قد صفعناك صفعة

قد صفعناك صفعة
ليس يمحى لها أثر
هذه الكف مبتدا
ولدى غيرنا الخبر

النيل العذب هو الكوثر

النيلُ العَذبُ هُوَ الكَوثَر
وَالجَنَّةُ شاطِئُهُ الأَخضَر
رَيّانُ الصَفحَةِ وَالمَنظَر
ما أَبهى الخُلدَ وَما أَنضَر
البَحرُ الفَيّاضُ القُدسُ
الساقي الناسَ وَما غَرَسوا
وَهوَ المِنوالُ لِما لَبِسوا
وَالمُنعِمُ بِالقُطنِ الأَنوَر
جَعلَ الإِحسانَ لَهُ شَرعا
لَم يُخلِ الوادِيَ مِن مَرعى
فَتَرى زَرعاً يَتلو زَرعا
وَهُنا يُجنى وَهُنا يُبذَر
جارٍ وَيُرى لَيسَ بِجارِ
لِأَناةٍ فيهِ وَوَقار
يَنصَبُّ كَتَلٍ مُنهارِ
وَيَضِجُّ فَتَحسَبُهُ يَزأَر
حَبَشِيُّ اللَونِ كَجيرَتِهِ
مِن مَنبَعِهِ و بُحَيرَتِهِ
صَبَغَ الشَطَّينِ بِسُمرَتِهِ
لَوناً كَالمِسكِ وَكَالعَنبَر

بعدت ديار واحتوتك ديار

بعدت ديار واحتوتك ديار
هيهات للنجم الرفيع قرار
ضجت عواد بالبَراح روائح
وشكا حديد سابح وبخار
بالأمس تصدر عن فروقٍ صاديا
واليوم يوردك الشآم أوار
زعموا المسافة ليلة ونهارها
ما الدهر إلا ليلة ونهار
سِر وآسر في طول البلاد وعرضها
إن الأهلة دأبها الأسفار
والأرض أوسع والعجائب جمة
والعمر أضيق والسنون قصار
يا راكب الداماء يزجى فلكه
رُحماك هل للفلك عندك ثار
مأسورة ابدا تروح وتغتدى
وهلاكها في أن يفك إسار
حازت نفوس العالمين وحازها
ضمن الجواري صاحب غدار
همت وجرأها على تياره
أن الأمور جميعها تيار
تجرى مُؤَمَّنَةَ السبيل زمامها
لطف الجليل وحصنها المقدار
في قُلَّبٍ ما للرفاق وسيلة
فيه ولا لهمو عليه خيار
بينا مودّته على أكبادهم
برد إذا هي في الجوانح نار
مازلت أعرض في الضمير لآلئى
وأغِيره بنظيمها فيغار
والفلك يرقص والرياح عوازف
والليل ليل والعباب مثار
حتى نزلت بباكرين إلى القرى
متهللين كأنهم أقمار
سبقت إلى السارى الصباحَ وجوههم
تندى ويحمد عندها الإسفار
قوم هم العرب الكرام تمخضت
مضر بهم في شرخها ونزار
نزلوا بلبنان الأشم ونقّلوا
فيه المكارم حيث سار الجار
لبنان يا ملك الجبال تحية
رقت وأزلفها لك الإكبار
عاليه تحملها إليك وصوفر
ومناهل بالجنتين غزار
من نازح الدار التقى بك داره
ساح الأكارم للكريم ديار
خلَّى الأحبة والمآرب خلفه
فإذا الأحبة فيك والأوطار
للواردين على رياضك أعين
من فضلة أهدابهن نضار
سال الفرات بها وقام كأنه
دمع السرور لو أنه مدرار
ليت الزمان أجار من أحداثه
قطرين بينهما هوى وجوار
أخذ المحبة من على وابنه
وعلى الهوى تتألف الأفكار

