جئننا بالشعور والاحداق

جِئنَنا بِالشُعورِ وَالأَحداقِ
وَقَسَمنَ الحُظوظَ في العُشّاقِ
وَهَزَزنَ القَنا قُدوداً فَأَبلى
كُلَّ قَلبٍ مُستَضعَفٍ خَفّاقِ
حَبَّذا القِسمُ في المُحِبّينَ قِسمي
لَو يُلاقونَ في الهَوى ما أُلاقي
حيلَتي في الهَوى وَما أَتَمَنّى
حيلَةَ الأَذكِياءِ في الأَرزاقِ
لَو يُجازى المُحِبُّ عَن فَرطِ شَوقٍ
لَجُزيتُ الكَثيرَ عَن أَشواقِ
وَفَتاةٍ ما زادَها في غَريبِ ال
حُسنِ إِلّا غَرائِبُ الأَخلاقِ
ذُقتُ مِنها حُلواً وَمُرّاً وَكانَت
لَذَّةُ العِشقِ في اِختِلافِ المَذاقِ
ضَرَبَت مَوعيداً فَلَمّا اِلتَقَينا
جانَبَتني تَقولُ فيمَ التَلاقي
قُلتُ ما هَكَذا المَواثيقُ قالَت
لَيسَ لِلغانِياتِ مِن مِثاقِ
عَطَفَتها نَحافَتي وَشَجاها
شافِعٌ بادِرٌ مِنَ الآماقِ
فَأَرَتني الهَوى وَقالَت خَشينا
وَالهَوى شُعبَةٌ مِنَ الإِشفاقِ
يا فَتاةَ العِراقِ أَكتُمُ مَن أَن
تِ وَأَكني عَن حُبِّكُم بِالعِراقِ
لي قَوافٍ تَعِفُّ في الحُبِّ إِلّا
عَنكِ سارَت جَوائِبَ الآفاقِ
لا تَمَنّى الزَمانُ مِنها مَزيداً
إِن تَمَنَّيتُ أَن تَفُكّي وِثاقي
حَمِّليني في الحُبِّ ما شِئتِ إِلّا
حادِثَ الصَدِّ أَو بَلاءَ الفِراقِ
وَاِسمَحي بِالعِناقِ إِن رَضِيَ الدَلُّ
وَسامَحتِ فانِياً في العِناقِ

اقول لقلبي والهوي يزحم الهوي

أقول لقلبي والهوى يزحم الهوى
حوالي الصبا والوجد بالوجد يلتقى
إذا أنت لم تعط الشبيبة حقها
ندمت على ما فات بعد التفرّق
وإنك حىّ ما خفقت مؤمّل
وإن حياتي في حياتك فاخفق

اميدان الوفاق وكنت تدعي

أَمَيدانَ الوِفاقِ وَكُنتَ تُدعى
بِمَيدانِ العَداوَةِ وَالشِقاقِ
أَتَدري أَيُّ ذَنبٍ أَنتَ جانٍ
وَأَيُّ دَمٍ ذَهَبتَ بِهِ مُراقِ
هَوى فيكَ السَريرُ وَمَن عَلَيهِ
وَماتَ الثائِرونَ وَأَنتَ باقِ
أَصابوا وَاِستَراحَ لُويسُ مِنهُم
لِذا سُمّيتَ مَيدانَ الوِفاقِ

