الله اكبر كم في الفتح من عجب

اللَهُ أَكبَرُ كَم في الفَتحِ مِن عَجَبٍ
يا خالِدَ التُركِ جَدِّد خالِدَ العَرَبِ
صُلحٌ عَزيزٌ عَلى حَربٍ مُظَفَّرَةٍ
فَالسَيفُ في غِمدِهِ وَالحَقُّ في النُصُبِ
يا حُسنَ أُمنِيَّةٍ في السَيفِ ما كَذَبَت
وَطيبَ أُمنِيَّةٍ في الرَأيِ لَم تَخِبِ
خُطاكَ في الحَقِّ كانَت كُلُّها كَرَماً
وَأَنتَ أَكرَمُ في حَقنِ الدَمِ السَرِبِ
حَذَوتَ حَربَ الصَلاحِيّينَ في زَمَنٍ
فيهِ القِتالُ بِلا شَرعٍ وَلا أَدَبِ
لَم يَأتِ سَيفُكَ فَحشاءً وَلا هَتَكَت
قَناكَ مِن حُرمَةِ الرُهبانِ وَالصُلُبِ
سُئِلتَ سِلماً عَلى نَصرٍ فَجُدتَ بِها
وَلَو سُئِلتَ بِغَيرِ النَصرِ لَم تُجِبِ
مَشيئَةٌ قَبِلَتها الخَيلُ عاتِبَةٌ
وَأَذعَنَ السَيفُ مَطوِيّاً عَلى عَضَبِ
أَتَيتَ ما يُشبِهُ التَقوى وَإِن خُلِقَت
سُيوفُ قَومِكَ لا تَرتاحُ لِلقُرُبِ
وَلا أَزيدُكَ بِالإِسلامِ مَعرِفَةً
كُلُّ المُروءَةِ في الإِسلامِ وَالحَسَبِ
مَنَحتَهُم هُدنَةٌ مِن سَيفِكَ اِلتُمِسَت
فَهَب لَهُم هُدنَةٌ مِن رَأيِكَ الضَرِبِ
أَتاهُمُ مِنكَ في لَوزانَ داهِيَةٌ
جاءَت بِهِ الحَربُ مِن حَيّاتِها الرُقُبِ
أَصَمٌّ يَسمَعُ سِرَّ الكائِدينَ لَهُ
وَلا يَضيقُ بِجَهرِ المُحنَقِ الصَخِبِ
لَم تَفتَرِق شَهَواتُ القَومِ في أَرَبٍ
إِلا قَضى وَطَراً مِن ذَلِكَ الأَرَبِ
تَدَرَّعَت لِلِقاءِ السِلمِ أَنقَرَةٌ
وَمَهَّدَ السَيفُ في لوزانَ لِلخُطَبِ
فَقُل لِبانٍ بِقَولٍ رُكنَ مَملَكَةٍ
عَلى الكَتائِبِ يُبنى المُلكُ لا الكُتُبِ
لا تَلتَمِس غَلَباً لِلحَقِّ في أُمَمٍ
الحَقُّ عِندَهُمُ مَعنىً مِنَ الغَلَبِ
لا خَيرَ في مِنبَرٍ حَتّى يَكونَ لَهُ
عودٌ مِنَ السُمرِ أَو عودٌ مِنَ القُضُبِ
وَما السِلاحُ لِقَومٍ كُلُّ عُدَّتِهِم
حَتّى يكونوا مِنَ الأَخلاقِ في أُهُبِ
لَو كانَ في النابِ دونَ الخُلقِ مَنبَهَةٌ
تَساوَتِ الأُسدُ وَالذُؤبانُ في الرُتَبِ
لَم يُغنِ عَن قادَةِ اليونانَ ما حَشَدوا
مِنَ السِلاحِ وَما ساقوا مِنَ العُصَبِ
وَتَركُهُم آسِيا الصُغرى مُدَجَّجَةً
كَثُكنَةِ النَحلِ أَو كَالقُنفُذِ الخَشَبِ
لِلتُركِ ساعاتُ صَبرٍ يَومَ نَكبَتِهِم
كُتِبنَ في صُحُفِ الأَخلاقِ بِالذَهَبِ
مَغارِمٌ وَضَحايا ما صَرَخنَ وَلا
كُدِّرنَ بِالمَنِّ أَو أُفسِدنَ بِالكَذِبِ
بِالفِعلِ وَالأَثَرِ المَحمودِ تَعرِفُها
وَلَستَ تَعرِفُها بِاِسمٍ وَلا لَقَبِ
جُمِعنَ في اِثنَينِ مِن دينٍ وَمِن وَطَنٍ
جَمعَ الذَبائِحِ في اِسمِ اللَهِ وَالقُرَبِ
فيها حَياةٌ لِشَعبٍ لَم يَمُت خُلُقاً
وَمَطمَعٌ لِقَبيلٍ ناهِضٍ أَرَبِ
لَم يَطعَمِ الغُمضَ جَفَنُ المُسلِمينَ لَها
حَتّى اِنجَلى لَيلُها عَن صُبحِهِ الشَنِبِ
كُنَّ الرَجاءَ وَكُنَّ اليَأسَ ثُمَّ مَحا
نورُ اليَقينِ ظَلامَ الشَكِّ وَالرَيَبِ
تَلَمَّسَ التُركُ أَسباباً فَما وَجَدوا
كَالسَيفِ مِن سُلَّمٍ لِلعِزِّ أَو سَبَبِ
خاضوا العَوانَ رَجاءً أَن تُبَلِّغَهُم
عَبرَ النَجاةِ فَكانَت صَخرَةَ العَطَبِ
سَفينَةُ اللَهِ لَم تُقهَر عَلى دُسُرٍ
في العاصِفاتِ وَلَم تُغلَب عَلى خُشُبِ
قَد أَمَّنَ اللَهُ مَجراها وَأَبدَلَها
بِحُسنِ عاقِبَةٍ مِن سوءِ مُنقَلَبِ
وَاِختارَ رُبّانَها مِن أَهلِها فَنَجَت
مِن كَيدِ حامٍ وَمِن تَضليلِ مُنتَدَبِ
ما كانَ ماءُ سَقارَيّا سِوى سَقَرٍ
طَغَت فَأَغرَقَتِ الإِغريقَ في اللَهَبِ
لَمّا اِنبَرَت نارُها تَبغيهُمُ حَطَباً
كانَت قِيادَتُهُم حَمّالَةَ الحَطَبِ
سَعَت بِهِم نَحوَكَ الآجالُ يَومَئِذٍ
يا ضَلَّ ساعٍ بِداعي الحَينِ مُنجَذِبِ
مَدّوا الجُسورَ فَحَلَّ اللَهُ ما عَقَدوا
إِلّا مَسالِكَ فِرعَونِيَّةَ السَرَبِ
كَربٌ تَغَشّاهُم مِن رَأيِ ساسَتِهِم
وَأَشأَمُ الرَأيِ ما أَلقاكَ في الكُرَبِ
هُم حَسَّنوا لِلسَوادِ البُلهِ مَملَكَةً
مِن لِبدَةِ اللَيثِ أَو مِن غيلِهِ الأَشِبِ
وَأَنشَئوا نُزهَةً لِلجَيشِ قاتِلَةً
وَمَن تَنَزَّهَ في الآجامِ لَم يَؤُبِ
ضَلَّ الأَميرُ كَما ضَلَّ الوَزيرُ بِهِم
كِلا السَرابَينِ أَظماهُم وَلَم يَصُبِ
تَجاذَباهُم كَما شاءا بِمُختَلِفٍ
مِنَ الأَمانِيِّ وَالأَحلامِ مُختَلِبِ
وَكَيفَ تَلقى نَجاحاً أُمَّةٌ ذَهَبَت