الله اعلم والقبور

الله أعلم والقبور
النفس تخلد أم تبور
سرّ مضى الموتى به
ومضت على الموتى الدهور
لم ينكشف عنه الحجا
ب ولم تزح عنه الستور
هيهات ما كان البلى
حرب القيام ولا الدثور
من كان يحيى أو يميت
فليس يعجزه النشور
والله لولا عالم
جعلته قِبلتها الصدور
يخفى الفؤاد له الهوى
ويخاف قاضيه الضمير
وإليه يفزع من أسى
يطغى ومن ثكل يثور
ومن الحياة وما تجرّ
على البنين وما تجور
لقضى الحزين بحزنه
ولمات بالكيف الفقير
يبكى الشباب على فتى
ملأ الشباب هو الأمير
يبكى خلال البر في الأكفا
ن سار بها السرير
يبكى المروءة في الثرى
ذهبت وغيبها الحفير
يبكى فتى ماء الحيا
ء على أسرته غزير
فإذا استثير فضيغم
دون الحقوق له زئير
يا نور هَل في الأرض تض
طجع الأهِلة والبدور
قسمات وجهك في الثرى
من ظلمة الأرماس نور
هجمت عليك منية
هوجاء فاتكة جسور
ما آذنتك ولا مشى
في عارضيك بها النذير
خفت عليك زيارة
والموت أثقل من يزور
موت كما أخذ الكرى
لا نزع فيه ولا حضور
منع التلفت في الحيا
ة وفاتك النظر الأخير
مما يعدّ لصيده
قدّر على المرمى قدير
المصميات من القوا
صد في كِنانته كثير
يا نور كأس الموت من
نفس إلى نفس تدور
يُسقى بها الشيخ الكبـ
ـير ويشرب الطفل الصغير
لا السن عالية صحت
منها ولا العمر النضير
كالريح تنقصف الغصو
ن بها وتنقلع الجذور
إِن التي تبكيك تعـ
ـرفها المصاحف والخدور
ما في ثياب حدادها
إلا مصلِّية صبور
طهر زيان به الحجا
ب ولا يشان به السفور
إن الإناث إذا صلحـ
ـن بأمة صلح الذكور
لا ينِسينَّك عهدَها
عِين من الفردوس حور
فأديمها كأديمـ
ـهن كلاهما النزه الطهور
يا نور هبك بلغت ما
بلغت من العمر النسور
تُطوى لك الأيام في
مَهل وينشرها السرور
هل كنت إلا للذي
بالأمس صرت له تصير
أحلام عيش لا يدو
م طويلهن ولا القصير