سلام من صبا بردي ارق

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ
وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي
جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
وَذِكرى عَن خَواطِرِها لِقَلبي
إِلَيكِ تَلَفُّتٌ أَبَداً وَخَفقُ
وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي
جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ
دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ
وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ
وَتَحتَ جِنانِكِ الأَنهارُ تَجري
وَمِلءُ رُباكِ أَوراقٌ وَوُرقُ
وَحَولي فِتيَةٌ غُرٌّ صِباحٌ
لَهُم في الفَضلِ غاياتٌ وَسَبقُ
عَلى لَهَواتِهِم شُعَراءُ لُسنٌ
وَفي أَعطافِهِم خُطَباءُ شُدقُ
رُواةُ قَصائِدي فَاِعجَب لِشِعرٍ
بِكُلِّ مَحَلَّةٍ يَرويهِ خَلقُ
غَمَزتُ إِباءَهُم حَتّى تَلَظَّت
أُنوفُ الأُسدِ وَاِضطَرَمَ المَدَقُّ
وَضَجَّ مِنَ الشَكيمَةِ كُلُّ حُرٍّ
أَبِيٍّ مِن أُمَيَّةَ فيهِ عِتقُ
لَحاها اللَهُ أَنباءً تَوالَت
عَلى سَمعِ الوَلِيِّ بِما يَشُقُّ
يُفَصِّلُها إِلى الدُنيا بَريدٌ
وَيُجمِلُها إِلى الآفاقِ بَرقُ
تَكادُ لِرَوعَةِ الأَحداثِ فيها
تُخالُ مِنَ الخُرافَةِ وَهيَ صِدقُ
وَقيلَ مَعالِمُ التاريخِ دُكَّت
وَقيلَ أَصابَها تَلَفٌ وَحَرقُ
أَلَستِ دِمَشقُ لِلإِسلامِ ظِئراً
وَمُرضِعَةُ الأُبُوَّةِ لا تُعَقُّ
صَلاحُ الدينِ تاجُكَ لَم يُجَمَّل
وَلَم يوسَمَ بِأَزيَنَ مِنهُ فَرقُ
وَكُلُّ حَضارَةٍ في الأَرضِ طالَت
لَها مِن سَرحِكِ العُلوِيِّ عِرقُ
سَماؤُكِ مِن حُلى الماضي كِتابٌ
وَأَرضُكِ مِن حُلى التاريخِ رِقُّ
بَنَيتِ الدَولَةَ الكُبرى وَمُلكاً
غُبارُ حَضارَتَيهِ لا يُشَقُّ
لَهُ بِالشامِ أَعلامٌ وَعُرسٌ
بَشائِرُهُ بِأَندَلُسٍ تَدُقُّ
رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها
أَحَقٌّ أَنَّها دَرَسَت أَحَقُّ
وَهَل غُرَفُ الجِنانِ مُنَضَّداتٌ
وَهَل لِنَعيمِهِنَّ كَأَمسِ نَسقُ
وَأَينَ دُمى المَقاصِرِ مِن حِجالٍ
مُهَتَّكَةٍ وَأَستارٍ تُشَقُّ
بَرَزنَ وَفي نَواحي الأَيكِ نارٌ
وَخَلفَ الأَيكِ أَفراخٌ تُزَقُّ
إِذا رُمنَ السَلامَةَ مِن طَريقٍ
أَتَت مِن دونِهِ لِلمَوتِ طُرقُ
بِلَيلٍ لِلقَذائِفِ وَالمَنايا
وَراءَ سَمائِهِ خَطفٌ وَصَعقُ
إِذا عَصَفَ الحَديدُ اِحمَرَّ أُفقٌ
عَلى جَنَباتِهِ وَاِسوَدَّ أُفقُ
سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ
أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ
وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانو
قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ
رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا
أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ
إِذا ماجاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ
يَقولُ عِصابَةٌ خَرَجوا وَشَقّوا
دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا
وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ
جَرى في أَرضِها فيهِ حَياةٌ
كَمُنهَلِّ السَماءِ وَفيهِ رِزقُ
بِلادٌ ماتَ فِتيَتُها لِتَحيا
وَزالوا دونَ قَومِهِمُ لِيَبقوا
وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها
فَكَيفَ عَلى قَناها تُستَرَقُّ
بَني سورِيَّةَ اِطَّرِحوا الأَماني
وَأَلقوا عَنكُمُ الأَحلامَ أَلقوا
فَمِن خِدَعِ السِياسَةِ أَن تُغَرّوا
بِأَلقابِ الإِمارَةِ وَهيَ رِقُّ
وَكَم صَيَدٍ بَدا لَكَ مِن ذَليلٍ
كَما مالَت مِنَ المَصلوبِ عُنقُ
فُتوقُ المُلكِ تَحدُثُ ثُمَّ تَمضي
وَلا يَمضي لِمُختَلِفينَ فَتقُ
نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ داراً
وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ
وَيَجمَعُنا إِذا اِختَلَفَت بِلادٌ
بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ
وَقَفتُم بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ
فَإِن رُمتُم نَعيمَ الدَهرِ فَاِشقوا
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ
يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا
إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا
وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا
وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ
فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ
وَفي الأَسرى فِدىً لَهُمو وَعِتقُ
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ
بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ
جَزاكُم ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ
وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ
نَصَرتُم يَومَ مِحنَتِهِ أَخاكُم
وَكُلُّ أَخٍ بِنَصرِ أَخيهِ حَقُّ
وَما كانَ الدُروزُ قَبيلَ شَرٍّ
وَإِن أُخِذوا بِما لَم يَستَحِقّوا
وَلَكِن ذادَةٌ وَقُراةُ ضَيفٍ
كَيَنبوعِ الصَفا خَشُنوا وَرَقّوا
لَهُم جَبَلٌ أَشَمُّ لَهُ شَعافٌ
مَوارِدُ في السَحابِ الجونِ بُلقُ
لِكُلِّ لَبوءَةٍ وَلِكُلِّ شِبلٍ
نِضالٌ دونَ غايَتِهِ وَرَشقُ
كَأَنَّ مِنَ السَمَوأَلِ فيهِ شَيئاً
فَكُلُّ جِهاتِهِ شَرَفٌ وَخَلقُ