حِزبَينِ ضِدَّينِ عِندَ الحادِثِ الحَزِبِ
زَحَفتَ زَحفَ أَتِيٍّ غَيرِ ذي شَفَقٍ
عَلى الوِهادِ وَلا رِفقٍ عَلى الهِضَبِ
قَذَفتَهُم بِالرِياحِ الهوجِ مُسرَجَةً
يَحمِلنَ أُسدَ الشَرى في البَيضِ وَاليَلَبِ
هَبَّت عَلَيهِم فَذابوا عَن مَعاقِلِهِم
وَالثَلجُ في قُلَلِ الأَجبالِ لَم يَذُبِ
لَمّا صَدَعتَ جَناحَيهِم وَقَلبَهُمُ
طاروا بِأَجنِحَةٍ شَتّى مِنَ الرُعبِ
جَدَّ الفِرارُ فَأَلقى كُلُّ مُعتَقَلٍ
قَناتَهُ وَتَخَلى كُلُّ مُحتَقِبِ
يا حُسنَ ما اِنسَحَبوا في مَنطِقٍ عَجَبٍ
تُدعى الهَزيمَةُ فيهِ حُسنَ مُنسَحَبِ
لَم يَدرِ قائِدُهُم لَمّا أَحَطَّت بِهِ
هَبَطتَ مِن صُعُدٍ أَم جِئتَ مِن صَبَبِ
أَخَذتَهُ وَهوَ في تَدبيرِ خُطَّتِهِ
فَلَم تَتِمَّ وَكانَت خُطَّةَ الهَرَبِ
تِلكَ الفَراسِخُ مِن سَهلٍ وَمِن جَبَلٍ
قَرَّبتَ ما كانَ مِنها غَيرَ مُقتَرِبِ
خَيلُ الرَسولِ مِنَ الفولاذِ مَعدِنُها
وَسائِرُ الخَيلِ مِن لَحمٍ وَمِن عَصَبِ
أَفي لَيالٍ تَجوبُ الراسِياتُ بِها
وَتَقطَعُ الأَرضَ مِن قُطبٍ إِلى قُطُبِ
سَلِ الظَلامَ بِها أَيُّ المَعاقِلِ لَم
تَطفِر وَأَيُّ حُصونِ الرومِ لَم تَثِبِ
آلَت لَئِن لَم تَرِد أَزميرَ لا نَزَلَت
ماءً سِواها وَلا حَلَّت عَلى عُشُبِ
وَالصَبرُ فيها وَفي فُرسانِها خُلُقٌ
تَوارَثوهُ أَباً في الرَوعِ بَعدَ أَبِ
كَما وُلِدتُم عَلى أَعرافِها وُلِدَت
في ساحَةِ الحَربِ لا في باحَةِ الرَحَبِ
حَتّى طَلَعتَ عَلى أَزميرَ في فَلَكٍ
مِن نابِهِ الذِكرِ لَم يَسمُك عَلى الشُهُبِ
في مَوكِبٍ وَقَفَ التاريخُ يَعرِضُهُ
فَلَم يُكَذِّب وَلَم يَذمُم وَلَم يُرِبِ
يَومٌ كَبَدرٍ فَخَيلُ الحَقِّ راقِصَةٌ
عَلى الصَعيدِ وَخَيلُ اللَهِ في السُحُبِ
غُرٌّ تُظَلِّلُها غَرّاءُ وارِفَةٌ
بَدرِيَّةُ العودِ وَالديباجِ وَالعَذَبِ
نَشوى مِنَ الظَفَرِ العالي مُرَنَّحَةٌ
مِن سَكرَةِ النَصرِ لا مِن سَكرَةِ النَصَبِ
تُذَكِّرُ الأَرضُ ما لَم تَنسَ مِن زَبَدٍ
كَالمِسكِ مِن جَنَباتِ السَكبِ مُنسَكِبِ
حَتّى تَعالى أَذانُ الفَتحِ فَاِتَّأَدَت
مَشيَ المُجَلّي إِذا اِستَولى عَلى القَصَبِ
تَحِيَّةً أَيُّها الغازي وَتَهنِئَةً
بِآيَةِ الفَتحِ تَبقى آيَةُ الحِقَبِ
وَقَيِّماً مِن ثَناءٍ لا كِفاءَ لَهُ
إِلّا التَعَجُّبُ مِن أَصحابِكَ النُجُبِ
الصابِرينَ إِذا حَلَّ البَلاءُ بِهِم
كَاللَيثِ عَضَّ عَلى نابَيهِ في النُوَبِ
وَالجاعِلينَ سُيوفَ الهِندِ أَلسِنَهُم
وَالكاتِبينَ بِأَطرافِ القَنا السُلُبُ
لا الصَعبُ عِندَهُمُ بِالصَعبِ مَركَبُهُ
وَلا المُحالُ بِمُستَعصٍ عَلى الطَلَبِ
وَلا المَصائِبُ إِذ يَرمي الرِجالُ بِها
بِقاتِلاتٍ إِذا الأَخلاقُ لَم تُصَبِ
قُوّادُ مَعرَكَةٍ وُرّادُ مَهلَكَةٍ
أَوتادُ مَملَكَةٍ آسادُ مُحتَرَبِ
بَلَوتُهُم فَتَحَدَّث كَم شَدَدتَ بِهِم
مِن مُضمَحِلٍّ وَكَم عَمَّرتَ مِن خُرَبِ
وَكَم ثَلَمتَ بِهِم مِن مَعقِلٍ أَشِبٍ
وَكَم هَزَمتَ بِهِم مِن جَحفَلٍ لَجِبِ
وَكَم بَنَيتَ بِهِم مَجداً فَما نَسَبوا
في الهَدمِ ما لَيسَ في البُنيانِ مِن صَخَبِ
مِن فَلِّ جَيشٍ وَمِن أَنقاضِ مَملَكَةٍ
وَمِن بَقِيَّةِ قَومٍ جِئتَ بِالعَجَبِ
أَخرَجتَ لِلناسِ مِن ذُلٍّ وَمِن فَشَلٍ
شَعباً وَراءَ العَوالي غَيرَ مُنشَعِبِ
لَمّا أَتَيتَ بِبَدرٍ مِن مَطالِعِها
تَلَفَّتَ البَيتُ في الأَستارِ وَالحُجُبِ
وَهَشَّتِ الرَوضَةُ الفَيحاءُ ضاحِكَةً
إِنَّ المُنَوَّرَةَ المِسكِيَّةَ التُرُبِ
وَمَسَّتِ الدارُ أَزكى طيبِها وَأَتَت
بابَ الرَسولِ فَمَسَّت أَشرَفَ العُتُبِ
وَأَرَّجَ الفَتحُ أَرجاءَ الحِجازِ وَكَم
قَضى اللَيالِيَ لَم يَنعَم وَلَم يَطِبِ
وَاِزَّيَّنَت أُمَّهاتُ الشَرقِ وَاِستَبَقَت
مَهارِجُ الفَتحِ في المُؤشِيَّةِ القُشُبِ
هَزَّت دِمَشقُ بَني أَيّوبَ فَاِنتَبِهوا
يَهنَئونَ بَني حَمدانَ في حَلَبِ
وَمُسلِمو الهِندِ وَالهِندوسُ في جَذَلٍ
وَمُسلِموا مِصرَ وَالأَقباطُ في طَرَبِ
مَمالِكٌ ضَمَّها الإِسلامُ في رَحِمٍ
وَشيجَةٍ وَحَواها الشَرقُ في نَسَبِ
مِن كُلِّ ضاحِيَةٍ تَرمي بِمُكتَحَلٍ
إِلى مَكانِكَ أَو تَرمي بِمُختَضَبِ
تَقولُ لَولا الفَتى التُركِيُّ حَلَّ بِنا
يَومٌ كَيَومِ يَهودٍ كانَ عَن كَثَبِ

