اخترت يوم الهول يوم وداع

اِختَرتَ يَومَ الهَولِ يَومَ وَداعِ
وَنَعاكَ في عَصفِ الرِياحِ الناعي
هَتَفَ النُعاةُ ضُحىً فَأَوصَدَ دونَهُم
جُرحُ الرَئيسِ مَنافِذَ الأَسماعِ
مَن ماتَ في فَزَعِ القِيامَةِ لَم يَجِد
قَدَماً تُشَيِّعُ أَو حَفاوَةَ ساعي
ما ضَرَّ لَو صَبَرَت رِكابُكَ ساعَةً
كَيفَ الوُقوفُ إِذا أَهابَ الداعي
خَلِّ الجَنائِزَ عَنكَ لا تَحفِل بِها
لَيسَ الغُرورُ لِمَيِّتٍ بِمَتاعِ
سِر في لِواءِ العَبقَرِيَّةِ وَاِنتَظِم
شَتّى المَواكِبِ فيهِ وَالأَتباعِ
وَاِصعَدَ سَماءَ الذِكرِ مِن أَسبابِها
وَاِظهَر بِفَضلٍ كَالنَهارِ مُذاعِ
فُجِعَ البَيانُ وَأَهلُهُ بِمُصَوِّرٍ
لَبِقٍ بِوَشيِ المُمتِعاتِ صَناعِ
مَرموقِ أَسبابِ الشَبابِ وَإِن بَدَت
لِلشَيبِ في الفَودِ الأَحَمِّ رَواعي
تَتَخَيَّلُ المَنظومَ في مَنثورِهِ
فَتَراهُ تَحتَ رَوائِعِ الأَسجاعِ
لَم يَجحَدِ الفُصحى وَلَم يَهجُم عَلى
أُسلوبِها أَو يُزرِ بِالأَوضاعِ
لَكِن جَرى وَالعَصرَ في مِضمارِها
شَوطاً فَأَحرَزَ غايَةَ الإِبداعِ
حُرُّ البَيانِ قَديمُهُ وَجَديدُهُ
كَالشَمسِ جِدَّةَ رُقعَةٍ وَشُعاعِ
يونانُ لَو بيعَت بِهوميرٍ لَما
خَسِرَت لَعَمرُكَ صَفقَةُ المُبتاعِ
يا مُرسِلَ النَظَراتِ في الدُنيا وَما
فيها عَلى ضَجَرٍ وَضيقِ ذِراعِ
وَمُرَقرِقَ العَبَراتِ تَجري رِقَّةً
لِلعالَمِ الباكي مِنَ الأَوجاعِ
مَن ضاقَ بِالدُنيا فَلَيسَ حَكيمَها
إِنَّ الحَكيمَ بِها رَحيبُ الباعِ
هِيَ وَالزَمانُ بِأَرضِهِ وَسَمائِهِ
في لُجَّةِ الأَقدارِ نِضوُ شِراعِ
مَن شَذَّ ناداهُ إِلَيهِ فَرَدَّهُ
قَدَرٌ كَراعٍ سائِقٍ بِقِطاعِ
ما خَلفُهُ إِلّا مَقودٌ طائِعٌ
مُتَلَفِّتٌ عَن كِبرِياءِ مُطاعِ
جَبّارُ ذِهنٍ أَو شَديدُ شَكيمَةٍ
يَمضي مُضِيَّ العاجِزِ المُنصاعِ
مَن شَوَّهَ الدُنيا إِلَيكَ فَلَم تَجِد
في المُلكِ غَيرَ مُعَذَّبينَ جِياعِ
أَبِكُلِّ عَينٍ فيهِ أَو وَجهٍ تَرى
لَمَحاتِ دَمعٍ أَو رُسومِ دِماعِ
ما هَكَذا الدُنيا وَلَكِن نُقلَةٌ
دَمعُ القَريرِ وَعَبرَةُ المُلتاعِ
لا الفَقرُ بِالعَبَراتِ خُصَّ وَلا الغِنى
غِيَرُ الحَياةِ لَهُنَّ حُكمُ مَشاعِ
ما زالَ في الكوخِ الوَضيعِ بَواعِثٌ
مِنها وَفي القَصرِ الرَفيعِ دَواعي
في القَفرِ حَيّاتٌ يُسَيِّبُها بِهِ
حاوي القَضاءِ وَفي الرِياضِ أَفاعي
وَلَرُبَّ بُؤسٍ في الحَياةِ مُقَنَّعٍ
أَربى عَلى بُؤسٍ بِغَيرِ قِناعِ
يا مُصطَفى البُلَغاءِ أَيَّ يَراعَةٍ
فَقَدوا وَأَيَّ مُعَلِّمٍ بِيَراعِ
اليَومَ أَبصَرتَ الحَياةَ فَقُل لَنا
ماذا وَراءَ سَرابِها اللَمّاعِ
وَصِفِ المَنونَ فَكَم قَعَدتَ تَرى لَها
شَبَحاً بِكُلِّ قَرارَةٍ وَيَفاعِ
سَكَنَ الأَحِبَّةُ وَالعِدى وَفَرَغتَ مِن
حِقدِ الخُصومِ وَمِن هَوى الأَشياعِ
كَم غارَةٍ شَنّوا عَلَيكَ دَفَعتَها
تَصِلُ الجُهودَ فَكُنَّ خَيرَ دِفاعِ
وَالجُهدُ موتٍ في الحَياةِ ثِمارَهُ
وَالجُهدُ بَعدَ المَوتِ غَيرُ مُضاعِ
فَإِذا مَضى الجيلُ المِراضُ صُدورُهُ
وَأَتى السَليمُ جَوانِبَ الأَضلاعِ
فَاِفزَع إِلى الزَمَنِ الحَكيمِ فَعِندَهُ
نَقدٌ تَنَزَّهَ عَن هَوىً وَنِزاعِ
فَإِذا قَضى لَكَ أُبتَ مِن شُمِّ العُلا
بِثَنِيَّةٍ بَعُدَت عَلى الطَلّاعِ
وَأَجَلُّ ما فَوقَ التُرابِ وَتَحتَهُ
قَلَمٌ عَلَيهِ جَلالَةُ الإِجماعِ
تِلكَ الأَنامِلُ نامَ عَنهُنَّ البِلى
عُطِّلنَ مِن قَلَمٍ أَشَمَّ شُجاعِ
وَالجُبنُ في قَلَمِ البَليغِ نَظيرُهُ
في السَيفِ مَنقَصَةٌ وَسوءُ سَماعِ

