صحوت واستدركتني شيمتي الادب

صحوت واستدركتني شيمتي الأدب
وبت تنكرني اللذات والطرب
وما رشاديَ إلا لمع بارقة
يرام فيه ويُقضَى للعلى أرب
دعت فأسمع داعيها ولو سكتت
دعوت أسمعها والحرّ ينتدب
وهكذا أنا في همى وفي هممي
إن الرجال إذا ما حاولوا دأبوا
ولي همامة نفس حيث أجعلها
لا حيث تجعلها الأحداث والنوب
لها على عزة الأقدار إن مطلت
حلم الليوث إذا ما أستأخر السلب
وإن تحير بي قوم فلا عجب
إن الحقيقة سبل نحوها الرّيب
أوشكت أتلف أقلامي وتتلفني
وما أنلت بنى مصر الذي طلبوا
همو رأوا أن تظل القضب مغمدة
فلن تذيب سوى أغمادها القضب
رضيت لو أن نفسي بالرضى انتفعت
وكم غضبت فما أدناني الغضب
نالت منابر وادى النيل حصتها
منى ومن قبل نال اللهو والطرب
وملعب كمعاني الحلم لو صدقت
وكالأماني لولا أنها كذب
تدفق الدهر باللذات فيه فلا
عنها انصراف ولا من دونها حجب
وجاملت عصبة يحيا الوفاء بهم
فهم جمال الليالي أو هم الشهب
باتوا الفراقد لألاء وما سفروا
عليه والبان أعطافا وما شربوا
وأسعدت مشرفاتٌ من مكامنها
حمر المناقير في لباتها ذهب
مستأنسات قريرات بأخبية
من سندس الروض لم يمدد بها طنب
وما بين حام يهاب الجار ساحته
وناشئ يزدهيه الطوق والزغب
وغادةٍ من بنات الأيك ساهية
ما تستفيق وأخرى همها اللعب
قريرة العين بالدنيا مروعة
بالأسر تضحك أحيانا وتنتحب
وتبرح الفرع نحو الفرع جاذبه
بالغصن فالفرع نحو الفرع منجذب
أبا الحيارى ألا رأى فيعصمهم
فليس إلا إلى آرائك الهرب
لن يعرف اليأس قوم حصنهمو
وأنت رايتهم والفيلق اللجب
عوّدتهم أن يبينوا في خلائقهم
فأنت عانٍ عوّدتهم تعِب
والصدق أرفع ما اهتز الرجال له
وخير ما عوّد أبناً في الحياة أب
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