سماؤك يا دنيا خداع سراب

سَماؤُكِ يا دُنيا خِداعُ سَرابِ
وَأَرضُكِ عُمرانٌ وَشيكُ خَرابِ
وَما أَنتِ إِلّا جيفَةٌ طالَ حَولَها
قِيامُ ضِباعٍ أَو قُعودُ ذِئابِ
وَكَم أَلجَأَ الجوعُ الأُسودَ فَأَقبَلَت
عَلَيكِ بِظُفرٍ لَم يَعِفَّ وَنابِ
قَعَدتِ مِنَ الأَظعانِ في مَقطَعَ السُرى
وَمَرّوا رِكاباً في غُبارِ رِكابِ
وَجُدتِ عَلَيهِم في الوَداعِ بِساخِرٍ
مِنَ اللَحظِ عَن مَيتِ الأَحِبَّةِ نابي
أَقاموا فَلَم يُؤنِسكِ حاضِرُ صُحبَةٍ
وَمالوا فَلَم تَستَوحِشي لِغِيابِ
تَسوقينَ لِلمَوتِ البَنينَ كَقائِدٍ
يَرى الجَيشَ خَلقاً هَيِّناً كَذُبابِ
رَأى الحَربَ سُلطاناً لَهُ وَسَلامَةً
وَإِن آذَنَت أَجنادَهُ بِتَبابِ
وَلَولا غُرورٌ في لُبانِكَ لَم يَجِد
بَنوكِ مَذاقَ الضُرِّ شَهدَ رُضابِ
وَلا كُنتِ لِلأَعمى مَشاهِدَ فِتنَةٍ
وَلِلمُقعَدِ العاني مَجالَ وَثابِ
وَلا ضَلَّ رَأيُ الناشِيءِ الغِرِّ في الصِبا
وَلا كَرَّ بَعدَ الفُرصَةِ المُتَصابي
وَلا حَسِبَ الحَفّارُ لِلمَوتِ بَعدَما
بَنى بِيَدَيهِ القَبرَ أَلفَ حِسابِ
يَقولونَ يَرثي كُلَّ خِلٍّ وَصاحِبٍ
أَجَل إِنَّما أَقضى حُقوقَ صِحابي
جَزَيتُهُمُ دَمعي فَلَمّا جَرى المَدى
جَعَلتُ عُيونَ الشِعرِ حُسنَ ثَوابي
كَفى بِذُرى الأَعوادِ مِنبَرَ واعِظٍ
وَبِالمُستَقِلّيها لِسانَ صَوابِ
دَعَوتُكَ يا يَعقوبُ مِن مَنزِلِ البِلى
وَلَولا المَنايا ما تَرَكتَ جَوابي
أُذَكِّرُكَ الدُنيا وَكَيفَ وَلَم يَزَل
لَها أَثَرا شَهدٍ بِفيكَ وَصابِ
حَمَلنا إِلَيكَ الغارَ بِالأَمسِ ناضِراً
وَسُقنا كِتابَ الحَمدِ تِلوَ كِتابِ
وَما اِنفَكَّتِ الدُنيا وَإِن قَلَّ لُبثُها
لِسانَ ثَوابٍ أَو لِسانَ عِقابِ
أَلا في سَبيلِ العِلمِ خَمسونَ حِجَّةً
مَضَت بَينَ تَعليمٍ وَبَينَ طِلابِ
قَطَعتَ طَوالَي لَيلِها وَنَهارِها
بِآمالِ نَفسٍ في الكَمالِ رِغابِ
رَأى اللَهُ أَن تُلقى إِلَيكَ صَحيفَةٌ
فَنَزَّهتَها عَن هَوشَةٍ وَكِذابِ
وَلَم تَتَّخِذها آلَةَ الحِقدِ وَالهَوى
وَلا مُنتَدى لَغوٍ وَسوقَ سِبابِ
مَشَينا بِنورَي عِلمِها وَبَيانِها
فَلَم نَسرِ إِلّا في شُعاعِ شِهابِ
وَعِشنا بِها جيلَينِ قُمتَ عَلَيهِما
مُعَلِّمَ نَشءٍ أَو إِمامَ شَبابِ
رَسائِلُ مِن عَفوِ الكَلامِ كَأَنَّها
حَواشي عُيونٍ في الطُروسِ عِذابِ
هِيَ المَحضُ لا يَشقى بِهِ اِبنُ تَميمَةٍ
غِذاءً وَلا يَشقى بِهِ اِبنُ خِضابِ
سُهولٌ مِنَ الفُصحى وَقَفتَ بِها الهَوى
عَلى ما لَدَيها مِن رُبىً وَهِضابِ
وَما ضِعتَ بَينَ الشَرقِ وَالغَربِ مِشيَةً
كَما قيلَ في الأَمثالِ حَجلُ غُرابِ
فَلَم أَرَ أَنقى مِنكَ سُمعَةَ ناقِلٍ
إِذا وَسَمَ النَقلُ الرِجالَ بِعابِ
وَكَم أَخَذَ القَولَ السَرِيَّ مُعَرِّبٌ
فَما رَدَّهُ لِاِسمٍ وَلا لِنِصابِ
وَفَدتَ عَلى الفُصحى بِخَيراتِ غَيرِها
فَوَاللَهِ ما ضاقَت مَناكِبَ بابِ
وَقِدماً دَنَت يونانُ مِنها وَفارِسٌ
وَروما فَحَلّوا في فَسيحِ رِحابِ
تَبَتَّلتَ لِلعِلمِ الشَريفِ كَأَنَّهُ
حَقيقَةُ تَوحيدٍ وَأَنتَ صَحابي
وَجَشَّمتَ مَيدانَ السِياسَةِ فارِساً
وَكُلُّ جَوادٍ في السِياسَةِ كابي
وَكُنّا وَنَمرٌ في شِغابٍ فَلَم يَزَل
بِنا الدَهرُ حَتّى فَضَّ كُلَّ شِغابِ
رَأى الثَورَةَ الكُبرى فَسَلَّ يَراعَهُ
لِتَحطيمِ أَغلالٍ وَفَكِّ رِقابِ
وَما الشَرقُ إِلّا أُسرَةٌ أَو عَشيرَةٌ
تَلُمُّ بَنيها عِندَ كُلِّ مُصابِ
سَلامٌ عَلى شَيخِ الشُيوخِ وَرَحمَةٌ
تَحَدَّرُ مِن أَعطافِ كُلِّ سَحابِ
وَرَفّافُ رَيحانٍ يَروحُ وَيَغتَدي
عَلى طَيِّباتٍ في الخِلالِ رِطابِ
وَذِكرى وَإِن لَم نَنسَ عَهدَكَ ساعَةً
وَشَوقٌ وَإِن لَم نَفتَكِر بِإِيابِ
وَوَيحَ السَوافي هَل عَرَضنَ عَلى البِلى
جَبينَكَ أَم سَتَّرنَهُ بِحِجابِ
وَهَل صُنَّ ماءً كانَ فيهِ كَأَنَّهُ
حَياءُ بَتولٍ في الصَلاةِ كَعابِ
وَيا لِحَياةٍ لَم تَدَع غَيرَ سائِلٍ
أَكانَت حَياةً أَم خَلِيَّةَ دابِ
وَأَينَ يَدٌ كانَت وَكانَ بَنانُها
يَراعَةَ وَشيٍ أَو يَراعَةَ غابِ
وَلَهفي عَلى الأَخلاقِ في رُكنِ هَيكَلٍ
بِبَطنِ الثَرى رَثِّ المَعالِمِ خابي
نَعيشُ وَنَمضي في عَذابٍ كَلَذَّةٍ
مِنَ العَيشِ أَو في لَذَّةٍ كَعَذابِ
ذَهَبنا مِنَ الأَحلامِ في كُلِّ مَذهَبٍ
فَلَمّا اِنتَهَينا فُسِّرَت بِذَهابِ
وَكُلُّ أَخي عَيشٍ وَإِن طالَ عَيشُهُ
تُرابٌ لَعَمرُ المَوتِ وَاِبنُ تُرابِ