راك تحب السجع حتي تظنه

رآك تحب السجع حتى تظنه
هو الحسن لا ما جاء من جودة الطبع
فثقل من صفع بسجع وما درى
بأن أجل السجع ما خف في السمع

دع ما يضرك والتمس ما ينفع

دع ما يضرك والتمس ما ينفع
واختر لنفسك ما يزين ويرفع
واسمع لقول العقل لا قول الهوى
إن الهوى لضلالة لا تتبع
واجعل شبابك من هواك بمأمن
إن الشباب هو العنان الأطوع
واعلم فقِدما للمالك فتِّحت
بالعلم أبواب السعادة أجمع
إن الشعوب إذا أرادوا نهضة
بذرائع العلم الصحيح تذرّعوا
وانظر بعين في الأمور جلية
لا تُثبت الأشياء عين تدمع
مما أَحب به الرجال بلادهم
أن يحسن الإنسان فيما يصنع
واحفظ على مصر السكينة إنها
روض بأفياء السكينة ممرع
وصن اليدين عن الدماء فإنها
في البغى أوخم ما يكون المرتع
الختل من خلق الذئاب وشهوة
في الرأس يركبها الجبان فيشجع
برىء العباد من الشرائع كلها
إن كان قتل النفس مما يرفع
لا تذكرنّ الحرب أو أهوالها
إلا بقلب خاشع يتوجع
واذرف على القلب الدموع فكلكم
في آدم أهل وآدم يجمع
للخلق صبيان كما لك صبية
ولهم لباس فارقوه ومضجع
واخرج من الحرب العوان بِعبِرة
إن العظات من الحوادث أوقع
إسمع حديث جُناتها وصلاتها
هل كان فيها للديانة موضع
المال باعثها الأثيم ولم تزل
تُردى المطامع ناسهن وتصرع
لما رمت دول المسيح بهولها
مشت اثنتان لها وهبت أربع
يتقاذفون وللكنائس هِزة
ويسوع ينظرو الزكية تسمع
والله يغضب والعناصر تبتلىِ
والسيف يضحك في الدماء ويلمع
نزل البلاء وحل طوفان دم
بالمسلمين سماؤه لا تقلع
كانوا بظل السلم لا بهلالهم
شر يراد ولا حماه مروع
لولا قضاء الله ما خاضوا الوغى
إن القضاء إذا أتى لا يُدفع
تلك العوان على الشديد شديدة
أين السيوف لمثلها والأدرع
ماذا اندفاع المسلمين بموقف
الغالب المنصور فيه مضعضع
حرب على حرب حنانك ربنا
لم يبق منا ما ينال المدفع
لا تأخذن بريئنا بمسيئنا
فالعدل كلٌّ حاصد ما يزرع
يا رب بالرسل الكرام بآلهم
باللوح والكرسى وهو المفزع
أدرك دماء الخلق إن دماءهم
سالت فوجه الأرض منها مترع
سبحت ببحر دمائهم أشلاؤهم
والأرض لا تَروَى ولا هي تشبع
زاد الأرامل واليتامي كثرةً
حتى لقد صعدت إليك الأدمع
يا رب هل تلك القيامة كلها
أم للقيامة بعد ذلك موقع

الناس للدنيا تبع

الناسُ لِلدُنيا تَبَع
وَلِمَن تُحالِفُهُ شِيَع
لا تَهجَعَنَّ إِلى الزَما
نِ فَقَد يُنَبَّهُ مَن هَجَع
وَاِربَأ بِحِلمِكَ في النَوا
زِلِ أَن يُلِمَّ بِهِ الجَزَع
لا تَخلُ مِن أَمَلٍ إِذا
ذَهَب الزَمانُ فَكَم رَجَع
وَاِنفَع بِوُسعِكَ كُلِّهِ
إِنَّ المُوَفَّقَ مَن نَفَع
مِصرٌ بِنَت لِقَضائِها
رُكناً عَلى النَجمِ اِرتَفَع
فيهِ اِحتَمى اِستِقلالُها
وَبِهِ تَحَصَّنَ وَاِمتَنَع
فَليَهنِها وَليَهنِنا
أَنَّ القَضاءَ بِهِ اِضطَلَع
اللَهُ صانَ رِجالَهُ
مِمّا يُدَنِّسُ أَو يَضَع
ساروا بِسيرَةِ مُنذِرٍ
وَأَبي حَنيفَةَ في الوَرَع
وَكَأَنَّ أَيّامَ القَضا
ءِ جَميعُها بِهِمُ الجُمَع
قُل لِلمُبَرَّإِ مُرقُصٍ
أَنتَ النَقِيُّ مِنَ الطَبَع
هَذا القَضاءُ رَماكَ بِال
يُمنى وَبِاليُسرى نَزَع
هَذا قَضاءُ اللَهِ مُم
تَثَلُ الحُكومَةِ مُتَّبَع
عُد لِلمُحاماةِ الشَري
فَةِ عَودَ مُشتاقٍ وَلِع
وَاِلبَس رِداءَكَ طاهِراً
كَرِداءِ مُرقُصَ في البِيَع
وَاِدفَع عَنِ المَظلومِ وَال
مَحرومِ أَبلَغَ مَن دَفَع
وَاِغفِر لِحاسِدِ نِعمَةٍ
بِالأَمسِ نالَكَ أَو وَقَع
ما في الحَياةِ لِأَن تُعا
تِبَ أَو تُحاسِبَ مُتَّسَع

