الضلوع تتقد

الضُلوعُ تَتَّقِدُ
وَالدُموعُ تَطَّرِدُ
أَيُّها الشَجِيُّ أَفِق
مِن عَناءِ ما تَجِدُ
قَد جَرَت لِغايَتِها
عَبرَةٌ لَها أَمَدُ
كُلُّ مُسرِفٍ جَزَعاً
أَو بُكىً سَيَقتَصِدُ
وَالزَمانُ سُنَّتُهُ
في السُلُوِّ يَجتَهِدُ
قُل لِثاكِلَينِ مَشى
في قِواهُما الكَمَدُ
لَم يُعافَ قَبلَكُما
والِدٌ وَلا وَلَدُ
الَّذينَ ميلَ بِهِم
في سِفارِهِم بَعُدوا
ما عَلِمنا أَشَقوا
بِالرَحيلِ أَم سَعِدوا
إِنَّ مَنزِلاً نَزَلوا
لا يَرُدُّ من يَرِدُ
كُلُّنا إِلَيهِ غَداً
لَيسَ بِالبَعيدِ غَدُ
البَنونَ هُم دَمُنا
وَالحَياةُ وَالوُرُدُ
لا تَلَدُّ مِثلَهُم
مُهجَةٌ وَلا كَبِدُ
يَستَوونَ واحِدُهُم
في الحَنانِ وَالعَدَدُ
زينَةٌ وَمَصلَحَةٌ
وَاِستِراحَةٌ وَدَدُ
فِتنَةٌ إِذا صَلُحوا
مِحنَةٌ إِذا فَسَدوا
شاغِلٌ إِذا مَرِضوا
فاجِعٌ إِذا فُقِدوا
جُرحُهُم إِذا اِنتُزِعوا
لا تَلُمُّهُ الضُمَدُ
العَزاءُ لَيسَ لَهُ
آسِياً وَلا الجَلَدُ
قُل لِهَيكَلٍ كَلِماً
مِن وَرائِها رَشَدُ
لَم يَشُب مُهَذَّبَها
باطِلٌ وَلا فَنَدُ
قَد عَجِبتُ مِن قَلمٍ
ثاكِلٍ وَيَنجَرِدُ
أَنتَ لَيثُ مَعرَكَةٍ
وَهوَ صارِمٌ فَرَدُ
وَالسُيوفُ نَخوَتُها
في الوَطيسِ تَتَّقِدُ
أَنتَ ناقِدٌ أَرِبٌ
وَالأَريبُ يَنتَقِدُ
ما تَقولُ في قَدَرٍ
بَعضُ سِنِّهِ الأَبَدُ
وَهوَ في الحَياةِ عَلى
كُلِّ خُطوَةٍ رَصَدُ
يَعثُرُ الأَنامُ بِهِ
إِن سَعَوا وَإِن قَعَدوا
يَنزِلُ الرِجالُ عَلى
حُكمِهِ وَإِن جَحَدوا
القَضاءُ مُعضِلَةٌ
لَم يُحِلَّها أَحَدُ
كُلَّما نَقَضتَ لَها
عُقدَةً بَدَت عُقَدُ
أَتعَبَت مُعالِجَها
وَاستَراحَ مُعتَقِدُ
عالَمٌ مُدَبِّرُهُ
بِالبَقاءِ مُنفَرِدُ
مِن بِلى كَوائِنِهِ
كائِناتُهُ الجُدُدُ
لا تَقُل بِهِ إِدَدٌ
إِنَّ حُسنَهُ اَلإِدَدُ
تَلتَقي نَقائِضُهُ
غايَةً وَتَتَّحِدُ
الفَناءُ فيهِ يَدٌ
لِلبَقاءِ أَو عَضُدُ
اِئتِلافُهُ رَشَدٌ
وَاِختِلافُهُ سَدَدُ
جَدَّ في عَمارَتِهِ
مُنصَفٌ وَمُضطَهَدُ
وَالغِنى لِخِدمَتِهِ
كَالفَقيرِ مُحتَشِدُ
وَهوَ في أَعِنَّتِهِ
مُمعِنٌ وَمُطَّرِدُ
وَالحَياةُ حَنظَلَةٌ
في حُروفِها شُهُدُ
هَيكَلُ الشَقاءِ لهُ
مِن مَدامِعٍ عَمَدُ
قامَتِ النُعوشُ عَلى
جانِبَيهِ وَالوَسَدُ
عُرسُهُ وَمَأتَمُهُ
غايَتاهُما نَفَدُ