زين الملوك الصيد مر بزينتي

زين الملوك الصيد مر بزينتي
كرما وباب الله طاف ببابي
يا ليلة القدر التي بلغتها
ما فيك بعد اليوم من مرتاب
ما كنت أهلا للنوال وإنما
نفحات أحمد فوق كل حساب
لما بلغت السؤل ليلة مدحه
بعث الملوك يعظمون جنابي
بدران بدر في السماء منوّر
وأخوه فوق الأرض نور رحابي
هاذ ابن هانئ نال ما قد نلت من
حسب نُدل به على الأحساب
قد كان يسعى للرشيد ببابه
فسعى الرشيد إليه وهو بباب

فديناه من زائر مرتقب

فَدَيناهُ مِن زائِرٍ مُرتَقَب
بَدا لِلوُجودِ بِمَرأىً عَجَب
تَهُزُّ الجِبالَ تَباشيرُهُ
كَما هَزَّ عِطفَ الطَروبِ الطَرَب
وَيُحلي البِحارَ بِلَألائِهِ
فَمِنّا الكُؤوسُ وَمِنهُ الحَبَب
مَنارُ الحُزونِ إِذا ما اِعتَلى
مَنارُ السُهولِ إِذا ما اِنقَلَب
أَتانا مِنَ البَحرِ في زَورَقٍ
لُجَيناً مَجاذيفُهُ مِن ذَهَب
فَقُلنا سُلَيمانُ لَو لَم يَمُت
وَفِرعَونُ لَو حَمَلَتهُ الشُهُب
وَكِسرى وَما خَمَدَت نارهُ
وَيوسُفُ لَو أَنَّهُ لَم يَشِب
وَهَيهاتَ ما تُوِّجوا بِالسَنا
وَلا عَرشُهُم كانَ فَوقَ السُحُب
أَنافَ عَلى الماءِ ما بَينَها
وَبَينَ الجِبالِ وَشُمَّ الهُضَب
فَلا هُوَ خافٍ وَلا ظاهِرٌ
وَلا سافِرٌ لا وَلا مُنتَقِب
وَلَيسَ بِثاوٍ وَلا راحِلٍ
وَلا بِالبَعيدِ وَلا المُقتَرِب
تَوارى بِنِصفٍ خِلالَ السُحُب
وَنِصفٌ عَلى جَبَلٍ لَم يَغِب
يُجَدِّدُها آيَةً قَد خَلَت
وَيَذكُرُ ميلادَ خَيرِ العَرَب

يد الملك العلوي الكريم

يَدُ المَلِكِ العَلَوي الكَريم
عَلى العلمِ هَزَّت أَخاهُ الأَدَب
لِسانُ الكِنانَةِ في شُكرِها
وَما هُوَ إِلّا لِسانُ العَرَب
قَضَت مِصرُ حاجَتَها يا عَلِيُّ
وَنالَت وَنالَ بَنوها الأَرَب
وَهَنَّأتُ بِالرُتَبِ العَبقَرِيِّ
وَهَنَّأتُ بِالعَبقَرِيِّ الرُتَب
عَلِيُّ لَقَد لَقَّبَتكَ البِلادُ
بِآسي الجِراحِ وَنِعمَ اللَقَب
سِلاحُكَ مِن أَدَواتِ الحَياةِ
وَكُلُّ سِلاحٍ أَداةُ العَطَب
وَلَفظُكَ بِنجٌ وَلَكِنَّهُ
لَطيفُ الصَبا في جُفونِ العَصَب
أَنامِلُ مِثلُ بَنانِ المَسيحِ
أَواسي الجِراحِ مَواحي النُدَب
تُعالِجُ كَفّاكَ بُؤسَ الحَياةِ
فَكَفٌّ تُداوي وَكَفٌّ تَهَب
وَيَستَمسِكُ الدَمُ في راحَتَيكَ
وَفَوقَهُما لا يَقَرُّ الذَهَب
كَأَنَّكَ لِلمَوتِ مَوتٌ أُتيحَ
فَلَم يَرَ وَجهَكَ إِلّا هَرَب