سلام من صبا بردي ارق

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ
وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي
جَلالُ الرُّزْءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
وَذِكرى عَن خَواطِرِها لِقَلبي
إِلَيكِ تَلَفُّتٌ أَبَدًا وَخَفقُ
وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي
جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ
دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ
وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ
وَتَحتَ جِنانِكِ الأَنهارُ تَجري
وَمِلءُ رُباكِ أَوراقٌ وَوُرْقُ
وَحَولي فِتيَةٌ غُرٌّ صِباحٌ
لَهُم في الفَضلِ غاياتٌ وَسَبقُ
عَلى لَهَواتِهِم شُعَراءُ لُسنٌ
وَفي أَعطافِهِم خُطَباءُ شُدقُ
رُواةُ قَصائِدي فَاعجَب لِشِعرٍ
بِكُلِّ مَحَلَّةٍ يَرويهِ خَلقُ
غَمَزتُ إِباءَهُمْ حَتّى تَلَظَّتْ
أُنوفُ الأُسدِ وَاضطَرَمَ المَدَقُّ
وَضَجَّ مِنَ الشَكيمَةِ كُلُّ حُرٍّ
أَبِيٍّ مِن أُمَيَّةَ فيهِ عِتقُ
لَحاها اللهُ أَنباءً تَوالَتْ
عَلى سَمعِ الوَلِيِّ بِما يَشُقُّ
يُفَصِّلُها إِلى الدُنيا بَريدٌ
وَيُجمِلُها إِلى الآفاقِ بَرقُ
تَكادُ لِرَوعَةِ الأَحداثِ فيها
تُخالُ مِنَ الخُرافَةِ وَهيَ صِدقُ
وَقيلَ مَعالِمُ التاريخِ دُكَّتْ
وَقيلَ أَصابَها تَلَفٌ وَحَرقُ
أَلَستِ دِمَشقُ لِلإِسلامِ ظِئرًا
وَمُرضِعَةُ الأُبُوَّةِ لا تُعَقُّ
صَلاحُ الدينِ تاجُكَ لَم يُجَمَّلْ
وَلَمْ يوسَمْ بِأَزيَنَ مِنهُ فَرقُ
وَكُلُّ حَضارَةٍ في الأَرضِ طالَتْ
لَها مِن سَرحِكِ العُلوِيِّ عِرقُ
سَماؤُكِ مِن حُلى الماضي كِتابٌ
وَأَرضُكِ مِن حُلى التاريخِ رَقُّ
بَنَيتِ الدَولَةَ الكُبرى وَمُلكًا
غُبارُ حَضارَتَيهِ لا يُشَقُّ
لَهُ بِالشامِ أَعلامٌ وَعُرسٌ
بَشائِرُهُ بِأَندَلُسٍ تَدُقُّ
رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها
أَحَقٌّ أَنَّها دَرَسَت أَحَقُّ
وَهَل غُرَفُ الجِنانِ مُنَضَّداتٌ
وَهَل لِنَعيمِهِنَّ كَأَمسِ نَسقُ
وَأَينَ دُمى المَقاصِرِ مِن حِجالٍ
مُهَتَّكَةٍ وَأَستارٍ تُشَقُّ
بَرَزنَ وَفي نَواحي الأَيكِ نارٌ
وَخَلفَ الأَيكِ أَفراخٌ تُزَقُّ
إِذا رُمنَ السَلامَةَ مِن طَريقٍ
أَتَت مِن دونِهِ لِلمَوتِ طُرقُ
بِلَيلٍ لِلقَذائِفِ وَالمَنايا
وَراءَ سَمائِهِ خَطفٌ وَصَعقُ
إِذا عَصَفَ الحَديدُ احمَرَّ أُفقٌ
عَلى جَنَباتِهِ وَاسوَدَّ أُفقُ
سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ
أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ
وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانوا
قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ
رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا
أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ
إِذاما جاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ
يَقولُ عِصابَةٌ خَرَجوا وَشَقّوا
دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا
وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ
جَرى في أَرضِها فيهِ حَياةٌ
كَمُنهَلِّ السَماءِ وَفيهِ رِزقُ
بِلادٌ ماتَ فِتيَتُها لِتَحيا
وَزالوا دونَ قَومِهِمُ لِيَبقوا
وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها
فَكَيفَ عَلى قَناها تُستَرَقُّ
بَني سورِيَّةَ اطَّرِحوا الأَماني
وَأَلقوا عَنكُمُ الأَحلامَ أَلقوا
فَمِن خِدَعِ السِياسَةِ أَن تُغَرّوا
بِأَلقابِ الإِمارَةِ وَهيَ رِقُّ
وَكَمْ صَيَدٍ بَدا لَكَ مِن ذَليلٍ
كَما مالَتْ مِنَ المَصلوبِ عُنقُ
فُتوقُ المُلكِ تَحدُثُ ثُمَّ تَمضي
وَلا يَمضي لِمُختَلِفينَ فَتقُ
نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا
وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ
وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ
بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ
وَقَفتُمْ بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ
فَإِن رُمتُمْ نَعيمَ الدَهرِ فَاشْقَوا
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ
يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا
إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا
وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا
وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ
فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ
وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ
بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ
جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ
وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ
نَصَرتُمْ يَومَ مِحنَتِهِ أَخاكُمْ
وَكُلُّ أَخٍ بِنَصرِ أَخيهِ حَقُّ
وَما كانَ الدُروزُ قَبيلَ شَرٍّ
وَإِن أُخِذوا بِما لَم يَستَحِقّوا
وَلَكِن ذادَةٌ وَقُراةُ ضَيفٍ
كَيَنبوعِ الصَفا خَشُنوا وَرَقُّوا
لَهُم جَبَلٌ أَشَمُّ لَهُ شَعافٌ
مَوارِدُ في السَحابِ الجُونِ بُلقُ
لِكُلِّ لَبوءَةٍ وَلِكُلِّ شِبلٍ
نِضالٌ دونَ غايَتِهِ وَرَشقُ
كَأَنَّ مِنَ السَمَوأَلِ فيهِ شَيئًا
فَكُلُّ جِهاتِهِ شَرَفٌ وَخَلقُ

يمينا بالطلاق وبالعتاق

يمينا بالطلاق وبالعتاق
من الدنيا المعلقمة المذاق
وكل فقارة من ظهر مكسى
بصحراء الإمام وعظم ساق
وتربته وكل الخير فيها
ونسبته الشريفة للبراق
وبالخُطَب الطوال وما حوته
وإن لم يبق في الأذهان باق
وكَسرى الشعر إن أنشدت شعرا
ونطقي القاف واسعة النطاق
وما لوَّنت للدُّولات وجهي
ولم ألبس لها ثوب الرياق
بوقت ضاعت الأخلاق فيه
وأصبحت السلامة في النفاق
أيشتمني سليمان بن فوزي
و بيبي في دي ومعي تَباق
وتحت يدى من العمال جمع
يُشمِّر ذيله عند التلاقى
ولسنا في البيان إذا جرينا
لأبعدِ غاية فرسَي سباق
تُقاقي ذقنه من غير بيض
ولي ذقن تبيض ولا تقاقي
وتحلاق اللحى ما كان رأيى
ولا قصّ الشوارب من خلاقي
أنا الطيار رجل في دمشق
إذا اشتدّت ورجل في العراق
أنا الأسد الغضنفر بيد أني
تسيرني الجآذر في الرباق
ألا طز على العيهور طز
وإن أبدى مجاملة الرفاق
بقارعة الطريق ينال مني
ويوسعني عناقا في الزقاق
وليس من الغريب سواد حظي
وبالسودان قد طال التصاقي
نُحست فلو دعيت لأجل فتق
وجدت قليطة تحت الفتاق
ألم تر أنني أعرضت عنه
وصار لغير طلعته اشتياقي
أذم القبعات ولابسيها
وتعجبني الشوادن في الطواقي
وأوعز بالعقال إلى شباب
رجعت بهم إلى عصر النياق
فسبحان المفرِّق حظ قومٍ
قناطيرا وأقوامٍ أواقي
وقوم يرتقون إلى المعالي
وقوم ما لهم فيها مراقى
وأصحاب المقارف والمرازي
وأصحاب المزارع والسواقي
وأيد لا تكاد تصيب خبزا
وايد لا تُسل من الرقاق
وعيش كالزواج على غرام
وعيش مثل كارثة الطلاق
أمور يضحك السعداء منها
ويبكى البلشفيّ والاشتراقي