الا حبذا صحبة المكتب

أَلا حَبَّذا صُحبَةَ المَكتَبِ
وَأَحبِب بِأَيّامِهِ أَحبِبِ
وَيا حَبَّذا صِبيَةٌ يَمرَحو
نَ عِنانُ الحَياةِ عَلَيهِم صَبي
كَأَنَّهُمو بَسَماتُ الحَيا
ةِ وَأَنفاسُ رَيحانَها الطَيِّبِ
يُراحُ وَيُغدى بِهِم كَالقَطي
عِ عَلى مَشرِقِ الشَمسِ وَالمَغرِبِ
إِلى مَرتَعٍ أَلِفوا غَيرَهُ
وَراعٍ غَريبِ العَصا أَجنَبي
وَمُستَقبَلٍ مِن قُيودِ الحَيا
ةِ شَديدٍ عَلى النَفسِ مُستَصعَبِ
فِراخٌ بِأَيكٍ فَمِن ناهِضٍ
يَروضُ الجَناحَ وَمِن أَزغَبِ
مَقاعِدُهُم مِن جَناحِ الزَما
نِ وَما عَلِموا خَطَرَ المَركَبِ
عَصافيرُ عِندَ تَهَجّي الدُرو
سِ مِهارٌ عَرابيدُ في المَلعَبِ
خَلِيّونَ مِن تَبِعاتِ الحَيا
ةِ عَلى الأُمِّ يَلقونَها وَالأَبِ
جُنونُ الحَداثَةِ مِن حَولِهِم
تَضيقُ بِهِ سَعَةُ المَذهَبِ
عَدا فَاِستَبَدَّ بِعَقلِ الصَبِيّ
وَأَعدى المُؤَدِّبَ حَتّى صَبى
لَهُم جَرَسٌ مُطرِبٌ في السَرا
حِ وَلَيسَ إِذا جَدَّ بِالمُطرِبِ
تَوارَت بِهِ ساعَةٌ لِلزَما
نِ عَلى الناسِ دائِرَةُ العَقرَبِ
تَشولُ بِإِبرَتِها لِلشَبا
بِ وَتَقذِفُ بِالسُمِّ في الشُيَّبِ
يَدُقُّ بِمِطرَقَتَيها القَضا
ءَ وَتَجري المَقاديرُ في اللَولَبِ
وَتِلكَ الأَواعي بِأَيمانِهِم
حَقائِبُ فيها الغَدُ المُختَبي
فَفيها الَّذي إِن يُقِم لا يُعَدَّ
مِنَ الناسِ أَو يَمضِ لا يُحسَبِ
وَفيها اللِواءُ وَفيها المَنا
رُ وَفيها التَبيعُ وَفيها النَبي
وَفيها المُؤَخَّرُ خَلفَ الزِحا
مِ وَفيها المُقَدَّمُ في المَوكِبِ
جَميلٌ عَلَيهِم قَشيبُ الثِيا
بِ وَما لَم يُجَمَّل وَلَم يَقشِبِ
كَساهُم بَنانُ الصِبا حُلَّةً
أَعَزَّ مِن المِخمَلِ المُذهَبِ
وَأَبهى مِنَ الوَردِ تَحتَ النَدى
إِذا رَفَّ في فَرعِهِ الأَهدَبِ
وَأَطهَرَ مِن ذَيلِها لَم يَلُمّ
مِنَ الناسِ ماشٍ وَلَم يَسحَبِ
قَطيعٌ يُزَجّيهِ راعٍ مِنَ الدَه
رِ لَيسَ بِلَينٍ وَلا صُلَّبِ
أَهابَت هِرواتُهُ بِالرِفا
قِ وَنادَت عَلى الحُيَّدِ الهُرَّبِ
وَصَرَّفَ قُطعانَهُ فَاِستَبَدّ
وَلَم يَخشَ شَيئاً وَلَم يَرهَبِ
أَرادَ لِمَن شاءَ رَعيَ الجَدي
بِ وَأَنزَلَ مَن شاءَ بِالمُخصِبِ
وَرَوّى عَلى رِيِّها الناهلا
تِ وَرَدَّ الظِماءَ فَلَم تَشرَبِ
وَأَلقى رِقاباً إِلى الضارِبي
نَ وَضَنَّ بِأُخرى فَلَم تُضرَبِ
وَلَيسَ يُبالي رِضا المُستَري
حِ وَلا ضَجَرَ الناقِمِ المُتعَبِ
وَلَيسَ بِمُبقٍ عَلى الحاضِري
نَ وَلَيسَ بِباكٍ عَلى الغُيَّبِ
فَيا وَيحَهُم هَل أَحَسّوا الحَيا
ةَ لَقَد لَعِبوا وَهيَ لَم تَلعَبِ
تُجَرِّبُ فيهِم وَما يَعلَمو
نَ كَتَجرُبَةِ الطِبِّ في الأَرنَبِ