الا حبذا صحبة المكتب

أَلا حَبَّذا صُحبَةَ المَكتَبِ
وَأَحبِب بِأَيّامِهِ أَحبِبِ
وَيا حَبَّذا صِبيَةٌ يَمرَحو
نَ عِنانُ الحَياةِ عَلَيهِم صَبي
كَأَنَّهُمو بَسَماتُ الحَيا
ةِ وَأَنفاسُ رَيحانَها الطَيِّبِ
يُراحُ وَيُغدى بِهِم كَالقَطي
عِ عَلى مَشرِقِ الشَمسِ وَالمَغرِبِ
إِلى مَرتَعٍ أَلِفوا غَيرَهُ
وَراعٍ غَريبِ العَصا أَجنَبي
وَمُستَقبَلٍ مِن قُيودِ الحَيا
ةِ شَديدٍ عَلى النَفسِ مُستَصعَبِ
فِراخٌ بِأَيكٍ فَمِن ناهِضٍ
يَروضُ الجَناحَ وَمِن أَزغَبِ
مَقاعِدُهُم مِن جَناحِ الزَما
نِ وَما عَلِموا خَطَرَ المَركَبِ
عَصافيرُ عِندَ تَهَجّي الدُرو
سِ مِهارٌ عَرابيدُ في المَلعَبِ
خَلِيّونَ مِن تَبِعاتِ الحَيا
ةِ عَلى الأُمِّ يَلقونَها وَالأَبِ
جُنونُ الحَداثَةِ مِن حَولِهِم
تَضيقُ بِهِ سَعَةُ المَذهَبِ
عَدا فَاِستَبَدَّ بِعَقلِ الصَبِيّ
وَأَعدى المُؤَدِّبَ حَتّى صَبى
لَهُم جَرَسٌ مُطرِبٌ في السَرا
حِ وَلَيسَ إِذا جَدَّ بِالمُطرِبِ
تَوارَت بِهِ ساعَةٌ لِلزَما
نِ عَلى الناسِ دائِرَةُ العَقرَبِ
تَشولُ بِإِبرَتِها لِلشَبا
بِ وَتَقذِفُ بِالسُمِّ في الشُيَّبِ
يَدُقُّ بِمِطرَقَتَيها القَضا
ءَ وَتَجري المَقاديرُ في اللَولَبِ
وَتِلكَ الأَواعي بِأَيمانِهِم
حَقائِبُ فيها الغَدُ المُختَبي
فَفيها الَّذي إِن يُقِم لا يُعَدَّ
مِنَ الناسِ أَو يَمضِ لا يُحسَبِ
وَفيها اللِواءُ وَفيها المَنا
رُ وَفيها التَبيعُ وَفيها النَبي
وَفيها المُؤَخَّرُ خَلفَ الزِحا
مِ وَفيها المُقَدَّمُ في المَوكِبِ
جَميلٌ عَلَيهِم قَشيبُ الثِيا
بِ وَما لَم يُجَمَّل وَلَم يَقشِبِ
كَساهُم بَنانُ الصِبا حُلَّةً
أَعَزَّ مِن المِخمَلِ المُذهَبِ
وَأَبهى مِنَ الوَردِ تَحتَ النَدى
إِذا رَفَّ في فَرعِهِ الأَهدَبِ
وَأَطهَرَ مِن ذَيلِها لَم يَلُمّ
مِنَ الناسِ ماشٍ وَلَم يَسحَبِ
قَطيعٌ يُزَجّيهِ راعٍ مِنَ الدَه
رِ لَيسَ بِلَينٍ وَلا صُلَّبِ
أَهابَت هِرواتُهُ بِالرِفا
قِ وَنادَت عَلى الحُيَّدِ الهُرَّبِ
وَصَرَّفَ قُطعانَهُ فَاِستَبَدّ
وَلَم يَخشَ شَيئاً وَلَم يَرهَبِ
أَرادَ لِمَن شاءَ رَعيَ الجَدي
بِ وَأَنزَلَ مَن شاءَ بِالمُخصِبِ
وَرَوّى عَلى رِيِّها الناهلا
تِ وَرَدَّ الظِماءَ فَلَم تَشرَبِ
وَأَلقى رِقاباً إِلى الضارِبي
نَ وَضَنَّ بِأُخرى فَلَم تُضرَبِ
وَلَيسَ يُبالي رِضا المُستَري
حِ وَلا ضَجَرَ الناقِمِ المُتعَبِ
وَلَيسَ بِمُبقٍ عَلى الحاضِري
نَ وَلَيسَ بِباكٍ عَلى الغُيَّبِ
فَيا وَيحَهُم هَل أَحَسّوا الحَيا
ةَ لَقَد لَعِبوا وَهيَ لَم تَلعَبِ
تُجَرِّبُ فيهِم وَما يَعلَمو
نَ كَتَجرُبَةِ الطِبِّ في الأَرنَبِ