وممهد في الوكر

وَمُمَهَّدٌ في الوَكرِ مِن
وَلَدِ الغُرابِ مُزَقَّق
كَرُوَيهِبٍ مُتَقَلِّسٍ
مُتَأَزِّرٍ مُتَنَطِّق
لَبِسَ الرَمادَ عَلى سَوا
دِ جَناحِهِ وَالمَفرِق
كَالفَحمِ غادَرَ في الرَما
دِ بَقِيَّةً لَم تُحرَق
ثُلثاهُ مِنقارٌ وَرَأ
سٌ وَالأَظافِرُ ما بَقي
ضَخمُ الدِماغِ عَلى الخُلُو
وِ مِنَ الحِجى وَالمَنطِق
مِن أُمِّهِ لَقِيَ الصَغيـ
ـرُ مِنَ البَلِيَّةِ ما لَقي
جَلَبَت عَلَيهِ ما تَذو
دُ الأُمَّهاتُ وَتَتَّقي
فُتِنَت بِهِ فَتَوَهَّمَت
فيهِ قُوىً لَم تُخلَق
قالَت كَبِرتَ فَثِب كَما
وَثَبَ الكِبارُ وَحَلِّق
وَرَمَت بِهِ في الجَوِّ لَم
تَحرِص وَلَم تَستَوثِق
فَهَوى فَمُزِّقَ في فِنا
ءِ الدارِ شَرَّ مُمَزَّق
وَسَمِعتُ قاقاتٍ تُرَد
دَدُ في الفَضاءِ وَتَرتَقي
وَرَأَيتُ غِرباناً تُفَر
رِقُ في السَماءِ وَتَلتَقي
وَعَرَفتُ رَنَّةَ أُمِّهِ
في الصارِخاتِ النُعَّق
فَأَشَرتُ فَاِلتَفَتَت فَقُلـ
ـتُ لَها مَقالَةَ مُشفِق
أَطلَقتِهِ وَلَوِ اِمتَحَنـ
ـتِ جَناحَهُ لَم تُطلِقي
وَكَما تَرَفَّقَ والِدا
كِ عَلَيكِ لَم تَتَرَفَّقي

