياقوتُهُ
موسى عَدُوُّ الرِقِّ حَولَ لِوائِكُم
لا الظُلمُ يُرهِبُهُ وَلا طاغوتُهُ
أَنتُم وَصاحِبُكُم إِذا أَصبَحتُموا
كَالشَهرِ أَكمَلَ عُدَّةً مَوقوتُهُ
هُوَ غُرَّةُ الأَيّامِ فيهِ وَكُلُّكُم
آحادُهُ في فَضلِها وَسُبوتُهُ

يود من الارواح ما لا توده

يودّ من الأرواح ما لا تودّه
ويفتك فيها مسرفا وهي جنده
نمير تواليه المحاسن ورَّدا
وتنهل منه النفس لو راق وِرده
خذوه بنفسي إنه هو قاتلي
ولا تقتلوه إنني أنا عبده
ولا تسألوه ما ذنوبي واسألوا
قبول متابي قبل ذنب أعدّه
ولا تذكروني عنده بشفاعة
فإن شفيع الواجد الصب وجده
لحاني الذي لم يعرف السهد جفنه
ولم تدر تقليب المضاجع كبده
وقاطعني من كنت أرجو وفاءه
وأين أخو الود الذي دام وده
فيا مدنيَ العذال ماشاء عِطفه
ويا مقصى العشاق ما شاء صده
أيُمنح منك القرب من سار ذمه
ويمنع منك اللفظ من سار حمده
ويأوي لظل من سواك رجاؤه
ويعتنق الحرمان من أنت قصده
أعوذ بعيد الملك من أن يمرّ بي
فلا يلتقي بي في غرامك سعده
فتى تشرق الدنيا إذا ذكر اسمه
ويهتز اشياخ الزمان ومرده
إذا ما الليالي نمن لم يغف حزمه
وفوق سهاد الدهر في الخطب سهده
وإن يرتجل وعدا وفي الليل هجعه
تجلى على الصدق الصباح ووعده
فتى النيل أضحى عصمة بك ملكه
وكان سلاما في يمينك عهده
وشعب أطاش الدهر ثابت جأشه
فخار فلما جئته جاء رشده
فلو أن حالا دام لم ينقض الأسى
ولكنها الأيام حال وضده

الي حسين حاكم القنال

إِلى حُسَينٍ حاكِمِ القَنالِ
مِثالِ حُسنِ الخُلقِ في الرِجالِ
أُهدي سَلاماً طَيِّباً كَخُلقِهِ
مَع اِحتِرامٍ هُوَ بَعضُ حَقِّهِ
وَأَحفَظُ العَهدَ لَهُ عَلى النَوى
وَالصِدقَ في الوُدِّ لَهُ وَفي الهَوى
وَبَعدُ فَالمَعروفُ بَينَ الصَحبِ
أَنَّ التَهادي مِن دَواعي الحُبِّ
وَعِندَكَ الزَهرُ وَعِندي الشِعرُ
كِلاهُما فيما يُقالُ نَدرُ
وَقَد سَمِعتُ عَنكَ مِن ثِقاتِ
أَنَّكَ أَنتَ مَلِكُ النَباتِ
زَهرُكَ لَيسَ لِلزُهورِ رَونَقُهُ
تَكادُ مِن فَرطِ اِعتِناءٍ تَخلُقُهُ
ما نَظَرَت مِثلَكَ عَينُ النَرجِسِ
بَعدَ مُلوكِ الظُرفِ في الأَندَلُسِ
وَلي مِنَ الحَدائِقِ الغَنّاءِ
رَوضٌ عَلى المَطَرِيَّةِ الفَيحاءِ
أَتَيتُ أَستَهدي لَها وَأَسأَلُ
وَأَرتَضي النَزرُ وَلا أُثَقِّلُ
عَشرَ شُجَيراتٍ مِنَ الغَوالي
تَندُرُ إِلّا في رِياضِ الوالي
تَزكو وَتَزهو في الشِتا وَالصَيفِ
وَتَجمَعُ الأَلوانَ مِثلَ الطَيفِ
تُرسِلُها مُؤَمِّناً عَلَيها
إِن هَلَكَت لِيَ الحَقُّ في مِثلَيها
وَالحَقُّ في الخُرطومِ أَيضاً حَقّي
وَالدَرسُ لِلخادِمِ كَيفَ يَسقي
وَبَعدَ هَذا لي عَلَيكَ زَورَه
لِكَي تَدورَ حَولَ رَوضِيَ دَورَه
فَإِن فَعَلتَ فَالقَوافي تَفعَلُ
ما هُوَ مِن فِعلِ الزُهورِ أَجمَلُ
فَما رَأَيتُ في حَياتي أَزيَنا
لِلمَرءِ بَينَ الناسِ مِن حُسنِ الثَنا