باي جواب غير ذا السيف تطمع

بأي جواب غير ذا السيف تطمع
وهل دونه رد لمولاك مقنع
فعد يا رسول الغادرين مخيبا
فما كل من يُدعى إلى الغدر يهرع
وأبلغ عظيم الفرس أنى أصدّه
وأحمى على الأيام جارى وأمنع
وما أنا بالباكي على ابني وقتله
وعرضي إن يسلم قتيل مضيع
وخير لجادي من حياة بذلة
ممات إلى أسمى ذى العز يرفع
وخير لقلب منه إن ذاق ناره
وفاء يذود النار عنى ويدفع
أبعد شباب قد تجمّل بالهدى
يُلاح لشيبي بالضلال فيتبع
وترغب نفسي في القلائد والغنى
وصدري بتقوى الله حال مرصع
وأقبل أن أُعطَى بذل إمارةً
فأبنى بها جاهى وديني مضعضع
نعم ملك قمبيز أبن قيروش واسع
ولكنما ملك الفراديس أوسع

ضمي قناعك يا سعاد او ارفعي

ضُمّي قِناعَكِ يا سُعادُ أَو اِرفَعي
هَذي المَحاسِنُ ما خُلِقنَ لِبُرقُعِ
اَلضاحِياتُ الضاحِكاتُ وَدونَها
سِترُ الجَلالِ وَبُعدُ شَأوِ المَطلَعِ
يا دُميَةً لا يُستَزادُ جَمالُها
زيديهِ حُسنَ المُحسِنِ المُتَبَرِّعِ
ماذا عَلى سُلطانِهِ مِن وَقفَةٍ
لِلضارِعينَ وَعَطفَةٍ لِلخُشَّعِ
بَل ما يَضُرُّكِ لَو سَمَحتِ بِجَلوَةٍ
إِنَّ العَروسَ كَثيرَةُ المُتَطَلِّعِ
لَيسَ الحِجابُ لِمَن يَعِزُّ مَنالُهُ
إِنَّ الحِجابَ لَهَيِّنٌ لَم يُمنَعِ
أَنتِ الَّتي اِتَّخَذَ الجَمالَ لِعِزِّهِ
مِن مَظهَرٍ وَلِسِرِّهِ مِن مَوضِعِ
وَهوَ الصَناعُ يَصوغُ كُلَّ دَقيقَةٍ
وَأَدَقَّ مِنكَ بَنانُهُ لَم تَصنَعِ
لَمَسَتكِ راحَتُهُ وَمَسَّكِ روحُهُ
فَأَتى البَديعُ عَلى مِثالِ المُبدِعِ
اللَهَ في الأَحبارِ مِن مُتَهالِكٍ
نِضوٍ وَمَهتوكِ المُسوحِ مُصَرَّعِ
مِن كُلِّ غاوٍ في طَوِيَّةِ راشِدٍ
عاصي الظَواهِرِ في سَريرَةِ طَيِّعِ
يَتَوَهَّجونَ وَيَطفَأونَ كَأَنَّهُم
سُرُجٌ بِمُعتَرَكِ الرِياحِ الأَربَعِ
عَلِموا فَضاقَ بِهِم وَشَقَّ طَريقُهُم
وَالجاهِلونَ عَلى الطَريقِ المَهيَعِ
ذَهَبَ اِبنُ سينا لَم يَفُز بِكِ ساعَةً
وَتَوَلَّتِ الحُكَماءُ لَم تَتَمَتَّعِ
هَذا مَقامٌ كُلُّ عِزٍّ دونَهُ
شَمسُ النَهارِ بِمِثلِهِ لَم تَطمَعِ
فَمُحَمَّدٌ لَكِ وَالمَسيحُ تَرَجَّلا
وَتَرَجَّلَت شَمسُ النَهارِ لِيوشَعِ
ما بالُ أَحمَدَ عَيَّ عَنكِ بَيانُهُ
بَل ما لِعيسى لَم يَقُل أَو يَدَّعِ
وَلِسانُ موسى اِنحَلَّ إِلّا عُقدَةً
مِن جانِبَيكَ عِلاجُها لَم يَنجَعِ
لَمّا حَلَلتِ بِآدَمٍ حَلَّ الحِبا
وَمَشى عَلى المَلَأ السُجودِ الرُكَّعِ