من اي عهد في القري تتدفق

مِن أَيِّ عَهدٍ في القُرى تَتَدَفَّقُ
وَبِأَيِّ كَفٍّ في المَدائِنِ تُغدِقُ
وَمِنَ السَماءِ نَزَلتَ أَم فُجِّرتَ مِن
عَليا الجِنانِ جَداوِلاً تَتَرَقرَقُ
وَبِأَيِّ عَينٍ أَم بِأَيَّةِ مُزنَةٍ
أَم أَيِّ طوفانٍ تَفيضُ وَتَفهَقُ
وَبِأَيِّ نَولٍ أَنتَ ناسِجُ بُردَةٍ
لِلضِفَّتَينِ جَديدُها لا يُخلَقُ
تَسوَدُّ ديباجاً إِذا فارَقتَها
فَإِذا حَضَرتَ اِخضَوضَرَ الإِستَبرَقُ
في كُلِّ آوِنَةٍ تُبَدِّلُ صِبغَةً
عَجَباً وَأَنتَ الصابِغُ المُتَأَنِّقُ
أَتَتِ الدُهورُ عَلَيكَ مَهدُكَ مُترَعٌ
وَحِياضُكَ الشُرقُ الشَهِيَّةُ دُفَّقُ
تَسقي وَتُطعِمُ لا إِناؤُكَ ضائِقٌ
بِالوارِدينَ وَلا خُوّانُكَ يَنفُقُ
وَالماءُ تَسكُبُهُ فَيُسبَكُ عَسجَداً
وَالأَرضُ تُغرِقُها فَيَحيا المُغرَقُ
تُعي مَنابِعُكَ العُقولَ وَيَستَوي
مُتَخَبِّطٌ في عِلمِها وَمُحَقِّقُ
أَخلَقتَ راووقَ الدُهورِ وَلَم تَزَل
بِكَ حَمأَةٌ كَالمِسكِ لا تَتَرَوَّقُ
حَمراءُ في الأَحواضِ إِلّا أَنَّها
بَيضاءُ في عُنُقِ الثَرى تَتَأَلَّقُ
دينُ الأَوائِلِ فيكَ دينُ مُروءَةٍ
لِمَ لا يُؤَلَّهُ مَن يَقوتُ وَيَرزُقُ
لَو أَنَّ مَخلوقاً يُؤَلَّهُ لَم تَكُن
لِسِواكَ مَرتَبَةُ الأُلوهَةِ تَخلُقُ
جَعَلوا الهَوى لَكَ وَالوَقارَ عِبادَةً
إِنَّ العِبادَةَ حَشيَةٌ وَتَعَلُّقُ
دانوا بِبَحرٍ بِالمَكارِمِ زاخِرٍ
عَذبِ المَشارِعِ مَدُّهُ لا يُلحَقُ
مُتَقَيِّدٌ بِعُهودِهِ وَوُعودِهِ
يَجري عَلى سَنَنِ الوَفاءِ وَيَصدُقُ
يَتَقَبَّلُ الوادي الحَياةَ كَريمَةً
مِن راحَتَيكَ عَميمَةً تَتَدَفَّقُ
مُتَقَلِّبُ الجَنبَينِ في نَعمائِهِ
يَعرى وَيُصبَغُ في نَداكَ فَيورِقُ
فَيَبيتُ خِصباً في ثَراهُ وَنِعمَةٍ
وَيَعُمُّهُ ماءُ الحَياةِ الموسِقِ
وَإِلَيكَ بَعدَ اللَهِ يَرجِعُ تَحتَهُ
ما جَفَّ أَو ما ماتَ أَو ما يَنفُقُ
أَينَ الفَراعِنَةُ الأُلى اِستَذرى بِهِم
عيسى وَيوسُفُ وَالكَليمُ المُصعَقُ
المورِدونَ الناسَ مَنهَلَ حِكمَةٍ
أَفضى إِلَيهِ الأَنبِياءُ لِيَستَقوا
الرافِعونَ إِلى الضُحى آباءَهُم
فَالشَمسُ أَصلُهُمُ الوَضيءُ المُعرِقُ
وَكَأَنَّما بَينَ البِلى وَقُبورِهِم
عَهدٌ عَلى أَن لا مِساسَ وَمَوثِقُ
فَحِجابُهُم تَحتَ الثَرى مِن هَيبَةٍ
كَحِجابِهِم فَوقَ الثَرى لا يُخرَقُ
بَلَغوا الحَقيقَةَ مِن حَياةٍ عِلمُها
حُجُبٌ مُكَثَّفَةٌ وَسِرٌّ مُغلَقُ
وَتَبَيَّنوا مَعنى الوُجودِ فَلَم يَرَوا
دونَ الخُلودِ سَعادَةً تَتَحَقَّقُ
يَبنونَ لِلدُنيا كَما تَبني لَهُم
خِرَباً غُرابُ البَينِ فيها يَنعَقُ
فَقُصورُهُم كوخٌ وَبَيتُ بَداوَةٍ
وَقُبورُهُم صَرحٌ أَشَمُّ وَجَوسَقُ
رَفَعوا لَها مِن جَندَلٍ وَصَفائِحٍ
عَمَداً فَكانَت حائِطاً لا يُنتَقُ
تَتَشايَعُ الدارانِ فيهِ فَما بَدا
دُنيا وَما لَم يَبدُ أُخرى تَصدُقُ
لِلمَوتِ سِرٌّ تَحتَهُ وَجِدارُهُ
سورٌ عَلى السِرِّ الخَفِيِّ وَخَندَقُ
وَكَأَنَّ مَنزِلَهُم بِأَعماقِ الثَرى
بَينَ المَحَلَّةِ وَالمَحَلَّةِ فُندُقُ
مَوفورَةٌ تَحتَ الثَرى أَزوادُهُم
رَحبٌ بِهِم بَينَ الكُهوفِ المُطبِقُ
وَلِمَن هَياكِلُ قَد عَلا الباني بِها
بَينَ الثُرَيّا وَالثَرى تَتَنَسَّقُ
مِنها المُشَيَّدُ كَالبُروجِ وَبَعضُها
كَالطَودِ مُضطَجِعٌ أَشَمُّ مُنَطَّقُ
جُدُدٌ كَأَوَّلِ عَهدِها وَحِيالَها
تَتَقادَمُ الأَرضُ الفَضاءُ وَتَعتُقُ