اشرق عباس علي شعبه

أشرق عباس على شعبه
كأنه المأمون في ركبه
زار رعاياه فأغناهم
عن زورة الغيث وعن خصبه
واستبشر القطر فأهلوه في
أمنٍ مِن العام ومِن جدبه
مرّبهم والأرض في جنة
ربيعها يختال من عجبه
فزادها طيبا على طيبها
وزادهم يسرا فأهلا به
ماجت دمنهو بسكانها
وهزها الشوق إلى قربه
فأقبلت تسعى إلى حضرة
ما إن لها في البر من مشبه
ترجو قبولا علها ترتوى
من مورد تهفو إلى عذبه
يا لابس التاجين عش سالما
ترعاك عين الله من حجبه

فشودة رواية

فشودة رواية
للمبصرين آية
قد مثِّلت في العصر
ليهتدي في مصر
فما اهتدى ولا عقل
ولا درى كنه الحِيل
بل شهد التمثيلا
ثم انثنى بخيلا
مولىَ الأكتاف
في ساعة الإسعاف
فلا تلم فرنسا
وفضلها لا تنسا
وقل لمن رام السبب
شقاء مصر قد غلب
مرشان في النيل التقى
من بعد ما عز اللقا
تقابلا في سلم
على الصفا الأتم
حيث المياه تجرى
نهرا بجنب نهر
والأرض بكر لم تزل
كما دحاها في الأزل
تُخرج أصناف الثمر
تنبت أجناس الزهر
تفيض بالمأكول
من عدس وفول
ترابها التبر السنى
وكم بها من معدن
وغرسها ابن يومه
لمرشن وقومه
مرشان فيها قد ثبت
كأنه عود نبت
يلين للعواصف
فما له من قاصف
أخرجه دلكاس
ألعوبة للناس
ألعوبة وتنقضى
قد خاب فيها من رضى
وكيف كان العاقبة
فإن مصر الخائبة
إذ لم يكن لبطرس
من طاقة بدلكسي
ولا له من بورى
يُسمع سالسبورى
ولا له من أمة
تنجده في الغمة
ولا له من دولة
تمدّه بالصولة
ولا له ولا له
لله ما أجله
وبعد هذا فاسمع
يا خالي البال وعِ
النيل كان نائما
رأى المجور قائما
يضربه في رأسه
يحسبه في رمسه
خاطبه يا نيل
يا أيها القتيل
يا تارك البلاد
لأفسد الأولاد
يا ضائع الميراث
والصبية الأحداث
ذُبحت بالسكين
من غادر مهين
وكان أهلك المُدى
والحبل كانوا واليدا
فما صرخت صرخة
بل قد ذهبت فرخة
قد سقطت في زير
أو وقعت في البير
فلا تلمني بعد ذا
إذا تعمدت الأذى
إنى أنا المحامي
عنك لدى الأنام
لا بدّ لي من حصة
قبل ضياع الفرصة
إذ قد غدا في النيه
أن تحفظ القضيه
فهب داعي النيل
من نومه الطويل
يقول ما مرشان
يا أيها الشيطان
يا أسد القفار
يا حية البراري
يا سمكا عواما
يا طائرا حواما
يا لبكة العجين
يا بلة في الطين
يا ضجة الطبول
على طريق الغول
يا خارجا من عُلبه
يا حادثا من لُعبه
يا مشكلا لمّا نزل
ومشكلَين إن رحل
وإن أردت جِدي
فأنت خير عندي
من كل ذي قلب بطل
لجّنة الأرض وصل
ما كانت الشهور
يكفى لها طابور
ولا الحمام الأزرق
يعصم منه زورق
ولا الأسود السود
يصدّها بارود
ولا مجاهل الثرى
تطوى كما تطوى القرى
سلكتها يا غازي
أبية المجاز
حتى ملكت مجرى
بحر الغزال طرّا
تبيعه وتشترى
براية وعسكري
لكن تعال قل لي
ولا تكن مضلى
من ذا أباحك الحمى
من ذا حباك المغنما
من ذا لهذا جرا
من ذا عليه جرا
بحر الغزال منى
كيف يزول عني
وهذه فشودة
ربيبتي المعهودة
كيف أُساء فيها
وكيف تقتنيها
فاندفع الماجور
بسحره يدور
وقال قولا مقنعا
أثبت فيه ما ادّعى
يا سيد الأنهار
وملك الديار
ماذا يهمك السقَط
من بعد ما الرأس سقط
وجاء سالسبوري
لمصر في سرور
يقول وهي تستمع
يخدعها فتنخدع
يا مصر يا فتاتي
يا زينة البنات
يا مشتهى انكلتره
يا بنت أخت لندره
يا منية التاميز
والوطن العزيز
بل يا أتان الملكة
يا ألف ألف سكة
يا ناقة السردار
وجيشه الجرار
يا أصل ما قد اكتسب
من ثروة ومن تعب
يا بلدا ما فيه
ذو ناظر يبكيه
يا أمّة ولا وطن
يا منزلا لمن سكن
يا موطئ الأقدام
يا فتنة الأقوام
إنى أرى النشّالا
يختلس الخلخالا
هيا نصيح السارقا
ونُشهد الخلائقا
وبطرس الوزرا
يحرّرون المحضرا
ويثبتون فيه
تهمة سارقيه
وبعد عرش الشكوى
نقيم نحن الدعوى
ونظهر النصوصا
ونطرد اللصوصا
أولا فقد خاب الأمل
ولا سبيل للعمل
فما أتمّ قوله
أن ضحكت مصر له
وأقبلت تقول
يا أيها المأمول
يا سندي وعمدتي
يا عدّتي لشدّتي
بطرس من عبيدكا
والكل من جنودكا
فأقض بما تشاء
لا ينقض القضاء
تالله ما أخرجتهم
بالعنف إذ أحرجتهم
لكنني أردت
وللجميع كدت
إن أنا الدهاء
عنى روى النساء
وسوف أنسى الناسا
لورين والألزاسا
هل علمت انكلترا
أيّ لواء يزدرى
أيّ عزيز هانا
أىّ قدير ودانا
أىّ الشعوب تفضح
أىّ الليوث تجرح
فلتجتن الثأرات
ولترقب الساعات
إليكم عن بطرس
نادرة في المجلس
إذ قالت النظار
يا من له الفخار
يا أكفأ الوزارة
يا صاحب المهارة
نرى المجال صعبا
ذئب يعض ذئبا
فهات حدّث عنه
كيف خرجت منه
فقام فيهم مفصحا
يقول ما قال جحا
فشودة تعيشوا
مثل اسمها فشوش
ما الخلف والتجافى
إلا على اللحاف
دفعته للورد
وبت تحت جلدي