سَقَتهُم بِسُمٍّ جَرى في الأُصو
لِ وَرَوّى الفُروعَ وَلَم يَنضُبِ
وَدارَ الزَمانُ فَدالَ الصِبا
وَشَبَّ الصِغارُ عَنِ المَكتَبِ
وَجَدَّ الطِلابُ وَكَدَّ الشَبا
بُ وَأَوغَلَ في الصَعبِ فَالأَصعَبِ
وَعادَت نَواعِمُ أَيّامِهِ
سِنينَ مِنَ الدَأَبِ المُنصِبِ
وَعُذِّبَ بِالعِلمِ طُلّابُهُ
وَغَصّوا بِمَنهَلِهِ الأَعذَبِ
رَمَتهُم بِهِ شَهَواتُ الحَيا
ةِ وَحُبُّ النَباهَةِ وَالمَكسَبِ
وَزَهو الأُبُوَّةِ مِن مُنجِبٍ
يُفاخِرُ مَن لَيسَ بِالمُنجِبِ
وَعَقلٌ بَعيدُ مَرامي الطِما
حِ كَبيرُ اللُبانَةِ وَالمَأرَبِ
وَلوعُ الرَجاءِ بِما لَم تَنَل
عُقولُ الأَوالي وَلَم تَطلُبِ
تَنَقَّلَ كَالنَجمِ مِن غَيهَبٍ
يَجوبُ العُصورَ إِلى عَيهَبِ
قَديمُ الشُعاعِ كَشَمسِ النَها
رِ جَديدٌ كَمِصباحِها المُلهِبِ
أَبُقراطُ مِثلُ اِبنِ سينا الرَئي
سِ وَهوميرُ مِثلُ أَبي الطَيِّبِ
وَكُلُّهُمو حَجَرٌ في البِنا
ءِ وَغَرسٌ مِنَ المُثمِرِ المُعقِبِ
تُؤَلِفُهُم في ظِلالِ الرَخا
ءِ وَفي كَنَفِ النَسَبِ الأَقرَبِ
وَتَكسِرُ فيهِم غُرورَ الثَرا
ءِ وَزَهوَ الوِلادَةِ وَالمَنصِبِ
بُيوتٌ مُنَزَّهَةٌ كَالعَتي
قِ وَإِن لَم تُسَتَّر وَلَم تُحجَبِ
يُداني ثَراها ثَرى مَكَّةٍ
وَيَقرُبُ في الطُهرِ مِن يَثرِبِ
إِذا ما رَأَيتَهُمو عِندَها
يَموجونَ كَالنَحلِ عِندَ الرُبى
رَأَيتَ الحَضارَةَ في حُصنِها
هُناكَ وَفي جُندِها الأَغلَبِ
وَتَعرِضُهُم مَوكِباً مَوكِباً
وَتَسأَلُ عَن عَلَمِ المَوكِبِ
دَعِ الحَظَّ يَطلَع بِهِ في غَدٍ
فَإِنَّكَ لَم تَدرِ مَن يَجتَبي
لَقَد زَيَّنَ الأَرضَ بِالعَبقَرِيِّ
مُحَلّي السَماواتِ بِالكَوكَبِ
وَخَدَّشَ ظُفرُ الزَمانِ الوُجو
هَ وَغَيَّضَ مِن بِشرِها المُعجِبِ
وَغالَ الحَداثَةَ شَرخُ الشَبا
بِ وَلَو شِيَتِ المُردُ في الشُيَّبِ
سَرى الشَيبُ مُتَّئِداً في الرُؤو
سِ سُرى النارِ في المَوضِعِ المُعشِبِ
حَريقٌ أَحاطَ بِخَيطِ الحَيا
ةِ تَعَجَّبتُ كَيفَ عَلَيهِم غَبي
وَمَن تُظهِرِ النارُ في دارِهِ
وَفي زَرعِهِ مِنهُمو يَرعَبِ
قَدِ اِنصَرَفوا بَعدَ عِلمِ الكِتا
بِ لِبابٍ مِنَ العِلمِ لَم يُكتَبِ
حَياةٌ يُغامِرُ فيها اِمرُؤٌ
تَسَلَّحَ بِالنابِ وَالمِخلَبِ
وَصارَ إِلى الفاقَةِ اِبنُ الغَنِيّ
وَلاقى الغِنى وَلَدُ المُترَبِ
وَقَد ذَهَبَ المُمتَلي صِحَّةً
وَصَحَّ السَقيمُ فَلَم يَذهَبِ
وَكَم مُنجِبٍ في تَلَقِّ الدُرو
سِ تَلَقّى الحَياةَ فَلَم يُنجِبِ
وَغابَ الرِفاقُ كَأَن لَم يَكُن
بِهِم لَكَ عَهدٌ وَلَم تَصحَبِ
إِلى أَن فَنوا ثَلَّةً ثَلَّةً
فَناءَ السَرابِ عَلى السَبسَبِ