مِن كُلِّ ثِقلٍ كاهِلُ الدُنيا بِهِ
تَعِبٌ وَوَجهُ الأَرضِ عَنهُ ضَيِّقُ
عالٍ عَلى باعِ البِلى لا يَهتَدي
ما يَعتَلي مِنهُ وَما يَتَسَلَّقُ
مُتَمَكِّنٌ كَالطَودِ أَصلاً في الثَرى
وَالفَرعُ في حَرَمِ السَماءِ مُحَلِّقُ
هِيَ مِن بِناءِ الظُلمِ إِلّا أَنَّهُ
يَبيَضُّ وَجهُ الظُلمِ مِنهُ وَيُشرِقُ
لَم يُرهِقِ الأُمَمَ المُلوكُ بِمِثلِها
فَخراً لَهُم يَبقى وَذِكراً يَعبَقُ
فُتِنَت بِشَطَّيكَ العِبادُ فَلَم يَزَل
قاصٍ يَحُجُّهُما وَدانٍ يَرمُقُ
وَتَضَوَّعَت مِنكَ الدُهورِ كَأَنَّما
في كُلِّ ناحِيَةٍ بَخورٌ يُحرَقُ
وَتَقابَلَت فيها عَلى السُرُرِ الدُمى
مُستَردِياتِ الذُلِّ لا تَتَفَتَّقُ
عَطَلَت وَكانَ مَكانُهُنَّ مِنَ العُلى
بَلقيسُ تَقبِسُ مِن حُلاهُ وَتَسرِقُ
وَعَلا عَلَيهُنَّ التُرابُ وَلَم يَكُن
يَزكو بِهِنَّ سِوى العَبيرُ وَيَلبَقُ
حُجُراتُها مَوطوءَةٌ وَسُتورُها
مَهتوكَةٌ بِيَدِ البِلى تَتَخَرَّقُ
أَودى بِزينَتِها الزَمانُ وَحَليِها
وَالحُسنُ باقٍ وَالشَبابُ الرَيِّقُ
لَو رُدَّ فِرعَونُ الغَداةَ لَراعَهُ
أَنَّ الغَرانيقَ العُلى لا تَنطِقُ
خَلَعَ الزَمانُ عَلى الوَرى أَيّامَهُ
فَإِذا الضُحى لَكَ حِصَّةٌ وَالرَونَقُ
لَكَ مِن مَواسِمِهِ وَمِن أَعيادِهِ
ما تَحسِرُ الأَبصارُ فيهِ وَتَبرَقُ
لا الفُرسُ أوتوا مِثلَهُ يَوماً وَلا
بَغدادُ في ظِلِّ الرَشيدِ وَجِلَّقُ
فَتحُ المَمالِكِ أَو قِيامُ العِجلِ أَو
يَومُ القُبورِ أَوِ الزَفافُ المونِقُ
كَم مَوكِبٍ تَتَخايَلُ الدُنيا بِهِ
يُجلى كَما تُجلى النُجومُ وَيُنسَقُ
فِرعَونُ فيهِ مِنَ الكَتائِبِ مُقبِلٌ
كَالسُحبِ قَرنُ الشَمسِ مِنها مُفتِقُ
تَعنو لِعِزَّتِهِ الوُجوهُ وَوَجهُهُ
لِلشَمسِ في الآفاقِ عانٍ مُطرِقُ
آبَت مِنَ السَفَرِ البَعيدِ جُنودُهُ
وَأَتَتهُ بِالفَتحِ السَعيدِ الفَيلَقُ
وَمَشى المُلوكُ مُصَفَّدينَ خُدودُهُم
نَعلٌ لِفِرعَونَ العَظيمِ وَنُمرُقُ
مَملوكَةٌ أَعناقُهُم لِيَمينِهِ
يَأبى فَيَضرِبُ أَو يَمُنُّ فَيُعتِقُ
وَنَجيبَةٍ بَينَ الطُفولَةِ وَالصِبا
عَذراءَ تَشرَبُها القُلوبُ وَتَعلَقُ
كانَ الزَفافُ إِلَيكَ غايَةَ حَظِّها
وَالحَظُّ إِن بَلَغَ النِهايَةَ موبِقُ
لافَيتَ أَعراساً وَلافَت مَأتَماً
كَالشَيخِ يَنعَمُ بِالفَتاةِ وَتُزهَقُ
في كُلِّ عامٍ دُرَّةٌ تُلقى بِلا
ثَمَنٍ إِلَيكَ وَحُرَّةٌ لا تُصدَقُ
حَولٌ تُسائِلُ فيهِ كُلُّ نَجيبَةٍ
سَبَقَت إِلَيكَ مَتى يَحولُ فَتَلحَقُ
وَالمَجدُ عِندَ الغانِياتِ رَغيبَةٌ
يُبغى كَما يُبغى الجَمالُ وَيُعشَقُ
إِن زَوَّجوكَ بِهِنَّ فَهيَ عَقيدَةٌ
وَمِنَ العَقائِدِ ما يَلَبُّ وَيَحمُقُ
ما أَجمَلَ الإيمانَ لَولا ضَلَّةٌ
في كُلِّ دينٍ بِالهِدايَةِ تُلصَقُ
زُفَّت إِلى مَلِكِ المُلوكِ يَحُثُّها
دينٌ وَيَدفَعُها هَوىً وَتَشَوُّقُ
وَلَرُبَّما حَسَدَت عَلَيكَ مَكانَها
تِربٌ تَمَسَّحُ بِالعَروسِ وَتُحدِقُ
مَجلُوَّةٌ في الفُلكِ يَحدو فُلكَها
بِالشاطِئَينِ مُزَغرِدٌ وَمُصَفِّقُ
في مِهرَجانٍ هَزَّتِ الدُنيا بِهِ
أَعطافَها وَاِختالَ فيهِ المَشرِقُ
فِرعَونُ تَحتَ لِوائِهِ وَبَناتُهُ
يَجري بِهِنَّ عَلى السَفينِ الزَورَقُ
حَتّى إِذا بَلَغَت مَواكِبُها المَدى
وَجَرى لِغايَتِهِ القَضاءُ الأَسبَقُ
وَكَسا سَماءَ المِهرَجانِ جَلالَةً
سَيفُ المَنِيَّةِ وَهوَ صَلتٌ يَبرُقُ
وَتَلَفَّتَت في اليَمِّ كُلُّ سَفينَةٍ