مرحبا بالربيع في ريعانه

مَرحَباً بِالرَبيعِ في رَيعانِهِ
وَبِأَنوارِهِ وَطيبِ زَمانِه
رَفَّتِ الأَرضُ في مَواكِبِ آذا
رَ وَشَبَّ الزَمانُ في مِهرَجانِه
نَزَلَ السَهلَ ضاحِكَ البِشرِ يَمشي
فيهِ مَشيَ الأَميرِ في بُستانِه
عادَ حَلياً بِراحَتَيهِ وَوَشياً
طولُ أَنهارِهِ وَعَرضُ جِنانِه
لُفَّ في طَيلَسانِهِ طُرَرَ الأَر
ضِ فَطابَ الأَديمُ مِن طَيلَسانِه
ساحِرٌ فِتنَةَ العُيونِ مُبينٌ
فَصَّلَ الماءَ في الرُبا بِجُمانِه
عَبقَرِيُّ الخَيالِ زادَ عَلى الطَي
فِ وَأَربى عَلَيهِ في أَلوانِه
صِبغَةُ اللَهِ أَينَ مِنها رَفائي
لُ وَمِنقاشُهُ وَسِحرُ بَنانِه
رَنَّمَ الرَوضُ جَدوَلاً وَنَسيماً
وَتَلا طَيرَ أَيكِهِ غُصنُ بانِه
وَشَدَت في الرُبا الرَياحينُ هَمساً
كَتَغَنّي الطَروبِ في وُجدانِه
كُلُّ رَوحانَةٍ بِلَحنٍ كَعُرسٍ
أُلِّفَت لِلغِناءِ شَتّى قِيانِه
نَغَمٌ في السَماءِ وَالأَرضِ شَتّى
مِن مَعاني الرَبيعِ أَو أَلحانِهِ
أَينَ نورُ الرَبيعِ مِن زَهرِ الشِع
رِ إِذا ما اِستَوى عَلى أَفنانِه
سَرمَدُ الحُسنِ وَالبَشاشَةِ مَهما
تَلتَمِسهُ تَجِدهُ في إِبّانِه
حَسَنٌ في أَوانِهِ كُلِّ شَيءٍ
وَجَمالُ القَريضِ بَعدَ أَوانِه
مَلَكٌ ظِلُّهُ عَلى رَبوَةِ الخُل
دِ وَكُرسِيُّهُ عَلى خُلجانِه
أَمَرَ اللَهُ بِالحَقيقَةِ وَالحِك
مَةِ فَاِلتَفَّتا عَلى صَولَجانِه
لَم تَثُر أُمَّةٌ إِلى الحَقِّ إِلا
بُهُدى الشِعرِ أَو خُطا شَيطانِه
لَيسَ عَزفُ النُحاسِ أَوقَعَ مِنهُ
في شُجاعِ الفُؤادِ أَو في جَبانِه
ظَلَّلَتني عِنايَةٌ مِن فُؤادٍ
ظَلَّلَ اللَهُ عَرشَهُ بِأَمانِه
وَرَعاني رَعى الإِلَهُ لَهُ الفارو
قَ طِفلاً وَيَومَ مَرجُوِّ شانِه
مَلِكُ النيلِ مِن مَصَبَّيهِ بِالشَط
طِ إِلى مَنبَعَيهِ مِن سودانِه
هُوَ في المُلكِ بَدرُهُ المُتَجَلّي
حُفَّ بِالهالَتَينِ مِن بَرلُمانِه
زادَهُ اللَهُ بِالنِيابَةِ عِزّاً
فَوقَ عِزِّ الجَلالِ مِن سُلطانِه
مِنبَرُ الحَقِّ في أَمانَةِ سَعدٍ
وَقِوامُ الأُمورِ في ميزانِه
لَم يَرَ الشَرقُ داعِياً مِثلَ سَعدٍ
رَجَّهُ مِن بِطاحِهِ وَرِعانِه
ذَكَّرَتهُ عَقيدَةُ الناسِ فيهِ
كَيفَ كانَ الدُخولُ في أَديانِه
نَهضَةٌ مِن فَتى الشُيوخِ وَروحٌ
سَرَيا كَالشَبابِ في عُنفُوانِه
حَرَّكا الشَرقَ مِن سُكونٍ إِلى القَي
دِ وَثارا بِهِ عَلى أَرسانِه
وَإِذ النَفسُ أُنهِضَت مِن مَريضٍ
دَرَجَ البُرءُ في قُوى جُثمانِه
يا عُكاظاً تَأَلَّفَ الشَرقُ فيهِ
مِن فِلسطينِهِ إِلى بَغدانِه
اِفتَقَدنا الحِجازَ فيهِ فَلَم نَع
ثُر عَلى قُسِّهِ وَلا سَحبانِه
حَمَلَت مِصرُ دونَهُ هَيكَلَ الدي
نِ وَروحَ البَيانِ مِن فُرقانِه
وُطِّدَت فيكَ مِن دَعائِمِها الفُص
حى وَشُدَّ البَيانُ مِن أَركانِه
إِنَّما أَنتَ حَلبَةٌ لَم يُسَخَّر
مِثلُها لِلكَلامِ يَومَ رِهانِه
تَتَبارى أَصائِلُ الشامِ فيها
وَالمَذاكِيِ العِتاقُ مِن لُبنانِه
قَلَّدَتني المُلوكُ مِن لُؤلُؤِ البَح
رَينِ آلاءَها وَمِن مَرجانِه
نَخلَةٌ لا تَزالُ في الشَرقِ مَعنىً
مِن بَداواتِهِ وَمِن عُمرانِه
حَنَّ لِلشامِ حِقبَةً وَإِلَيها
فاتِحُ الغَربِ مِن بَني مَروانِه
وَحَبَتني بُمبايُ فيها يَراعاً
أُفرِغَ الودُّ فيهِ مِن عِقيانِه
لَيسَ تَلقى يَراعَها الهِندُ إِلّا
في ذَرا الخُلقِ أَو وَراءَ ضَمانِه
أَنتَضيهِ اِنتِضاءَ موسى عَصاهُ
يَفرَقُ المُستَبِدُّ مِن ثُعبانِه
يَلتَقي الوَحيَ مِن عَقيدَةِ حُرٍّ
كَالحَوارِيِّ في مَدى إيمانِه
غَيرَ باغٍ إِذا تَطَلَّبَ حَقّاً
أَو لَئيمِ اللَجاجِ في عُدوانِه
موكِبُ الشِعرِ حَرَّكَ المُتَنَبّي
في ثَراهُ وَهَزَّ مِن حَسّانِه
شَرُفَت مِصرُ بِالشُموسِ مِنَ الشَر
قِ نُجومِ البَيانِ مِن أَعيانِه
قَد عَرَفنا بِنَجمِهِ كُلَّ أُفقٍ
وَاِستَبَنّا الكِتابَ مِن عُنوانِه
لَستُ أَنسى يَداً لِإِخوانِ صِدقٍ
مَنَحوني جَزاءَ مالَم أُعانِه
رُبَّ سامي البَيانِ نَبَّهَ شَأني
أَنا أَسمو إِلى نَباهَةِ شانِه
كانَ بِالسَبقِ وَالمَيادينِ أَولى
لَو جَرى الحَظُّ في سَواءِ عَنانِه
إِنَّما أَظهَروا يَدَ اللَهِ عِندي
وَأَذاعوا الجَميلَ مِن إِحسانِه
ما الرَحيقُ الَّذي يَذوقونَ مِن كَر
مي وَإِن عِشتُ طائِفاً بِدِنانِه
وَهَبوني الحَمامَ لَذَّةَ سَجعٍ
أَينَ فَضلُ الحَمامِ في تَحنانِه
وَتَرٌ في اللَهاةِ ما لِلمُغَنّي
مِن يَدٍ في صَفائِهِ وَلِيانِه
رُبَّ جارٍ تَلَفَّتَت مِصرُ تولي
هِ سُؤالَ الكَريمِ عَن جيرانِه
بَعَثتَني مُعَزِّياً بِمآقي
وَطَني أَو مُهَنِّئاً بِلِسانِه
كانَ شِعري الغِناءَ في فَرَحِ الشَر
قِ وَكانَ العَزاءُ في أَحزانِه
قَد قَضى اللَهُ أَن يُؤَلِّفَنا الجُر
حُ وَأَن نَلتَقي عَلى أَشجانِه
كُلَما أَنَّ بِالعِراقِ جَريحٌ
لَمَسَ الشَرقُ جَنبَهُ في عُمانِه
وَعَلَينا كَما عَلَيكُم حَديدٌ
تَتَنَزّى اللُيوثُ في قُضبانِه
نَحنُ في الفِقهِ بِالدِيارِ سَواءٌ
كُلُّنا مُشفِقُ عَلى أَوطانِه