اتغلبني ذات الدلال علي صبري

أَتَغلِبُني ذاتُ الدَلالِ عَلى صَبري
إِذَن أَنا أَولى بِالقِناعِ وَبِالخِدرِ
تَتيهُ وَلي حِلمٌ إِذا ما رَكِبتُهُ
رَدَدتُ بِهِ أَمرَ الغَرامِ إِلى أَمري
وَما دَفعِيَ اللُوّامَ فيها سَآمَةٌ
وَلَكِنَّ نَفسَ الحُرِّ أَزجَرُ لِلحُرِّ
وَلَيلٍ كَأَنَّ الحَشرَ مَطلَعُ فَجرِهِ
تَراءَت دُموعي فيهِ سابِقَةَ الفَجرِ
سَرَيتُ بِهِ طَيفاً إِلى مَن أُحِبُّها
وَهَل بِالسُها في حُلَّةِ السُقمِ مِن نُكرِ
طَرَقتُ حِماها بَعدَ ما هَبَّ أَهلُها
أَخوضُ غِمارَ الظَنِّ وَالنَظَرِ الشَزرِ
فَما راعَني إِلّا نِساءٌ لَقَينَني
يُبالِغنَ في زَجري وَيُسرِفنَ في نَهري
يَقُلنَ لِمَن أَهوى وَآنَسنَ ريبَةً
نَرى حالَةً بَينَ الصَبابَةِ وَالسِحرِ
إِلَيكُنَّ جاراتِ الحِمى عَن مَلامَتي
وَذَرنَ قَضاءَ اللَهِ في خَلقِهِ يَجري
وَأَحرَجَني دَمعي فَلَمّا زَجَرتُهُ
رَدَدتُ قُلوبَ العاذِلاتِ إِلى العُذرِ
فَساءَلنَها ما اِسمي فَسَمَّت فَجِئنَني
يَقُلنَ أَماناً لِلعَذارى مِنَ الشِعرِ
فَقُلتُ أَخافُ اللَهَ فيكُنَّ إِنَّني
وَجَدتُ مَقالَ الهُجرِ يُزرى بِأَن يُزري
أَخَذتُ بِحَظِّ مَن هَواها وَبَينِها
وَمَن يَهوَ يَعدِل في الوِصالِ وَفي الهَجرِ
إِذا لَم يَكُن لِلمَرءِ عَن عيشَةٍ غِنىً
فَلا بُدَّ مِن يُسرٍ وَلا بُدَّ مِن عُسرِ
وَمَن يَخبُرِ الدُنيا وَيَشرَب بِكَأسِها
يَجِد مُرَّها في الحُلوِ وَالحُلوَ في المُرِّ
وَمَن كانَ يَغزو بِالتَعِلّاتِ فَقرَهُ
فَإِنّي وَجَدتُ الكَدَّ أَقتَلَ لِلفَقرِ
وَمَن يَستَعِن في أَمرِهِ غَيرَ نَفسِهِ
يَخُنهُ الرَفيقُ العَون في المَسلَكِ الوَعرِ
وَمَن لَم يُقِم سِتراً عَلى عَيبِ غَيرِهِ
يَعِش مُستَباحَ العِرضِ مُنهَتِكَ السِترِ
وَمَن لَم يُجَمِّل بِالتَواضُعِ فَضلَهُ
يَبِن فَضلُهُ عَنهُ وَيَعطَل مِنَ الفَخرِ

كان لبعض الناس ببغاء

كانَ لِبَعضِ الناسِ بَبَّغاءُ
ما مَلَّ يَوماً نُطقَها الإِصغاءُ
رَفيعَةُ القَدرِ لَدى مَولاها
وَكُلُّ مَن في بَيتِهِ يَهواها
وَكانَ في المَنزِلِ كَلبٌ عالي
أَرخَصَهُ وُجودُ هَذا الغالي
كَذا القَليلُ بِالكَثيرِ يَنقُصُ
وَالفَضلُ بَعضُهُ لِبَعضٍ مُرخِصُ
فَجاءَها يَوماً عَلى غِرارِ
وَقَلبُهُ مِن بُغضِها في نارِ
وَقالَ يا مَليكَةَ الطُيورِ
وَيا حَياةَ الأُنسِ وَالسُرورِ
بِحُسنِ نُطقِكِ الَّذي قَد أَصبى
إِلّا أَرَيتِني اللِسانَ العَذبا
لِأَنَّني قَد حِرتُ في التَفَكُّرِ
لَمّا سَمِعتُ أَنَّهُ مِن سُكَّرِ
فَأَخرَجَت مِن طَيشِها لِسانَها
فَعَضَّهُ بِنابِهِ فَشانَها
ثُمَّ مَضى مِن فَورِهِ يَصيحُ
قَطَعتُهُ لِأَنَّهُ فَصيحُ
وَما لَها عِندِيَ مِن ثَأرٍ يُعَدُّ
غَيرَ الَّذي سَمَّوهُ قِدماً بِالحَسَد