سَقَتهُم بِسُمٍّ جَرى في الأُصو
لِ وَرَوّى الفُروعَ وَلَم يَنضُبِ
وَدارَ الزَمانُ فَدالَ الصِبا
وَشَبَّ الصِغارُ عَنِ المَكتَبِ
وَجَدَّ الطِلابُ وَكَدَّ الشَبا
بُ وَأَوغَلَ في الصَعبِ فَالأَصعَبِ
وَعادَت نَواعِمُ أَيّامِهِ
سِنينَ مِنَ الدَأَبِ المُنصِبِ
وَعُذِّبَ بِالعِلمِ طُلّابُهُ
وَغَصّوا بِمَنهَلِهِ الأَعذَبِ
رَمَتهُم بِهِ شَهَواتُ الحَيا
ةِ وَحُبُّ النَباهَةِ وَالمَكسَبِ
وَزَهو الأُبُوَّةِ مِن مُنجِبٍ
يُفاخِرُ مَن لَيسَ بِالمُنجِبِ
وَعَقلٌ بَعيدُ مَرامي الطِما
حِ كَبيرُ اللُبانَةِ وَالمَأرَبِ
وَلوعُ الرَجاءِ بِما لَم تَنَل
عُقولُ الأَوالي وَلَم تَطلُبِ
تَنَقَّلَ كَالنَجمِ مِن غَيهَبٍ
يَجوبُ العُصورَ إِلى عَيهَبِ
قَديمُ الشُعاعِ كَشَمسِ النَها
رِ جَديدٌ كَمِصباحِها المُلهِبِ
أَبُقراطُ مِثلُ اِبنِ سينا الرَئي
سِ وَهوميرُ مِثلُ أَبي الطَيِّبِ
وَكُلُّهُمو حَجَرٌ في البِنا
ءِ وَغَرسٌ مِنَ المُثمِرِ المُعقِبِ
تُؤَلِفُهُم في ظِلالِ الرَخا
ءِ وَفي كَنَفِ النَسَبِ الأَقرَبِ
وَتَكسِرُ فيهِم غُرورَ الثَرا
ءِ وَزَهوَ الوِلادَةِ وَالمَنصِبِ
بُيوتٌ مُنَزَّهَةٌ كَالعَتي
قِ وَإِن لَم تُسَتَّر وَلَم تُحجَبِ
يُداني ثَراها ثَرى مَكَّةٍ
وَيَقرُبُ في الطُهرِ مِن يَثرِبِ
إِذا ما رَأَيتَهُمو عِندَها
يَموجونَ كَالنَحلِ عِندَ الرُبى
رَأَيتَ الحَضارَةَ في حُصنِها
هُناكَ وَفي جُندِها الأَغلَبِ
وَتَعرِضُهُم مَوكِباً مَوكِباً
وَتَسأَلُ عَن عَلَمِ المَوكِبِ
دَعِ الحَظَّ يَطلَع بِهِ في غَدٍ
فَإِنَّكَ لَم تَدرِ مَن يَجتَبي
لَقَد زَيَّنَ الأَرضَ بِالعَبقَرِيِّ
مُحَلّي السَماواتِ بِالكَوكَبِ
وَخَدَّشَ ظُفرُ الزَمانِ الوُجو
هَ وَغَيَّضَ مِن بِشرِها المُعجِبِ
وَغالَ الحَداثَةَ شَرخُ الشَبا
بِ وَلَو شِيَتِ المُردُ في الشُيَّبِ
سَرى الشَيبُ مُتَّئِداً في الرُؤو
سِ سُرى النارِ في المَوضِعِ المُعشِبِ
حَريقٌ أَحاطَ بِخَيطِ الحَيا
ةِ تَعَجَّبتُ كَيفَ عَلَيهِم غَبي
وَمَن تُظهِرِ النارُ في دارِهِ
وَفي زَرعِهِ مِنهُمو يَرعَبِ
قَدِ اِنصَرَفوا بَعدَ عِلمِ الكِتا
بِ لِبابٍ مِنَ العِلمِ لَم يُكتَبِ
حَياةٌ يُغامِرُ فيها اِمرُؤٌ
تَسَلَّحَ بِالنابِ وَالمِخلَبِ
وَصارَ إِلى الفاقَةِ اِبنُ الغَنِيّ
وَلاقى الغِنى وَلَدُ المُترَبِ
وَقَد ذَهَبَ المُمتَلي صِحَّةً
وَصَحَّ السَقيمُ فَلَم يَذهَبِ
وَكَم مُنجِبٍ في تَلَقِّ الدُرو
سِ تَلَقّى الحَياةَ فَلَم يُنجِبِ
وَغابَ الرِفاقُ كَأَن لَم يَكُن
بِهِم لَكَ عَهدٌ وَلَم تَصحَبِ
إِلى أَن فَنوا ثَلَّةً ثَلَّةً
فَناءَ السَرابِ عَلى السَبسَبِ