سعي الفتي في عيشه عباده

سَعيُ الفَتى في عَيشِهِ عِبادَه
وَقائِدٌ يَهديهِ لِلسَعادَه
لِأَنَّ بِالسَعيِ يَقومُ الكَونُ
وَاللَهُ لِلساعينَ نِعمَ العَونُ
فَإِن تَشَأ فَهَذِهِ حِكايَه
تُعَدُّ في هَذا المَقامِ غايَه
كانَت بِأَرضٍ نَملَةٌ تَنبالَه
لَم تَسلُ يَوماً لَذَّةَ البَطالَه
وَاِشتَهَرَت في النَملِ بِالتَقَشُّفِ
وَاِتَّصَفَت بِالزُهدِ وَالتَصَوُّفِ
لَكِن يَقومُ اللَيلَ مَن يَقتاتُ
فَالبَطنُ لا تَملُؤهُ الصَلاةُ
وَالنَملُ لا يَسعى إِلَيهِ الحَبُّ
وَنَملَتي شَقَّ عَلَيها الدَأبُ
فَخَرَجَت إِلى اِلتِماسِ القوتِ
وَجَعَلَت تَطوفُ بِالبُيوتِ
تَقولُ هَل مِن نَملَةٍ تَقِيَّه
تُنعِمُ بِالقوتِ لِذي الوَلِيَّه
لَقَد عَيِيتُ بِالطَوى المُبَرِّحِ
وَمُنذُ لَيلَتَينِ لَم أسَبِّحِ
فَصاحَتِ الجاراتُ يا لَلعارِ
لَم تتركِ النَملَةُ لِلصِرصارِ
مَتى رَضينا مِثلَ هَذي الحالِ
مَتى مَدَدنا الكَفَّ لِلسُؤالِ
وَنَحنُ في عَينِ الوُجودِ أُمَّه
ذاتُ اِشتِهارٍ بِعُلُوِّ الهِمَّه
نَحمِلُ ما يَصبِرُ الجِمالُ
عَن بَعضِهِ لَو أَنَّها نِمالُ
أَلَم يَقُل مَن قَولُهُ الصَوابُ
ما عِندَنا لِسائِلٍ جَوابُ
فَاِمضي فَإِنّا يا عَجوزَ الشومِ
نَرى كَمالَ الزُهدِ أَن تَصومي