يا ايها الدمع الوفي بدار

يا أَيُّها الدَمعُ الوَفِيُّ بِدارِ
نَقضي حُقوقَ الرِفقَةِ الأَخيارِ
أَنا إِن أَهَنتُكَ في ثَراهُمُ فَالهَوى
وَالعَهدُ أَن يُبكَوا بِدَمعٍ جاري
هانوا وَكانوا الأَكرَمينَ وَغودِروا
بِالقَفرِ بَعدَ مَنازِلٍ وَدِيارِ
لَهَفي عَلَيهِم أُسكِنوا دورَ الثَرى
مِن بَعدِ سُكنى السَمعِ وَالأَبصارِ
أَينَ البَشاشَةُ في وَسيمِ وُجوهِهِم
وَالبِشرُ لِلنُدَماءِ وَالسُمّارِ
كُنّا مِنَ الدُنيا بِهِم في رَوضَةٍ
مَرّوا بِها كَنَسائِمِ الأَسحارِ
عَطفاً عَلَيهِم بِالبُكاءِ وَبِالأَسى
فَتَعَهُّدُ المَوتى مِنَ الإيثارِ
يا غائِبينَ وَفي الجَوانِحِ طَيفُهُم
أَبكيكُمُ مِن غُيَّبٍ حُضّارِ
بَيني وَبَينَكُمُ وَإِن طالَ المَدى
سَفَرٌ سَأَزمَعُهُ مِنَ الأَسفارِ
إِنّي أَكادُ أَرى مَحَلِّيَ بَينَكُم
هَذا قَرارُكُمُ وَذاكَ قَراري
أَوَ كُلَّما سَمَحَ الزَمانُ وَبُشِّرَت
مِصرٌ بِفَردٍ في الرِجالِ مَنارِ
فُجِعَت بِهِ فَكَأَنَّهُ وَكَأَنَّها
نَجمُ الهِدايَةِ لَم يَدُم لِلساري
إِنَّ المَصيبَةَ في الأَمينِ عَظيمَةٌ
مَحمولَةٌ لِمَشيئَةِ الأَقدارِ
في أَريَحِيِّ ماجِدٍ مُستَعظَمٌ
رُزءُ المَمالِكِ فيهِ وَالأَمصارِ
أَوفى الرِجالِ لِعَهدِهِ وَلِرَأيِهِ
وَأَبَرَّهُم بِصَديقِهِ وَالجارِ
وَأَشَدَّهُم صَبراً لِمُعتَقَداتِهِ
وَتَأَدُّباً لِمُجادِلٍ وَمُماري
يَسقي القَرائِحَ هادِئًا مُتَواضِعاً
كَالجَدوَلِ المُتَرقرِقِ المُتَواري
قُل لِلسَماءِ تَغُضُّ مِن أَقمارِها
تَحتَ التُرابِ أَحاسِنُ الأَقمارِ
مِن كُلِّ وَضّاءِ المَآثِرِ فائِتٍ
زُهرَ النُجومِ بِذَهرِهِ السَيّارِ
تَمضي اللَيالي لا تَنالُ كَمالَهُ
بِمَعيبِ نَقصٍ أَو مَشينِ سِرارِ
آثارُهُ بَعدَ المَوتِ حَياتُهُ
إِنَّ الخُلودَ الحَقَّ بِالآثارِ
يا مَن تَفَرَّدَ بِالقَضاءِ وَعِلمِهِ
إِلّا قَضاءَ الواحِدِ القَهّارِ
مازِلتَ تَرجوهُ وَتَخشى سَهمَهُ
حَتّى رَمى فَأَحَطَّ بِالأَسرارِ
هَلّا بُعِثتَ فَكُنتَ أَفصَحَ مُخبَراً
عَمّا وَراءَ المَوتِ مِن لازارِ
اِنفُض غُبارَ المَوتِ عَنكَ وَناجِني
فَعَسايَ أَعلَمُ ما يَكونُ غُباري
هَذا القَضاءُ الجِدُّ فَاِروِ وَهاتِ عَن