عجبوا من المصفوع كيف تجمعت

عجبوا من المصفوع كيف تجمعت
كل البلادة عند شخص واحد
لا تعجبوا فالله صوّر وجهه
من جلمد أو من فلاذ جامد
جمع الجمودة والبرودة صدغه
فالناس تضرب في حديد بارد

كل حي علي المنية غادي

كُلُّ حَيٍّ عَلى المَنِيَّةِ غادي
تَتَوالى الرِكابُ وَالمَوتُ حادي
ذَهَب الأَوَّلونَ قَرناً فَقَرنا
لَم يَدُم حاضِرٌ وَلَم يَبقَ بادي
هَل تَرى مِنهُمُ وَتَسمَعُ عَنهُمُ
غَيرَ باقي مَآثِرٍ وَأَيادي
كُرَةُ الأَرضِ رَمَت صَولَجانا
وَطَوَت مِن مَلاعِبٍ وَجِيادِ
وَالغُبارُ الَّذي عَلى صَفحَتَيها
دَوَرانُ الرَحى عَلى الأَجسادِ
كُلُّ قَبرٍ مِن جانِبِ القَفرِ يَبدو
عَلَمَ الحَقِّ أَو مَنارَ المَعادِ
وَزِمامُ الرِكابِ مِن كُلِّ فَجٍّ
وَمَحَطُّ الرِحالِ مِن كُلِّ وادي
تَطلَعُ الشَمسُ حَيثُ تَطلَعُ نَضخاً
وَتَنَحّى كَمِنجَلِ الحَصّادِ
تِلكَ حَمراءُ في السَماءِ وَهَذا
أَعوَجُ النَصلِ مِن مِراسِ الجِلادِ
لَيتَ شِعري تَعَمَّدا وَأَصَرّا
أَم أَعانا جِنايَةَ البِلادِ
كَذَبَ الأَزهَرانِ ما الأَمرُ إِلّا
قَدَرٌ رائِحٌ بِما شاءَ غادي
يا حَماماً تَرَنَّمَت مُسعِداتٍ
وَبِها فاقَةٌ إِلى الإِسعادِ
ضاقَ عَن ثُكلِها البُكا فَتَغَنَّت
رُبَّ ثُكلٍ سَمِعتَهُ مِن شادي
الأَناةَ الأَناةَ كُلُّ أَليفٍ
سابِقُ الإِلفِ أَو مُلاقي اِنفِرادِ
هَل رَجَعتُنَّ في الحَياةِ لِفَهمٍ
إِنَّ فَهمَ الأُمورِ نِصفُ السَدادِ
سَقَمٌ مِن سَلامَةٍ وَعَزاءٌ
مِن هَناءٍ وَفُرقَةٌ مِن وِدادِ
يُجتَنى شَهدُها عَلى إِبَرِ النَح
لِ وَيُمشى لِوِردِها في القَتادِ
وَعَلى نائِمٍ وَسَهرانَ فيها
أَجَلٌ لا يَنامُ بِالمِرصادِ
لُبَدٌ صادَهُ الرَدى وَأَظُنُّ ال
نَسرَ مِن سَهمِهِ عَلى ميعادِ
ساقَةَ النَعشِ بِالرَئيسِ رُوَيداً
مَوكِبُ المَوتِ مَوضِعُ الإِتِّئادِ
كُلُّ أَعوادِ مِنبَرٍ وَسَريرٍ
باطِلٌ غَيرَ هَذِهِ الأَعوادِ
تَستَريحُ المَطِيُّ يَوماً وَهَذي
تَنقُلُ العالَمينَ مِن عَهدِ عادِ
لا وَراءَ الجِيادِ زيدَت جَلالاً
مُنذُ كانَت وَلا عَلى الأَجيادِ
أَسَأَلتُم حَقيبَةَ المَوتِ ماذا
تَحتَها مِن ذَخيرَةٍ وَعَتادِ
إِنَّ في طَيِّها إِمامَ صُفوفٍ
وَحَوارِيَّ نِيَّةٍ وَاِعتِقادِ
لَو تَرَكتُم لَها الزِمامَ لَجاءَت
وَحدَها بِالشَهيدِ دارَ الرَشادِ
اِنظُروا هَل تَرَونَ في الجَمعِ مِصراً