لمن ذلك الملك الذي عز جانبه

لِمَن ذَلِكَ المُلكُ الَّذي عَزَّ جانِبُهُ
لَقَد وَعَظَ الأَملاكَ وَالناسَ صاحِبُه
أَمُلكُكَ يا داوُدُ وَالمُلكُ الَّذي
يَغارُ عَلَيهِ وَالَّذي هُوَ واهِبُه
أَرادَ بِهِ أَمراً فَجَلَّت صُدورُهُ
فَأَتبَعَهُ لُطفاً فَجَلَّت عَواقِبُه
رَمى وَاِستَرَدَّ السَهمَ وَالخَلقُ غافِلٌ
فَهَل يَتَّقيهِ خَلقُهُ أَو يُراقِبُه
أَيَبطُلُ عيدُ الدَهرِ مِن أَجلِ دُمَّلٍ
وَتَخبو مَجاليهِ وَتُطوى مَواكِبُه
وَيَرجِعُ بِالقَلبِ الكَسيرِ وُفودُهُ
وَفيهِم مَصابيحُ الوَرى وَكَواكِبُه
وَتَسمو يَدُ الدَهرِ اِرتِجالاً بِبَأسِها
إِلى طُنُبِ الأَقواسِ وَالنَصرُ ضارِبُه
وَيَستَغفِرُ الشَعبُ الفَخورُ لِرَبِّهِ
وَيَجمَعُ مِن ذَيلِ المَخيلَةِ ساحِبُه
وَيُحجَبُ رَبُّ العيدِ ساعَةَ عيدِهِ
وَتَنقُصُ مِن أَطرافِهِنَّ مَآرِبُه
أَلا هَكَذا الدُنيا وَذَلِكَ وُدُّها
فَهَلّا تَأَتّى في الأَمانِيِّ خاطِبُه
أَعَدَّ لَها إِدوَردُ أَعيادَ تاجِهِ
وَما في حِسابِ اللَهِ ما هُوَ حاسِبُه
مَشَت في الثَرى أَنباؤُها فَتَساءَلَت
مَشارِقُهُ عَن أَمرِها وَمَغارِبُه
وَكاثَرَ في البَرِّ الحَصى مَن يَجوبُهُ
وَكاثَرَ مَوجَ البَحرِ راكِبُه
إِلى مَوكِبٍ لَم تُخرِجِ الأَرضُ مِثلَهُ
وَلَن يَتهادى فَوقَها ما يُقارِبُه
إِذا سارَ فيهِ سارَتِ الناسُ خَلفَهُ
وَشَدَّت مَغاويرَ المُلوكِ رَكائِبُه
تُحيطُ بِهِ كَالنَملِ في البَرِّ خَيلُهُ
وَتَملَأُ آفاقَ البِحارِ مَراكِبُه
نِظامُ المَجالي وَالمَواكِبِ حَلَّهُ
زَمانٌ وَشيكٌ رَيبُهُ وَنَوائِبُه
فَبَينا سَبيلُ القَومِ أَمنٌ إِلى المُنى
إِذا هُوَ خَوفٌ في الظُنونِ مَذاهِبُه
إِذا جَاءَتِ الأَعيادُ في كُلِّ مَسمَعٍ
تَجوبُ الثَرى شَرقاً وَغَرباً جَوائِبُه
رَجاءٌ فَلَم يَلبُث فَخَوفٌ فَلَم يَدُم
سَلِ الدَهرَ أَيُّ الحادِثَينِ عَجائِبُه
فيا لَيتَ شِعري أَينَ كانَت جُنودُهُ
وَكَيفَ تَراخَت في الفِداءِ قَواضِبُه
وَرُدَّت عَلى أَعقابِهِنَّ سَفينُهُ
وَما رَدَّها في البَحرِ يَوماً مُحارِبُه
وَكَيفَ أَفاتَتهُ الحَوادِثُ طِلبَةً
وَما عَوَّدتَهُ أَن تَفوتَ رَغائِبُه
لَكَ المُلكُ يا مَن خَصَّ بِالعِزِّ ذاتَهُ
وَمَن فَوقَ آرابَ المُلوكِ مَآرِبُه
فَلا عَرشَ إِلّا أَنتَ وارِثُ عِزِّهِ
وَلا تاجَ إِلّا أَنتَ بِالحَقِّ كاسِبُه
وَآمَنتُ بِالعِلمِ الَّذي أَنتَ نورُهُ
وَمِنكَ أَياديهِ وَمِنكَ مَناقِبُه
تُؤامِنُ مِن خَوفٍ بِهِ كُلُّ غالِبٍ
عَلى أَمرِهِ في الأَرضِ وَالداءُ غالِبُه
سَلوا صاحِبَ المُلكَينِ هَل مَلَك القُوى
وَأُسدُ الشَرى تَعنو لَهُ وَتُحارِبُه
وَهَل رَفَعَ الداءَ العُضالَ وَزيرُهُ
وَهَل حَجَبَ البابَ المُمَنَّعَ حاجِبُه
وَهَل قَدَّمَت إِلّا دُعاةً شُعوبُهُ
وَساعَفَ إِلّا بِالصَلاةِ أَقارِبُه
هُنالِكَ كانَ العِلمُ يُبلي بَلاءَهُ
وَكانَ سِلاحُ النَفسِ تُغني تَجارِبُه
كَريمُ الظُبا لا يَقرُبُ الشَرَّ حَدُّهُ
وَفي غَيرِهِ شَرُّ الوَرى وَمَعاطِبُه
إِذا مَرَّ نَحوَ المَرءِ كانَ حَياتَهُ
كَإِصبَعِ عيسى نَحوَ مَيتٍ يُخاطِبُه
وَأَيسَرُ مِن جُرحِ الصُدودِ فِعالُهُ
وَأَسهَلُ مِن سَيفِ اللِحاظِ مَضارِبُه
عَجيبٌ يُرَجّى مِشرَطاً أَو يَهابُهُ
مَنِ الغَربُ راجيهِ مَنِ الشَرقُ هائِبُه
فَلَو تُفتَدى بِالبيضِ وَالسُمرِ فِديَةٌ
لَأَلقَت قَناها في البِلادِ كَتائِبُه
وَلَو أَنَّ فَوقَ العِلمِ تاجاً لَتَوَّجوا
طَبيباً لَهُ بِالأَمسِ كانَ يُصاحِبُه
فَآمَنتُ بِاللَهِ الَّذي عَزَّ شَأنُهُ
وَآمَنتُ بِالعِلمِ الَّذي عَزَّ طالِبُه