حُكمِ المَنِيَّةِ أَصدَقَ الأَخبارِ
كُلٌّ وَإِن شَغَفَتهُ دُنياهُ هَوىً
يَوماً مُطَلِّقُها طَلاقَ نَوارِ
لِلَّهِ جامِعَةٌ نَهَضتَ بِأَمرِها
هِيَ في المَشارِقِ مَصدَرُ الأَنوارِ
أُمنِيِّةُ العُقَلاءِ قَد ظَفِروا بها
بَعدَ اِختِلافِ حَوادِثٍ وَطَواري
وَالعَقلُ غايَةُ جَريِهِ لِأَعِنَّةٍ
وَالجَهلُ غايَةُ جَريِهِ لِعِثارِ
لَو يَعلَمونَ عَظيمَ ما تُرجى لَهُ
خَرَجَ الشَحيحُ لَها مِنَ الدينارِ
تَشري المَمالِكُ بِالدَمِ اِستِقلالَها
قوموا اِشتَروهُ بِفِضَّةٍ وَنُضارِ
بِالعِلمِ يُبنى المُلكُ حَقَّ بِنائِهِ
وَبِهِ تُنالُ جَلائِلُ الأَخطارِ
وَلَقَد يُشادُ عَلَيهِ مِن شُمِّ العُلا
ما لا يُشادُ عَلى القَنا الخَطّارِ
إِن كانَ سَرَّكَ أَن أَقَمتَ جِدارَها
قَد ساءَها أَن مالَ خَيرُ جِدارِ
أَضحَت مِنَ اللَهِ الكَريمِ بِذِمَّةٍ
مَرموقَةِ الأَعوانِ وَالأَنصارِ
كُلِأَت بِأَنظارِ العَزيزِ وَحُصِّنَت
بِفُؤادَ فَهيَ مَنيعَةُ الأَسوارِ
وَإِذا العَزيزُ أَعارَ أَمراً نَظرَةً
فَاليُمنُ أَعجَلُ وَالسُعودُ جَواري
ماذا رَأَيتَ مِنَ الحِجابِ وَعُسرِهِ
فَدَعَوتَنا لِتَرَفُّقٍ وَيَسارِ
رَأيٌ بَدا لَكَ لَم تَجِدهُ مُخالِفاً
ما في الكِتابِ وَسُنَّةِ المُختارِ
وَالباسِلانِ شُجاعُ قَلبٍ في الوَغى
وَشُجاعُ رَأيٍ في وَغى الأَفكارِ
أَوَدِدتَ لَو صارَت نِساءُ النيلِ ما
كانَت نِساءُ قُضاعَةٍ وَنِزارِ
يَجمَعنَ في سِلمِ الحَياةِ وَحَربِها
بَأسَ الرِجالِ وَخَشيَةَ الأَبكارِ
إِنَّ الحِجابَ سَماحَةٌ وَيَسارَةٌ
لَولا وُحوشٌ في الرِجالِ ضَواري
جَهِلوا حَقيقَتَهُ وَحِكمَةَ حُكمِهِ
فَتَجاوَزوهُ إِلى أَذىً وَضِرارِ
يا قُبَّةَ الغوري تَحتَكِ مَأتَمٌ
تَبقى شَعائِرُهُ عَلى الأَدهارِ
يُحييِهِ قَومٌ في القُلوبِ عَلى المَدى
إِن فاتَهُم إِحياؤُهُ في دارِ
هَيهاتَ تُنسى أُمَّةٌ مَدفونَةٌ
في أَربَعينَ مِنَ الزَمانِ قِصارِ
إِن شِئتَ يَوماً أَو أَرَدتَ فَحُقبَةً
كُلٌّ يَمُرُّ كَلَيلَةٍ وَنَهارِ
هاتوا اِبنَ ساعِدَةٍ يُؤَبِّنُ قاسِماً
وَخُذوا المَراثِيَ فيهِ مِن بَشّارِ
مِن كُلِّ لائِقَةٍ لِباذِخِ قَدرِهِ
عَصماءَ بَينَ قَلائِدِ الأَشعارِ