حاسِراً قَد تَجَلَّلَت بِسَوادِ
تاجُ أَحرارِها غُلاماً وَكَهلاً
راعَها أَن تَراهُ في الأَصفادِ
وَسِّدوهُ التُرابَ نِضوَ سِفارٍ
في سَبيلِ الحُقوقِ نِضوَ سُهادِ
وَاِركُزوهُ إِلى القِيامَةِ رُمحاً
كانَ لِلحَشدِ وَالنَدى وَالطِرادِ
وَأَقِرّوهُ في الصَفائِحِ عَضباً
لَم يَدِن بِالقَرارِ في الأَغمادِ
نازِحَ الدارِ أَقصَرَ اليَومَ بَينٌ
وَاِنتَهَت مِحنَةٌ وَكَفَّت عَوادي
وَكَفى المَوتُ ما تَخافُ وَتَرجو
وَشَفى مِن أَصادِقٍ وَأَعادي
مَن دَنا أَو نَأى فَإِنَّ المَنايا
غايَةُ القُربِ أَو قُصارى البِعادِ
سِر مَعَ العُمرِ حَيثُ شِئتَ تَأوبا
وَاِفقُدِ العُمرَ لا تَأُب مِن رُقادِ
ذَلِكَ الحَقُّ لا الَّذي زَعَموهُ
في قَديمٍ مِنَ الحَديثِ مُعادِ
وَجَرى لَفظُهُ عَلى أَلسُنِ النا
سِ وَمَعناهُ في صُدورِ الصِعادِ
يَتَحَلّى بِهِ القَوِيُّ وَلَكِن
كَتَحَلّي القِتالِ بِاِسمِ الجِهادِ
هَل تَرى كَالتُرابِ أَحسَنَ عَدلاً
وَقِياماً عَلى حُقوقِ العِبادِ
نَزَلَ الأَقوِياءُ فيهِ عَلى الضَع
فى وَحَلَّ المُلوكُ بِالزُهّادِ
صَفَحاتٌ نَقِيَّةٌ كَقُلوبِ ال
رُسلِ مَغسولَةٌ مِنَ الأَحقادِ
قُم إِنِ اِسطَعتَ مِن سَريرِكَ وَاِنظُر
سِرَّ ذاكَ اللِواءِ وَالأَجنادِ
هَل تَراهُم وَأَنتَ موفٍ عَلَيهِم
غَيرَ بُنيانِ أُلفَةٍ وَاِتِّحادِ
أُمَّةٌ هُيِّأَت وَقَومٌ لِخَيرِ ال
دَهرِ أَو شَرِّهِ عَلى اِستِعدادِ
مِصرُ تَبكي عَلَيكَ في كُلِّ خِدرٍ
وَتَصوغُ الرِثاءَ في كُلِّ نادي
لَو تَأَمَّلتَها لَراعَكَ مِنها
غُرَّةُ البِرِّ في سَوادِ الحِدادِ
مُنتَهى ما بِهِ البِلادُ تُعَزّى
رَجُلٌ ماتَ في سَبيلِ البِلادِ
أُمَّهاتٌ لا تَحمِلُ الثُكلَ إِلّا
لِلنَجيبِ الجَريءِ في الأَولادِ
كَفَريدٍ وَأَينَ ثاني فَريدٍ
أَيُّ ثانٍ لِواحِدِ الآحادِ
الرَئيسِ الجَوادِ فيما عَلِمنا
وَبَلَونا وَاِبنِ الرَئيسِ الجَوادِ
أَكَلَت مالَهُ الحُقوقُ وَأَبلى
جِسمَهُ عائِدٌ مِنَ الهَمِّ عادي
لَكَ في ذَلِكَ الضَنى رِقَّةُ الرو
حِ وَخَفقُ الفُؤادِ في العُوّادِ
عِلَّةٌ لَم تَصِل فِراشَكَ حَتّى
وَطِئَت في القُلوبِ وَالأَكبادِ
صادَفَت قُرحَةً يُلائِمُها الصَب
رُ وَتَأبى عَلَيهِ غَيرَ الفَسادِ
وَعَدَ الدَهرُ أَن يَكونَ ضِماداً
لَكَ فيها فَكانَ شَرَّ ضِمادِ
وَإِذا الروحُ لَم تُنَفِّس عَنِ الجِس
مِ فَبُقراطُ نافِخٌ في رَمادِ