في الموت ما اعيا وفي اسبابه

في المَوتِ ما أَعيا وَفي أَسبابِهِ
كُلُّ اِمرِئٍ رَهنٌ بِطَيِّ كِتابِهِ
أَسَدٌ لَعَمرُكَ مَن يَموتُ بِظُفرِهِ
عِندَ اللِقاءِ كَمَن يَموتُ بِنابِهِ
إِن نامَ عَنكَ فَكُلُّ طِبٍّ نافِعٌ
أَو لَم يَنَم فَالطِبُّ مِن أَذنابِهِ
داءُ النُفوسِ وَكُلُّ داءٍ قَبلَهُ
هَمٌّ نَسينَ مَجيئَهُ بِذَهابِهِ
النَفسُ حَربُ المَوتِ إِلّا أَنَّها
أَتَتِ الحَياةَ وَشُغلَها مِن بابِهِ
تَسَعُ الحَياةَ عَلى طَويلِ بَلائِها
وَتَضيقُ عَنهُ عَلى قَصيرِ عَذابِهِ
هُوَ مَنزِلُ الساري وَراحَةُ رائِحٍ
كَثُرَ النَهارُ عَلَيهِ في إِنعابِهِ
وَشَفاءُ هَذي الروحِ مِن آلامِها
وَدَواءُ هَذا الجِسمِ مِن أَوصابِهِ
مَن سَرَّهُ أَلّا يَموتَ فَبِالعُلا
خَلُدَ الرِجالُ وَبِالفِعالِ النابِهِ
ما ماتَ مَن حازَ الثَرى آثارَهُ
وَاِستَولَتِ الدُنيا عَلى آدابِهِ
قُل لِلمُدِلِّ بِمالِهِ وَبِجاهِهِ
وَبِما يُجِلُّ الناسُ مِن أَنسابِهِ
هَذا الأَديمُ يَصُدُّ عَن حُضّارِهِ
وَيَنامُ مِلءَ الجَفنِ عَن غُيّابِهِ
إِلّا فَنىً يَمشي عَلَيهِ مُجَدِّداً
ديباجَتَيهِ مُعَمِّراً بِخَرابِهِ
صادَت بِقارِعَةِ الصَعيدِ بَعوضَةٌ
في الجَوِّ صائِدَ بازِهِ وَعُقابِهِ
وَأَصابَ خُرطومُ الذُبابَةِ صَفحَةً
خُلِقَت لِسَيفِ الهِندِ أَو لِذُبابِهِ
طارَت بِخافِيَةِ القَضاءِ وَرَأرَأَت
بِكَريمَتَيهِ وَلامَسَت بِلُعابِهِ
لا تَسمَعَنَّ لِعُصبَةِ الأَرواحِ ما
قالوا بِباطِلِ عِلمِهِم وَكِذابِهِ
الروحُ لِلرَحمَنِ جَلَّ جَلالُهُ
هِيَ مِن ضَنائِنِ عِلمِهِ وَغِيابِهِ
غُلِبوا عَلى أَعصابِهِم فَتَوَهَّموا
أَوهامَ مَغلوبٍ عَلى أَعصابِهِ
ما آبَ جَبّارُ القُرونِ وَإِنَّما
يَومُ الحِسابِ يَكونُ يَومَ إِيابِهِ
فَذَروهُ في بَلَدِ العَجائِبِ مُغمَداً
لا تَشهَروهُ كَأَمسِ فَوقَ رِقابِهِ
المُستَبِدُّ يُطاقُ في ناووسِهِ
لا تَحتَ تاجَيهِ وَفَوقَ وِثابِهِ
وَالفَردُ يُؤمَنُ شَرُّهُ في قَبرِهِ
كَالسَيفِ نامَ الشَرُّ خَلفَ قِرابِهِ
هَل كانَ توتَنخٌ تَقَمَّصُ روحُهُ
قُمُصَ البَعوضِ وَمُستَخَسَّ إِهابِهِ
أَو كانَ يَجزيكَ الرَدى عَن صُحبَةٍ
وَهوَ القَديمُ وَفاؤُهُ لِصِحابِهِ
تَاللَهِ لَو أَهدى لَكَ الهَرَمَينِ مِن
ذَهَبٍ لَكانَ أَقَلَّ ما تُجزى بِهِ
أَنتَ البَشيرُ بِهِ وَقَيِّمُ قَصرِهِ
وَمُقَدِّمُ النُبَلاءِ مِن حُجّابِهِ
أَعلَمتَ أَقوامَ الزَمانِ مَكانَهُ