تلك الطبيعة قف بنا يا ساري

تِلكَ الطَبيعَةُ قِف بِنا يا ساري
حَتّى أُريكَ بَديعَ صُنعِ الباري
الأَرضُ حَولَكَ وَالسَماءُ اِهتَزَّتا
لِرَوائِعِ الآياتِ وَالآثارِ
مِن كُلِّ ناطِقَةِ الجَلالِ كَأَنَّها
أُمُّ الكِتابِ عَلى لِسانِ القاري
دَلَّت عَلى مَلِكِ المُلوكِ فَلَم تَدَع
لِأَدِلَّةِ الفُقَهاءِ وَالأَحبارِ
مَن شَكَّ فيهِ فَنَظرَةٌ في صُنعِهِ
تَمحو أَثيمَ الشَكِّ وَالإِنكارِ
كَشَفَ الغَطاءُ عَنِ الطُرولِ وَأَشرَقَت
مِنهُ الطَبيعَةُ غَيرَ ذاتِ سِتارِ
شَبَّهتُها بَلقيسَ فَوقَ سَريرِها
في نَضرَةٍ وَمَواكِبٍ وَجَواري
أَو بِاِبنِ داوُدٍ وَواسِعِ مُلكِهِ
وَمَعالِمٍ لِلعِزِّ فيهِ كِبارِ
هوجُ الرِياحِ خَواشِعٌ في بابِهِ
وَالطَيرُ فيهِ نَواكِسُ المِنقارِ
قامَت عَلى ضاحي الجِنانِ كَأَنَّها
رَضوانُ يُزجي الخُلدُ لِلأَبرارِ
كَم في الخَمائِلِ وَهيَ بَعضُ إِمائِها
مِن ذاتِ خِلخالٍ وَذاتِ سِوارِ
وَحَسيرَةٍ عَنها الثِيابُ وَبَضَّةٍ
في الناعِماتِ تَجُرُّ فَضلَ إِزارِ
وَضَحوكِ سِنٍّ تَملَأُ الدُنيا سَنىً
وَغَريقَةٍ في دَمعِها المِدرارِ
وَوَحيدَةٍ بِالنَجدِ تَشكو وَحشَةً
وَكَثيرَةِ الأَترابِ بِالأَغوارِ
وَلَقَد تَمُرُّ عَلى الغَديرِ تَخالُهُ
وَالنَبتُ مِرآةً زَهَت بِإِطارِ
حُلوُ التَسَلسُلِ مَوجُهُ وَجَريرُهُ
كَأَنامِلٍ مَرَّت عَلى أَوتارِ
مَدَّت سَواعِدُ مائِهِ وَتَأَلَّقَت
فيها الجَواهِرُ مِن حَصىً وَجِمارِ
يَنسابُ في مُخضَلَّةٍ مُبتَلَّةٍ
مَنسوجَةٍ مِن سُندُسٍ وَنُضارِ
زَهراءَ عَونِ العاشِقينَ عَلى الهَوى
مُختارَةِ الشُعَراءِ في آذارِ
قامَ الجَليدُ بِها وَسالَ كَأَنَّهُ
دَمعُ الصَبابَةِ بَلَّ غُضنَ عَذارِ
وَتَرى السَماءَ ضُحىً وَفي جُنحِ الدُجى
مُنشَقَّةً مِن أَنهُرٍ وَبِحارِ
في كُلِّ ناحِيَةٍ سَلَكتَ وَمَذهَبٍ
جَبَلانِ مِن صَخرٍ وَماءٍ جاري
مِن كُلِّ مُنهَمِرِ الجَوانِبِ وَالذُرى
غَمرِ الحَضيضِ مُحَلَّلٍ بِوَقارِ
عَقَدَ الضَريبُ لَهُ عَمامَةَ فارِعٍ
جَمِّ المَهابَةِ مِن شُيوخِ نِزارِ
وَمُكَذِّبٍ بِالجِنِّ ريعَ لِصَوتِها
في الماءِ مُنحَدِراً وَفي التَيّارِ
مَلَأَ الفَضاءَ عَلى المَسامِعِ ضَجَّةً
فَكَأَنَّما مَلَأَ الجِهاتِ ضَواري
وَكَأَنَّما طوفانُ نوحٍ ما نَرى
وَالفُلكُ قَد مُسِخَت حَثيثَ قِطارِ
يَجري عَلى مَثَلِ الصِراطِ وَتارَةً
ما بَينَ هاوِيَةٍ وَجُرفٍ هاري
جابَ المَمالِكَ حَزنَها وَسُهولَها
وَطَوى شِعابَ الصِربِ وَالبُلغارِ
حَتّى رَمى بِرِحالِنا وَرَجائِنا
في ساحِ مَأمولٍ عَزيزِ الجارِ