سالتك بالوداد ابا حسين

سَأَلتُكَ بِالوِدادِ أَبا حُسَينٍ
وَبِالذِمَمِ السَوالِفِ وَالعُهودِ
وَحُبٍّ كامِنٍ لَكَ في فُؤادي
وَآخَرَ في فُؤادِكَ لي أَكيدِ
أَحَقٌّ أَنَّ مَطوِيَّ اللَيالي
سَيُنشَرُ بَينَ أَحمَدَ وَالوَليدِ
وَأَنَّ مَناهِلاً كُنّا لَدَيها
سَتَدنو لِلتَأَنُّسِ وَالوُرودِ
قُدومُكَ في رُقِيِّكَ في نَصيبي
سُعودٌ في سُعودٍ في سُعودِ
وَفَدتَ عَلى رُبوعِكَ غِبَّ نَأيٍ
وَكُنتَ البَدرَ مَأمولَ الوُفودِ
لَئِن رَفَعوكَ مَنزِلَةً فَأَعلى
لَقَد خُلِقَ الأَهِلَّةُ لِلصُعودِ
وَأَقسِمُ ما لِرِفعَتِكَ اِنتِهاءُ
وَلا فيها اِحتِمالٌ لِلمَزيدِ

اكذا تقر البيض في الاغماد

أكذا تقر البيض في الأغماد
أكذا تحين مصارع الآساد
خطوا المضاجع في التراب لفارس
جنباه مضطجع من الأطواد
مالت بقسطاس الحقوق نوازل
ومشت على ركن القضاء عواد
ورمى فحط البدر عن عليائه
رام يصيب الشمس في الآراد
قل للمنية نلت ركن حكومة
وهدمت حائط أمة وبلاد
ووقفت بين الحاسدين وبينه
يا راحة المحسود والحساد
كل له يوم وأنت بمرصد
لتصيّد الأحباب والأضداد
ما كل يوم تظفرين بمثله
إن النجوم عزيزة الميلاد
يا ساكن الصحراء منفردا بها
كالنجم أو كالسيل أو كالصاد
كم عن يمينك أو يسارك لو ترى
من فيلق متتابع الأمداد
ألقى السلاح ونام عن راياته
متبدد الأمراء والأجناد
ومصفدٍ ما داينوه وطالما
دان الرجال فبتن في الأصفاد
ومطيع أحكام المنون وطالما
سبقت لطاعته يد الجلاد
ومعانق الأكفان في جوف الثرى
بعد الطراز الفخم في الأعياد
مرت عليك الأربعون صبيحة
مر القرون على ثمود وعاد
في منزل ضربت عليه يد البلى
بحوالك الظلمات والأسداد
يا أحمد القانونُ بعدك غامض
قلِق البنود مجلل بسواد
والأمر اعوج والشئون سقيمة
مختلة الإصدار والإيراد
والأمر مختلط الفصيح بضده
تبكى جواهره على النقاد
وأتت على الأقلام بعدك فترة
قُطمت وكانت مدمنات مداد
عجبي لنفسك لم تدع لك هيكلا
إن النفوس لآفة الأجساد