وَأَرى النُبُوَّةَ في ذَراكِ تَكَرَّمَت
في يوسُفٍ وَتَكَلَّمَت في المُرضَعِ
وَسَقَت قُريشَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ
بِالبابِلِيِّ مِنَ البَيانِ المُمتِعِ
وَمَشَت بِموسى في الظَلامِ مُشَرَّداً
وَحَدَتهُ في قُلَلِ الجِبالِ اللُمَّعِ
حَتّى إِذا طُوِيَت وَرِثتِ خِلالَها
رُفِعَ الرَحيقُ وَسِرُّهُ لَم يُرفَعِ
قَسَمَت مَنازِلَكِ الحُظوظُ فَمَنزِلاً
أُترَعنَ مِنكِ وَمَنزِلاً لَم تُترَعِ
وَخَلِيَّةً بِالنَحلِ مِنكِ عَميرَةً
وَخَلِيَّةً مَعمورَةٍ بِالتُبَّعِ
وَحَظيرَةً قَد أودِعَت غُرَرَ الدُمى
وَحَظيرَةً مَحرومَةً لَم تودَعِ
نَظَرَ الرَئيسُ إِلى كَمالِكِ نَظرَةً
لَم تَخلُ مِن بَصَرِ اللَبيبِ الأَروَعِ
فَرآهُ مَنزِلَةً تَعَرَّضَ دونَها
قِصَرُ الحَياةِ وَحالَ وَشكُ المَصرَعِ
لَولا كَمالُكِ في الرَئيسِ وَمِثلِهِ
لَم تَحسُنِ الدُنيا وَلَم تَتَرَعرَعِ
اللَهُ ثَبَّتَ أَرضَهُ بِدَعائِمٍ
هُم حائِطُ الدُنيا وَرُكنُ المَجمَعِ
لَو أَنَّ كُلَّ أَخي يَراعٍ بالِغٌ
شَأوَ الرَئيسِ وَكُلَّ صاحِبِ مِبضَعِ
ذَهَبَ الكَمالُ سُدىً وَضاعَ مَحَلُّهُ
في العالَمِ المُتَفاوِتِ المُتَنَوِّعِ
يا نَفسُ مِثلُ الشَمسِ أَنتِ أَشِعَّةٌ
في عامِرٍ وَأَشِعَّةٌ في بَلقَعِ
فَإِذا طَوى اللَهُ النَهارَ تَراجَعَت
شَتّى الأَشِعَّةِ فَاِلتَقَت في المَرجِعِ
لَما نُعيتِ إِلى المَنازِلِ غودِرَت
دَكّاً وَمِثلُكِ في المَنازِلِ ما نُعي
ضَجَّت عَلَيكِ مَعالِماً وَمَعاهِداً
وَبَكَت فُراقُكِ بِالدُموعِ الهُمَّعِ
آذَنتِها بِنَوىً فَقالَت لَيتَ لَم
تَصِلِ الحِبالَ وَلَيتَها لَم تَقطَعِ
وَرِداءُ جُثمانٍ لَبِستِ مُرَقَّمٍ
بِيَدِ الشَبابِ عَلى المَشيبِ مُرَقَّعِ
كَم بِنتِ فيهِ وَكَم خَفيتِ كَأَنَّهُ
ثَوبُ المُمَثِّلِ أَو لِباسُ المَرفَعِ
أَسَئِمتِ مِن ديباجِهِ فَنَزَعتِهِ
وَالخَزُّ أَكفانٌ إِذا لَم يُنزَعِ
فَزِعَت وَما خَفِيَت عَلَيها غايَةٌ
لَكِنَّ مَن يَرِدِ القِيامَةَ يَفزَعِ
ضَرَعَت بِأَدمُعِها إِلَيكِ وَما دَرَت
أَنَّ السَفينَةَ أَقلَعَت في الأَدمُعِ
أَنتِ الوَفِيَّةُ لا الذِمامُ لَدَيكِ مَذ
مومٌ وَلا عَهدُ الهَوى بِمُضَيَّعِ
أَزمَعتِ فَاِنهَلَّت دُموعُكِ رِقَّةً
وَلَوِ اِستَطَعتِ إِقامَةً لَم تُزمِعي
بانَ الأَحِبَّةُ يَومَ بَينِكِ كُلُّهُم
وَذَهَبتِ بِالماضي وَبِالمُتَوَقَّعِ