مَلِكٌ بِمَفرَقِهِ إِذا اِستَقبَلتَهُ
تاجانِ تاجُ هُدىً وَتاجُ فَخارِ
سَكَنَ الثُرَيّا مُستَقَرَّ جَلالِهِ
وَمَشَت مَكارِمُهُ إِلى الأَمصارِ
فَالشَرقُ يُسقى ديمَةً بِيَمينِهِ
وَالغَربُ تُمطِرُهُ غُيوثُ يَسارِ
وَمَدائِنُ البَرَّينِ في إِعظامِهِ
وَعَوالِمُ البَحرَينِ في الإِكبارِ
اللَهُ أَيَّدَهُ بِآسادِ الشَرى
في صورَةِ المُتَدَجِّجِ الجَرّارِ
الصاعِدينَ إِلى العَدُوِّ عَلى الظُبى
النازِلينَ عَلى القَنا الخَطّارِ
المُشتَرينَ اللَهَ بِالأَبناءِ وَال
أَزواجِ وَالأَموالِ وَالأَعمارِ
القائِمينَ عَلى لِواءِ نَبِيِّهِ
المُنزَلينَ مَنازِلَ الأَنصارِ
يا عَرشَ قُسطَنطينَ نِلتَ مَكانَةً
لَم تُعطَها في سالِفِ الأَعصارِ
شُرِّفتَ بِالصَديقِ وَالفاروقِ بَل
بِالأَقرَبِ الأَدنى مِنَ المُختارِ
حامي الخِلافَةِ مَجدِها وَكِيانِها
بِالرَأيِ آوِنَةً وَبِالبَتّارِ
تاهَت فُروقُ عَلى العَواصِمِ وَاِزدَهَت
بِجُلوسِ أَصيَدَ باذِخِ المِقدارِ
جَمِّ الجَلالِ كَأَنَّما كُرسِيُّهُ
جُزءٌ مِنَ الكُرسِيِّ ذي الأَنوارِ
أَخَذَت عَلى البوسفورِ زُخرُفَها دُجىً
وَتَلَألَأَت كَمَنازِلِ الأَقمارِ
فَالبَدرُ يَنظُرُ مِن نَوافِذِ مَنزِلٍ
وَالشَمسُ ثَمَّ مُطِلَّةٌ مِن دارِ
وَكَواكِبُ الجَوزاءِ تَخطُرُ في الرُبى
وَالنَسرُ مَطلَعُهُ مِنَ الأَشجارِ
وَاِسمُ الخَليفَةِ في الجِهاتِ مُنَوِّرٌ
تَبدو السَبيلُ بِهِ وَيَهدي الساري
كَتَبوهُ في شُرَفِ القُصورِ وَطالَما
كَتَبوهُ في الأَسماعِ وَالأَبصارِ
يا واحِدَ الإِسلامِ غَيرَ مُدافِعٍ
أَنا في زَمانِكَ واحِدُ الأَشعارِ
لي في ثَنائِكَ وَهوَ باقٍ خالِدٌ
شَعرٌ عَلى الشِعرى المَنيعَةِ زاري
أَخلَصتُ حُبّي في الإِمامِ دِيانَةً
وَجَعَلتُهُ حَتّى المَماتِ شِعاري
لَم أَلتَمِس عَرضَ الحَياةِ وَإِنَّما
أَقرَضتُهُ في اللَهِ وَالمُختارِ
إِنَّ الصَنيعَةَ لا تَكونُ كَريمَةً
حَتّى تُقَلِّدُها كَريمَ نِجارِ
وَالحُبُّ لَيسَ بِصادِقٍ ما لَم تَكُن
حَسَنَ التَكَرُّمِ فيهِ وَالإيثارِ
وَالشِعرُ إِنجيلٌ إِذا اِستَعمَلتَهُ
في نَشرِ مَكرُمَةٍ وَسَترِ عَوارِ
وَثَنَيتَ عَن كَدَرِ الحِياضِ عِنانَهُ
إِنَّ الأَديبَ مُسامِحٌ وَمُداري
عِندَ العَواهِلِ مِن سِياسَةِ دَهرِهِم
سِرٌّ وَعِندَكَ سائِرُ الأَسرارِ
هَذا مُقامٌ أَنتَ فيهِ مُحَمَّدٌ
أَعداءُ ذاتِكَ فِرقَةٌ في النارِ
إِنَّ الهِلالَ وَأَنتَ وَحدَكَ كَهفُهُ
بَينَ المَعاقِلِ مِنكَ وَالأَسوارِ
لَم يَبقَ غَيرُكَ مَن يَقولُ أَصونُهُ
صُنهُ بِحَولِ الواحِدِ القَهّارِ