وَاِنثالَ بِالوادي الجُموعُ وَحَدَّقوا
أَلقَت إِلَيكَ بِنَفسِها وَنَفيسِها
وَأَتَتكَ شَيِّقَةً حَواها شَيِّقُ
خَلَعَت عَلَيكَ حَياءَها وَحَياتَها
أَأَعَزُّ مِن هَذَينِ شَيءٌ يُنفَقُ
وَإِذا تَناهى الحُبُّ وَاِتَّفَقَ الفِدى
فَالروحُ في بابِ الضَحِيَّةِ أَليَقُ
ما العالَمُ السُفلِيُّ إِلّا طينَةٌ
أَزَلِيَّةٌ فيهِ تُضيءُ وَتَغسِقُ
هِيَ فيهِ لِلخِصبِ العَميمِ خَميرَةٌ
يَندى بِما حَمَلَت إِلَيهِ وَيَبثُقُ
ما كانَ فيها لِلزِيادَةِ مَوضِعٌ
وَإِلى حِماها النَقصُ لا يَتَطَرَّقُ
مُنبَثَّةٌ في الأَرضِ تَنتَظِمُ الثَرى
وَتَنالُ مِمّا في السَماءِ وَتَعلَقُ
مِنها الحَياةُ لَنا وَمِنها ضِدُّها
أَبَداً نَعودُ لَها وَمِنها نُخلَقُ
وَالزَرعُ سُنبُلُهُ يَطيبُ وَحَبُّهُ
مِنها فَيَخرُجُ ذا وَهَذا يُفلَقُ
وَتَشُدُّ بَيتَ النَحلِ فَهوَ مُطَنَّبٌ
وَتَمُدُّ بَيتَ النَملِ فَهوَ مُرَوَّقُ
وَتَظَلُّ بَينَ قُوى الحَياةِ جَوائِلاً
لا تَستَقِرُّ دَوائِلاً لا تُمحَقُ
هِيَ كِلمَةُ اللَهِ القَديرِ وَروحُهُ
في الكائِناتِ وَسِرُّهُ المُستَغلِقُ
في النَجمِ وَالقَمَرَينِ مَظهَرُها إِذا
طَلَعَت عَلى الدُنيا وَساعَةَ تَخفُقُ
وَالذَرُّ وَالصَخَراتُ مِمّا كَوَّرَت
وَالفيلُ مِمّا صَوَّرَت وَالخِرنِقُ
فَتَنَت عُقولَ الأَوَّلينَ فَأَلَّهوا
مِن كُلِّ شَيءٍ ما يَروعُ وَيَخرُقُ
سَجَدوا لِمَخلوقٍ وَظَنّوا خالِقاً
مَن ذا يُمَيِّزُ في الظَلامِ وَيَفرُقُ
دانَت بِآبيسَ الرَعِيَّةُ كُلُّها
مَن يَستَغِلُّ الأرضَ أَو مَن يَعزُقُ
جاؤوا مِنَ المَرعى بِهِ يَمشي كَما
تَمشي وَتَلتَفِتُ المَهاةُ وَتَرشُقُ
داجٍ كَجُنحِ اللَيلِ زانَ جَبينُهُ
وَضَحٌ عَلَيهِ مِنَ الأَهِلَّةِ أَشرَقُ
العَسجَدُ الوَهّاجُ وَشيُ جَلالِهِ
وَالوَردُ مَوطِئُ خُفِّهِ وَالزَنبَقُ
وَمِنَ العَجائِبِ بَعدَ طولِ عِبادَةٍ
يُؤتى بِهِ حَوضَ الخُلودِ فَيُغرَقُ
يا لَيتَ شِعري هَل أَضاعوا العَهدَ أَم
حَذِروا مِنَ الدُنيا عَلَيهِ وَأَشفَقوا
قَومٌ وَقارُ الدينِ في أَخلاقِهِم
وَالشَعبُ ما يعتادُ أَو يَتَخَلَّقُ
يَدعونَ خَلفَ السِترِ آلِهَةً لَهُم
مَلَأوا النَدِيَّ جَلالَةً وَتَأَبَّقوا
وَاِستَحجَبوا الكُهّانَ هَذا مُبلِغٌ
ما يَهتِفونَ بِهِ وَذاكَ مُصَدِّقُ
لا يُسأَلونَ إِذا جَرَت أَلفاظُهُم
مِن أَينَ لِلحَجَرِ اللِسانُ الأَذلَقُ
أَو كَيفَ تَختَرِقُ الغُيوبَ بَهيمَةٌ
فيما يَنوبُ مِنَ الأُمورِ وَيَطرُقُ
وَإِذا هُمو حَجّوا القُبورَ حَسِبتَهُم
وَفدَ العَتيقِ بِهِم تَرامى الأَينُقُ
يَأتونَ طيبَةَ بِالهَدِيِّ أَمامَهُم
يَغشى المَدائِنَ وَالقُرى وَيُطَبِّقُ
فَالبَرُّ مَشدودُ الزَواحِلِ مُحدَجٌ
وَالبَحرُ مَمدودُ الشِراعِ مُوَسَّقُ
حَتّى إِذا أَلقَوا بِهَيكَلِها العَصا
وَفّوا النُذورَ وَقَرَّبوا وَاِصَّدَّقوا
وَجَرَت زَوارِقُ بِالحَجيجِ كَأَنَّها
رُقطٌ تَدافَعُ أَو سِهامٌ تَمرُقُ
مِن شاطِئٍ فيهِ الحَياةُ لِشاطِئٍ
هُوَ مُضجَعٌ لِلسابِقينَ وَمِرفَقُ
غَرَبوا غُروبَ الشَمسِ فيهِ وَاِستَوى
شاهٌ وَرُخٌّ في التُرابِ وَبَيدَقُ
حَيثُ القُبورُ عَلى الفَضاءِ كَأَنَّها
قِطَعُ السَحابِ أَوِ السَرابِ الدَيسَقُ
لِلحَقِّ فيهِ جَولَةٌ وَلَهُ سَناً
كَالصُبحِ مِن جَنَباتِها يَتَفَلَّقُ
نَزَلوا بِها فَمَشى المُلوكُ كَرامَةً
وَجَثا المُدِلُّ بِمالِهِ وَالمُملَقُ
ضاقَت بِهِم عَرَصاتُها فَكَأَنَّما