فديناه من زائر مرتقب

فَدَيناهُ مِن زائِرٍ مُرتَقَب
بَدا لِلوُجودِ بِمَرأىً عَجَب
تَهُزُّ الجِبالَ تَباشيرُهُ
كَما هَزَّ عِطفَ الطَروبِ الطَرَب
وَيُحلي البِحارَ بِلَألائِهِ
فَمِنّا الكُؤوسُ وَمِنهُ الحَبَب
مَنارُ الحُزونِ إِذا ما اِعتَلى
مَنارُ السُهولِ إِذا ما اِنقَلَب
أَتانا مِنَ البَحرِ في زَورَقٍ
لُجَيناً مَجاذيفُهُ مِن ذَهَب
فَقُلنا سُلَيمانُ لَو لَم يَمُت
وَفِرعَونُ لَو حَمَلَتهُ الشُهُب
وَكِسرى وَما خَمَدَت نارهُ
وَيوسُفُ لَو أَنَّهُ لَم يَشِب
وَهَيهاتَ ما تُوِّجوا بِالسَنا
وَلا عَرشُهُم كانَ فَوقَ السُحُب
أَنافَ عَلى الماءِ ما بَينَها
وَبَينَ الجِبالِ وَشُمَّ الهُضَب
فَلا هُوَ خافٍ وَلا ظاهِرٌ
وَلا سافِرٌ لا وَلا مُنتَقِب
وَلَيسَ بِثاوٍ وَلا راحِلٍ
وَلا بِالبَعيدِ وَلا المُقتَرِب
تَوارى بِنِصفٍ خِلالَ السُحُب
وَنِصفٌ عَلى جَبَلٍ لَم يَغِب
يُجَدِّدُها آيَةً قَد خَلَت
وَيَذكُرُ ميلادَ خَيرِ العَرَب

قد سمع الثعلب اهل القري

قَد سَمِعَ الثَعلَبُ أَهلَ القُرى
يَدعونَ مُحتالاً بِيا ثَعلَبُ
فَقالَ حَقّاً هَذِهِ غايَةٌ
في الفَخرِ لا تُؤتى وَلا تُطلَبُ
مَن في النُهى مِثلِيَ حَتّى الوَرى
أَصبَحتُ فيهِم مَثَلاً يُضرَبُ
ما ضَرَّ لَو وافَيتُهُم زائِراً
أُريهُمُ فَوقَ الَّذي اِستَغرَبوا
لَعَلَّهُم يُحيونَ لي زينَةً
يَحضُرُها الديكُ أَوِ الأَرنَبُ
وَقَصَدَ القَومَ وَحَيّاهُمُ
وَقامَ فيما بَينَهُم يَخطُبُ
فَأُخِذَ الزائِرُ مِن أُذنِهِ
وَأُعطِيَ الكَلبَ بِهِ يَلعَبُ
فَلا تَثِق يَوماً بِذي حيلَةٍ
إِذ رُبَّما يَنخَدِعُ الثَعلَبُ

علي قدر الهوي ياتي العتاب

على قدر الهوى يأتي العتاب
ومن عاتبت تفديه الصحاب
صحوت فأنكر السلوانَ قلبي
علىّ وراجع الطربَ الشباب
وللعيش الصبا فإذا تولى
فكل بقية في الكأس صاب
وما ورثت له عندى حبال
ولا ضاقت له عني ثياب
كأنّ رواية الأشواق عود
على بدء وما كمل الكتاب
إذا ما اعتضت عن عشق بعشق
أُعيد الكأس وامتدّ الشراب
وكل هوى بلائمة مشوب
وحبك في الملامة لا يشاب
لأنك أنت للأوطان كهف
وأنت حقوق مصرِك والطِلاب
فأهلا بالأمير وما رأينا
هلالا تستقرّ به الركاب
ولا شمسا برأس التنين حلّت
وفي الدنيا ضحاها واللعاب
تغيب عن البلاد وعن بنيها
وما لك عن قلوبهم غياب
أظلتك الخلافة في ذراها
وبرت سوحها بك والرحاب
وفُتِّح للرعاية ألف باب
هناك وسُدّ للواشين باب
وردنا الماء بينكما نميرا
وأظمأَ من يريبكما السراب
وما وجدوا لمفسدة مجالا
ولكن تنبح القمر الكلاب
فعيشا فرقدين من الليالي
وعاش خلائق بكما وطابوا
نداء الخلف بينكما عقيم
وداعي الله بينكما مجاب