ملك السماء بهرت في الانوار

مَلِكَ السَماءِ بَهَرتَ في الأَنوارِ
فَفَداك كُلُّ مُتَوَّجٍ مِن ساري
لَمّا طَلَعتَ عَلى المِياهِ تُنيرُها
سَكَنَت وَقَد كانَت بِغَيرِ قَرارِ
وَزَهَت لِناظِرِها السَماءُ وَقَرَّ ما
في البَحرِ مِن عُبُبٍ وَمِن تَيّارِ
وَأَهَلَّ لِلَّهِ السُراةُ وَأَزلَفوا
لَكَ في الكَمالِ تَحِيَّةَ الإِكبارِ
وَتَأَمَّلوكَ فَكُلُّ جارِحَةٍ لَهُم
عَينٌ تُسامِرُ نورَها وَتُساري
وَالبَدرُ مِنكَ عَلى العَوالِمِ يَجتَلي
بِشرَ الوُجوهِ وَزَحمَةِ الأَبصارِ
مُتَقَدِّمٌ في النورِ مَحجوبٌ بِهِ
موفٍ على الآفاقِ بِالأَسفارِ
يا دُرَّةَ الغَوّاصِ أَخرَجَ ظافِراً
يُمناهُ يَجلوها عَلى النُظّارِ
مُتَهَلِّلاً في الماءِ أَبدى نِصفَهُ
يَسمو بِها وَالنِصفُ كاسٍ عارِ
وافى بِكَ الأُفُقُ السَماءَ فَأَسفَرَت
عَن قُفلِ ماسٍ في سِوارِ نُضارِ
وَنَهَضتَ يَزهو الكَونُ مِنكَ بِمَنظَرٍ
ضاحٍ وَيَحمُلُ مِنكَ تاجَ فَخارِ
الماءُ وَالآفاقُ حَولَكَ فِضَّةٌ
وَالشُهبُ دينارٌ لَدى دينارِ
وَالفُلكُ مُشرِقَةُ الجَوانِبِ في الدُجى
يَبدو لَها ذَيلٌ مِنَ الأَنوارِ
بَينا تَخَطَّرُ في لُجَينٍ مائِجٍ
إِذ تَنثَني في عَسجَدٍ زَخّارِ
وَكَأَنَّها وَالمَوجُ مُنتَظِمٌ وَقَد
أَوفَيتَ ثُمَّ دَنَوتَ كَالمُختارِ
غَيداءُ لاهِيَةٌ تَخُطُّ لِأَغيَدٍ
شِعراً لِيَقرَأَهُ وَأَنتَ القاري
فَليَهنِ بَدرَ الأَرضِ أَنَّكَ صِنوُهُ
وَنَظيرُهُ قُرباً وَبُعدَ مَزارِ
وَحَلاكُما ما البَدرُ إِلّا أَنتُما
وَسِواكُما قَمَرٌ مِنَ الأَقمارِ
أَنتَ الكَريمُ عَلى الوُجودِ بِوَجهِهِ
وَهيَ الضَنينَةُ بِالخَيالِ الساري
هَيفاءُ أَهواها وَأَعشَقُ ذِكرَها
لَكِن أُداري وَالمُحِبُّ يُداري
لي في الهَوى سِرٌّ أَبيتُ أَصونُهُ
وَاللَهُ مُطَّلِعٌ عَلى الأَسرارِ