ولرأسك العالى تناثر لبه
ونزا وصار نسيجه لفساد
لو كان ماسا ذاب أو ياقوتة
لتحرقت بذكائك الوقاد
حمَّلتَه في ليله ونهاره
همّ الفؤاد وهمة الإرشاد
فقتلته ورزحت مقتولا به
رب اجتهاد قاتل كجهاد
جد الطيب فكان غاية جده
تقليب كفيه إلى العواد
والمةت حق في البرية قاهر
عجبي لحق قام باستبداد
لا جدّ إلا الموت والإنسان في
لعب الحياة ولهوها متماد
وَّليت في إثر الشباب ومن يعش
بعد الشباب يعش بغير عماد
من ذم من ورد الشبيبة شوكه
حمل المشيب إليه شوك قتاد
حرص الرجال على حياة بعدها
حرض الشحيح على فضول الزاد
يابن القرى ناتل بمولدك القرى
ما لم تنله حواضر وبواد
غذتك بعد حَسَن المغبِة سائغٍ
وسقتك من جارى المياه بُراد
وتعاهدتك أشعة في شمها
ينفذن عافيةً إلى الأبراد
ونشأت بين الطاهرين سرائرا
والطاهرات الصالحات العاد
رضوات عيش في صلاح عشيرة
في طهر سقف في عفاف وساد
فُجعت بخير بُناتها ومضت به
ريح المنية قبل حين حصاد
أمسى ذووك طويلة حسراتهم
وأخوك ينشد أوثق الأعضاد
في ذمة الشبان ما استودعتهم
من خاطر وقريحة وفؤاد
ووسائل لك لا تُمل كأنها
كتب الصبابة أو حديث وداد
وخطابة في كل ناد حافل
ينصبّ آذانا إليها النادى
ومعربات كالمنار وإنها
لزيادة في رأس مال الضاد
وإذا المعرب نال أسرار اللُّغى
روَّى عبادا من إناء عباد
العلم عندك والبيان مواهب
حليتها بشمائل الأمجاد
ومن المهانة للنبوغ وأهله
شبه النبوغ تراه في الأوغاد
فتحى رئيتك للبلاد وأهلها
ولرائح فوق التراب وغاد
وسبقت فيك القائلين لمنبر
عال عليهم خالد الأعواد
ما زلت تسمع منه كل بديهة
حتى سمعت يتيمة الإنشاد
وحياة مثلك للرجال نموذج
ومماتك المثل القويم الهادى
ورثاؤك الإرشاد والعظة التي
تُلقى على العظماء والأفراد
مكسوب جاهك فوق كل مقلَّد
وطريف مجدك فوق كل تلاد
فخر الولاية والمناصب عادة
كالفخر بالآباء والأجداد
ولربما عقدا نِجادا للعصا
والصارم الماضي بغير نجاد
فافخر بفضلك فهو لا أنسابه
تبلى ولا سلطانه لنقاد