يد الملك العلوي الكريم

يَدُ المَلِكِ العَلَوي الكَريم
عَلى العلمِ هَزَّت أَخاهُ الأَدَب
لِسانُ الكِنانَةِ في شُكرِها
وَما هُوَ إِلّا لِسانُ العَرَب
قَضَت مِصرُ حاجَتَها يا عَلِيُّ
وَنالَت وَنالَ بَنوها الأَرَب
وَهَنَّأتُ بِالرُتَبِ العَبقَرِيِّ
وَهَنَّأتُ بِالعَبقَرِيِّ الرُتَب
عَلِيُّ لَقَد لَقَّبَتكَ البِلادُ
بِآسي الجِراحِ وَنِعمَ اللَقَب
سِلاحُكَ مِن أَدَواتِ الحَياةِ
وَكُلُّ سِلاحٍ أَداةُ العَطَب
وَلَفظُكَ بِنجٌ وَلَكِنَّهُ
لَطيفُ الصَبا في جُفونِ العَصَب
أَنامِلُ مِثلُ بَنانِ المَسيحِ
أَواسي الجِراحِ مَواحي النُدَب
تُعالِجُ كَفّاكَ بُؤسَ الحَياةِ
فَكَفٌّ تُداوي وَكَفٌّ تَهَب
وَيَستَمسِكُ الدَمُ في راحَتَيكَ
وَفَوقَهُما لا يَقَرُّ الذَهَب
كَأَنَّكَ لِلمَوتِ مَوتٌ أُتيحَ
فَلَم يَرَ وَجهَكَ إِلّا هَرَب