لما رايت جباه قوم في الثري

لما رأيت جباه قوم في الثرى
وشفاهم تدلى إلى الأعتاب
وسمعت في طنطا ضراعة قائل
يا أيها البدوىّ فرّج ما بى
ولقيت في الحنفى من يسعى له
برسالة مفتوحة وكتاب
وشهدت في روما كنيسة بطرس
يبلى الشفاه بها حديد الباب
وعلمت أن من القسوس مؤلَّها
يرجى لمغفرة وحسن مآب
أيقنت أن الخلق ضلوا ربهم
يا رب لا تأخذهم بعذاب

يا ليلة البال ما خالوك راقصة

يا ليلة البال ما خالوك راقصة
إلا وأنت جمال الدهر والحقب
كم لذة بك ولت وانقضت وجلت
وذكرها فيه لم يبرح ولم يغب
بالله بالكون بالنجم الرفيع بمن
أحياك شائقة بالمنظر العجب
طولى لضيفانه الأمجاد واتصلى
فما ألذ المنى موصولة السبب
وفود مولاى لولا أنها نزلت
بالحلم قلنا وفود البحر ذى العبب
ماج السراى وميدان السراى بها
وماج متسع الساحات والرحب
وأقبلت ظبيات الإنس في كنس
من الهوادج يسعى لا من الكُثُب
تهفو الرياح بها دفعا وهزهزة
وتقبل الخيل بين الوخد والخبب
حتى إذا وقفت مالت إلى شرك
من السواعد مأمون لها حدب
مستجمعات سريعات معاطفها
إلى المعازف مهما تدعها تثب
أهاجها هائج الألحان فانعطفت
مثل النسيم سرى ساريه في القضب
ودارت الراح بالأجياد مثقلة
بالحلى فاستسلمت من شدة الوصب
وبالخصور فمن واهٍ ومن قلِق
ومن سقيم ومن فانس ومن تِعب
والقصر نور وآفاق الوجود سنا
والصفو بينهما زهو لمرتقب
والليل مزّين الأطراف منتطق
مكلل الهام حالى الجيد والّلبب
كأنّ أنجمه فوضى مبدّدة
على الدجى بين مهزوز ومضطرب
آثار كاسية اللبات سابحة
في حليها فلتت من كف مغتصب