ابثك وجدي يا حمام واودع

أَبُثُّكَ وَجدي يا حَمامُ وَأودِعُ
فَإِنَّكَ دونَ الطَيرِ لِلسِرِّ مَوضِعُ
وَأَنتَ مُعينُ العاشِقينَ عَلى الهَوى
تَإِنُّ فَنُصغي أَو تَحِنُّ فَنَسمَعُ
أَراكَ يَمانِيّاً وَمِصرُ خَميلَتي
كِلانا غَريبٌ نازِحُ الدارِ موجَعُ
هُما اِثنانِ دانٍ في التَغَرُّبِ آمِنٌ
وَناءٍ عَلى قُربِ الدِيارِ مُروَعُ
وَمِن عَجَبِ الأَشياءِ أَبكي وَأَشتَكي
وَأَنتَ تُغَنّي في الغُصونِ وَتَسجَعُ
لَعَلَّكَ تُخفي الوَجدَ أَو تَكتُمُ الجَوى
فَقَد تُمسِكُ العَينانِ وَالقَلبُ يَدمَعُ
شَجاكَ صِغارٌ كَالجُمانِ وَمَوطِنٌ
نَدٍ مِثلَ أَيّامِ الحَداثَةِ مُمرَعُ
إِذا كانَ في الآجالِ طولٌ وَفُسحَةٌ
فَما البَينُ إِلّا حادِثٌ مُتَوَقَّعُ
وَما الأَهلُ وَالأَحبابُ إِلّا لَآلِئٌ
تُفَرِّقُها الأَيّامُ وَالسِمطُ يَجمَعُ
أَمُنكِرَتي قَلبي دَليلٌ وَشاهِدي
فَلا تُنكِريهِ فَهوَ عِندَكَ مودَعُ
أَسيرُكِ لَو يُفدى فَدَتهُ بِجَمعِها
جَوانِحُ في شَوقٍ إِلَيهِ وَأَضلُعُ
رَماهُ إِلَيكِ الدَهرُ في حالِقِ الهَوى
يُذالُ عَلى سَفحِ الهَوانِ وَيوضَعُ
وَمِن عَجَبٍ يَأسى إِذا قُلتُ مُتعَبٌ
وَيَطرَبُ إِن قُلتُ الأَسيرُ المُمَنَّعُ
لَقيتِ عَليماً بِالغَواني وَإِنَّما
هُوَ القَلبُ كَالإِنسانِ يُغرى وَيُخدَعُ
وَأَعلَمُ أَنَّ الغَدرَ في الناسِ شائِعٌ
وَأَنَّ خَليلَ الغانِياتِ مُضَيَّعُ
وَأَنَّ نِزاعَ الرُشدِ وَالغَيِّ حالَةٌ
تَجيءُ بِأَحلامِ الرِجالِ وَتَرجِعُ
وَأَنَّ أَمانِيَّ النُفوسِ قَواتِلٌ
وَكَثرَتُها مِن كَثرَةِ الزَهرِ أَصرَعُ
وَأَنَّ دُعاةَ الخَيرِ وَالحَقِّ حَربُهُم
زَمانٌ بِهِم مِن عَهدِ سُقراطَ مولَعُ