سماؤك يا دنيا خداع سراب

سَماؤُكِ يا دُنيا خِداعُ سَرابِ
وَأَرضُكِ عُمرانٌ وَشيكُ خَرابِ
وَما أَنتِ إِلّا جيفَةٌ طالَ حَولَها
قِيامُ ضِباعٍ أَو قُعودُ ذِئابِ
وَكَم أَلجَأَ الجوعُ الأُسودَ فَأَقبَلَت
عَلَيكِ بِظُفرٍ لَم يَعِفَّ وَنابِ
قَعَدتِ مِنَ الأَظعانِ في مَقطَعَ السُرى
وَمَرّوا رِكاباً في غُبارِ رِكابِ
وَجُدتِ عَلَيهِم في الوَداعِ بِساخِرٍ
مِنَ اللَحظِ عَن مَيتِ الأَحِبَّةِ نابي
أَقاموا فَلَم يُؤنِسكِ حاضِرُ صُحبَةٍ
وَمالوا فَلَم تَستَوحِشي لِغِيابِ
تَسوقينَ لِلمَوتِ البَنينَ كَقائِدٍ
يَرى الجَيشَ خَلقاً هَيِّناً كَذُبابِ
رَأى الحَربَ سُلطاناً لَهُ وَسَلامَةً
وَإِن آذَنَت أَجنادَهُ بِتَبابِ
وَلَولا غُرورٌ في لُبانِكَ لَم يَجِد
بَنوكِ مَذاقَ الضُرِّ شَهدَ رُضابِ
وَلا كُنتِ لِلأَعمى مَشاهِدَ فِتنَةٍ
وَلِلمُقعَدِ العاني مَجالَ وَثابِ
وَلا ضَلَّ رَأيُ الناشِيءِ الغِرِّ في الصِبا
وَلا كَرَّ بَعدَ الفُرصَةِ المُتَصابي
وَلا حَسِبَ الحَفّارُ لِلمَوتِ بَعدَما
بَنى بِيَدَيهِ القَبرَ أَلفَ حِسابِ
يَقولونَ يَرثي كُلَّ خِلٍّ وَصاحِبٍ
أَجَل إِنَّما أَقضى حُقوقَ صِحابي
جَزَيتُهُمُ دَمعي فَلَمّا جَرى المَدى
جَعَلتُ عُيونَ الشِعرِ حُسنَ ثَوابي
كَفى بِذُرى الأَعوادِ مِنبَرَ واعِظٍ
وَبِالمُستَقِلّيها لِسانَ صَوابِ
دَعَوتُكَ يا يَعقوبُ مِن مَنزِلِ البِلى
وَلَولا المَنايا ما تَرَكتَ جَوابي
أُذَكِّرُكَ الدُنيا وَكَيفَ وَلَم يَزَل
لَها أَثَرا شَهدٍ بِفيكَ وَصابِ
حَمَلنا إِلَيكَ الغارَ بِالأَمسِ ناضِراً
وَسُقنا كِتابَ الحَمدِ تِلوَ كِتابِ
وَما اِنفَكَّتِ الدُنيا وَإِن قَلَّ لُبثُها
لِسانَ ثَوابٍ أَو لِسانَ عِقابِ
أَلا في سَبيلِ العِلمِ خَمسونَ حِجَّةً
مَضَت بَينَ تَعليمٍ وَبَينَ طِلابِ
قَطَعتَ طَوالَي لَيلِها وَنَهارِها
بِآمالِ نَفسٍ في الكَمالِ رِغابِ
رَأى اللَهُ أَن تُلقى إِلَيكَ صَحيفَةٌ
فَنَزَّهتَها عَن هَوشَةٍ وَكِذابِ
وَلَم تَتَّخِذها آلَةَ الحِقدِ وَالهَوى
وَلا مُنتَدى لَغوٍ وَسوقَ سِبابِ
مَشَينا بِنورَي عِلمِها وَبَيانِها
فَلَم نَسرِ إِلّا في شُعاعِ شِهابِ
وَعِشنا بِها جيلَينِ قُمتَ عَلَيهِما
مُعَلِّمَ نَشءٍ أَو إِمامَ شَبابِ
رَسائِلُ مِن عَفوِ الكَلامِ كَأَنَّها
حَواشي عُيونٍ في الطُروسِ عِذابِ
هِيَ المَحضُ لا يَشقى بِهِ اِبنُ تَميمَةٍ
غِذاءً وَلا يَشقى بِهِ اِبنُ خِضابِ
سُهولٌ مِنَ الفُصحى وَقَفتَ بِها الهَوى
عَلى ما لَدَيها مِن رُبىً وَهِضابِ
وَما ضِعتَ بَينَ الشَرقِ وَالغَربِ مِشيَةً
كَما قيلَ في الأَمثالِ حَجلُ غُرابِ
فَلَم أَرَ أَنقى مِنكَ سُمعَةَ ناقِلٍ
إِذا وَسَمَ النَقلُ الرِجالَ بِعابِ
وَكَم أَخَذَ القَولَ السَرِيَّ مُعَرِّبٌ
فَما رَدَّهُ لِاِسمٍ وَلا لِنِصابِ
وَفَدتَ عَلى الفُصحى بِخَيراتِ غَيرِها
فَوَاللَهِ ما ضاقَت مَناكِبَ بابِ
وَقِدماً دَنَت يونانُ مِنها وَفارِسٌ
وَروما فَحَلّوا في فَسيحِ رِحابِ
تَبَتَّلتَ لِلعِلمِ الشَريفِ كَأَنَّهُ
حَقيقَةُ تَوحيدٍ وَأَنتَ صَحابي
وَجَشَّمتَ مَيدانَ السِياسَةِ فارِساً
وَكُلُّ جَوادٍ في السِياسَةِ كابي
وَكُنّا وَنَمرٌ في شِغابٍ فَلَم يَزَل
بِنا الدَهرُ حَتّى فَضَّ كُلَّ شِغابِ
رَأى الثَورَةَ الكُبرى فَسَلَّ يَراعَهُ
لِتَحطيمِ أَغلالٍ وَفَكِّ رِقابِ
وَما الشَرقُ إِلّا أُسرَةٌ أَو عَشيرَةٌ
تَلُمُّ بَنيها عِندَ كُلِّ مُصابِ
سَلامٌ عَلى شَيخِ الشُيوخِ وَرَحمَةٌ
تَحَدَّرُ مِن أَعطافِ كُلِّ سَحابِ
وَرَفّافُ رَيحانٍ يَروحُ وَيَغتَدي
عَلى طَيِّباتٍ في الخِلالِ رِطابِ
وَذِكرى وَإِن لَم نَنسَ عَهدَكَ ساعَةً
وَشَوقٌ وَإِن لَم نَفتَكِر بِإِيابِ
وَوَيحَ السَوافي هَل عَرَضنَ عَلى البِلى
جَبينَكَ أَم سَتَّرنَهُ بِحِجابِ
وَهَل صُنَّ ماءً كانَ فيهِ كَأَنَّهُ
حَياءُ بَتولٍ في الصَلاةِ كَعابِ
وَيا لِحَياةٍ لَم تَدَع غَيرَ سائِلٍ
أَكانَت حَياةً أَم خَلِيَّةَ دابِ
وَأَينَ يَدٌ كانَت وَكانَ بَنانُها
يَراعَةَ وَشيٍ أَو يَراعَةَ غابِ
وَلَهفي عَلى الأَخلاقِ في رُكنِ هَيكَلٍ
بِبَطنِ الثَرى رَثِّ المَعالِمِ خابي
نَعيشُ وَنَمضي في عَذابٍ كَلَذَّةٍ
مِنَ العَيشِ أَو في لَذَّةٍ كَعَذابِ
ذَهَبنا مِنَ الأَحلامِ في كُلِّ مَذهَبٍ
فَلَمّا اِنتَهَينا فُسِّرَت بِذَهابِ
وَكُلُّ أَخي عَيشٍ وَإِن طالَ عَيشُهُ
تُرابٌ لَعَمرُ المَوتِ وَاِبنُ تُرابِ