وَحَشَدتَهُم في ساحِهِ وَرِحابِهِ
لولا بَنانُكَ في طَلاسِمِ تُربِهِ
ما زادَ في شَرَفٍ عَلى أَترابِهِ
أَخنى الحِمامُ عَلى اِبنِ هِمَّةِ نَفسِهِ
في المَجدِ وَالباني عَلى أَحسابِهِ
الجائِبُ الصَخرَ العَتيدَ بِحاجِرٍ
دَبَّ الزَمانُ وَشَبَّ في أَسرابِهِ
لَو زايَلَ المَوتى مَحاجِرَهُم بِهِ
وَتَلَفَّتوا لَتَحَيَّروا كَضَبابِهِ
لَم يَألُهُ صَبراً وَلَم يَنِ هِمَّةً
حَتّى اِنثَنى بِكُنوزِهِ وَرِغابِهِ
أَفضى إِلى خَتمِ الزَمانِ فَفَضَّهُ
وَحَبا إِلى التاريخِ في مِحرابِهِ
وَطَوى القُرونَ القَهقَرى حَتّى أَتى
فِرعَونَ بَينَ طَعامِهِ وَشَرابِهِ
المَندَلُ الفَيّاحُ عودُ سَريرِهِ
وَاللُؤلُؤُ اللَمّاحُ وَشيُ ثِيابِهِ
وَكَأَنَّ راحَ القاطِفينَ فَرَغنَ مِن
أَثمارِهِ صُبحاً وَمِن أَرطابِهِ
جَدَثٌ حَوى ما ضاقَ غُمدانٌ بِهِ
مِن هالَةِ المُلكِ الجَسيمِ وَغابِهِ
بُنيانُ عُمرانٍ وَصَرحُ حَضارَةٍ
في القَبرِ يَلتَقِيانِ في أَطنابِهِ
فَتَرى الزَمانَ هُناكَ عِندَ مَشيبِهِ
مِثلَ الزَمانِ اليَومَ بَعدَ شَبابِهِ
وَتُحِسُّ ثَمَّ العِلمَ عِندَ عُبابِهِ
تَحتَ الثَرى وَالفَنُّ عِندَ عُجابِهِ
يا صاحِبَ الأُخرى بَلَغتَ مَحَلَّةً
هِيَ مِن أَخي الدُنيا مُناخُ رِكابِهِ
نُزُلٌ أَفاقَ بِجانِبَيهِ مِنَ الهَوى
مَن لا يُفيقُ وَجَدَّ مِن تَلعابِهِ
نامَ العَدُوُّ لَدَيهِ عَن أَحقادِهِ
وَسَلا الصَديقُ بِهِ هَوى أَحبابِهِ
الراحَةُ الكُبرى مِلاكُ أَديمِهِ
وَالسَلوَةُ الطولى قِوامُ تُرابِهِ
وادي المُلوكِ بَكَت عَلَيكَ عُيونُهُ
بِمُرَقرَقٍ كَالمُزنِ في تَسكابِهِ
أَلقى بَياضَ الغَيمِ عَن أَعطافِهِ
حُزناً وَأَقبَلَ في سَوادِ سَحابِهِ
يَأسى عَلى حَرباءِ شَمسِ نَهارِهِ
وَنَزيلُ قيعَتِهِ وَجارُ سَرابِهِ
وَيَوَدُّ لَو أُلبِستَ مِن بَردِيَّهِ
بُردَينِ ثُمَّ دُفِنتَ بَينَ شِعابِهِ
نَوَّهتَ في الدُنيا بِهِ وَرَفَعتَهُ
فَوقَ الأَديمِ بِطاحِهِ وَهِضابِهِ
أَخرَجتَ مِن قَبرٍ كِتابَ حَضارَةٍ
الفَنُّ وَالإِعجازُ مِن أَبوابِهِ
فَصَّلتَهُ فَالبَرقُ في إيجازِهِ
يُبنى البَريدُ عَلَيهِ في إِطنابِهِ
طَلَعا عَلى لَوزانَ وَالدُنيا بِها
وَعَلى المُحيطِ ما وَراءَ عُبابِهِ
جِئتَ الشُعوبَ المُحسِنينَ بِشافِعٍ
مِن مِثلِ مُتقَنِ فَنِّهِم وَلُبابِهِ
فَرَفَعتَ رُكناً لِلقَضِيَّةِ لَم يَكُن
سَحبانُ يَرفَعُهُ بِسِحرِ خِطابِهِ