اقدم فليس علي الاقدام ممتنع

أَقدِم فَلَيسَ عَلى الإِقدامِ مُمتَنِعُ
وَاِصنَع بِهِ المَجدَ فَهوَ البارِعُ الصَنَعُ
لِلناسِ في كُلِّ يَومٍ مِن عَجائِبِهِ
ما لَم يَكُن لِاِمرِئٍ في خاطِرٍ يَقَعُ
هَل كانَ في الوَهمِ أَنَّ الطَيرَ يَخلُفُها
عَلى السَماءِ لَطيفُ الصُنعِ مُختَرَعُ
وَأَنَّ أَدراجَها في الجَوِّ يَسلُكُها
جِنٌّ جُنودُ سُلَيمانٍ لَها تَبَعُ
أَعيا العُقابَ مَداهُم في السَماءِ وَما
راموا مِنَ القُبَّةِ الكُبرى وَما فَرَعوا
قُل لِلشَبابِ بِمِصرَ عَصرُكُم بَطَلٌ
بِكُلِّ غايَةِ إِقدامٍ لَهُ وَلَعُ
أُسُّ المَمالِكِ فيهِ هِمَّةٌ وَحِجىً
لا التُرَّهاتُ لَها أُسٌّ وَلا الخِدَعُ
يُعطي الشُعوبَ عَلى مِقدارِ ما نَبَغوا
وَلَيسَ يَبخَسُهُم شَيئاً إِذا بَرَعوا
ماذا تُعِدّونَ بَعدَ البَرلَمانِ لَهُ
إِذا خِيارُكُمُ بِالدَولَةِ اِضطَلَعوا
البَرُّ لَيسَ لَكُم في طولِهِ لُجُمٌ
وَالبَحرُ لَيسَ لَكُم في عَرضِهِ شُرُعُ
هَل تَنهَضونَ عَساكُمُ تَلحَقونَ بِهِ
فَلَيسَ يَلحَقُ أَهلَ السَيرِ مُضطَجِعُ
لا يُعجَبَنَّكُمُ ساعٍ بِتَفرِقَةٍ
إِنَّ المِقَصَّ خَفيفٌ حينَ يَقتَطِعُ
قَد أَشهَدوكُم مِنَ الماضي وَما نَبَشَت
مِنهُ الضَغائِنُ ما لَم تَشهَدِ الضَبُعُ
ما لِلشَبابِ وَلِلماضي تَمُرُّ بِهِم
فيهِ عَلى الجِيَفِ الأَحزابُ وَالشِيَعُ
إِنَّ الشَبابَ غَدٌ فَليَهدِهِم لِغَدٍ
وَلِلمَسالِكِ فيهِ الناصِحُ الوَرِعُ
لا يَمنَعَنَّكُمُ بِرُّ الأُبُوَّةِ أَن
يَكونَ صُنعُكُمُ غَيرَ الَّذي صَنَعوا
لا يُعجِبَنَّكُمُ الجاهُ الَّذي بَلَغوا
مِنَ الوِلايَةِ وَالمالُ الَّذي جَمَعوا
ما الجاهُ وَالمالُ في الدُنيا وَإِن حَسُنا
إِلّا عَوارِيُّ حَظٍّ ثُمَّ تُرتَجَعُ
عَلَيكُمُ بِخَيالِ المَجدِ فَأتَلِفوا
حِيالَهُ وَعَلى تِمثالِهِ اِجتَمَعوا
وَأَجمِلوا الصَبرَ في جِدٍّ وَفي عَمَلٍ