حف كاسها الحبب

حَفَّ كَأسَها الحَبَبُ
فَهيَ فِضَّةٌ ذَهَبُ
أَو دَوائِرٌ دُرَرٌ
مائِجٌ بِها لَبَبُ
أَو فَمُ الحَبيبِ جَلا
عَن جُمانِهِ الشَنَبُ
أَو يَدٌ وَباطِنُها
عاطِلٌ وَمُختَضِبُ
أَو شَقيقُ وَجنَتِهِ
حينَ لي بِهِ لَعِبُ
راحَةُ النُفوسِ وَهَل
عِندَ راحَةٍ تَعَبُ
يا نَديمُ خِفَّ بِها
لا كَبا بِكَ الطَرَبُ
لا تَقُل عَواقِبُها
فَالعَواقِبُ الأَدَبُ
تَنجَلي وَلي خُلُقٌ
يَنجَلي وَيَنسَكِبُ
يَرقُبُ الرِفاقُ لَهُ
كُلَّما سَرى شَرِبوا
شاعِرُ العَزيزِ وَما
بِالقَليلِ ذا اللَقَبُ
لَيلَةٌ لِسَيِّدِنا
في الزَمانِ تُرتَقَبُ
دونَها الرَشيدُ وَما
أَخلَدَت لَهُ الكُتُبُ
يُهرَعُ النَزيلُ لَها
وَالرَعِيَّةُ النُخَبُ
فَالسَرايُ جَوهَرَةٌ
لِلعُقولِ تَختَلِبُ
أَو كَباقَةِ زَهرا
لِلعُيونِ تَأتَشِبُ
الجَلالُ قُبَّتُهُ
وَالسَنا لَهُ طُنُبُ
ثابِتٌ وَذِروَتُهُ
في الفَضاءِ تَضطَرِبُ
أَشرَقَت نَوافِذُهُ
فَهيَ مَنظَرٌ عَجَبُ
وَاِستَنارَ رَفرَفُهُ
وَالسُجوفُ وَالحُجُبُ
تَعجَبُ العُيونُ لَهُ
كَيفَ تَسكُنُ الشُهُبُ
أَقبَلَت شُموسُ ضُحىً
ما لَهُنَّ مُنتَقَبُ
الظَلامُ رايَتُها
وَهيَ جَيشُهُ اللَجِبُ
في هَوادِجٍ عَجَلاً
بِالجِيادِ تَنسَحِبُ
قامَ دونَها سَبَبٌ
وَاِستَحَثَّها سَبَبُ
فَهيَ تارَةً مَهَلٌ
وَهيَ تارَةً خَبَبُ
تَرتَمي بِهِنَّ حِمىً
لا يَجوزُهُ رَغَبُ
بابُهُ لِداخِلِهِ
جَنَّةٌ هِيَ الأَرَبُ
قامَتِ السَراةُ بِهِ
وَالمَعِيَّةُ النُجُبُ
وَاِنبَرى النِساءُ لَهُ
عُجمُهُنَّ وَالعَرَبُ
العَفافُ زينَتُها
وَالجَمالُ وَالحَسَبُ
أَنجُمٌ مَطالِعُها
عابِدينُ وَالرَحَبُ
سَيِّدي لَها فَلَكٌ
وَهيَ مِنهُ تَقتَرِبُ
عِندَ رُكنِ حُجرَتِهِ
بَدرُهُ لَنا كَثَبُ
يَزدَهي السَريرُ بِهِ
وَالمَطارِفُ القُشُبُ
حَولَ عَرشِهِ عَجَمٌ
حَولَ عَرشِهِ عَرَبُ
رُتبَةُ الجُدودِ لَهُ
تَستَوي بِها الرُتَبُ
شُرِّفَت بِهِ وَسَما
تالِدٌ وَمُكتَسَبُ
اللُيوثُ ماثِلَةٌ
وَالظِباءُ تَنسَرِبُ
الحَريرُ مَلبَسُها
وَاللُجَينُ وَالذَهَبُ
وَالقُصورُ مَسرَحُها
لا الرِمالُ وَالعُشُبُ
يَستَفِزُّها نَغَمٌ
لا صَدىً وَلا لَجَبُ
يُستَعادُ مُرقِصُهُ
تارَةً وَيُقتَضَبُ
فَالقُدودُ بانُ رُبىً
بَيدَ أَنَّها تَثِبُ
يَلعَبُ العِناقُ بِها
وَهوَ مُشفِقٌ حَدِبُ
فَهيَ مَرَّةً صُعُدٌ
وَهيَ مَرَّةً صَبَبُ
وَهيَ هَهُنا وَهُنا
تَلتَقي وَتَصطَحِبُ
مِثلَما اِلتَقَت أَسَلٌ
أَو تَعانَقَت قُضُبُ
الرُؤوسُ مائِلَةٌ
في الصُدورِ تَحتَجِبُ
وَالنُحورُ قائِمَةٌ
قاعِدٌ بِها الوَصَبُ
وَالنُهودُ هامِدَةٌ
وَالخُدودُ تَلتَهِبُ
وَالخُصورُ واهِيَةٌ
بِالبَنانِ تَنجَذِبُ
سالَتِ الأَكُفُّ بِها
فَهيَ أَغصُنٌ نُهَبُ
الخَوانُ دائِرَةٌ
المَلا لَها قُطُبُ
لِلوُفودِ مائِدَةٌ
مِنهُ أَينَما اِنقَلَبوا
وَالطَريقُ مُتَّصِلٌ
نَحوَهُ وَمُنشَعِبُ
وَالطَعامُ حاضِرُهُ
وَالمَزيدُ مُنتَهَبُ
بارِدٌ وَمِن عَجَبٍ
يُشتَهى وَيُطَّلَبُ
سائِغٌ لِذي سَغَبٍ
سائِغٌ وَلا سَغَبُ
حاضِرٌ لَدى طَلَبٍ
حاضِرٌ وَلا طَلَبُ
وَالمُدامُ أَكؤُسُها
ما تَغيضُ وَالعُلَبُ
وَهيَ بَينَنا سَلَبٌ
وَالنُهى لَها سَلَبُ
شَرُفَت مَنافِحُها
وَاِعتَلى بِها العِنَبُ
حَولَها الحَوائِمُ ما
يَنقَضي لَها قَرَبُ
يَغتَبِطنَ في حَرَمٍ
لا تَنالُهُ الرِيَبُ
ما سِوى الحَديثِ بِهِ
يُبتَغى وَيُجتَذَبُ
هَكَذا الكِرامُ كِرا
مٌ وَإِن هُموا طَرَبوا
لَيلَةٌ عَلَت وَغَلَت
لَيتَ فَجرَها كَذِبُ
يَكفُلُ الأَميرُ لَنا
أَن تَعيدَها الحِقَبُ
عاشَ لِلنَدى مَلِكٌ
سَيِّدٌ لَنا وَأَبُ
حاتِمُ المُلوكِ إِذا
ضاقَ بِالنَدى النَشَبُ
السُرورُ أَنعُمُهُ
وَالهَناءُ ما يَهَبُ
وَالنَدى سَجِيَّتُهُ
وَالحَنانُ وَالحَدَبُ
يا عَزيزُ دامَ لَنا
رَوضُ عِزِّكَ الأَشِبُ
هَذِهِ عَروسُ نُهىً
في القُبولِ تَرتَغِبُ
زَفَّها لَكُم وَجلا
شاعِرُ الحِمى الأَرِبُ
اِحتَفى الحُضورُ بِها
وَاِكتَفى بِها الغَيَبُ
أَنتُمُ الظِلالُ لَنا
وَالمَنازِلُ الخُصُبُ
لَو مَدَحتُكُم زَمَني
لَم أَقُم بِما يَجِبُ