وهذه واقعة مستغربه

وَهَذِهِ واقِعَةٌ مُستَغرَبَه
في هَوَسِ الأَفعى وَخُبثِ العَقرَبَه
رَأَيتُ أَفعى من بَناتِ النيلِ
مُعجَبَةً بِقَدِّها الجَميلِ
تَحتَقِرُ النُصحَ وَتَجفو الناصِحا
وَتَدَّعي العَقلَ الكَبيرَ الراجِحا
عَنَت لَها رَبيبَةُ السَباخِ
تَحمِلُ وَزنَيها مِنَ الأَوساخِ
فَحَسِبَتها وَالحِسابُ يُجدي
ساحِرَةً مِن ساحِراتِ الهِندِ
فَاِنخَرَطَت مِثلَ الحُسامِ الوالِجِ
وَاِندَفَعَت تِلكَ كَسَهمٍ زالِجِ
حَتّى إِذا ما أَبلَغَتها جُحرَها
دارَت عَلَيهِ كَالسِوارِ دَورَها
تَقولُ يا أُمَّ العَمى وَالطَيشِ
أَينَ الفِرارُ يا عَدُوَّ العَيشِ
إِن تِلجي فَالمَوتُ في الوُلوجِ
أَو تَخرُجي فَالهُلكُ في الخُروجِ
فَسَكَتَت طَريدَةُ البُيوتِ
وَاِغتَرَّتِ الأَفعى بِذا السُكوتِ
وَهَجَعَت عَلى الطَريقِ هَجعَه
فَخَرَجَت ضَرَّتُها بِسُرعَه
وَنَهَضَت في ذِروَةِ الدِماغِ
وَاِستَرسَلَت في مُؤلِمِ التَلداغِ
فَاِنتَبَهَت كَالحالِمِ المَذعورِ
تُصيحُ بِالوَيلِ وَبِالثُبورِ
حَتّى وَهَت مِنَ الفَتاةِ القُوَّه
فَنَزَلت عَن رَأسِها العُدُوَّه
تَقولُ صَبراً لِلبَلاءِ صَبرا
وَإِن وَجَدتِ قَسوَةً فَعُذرا
فَرَأسُكِ الداءُ وَذا الدَواءُ
وَهَكَذا فَلتُركَبُ الأَعداءُ
مَن مَلَكَ الخَصمَ وَنامَ عَنهُ
يُصبِحُ يَلقى ما لَقيت مِنهُ
لَولا الَّذي أَبصَرَ أَهلُ التَجرِبَه
مِنّي لَما سَمّوا الخَبيثَ عَقرَبَه