فَالصَبرُ يَنفَعُ ما لا يَنفَعُ الجَزَعُ
وَإِن نَبَغتُم فَفي عِلمٍ وَفي أَدَبٍ
وَفي صِناعاتِ عَصرٍ ناسُهُ صُنُعُ
وَكُلُّ بُنيانِ قَومٍ لا يَقومُ عَلى
دَعائِمَ العَصرِ مِن رُكنَيهِ مُنصَدِعُ
شَريفُ مَكَّةَ حُرٌّ في مَمالِكِهِ
فَهَل تُرى القَومُ بِالحُرِيَّةِ اِنتَفَعوا
كَم في الحَياةِ مِنَ الصَحراءِ مِن شَبَهٍ
كِلتاهُما في مُفاجاةِ الفَنى شَرَعُ
وَراءَ كُلِّ سَبيلٍ فيهِما قَدَرٌ
لا تَعلَمُ النَفسُ ما يَأتي وَما يَدَعُ
فَلَستَ تَدري وَإِن كُنتَ الحَريصَ مَتى
تَهُبُّ ريحاهُما أَو يَطلُعُ السَبَعُ
وَلَستَ تَأمَنُ عِندَ الصَحوِ فاجِئَةً
مِنَ العَواصِفِ فيها الخَوفُ وَالهَلَعُ
وَلَستَ تَدري وَإِن قَدَّرتَ مُجتَهِداً
مَتى تَحُطُّ رِحالاً أَو مَتى تَضَعُ
وَلَستَ تَملُكُ مِن أَمرِ الدَليلِ سِوى
أَنَّ الدَليلَ وَإِن أَرداكَ مُتَّبَعُ
وَما الحَياةُ إِذا أَظمَت وَإِن خَدَعَت
إِلّا سَرابٌ عَلى صَحراءَ يَلتَمِعُ
أَكبَرتُ مِن حَسَنَينٍ هِمَّةً طَمَحَت
تَروُم ما لا يَرومُ الفِتيَةُ القُنُعُ
وَما البُطولَةُ إِلّا النَفسُ تَدفَعُها
فيما يُبَلِغُها حَمداً فَتَندَفِعُ
وَلا يُبالي لَها أَهلٌ إِذا وَصَلوا
طاحوا عَلى جَنَباتِ الحَمدِ أَم رَجَعوا
رَحّالَةَ الشَرقِ إِنَّ البيدَ قَد عَلِمَت
بِأَنَّكَ اللَيثُ لَم يُخلَق لَهُ الفَزَعُ
ماذا لَقيتَ مِنَ الدَوِّ السَحيقِ وَمِن
قَفرٍ يَضيقُ عَلى الساري وَيَتَّسِعُ
وَهَل مَرَرتَ بِأَقوامٍ كَفِطرَتِهِم
مِن عَهدِ آدَمَ لا خُبثٌ وَلا طَبَعُ
وَمِن عَجيبٍ لِغَيرِ اللَهِ ما سَجَدوا
عَلى الفَلا وَلِغَيرِ اللَهِ ما رَكَعوا
كَيفَ اِهتَدى لَهُمُ الإِسلامُ وَاِنتَقَلَت
إِلَيهُمُ الصَلَواتُ الخَمسُ وَالجُمَعُ
جَزَتكَ مِصرُ ثَناءً أَنتَ مَوضِعُهُ
فَلا تَذُب مِن حَياءٍ حينَ تَستَمِعُ
وَلَو جَزَتكَ الصَحارى جِئتَنا مَلِكاً
مِنَ المُلوكِ عَلَيكَ الريشُ وَالوَدَعُ