الرشد اجمل سيرة يا احمد

الرُشدُ أَجمَلُ سيرَةً يا أَحمَدُ
وُدُّ الغَواني مِن شَبابِكَ أَبعَدُ
قَد كانَ فيكَ لِوُدِّهِنَّ بَقِيَّةٌ
وَاليَومَ أَوشَكَتِ البَقِيَّةُ تَنفَدُ
هاروتُ شِعرِكَ بَعدَ ماروتِ الصِبا
أَعيا وَفارَقَهُ الخَليلُ المُسعِدُ
لَمّا سَمِعنَكَ قُلنَ شِعرٌ أَمرَدٌ
يا لَيتَ قائِلَهُ الطَريرُ المُسعِدُ
ما لِلَّواهي الناعِماتِ وَشاعِرٍ
جَعَلَ النَسيبَ حِبالَةً يَتَصَيَّدُ
وَلَكَم جَمَعتَ قُلوبَهُنَّ عَلى الهَوى
وَخَدَعتَ مَن قَطَعَت وَمَن تَتَوَدَّدُ
وَسَخِرتَ مِن واشٍ وَكِدتَ لِعاذِلٍ
وَاليَومَ تَنشُدُ مَن يَشي وَيُفَنِّدُ
أَإِذا وَجَدتَ الغيدَ أَلهاكَ الهَوى
وَإِذا وَجَدتَ الشِعرَ عَزَّ الأَغيَدُ

يا ناشر العلم بهذي البلاد

يا ناشِرَ العِلمِ بِهَذي البِلاد
وُفِّقتَ نَشرُ العِلمِ مِثلُ الجِهاد
بانِيَ صَرحِ المَجدِ أَنتَ الَّذي
تَبني بُيوتَ العِلمِ في كُلِّ ناد
بِالعِلمِ سادَ الناسُ في عَصرِهِم
وَاِختَرَقوا السَبعَ الطِباقَ الشِداد
أَيَطلُبُ المَجدَ وَيَبغي العُلا
قَومٌ لِسوقِ العِلمِ فيهِم كَساد
نَقّادُ أَعمالِكَ مُغلٍ لَها
إِذا غَلا الدُرُّ غَلا الاِنتِقاد
ما أَصعَبَ الفِعلَ لِمَن رامَهُ
وَأَسهَلَ القَولَ عَلى مَن أَراد
سَمعاً لِشَكوايَ فَإِن لَم تَجِد
مِنكَ قُبولاً فَالشَكاوى تُعاد
عَدلاً عَلى ما كانَ مِن فَضلِكُم
فَالفَضلُ إِن وُزِّع بِالعَدلِ زاد
أَسمَعُ أَحياناً وَحيناً أَرى
مَدرَسَةً في كُلِّ حَيٍّ تُشاد
قَدَّمتَ قَبلي مُدُناً أَو قُرى
كُنتُ أَنا السَيفَ وَكُنَّ النِجاد
أَنا الَّتي كُنتُ سَريراً لِمَن
سادَ كَإِدوَردَ زَماناً وَشاد
قَد وَحَّدَ الخالِقَ في هَيكَلٍ
مِن قَبلِ سُقراطَ وَمِن قَبلِ عاد
وَهَذَّبَ الهِندُ دِياناتِهِم
بِكُلِّ خافٍ مِن رُموزي وَباد
وَمِن تَلاميذي موسى الَّذي
أوحِيَ مِن بَعدُ إِلَيهِ فَهاد
وَأُرضِعَ الحِكمَةَ عيسى الهُدى
أَيّامَ تُربي مَهدُهُ وَالوِساد
مَدرَسَتي كانَت حِياضَ النُهى
قَرارَةَ العِرفانِ دارَ الرَشاد
مَشايِخُ اليونانِ يَأتونَها
يُلقونَ في العِلمِ إِلَيها القِياد
كُنّا نُسَمّيهِم بِصِبيانِهِ
وَصِبيَتي بِالشَيبِ أَهلُ السَداد
ذَلِكَ أَمسي ما بِهِ ريبَةٌ
وَيَومِيَ القُبَّةُ ذاتُ العِماد
أَصبَحتُ كَالفِردَوسِ في ظِلِّها
مِن مِصرَ لِلخَنكا لِظِلّي اِمتِداد
لَولا جُلّى زَيتونِيَ النَضرِ ما
أَقسَمَ بِالزَيتونِ رَبُّ العِباد
الواحَةُ الزَهراءُ ذاتُ الغِنى
تُربي الَّتي ما مِثلِها في البِلاد
تُريكَ بِالصُبحِ وَجُنحِ الدُجى
بُدورَ حُسنٍ وَشُموسَ اِتِّقاد
بَنِيَّ يا سَعدُ كَزُغبِ القَطا
لا نَقَّصَ اللَهُ لَهُم مِن عِداد
إِن فاتَكَ النَسلُ فَأَكرِم بِهِم
وَرُبَّ نَسلٍ بِالنَدى يُستَفاد
أَخشى عَلَيهِم مِن أَذىً رائِحٍ
يَجمَعُهُم في الفَجرِ وَالعَصرِ غاد
صَفيرُهُ يَسلُبُني راحَتي
وَيَمنَعُ الجَفنَ لَذيذَ الرُقاد
يَعقوبُ مِن ذِئبٍ بَكى مُشفِقاً
فَكَيفَ أَنيابُ الحَديدِ الحِداد
فَاِنظُر رَعاكَ اللَهُ في حاجِهِم
فَنَظرَةٌ مِنكَ تُنيلُ المُراد
قَد بَسَطوا الكَفَّ عَلى أَنَّهُم
في كَرَمِ الراحِ كَصَوبِ العِهاد
إِن طُلِبَ القِسطُ فَما مِنهُمُ
إِلّا جَوادٌ عَن أَبيهِ الجَواد