رَدَّت وَدائِعَها الفَلاةُ الفَيهَقُ
وَتَنادَمَ الأَحياءُ وَالمَوتى بِها
فَكَأَنَّهُم في الدَهرِ لَم يَتَفَرَّقوا
أَصلُ الحَضارَةِ في صَعيدِكَ ثابِتٌ
وَنَباتُها حَسَنٌ عَلَيكَ مُخَلَّقُ
وُلِدَت فَكُنتَ المَهدَ ثُمَّ تَرَعرَعَت
فَأَظَلَّها مِنكَ الحَفِيُّ المُشفِقُ
مَلَأَت دِيارَكَ حِكمَةً مَأثورُها
في الصَخرِ وَالبَردي الكَريمِ مُنَبَّقُ
وَبَنَت بُيوتَ العِلمِ باذِخَةَ الذُرى
يَسعى لَهُنَّ مُغَرِّبٌ وَمُشَرِّقُ
وَاِستَحدَثَت ديناً فَكانَ فَضائِلاً
وَبِناءِ أَخلاقٍ يَطولُ وَيَشهَقُ
مَهَدَ السَبيلَ لِكُلِّ دينٍ بَعدَهُ
كَالمِسكِ رَيّاهُ بِأُخرى تُفتَقُ
يَدعو إِلى بِرٍّ وَيَرفَعُ صالِحاً
وَيَعافُ ما هُوَ لِلمُروءَةِ مُخلِقُ
لِلناسِ مِن أَسرارِهِ ما عُلِّموا
وَلِشُعبَةِ الكَهَنوتِ ما هُوَ أَعمَقُ
فيهِ مَحَلٌّ لِلأَقانيمِ العُلى
وَلِجامِعِ التَوحيدِ فيهِ تَعَلُّقُ
تابوتُ موسى لا تَزالُ جَلالَةٌ
تَبدو عَلَيكَ لَهُ وَرَيّا تُنشَقُ
وَجَمالُ يوسُفَ لا يَزالُ لِواؤُهُ
حَولَيكَ في أُفُقِ الجَلالِ يُرَنَّقُ
وَدُموعُ إِخوَتِهِ رَسائِلُ تَوبَةٍ
مَسطورُهُنَّ بِشاطِئَيكَ مُنَمَّقُ
وَصَلاةُ مَريَمَ فَوقَ زَرعِكَ لَم يَزَل
يَزكو لِذِكراها النَباتَ وَيَسمُقُ
وَخُطى المَسيحِ عَلَيكَ روحاً طاهِراً
بَرَكاتُ رَبِّكَ وَالنَعيمُ الغَيدَقُ
وَوَدائِعُ الفاروقِ عِندَكَ دينَهُ
وَلِواؤُهُ وَبَيانُهُ وَالمَنطِقُ
بَعَثَ الصَحابَةَ يَحمِلونَ مِنَ الهُدى
وَالحَقُّ ما يُحيي العُقولَ وَيَفتُقُ
فَتحُ الفُتوحِ مِنَ المَلائِكِ رَزدَقٌ
فيهِ وَمِن أَصحابِ بَدرٍ رَزدَقُ
يَبنونَ لِلَّهِ الكِنانَةَ بِالقَنا
وَاللَهُ مِن حَولِ البِناءِ مُوَفِّقُ
أَحلاسُ خَيلٍ بَيدَ أَنَّ حُسامَهُم
في السِلمِ مِن حِذرِ الحَوادِثِ مُقلَقُ
تُطوى البِلادُ لَهُم وَيُنجِدُ جَيشُهُم
جَيشٌ مِنَ الأَخلاقِ غازٍ مورِقُ
في الحَقِّ سُلَّ وَفيهِ أُغمِدَ سَيفُهُم
سَيفُ الكَريمِ مِنَ الجَهالَةِ يَفرَقُ
وَالفَتحُ بَغيٌ لا يُهَوِّنُ وَقعَهُ
إِلّا العَفيفُ حُسامُهُ المُتَرَفِّقُ
ما كانَتِ الفُسطاطُ إِلّا حائِطاً
يَأوي الضَعيفُ لِرُكنِهِ وَالمُرهَقُ
وَبِهِ تَلوذُ الطَيرُ في طَلَبِ الكَرى
وَيَبيتُ قَيصَرُ وَهوَ مِنهُ مُؤَرَّقُ
عَمرٌو عَلى شَطبِ الحَصيرِ مُعَصَّبٌ
بِقِلادَةِ اللَهِ العَلِيِّ مُطَوَّقُ
يَدعو لَهُ الحاخامُ في صَلَواتِهِ
موسى وَيَسأَلُ فيهِ عيسى البَطرَقُ
يا نيلُ أَنتَ يَطيبُ ما نَعَتَ الهُدى
وَبِمَدحَةِ التَوراةِ أَحرى أَخلَقُ
وَإِلَيكَ يُهدي الحَمدَ خَلقٌ حازَهُم
كَنَفٌ عَلى مَرِّ الدُهورِ مُرَهَّقُ
كَنَفٌ كَمَعنٍ أَو كَساحَةِ حاتِمٍ
خَلقٌ يُوَدِّعُهُ وَخَلقٌ يَطرُقُ
وَعَلَيكَ تُجلى مِن مَصوناتِ النُهى
خودٌ عَرائِسُ خِدرُهُنَّ المُهرَقُ
الدُرُّ في لَبّاتِهِنَّ مُنَظَّمٌ
وَالطيبُ في حَبراتِهِنَّ مُرَقرَقُ
لي فيكَ مَدحٌ لَيسَ فيهِ تَكَلُّفٌ
أَملاهُ حُبٌّ لَيسَ فيهِ تَمَلُّقُ
مِمّا يُحَمِّلُنا الهَوى لَكَ أَفرُخٌ
سَنَطيرُ عَنها وَهيَ عِندَكَ تُرزَقُ
تَهفو إِلَيهِم في التُرابِ قُلوبُنا
وَتَكادُ فيهِ بِغَيرِ عِرقٍ تَخفُقُ
تُرجى لَهُم وَاللَهُ جَلَّ جَلالُهُ
مِنّا وَمِنكَ بِهِم أَبَرُّ وَأَرفَقُ
فَاِحفَظ وَدائِعَكَ الَّتي اِستودَعتَها
أَنتَ الوَفِيُّ إِذا اؤتُمِنتَ الأَصدَقُ
لِلأَرضِ يَومٌ وَالسَماءِ قِيامَةٌ
وَقِيامَةُ الوادي غَداةَ تُحَلِّقُ