انفع بما اعطيت من قدرة

إِنفَع بِما أُعطيتَ مِن قُدرَةٍ
وَاِشفَع لِذي الذَنبِ لَدى المَجمَعِ
إِذ كَيفَ تَسمو لِلعُلا يا فَتى
إِن أَنتَ لَم تَنفَع وَلَم تَشفَعِ
عِندي لِهَذا نَبَأٌ صادِقٌ
يُعجِبُ أَهلَ الفَضلِ فَاِسمَع وَعِ
قالوا اِستَوى اللَيثُ عَلى عَرشِهِ
فَجيءَ في المَجلِسِ بِالضِفدَعِ
وَقيلَ لِلسُلطانِ هَذي الَّتي
بِالأَمسِ آذَت عالِيَ المسمَعِ
تُنَقنِقُ الدَهرَ بِلا عِلَّةٍ
وَتَدَّعي في الماءِ ما تَدَّعي
فَانظُر إِلَيكَ الأَمرُ في ذَنبِها
وَمُر نُعَلِّقُها مِنَ الأَربَعِ
فَنَهَضَ الفيلُ وَزيرُ العُلا
وَقالَ يا ذا الشَرَفِ الأَرفَعِ
لا خَيرَ في المُلكِ وَفي عِزِّهِ
إِن ضاقَ جاهُ اللَيثِ بِالضِفدَعِ
فَكَتَبَ اللَيثُ أَماناً لَها
وَزادَ أَن جادَ بِمُستَنقَعِ