سنون تعاد ودهر يعيد

سُنونٌ تُعادُ وَدَهرٌ يُعيد
لَعَمرُكَ ما في اللَيالي جَديد
أَضاءَ لِآدَمَ هَذا الهِلالُ
فَكَيفَ تَقولُ الهِلالُ الوَليد
نَعُدُّ عَلَيهِ الزَمانَ القَريبَ
وَيُحصي عَلَينا الزَمانَ البَعيد
عَلى صَفحَتَيهِ حَديثُ القُرى
وَأَيّامُ عادٍ وَدُنيا ثَمود
وَطيبَةُ آهِلَةٌ بِالمُلوكِ
وَطيبَةُ مُقفِرَةٌ بِالصَعيد
يَزولُ بِبَعضِ سَناهُ الصَفا
وَيَفنى بِبَعضِ سَناهُ الحَديد
وَمِن عَجَبٍ وَهوَ جَدُّ اللَيالي
يُبيدُ اللَيالِيَ فيما يُبيد
يَقولونَ يا عامُ قَد عُدتَ لي
فَيالَيتَ شِعري بِماذا تَعود
لَقَد كُنتَ لي أَمسِ ما لَم أُرِد
فَهَل أَنتَ لي اليَومَ ما لا أُريد
وَمَن صابَرَ الدَهرَ صَبري لَهُ
شَكا في الثَلاثينَ شَكوى لَبيد
ظَمِئتُ وَمِثلي بَرِيٍّ أَحَقُّ
كَأَنّي حُسَينٌ وَدَهري يَزيد
تَغابَيتُ حَتّى صَحِبتُ الجَهولَ
وَدارَيتُ حَتّى صَبِحتُ الحَسود

كان بروض غصن ناعم

كانَ بِرَوضٍ غُصُنٌ ناعِمٌ
يَقولُ جَلَّ الواحِدُ المُنفَرِد
فَقامَتي في ظَرفِها قامَتي
وَمِثلُ حُسنى في الوَرى ما عُهِد
فَأَقبَلَت خُنفُسَةٌ تَنثَني
وَنَجلُها يَمشي بِجَنبِ الكَبِد
تَقولُ يا زَينَ رِياضِ البَها
إِنَّ الَّذي تَطلُبُهُ قَد وُجِد
فَانظُر لِقَدِّ اِبني وَلا تَفتَخِر
مادامَ في العالَمِ أُمٌّ تَلِد