زين الملوك الصيد مر بزينتي

زين الملوك الصيد مر بزينتي
كرما وباب الله طاف ببابي
يا ليلة القدر التي بلغتها
ما فيك بعد اليوم من مرتاب
ما كنت أهلا للنوال وإنما
نفحات أحمد فوق كل حساب
لما بلغت السؤل ليلة مدحه
بعث الملوك يعظمون جنابي
بدران بدر في السماء منوّر
وأخوه فوق الأرض نور رحابي
هاذ ابن هانئ نال ما قد نلت من
حسب نُدل به على الأحساب
قد كان يسعى للرشيد ببابه
فسعى الرشيد إليه وهو بباب

قام من علته الشاكي الوصب

قامَ مِن عِلَّتِهِ الشاكي الوَصِب
وَتَلَقّى راحَةَ الدَهرِ التَعِب
أَيُّها النَفسُ اِصبِري وَاِستَرجِعي
هَتفَ الناعي بِعَبدِ المُطَّلِب
نَزَلَ التُربَ عَلى مَن قَبلَهُ
كُلُّ حَيٍّ مُنتَهاهُ في التُرُب
ذَهَبَ اللينُ في إِرشادِهِ
كَالأَبِ المُشفِقِ وَالحَدِّ الحَدِب
القَريبُ العَتبِ مِن مَعنى الرِضا
وَالقَريبُ الجِدِّ مِن مَعنى اللَعِب
وَالأَخُ الصادِقُ في الوُدِّ إِذا
ظَهَرَ الإِخوانُ بِالوُدِّ الكَذِب
خاشِعٌ في دَرسِهِ مُحتَشِمٌ
فَكِهٌ في مَجلِسِ الصَفوِ طَرِب
قَلَّدَ الأَوطانَ نَشءً صالِحاً
وَشَباباً أَهلَ دينٍ وَحَسَب
رُبَّما صالَت بِهِم في غَدِها
صَولَةَ الدَولَةِ بِالجَيشِ اللَجِب
جَعَلوا الأَقلامَ أَرماحَهُمُ
وَأَقاموها مَقاماتِ القُضُب
لا يَميلونَ إِلى البَغيِ بِها
كَيفَ يَبغي مَن إِلى العِلمِ اِنتَسَب
شاعِرَ البَدوِ وَمِنهُم جاءَنا
كُلُّ مَعنىً رَقَّ أَو لَفظٍ عَذُب
قَد جَرَت أَلسُنُهُم صافِيَةً
جَرَيانَ الماءِ في أَصلِ العُشُب
سَلِمَت مِن عَنَتِ الطَبعِ وَمِن
كُلفَةِ الأَقلامِ أَو حَشوِ الكُتُب
قَد نَزَلتَ اليَومَ في باديَةٍ
عَمَرَت فيها اِمرَأَ القَيسِ الحِقَب
وَمَشى المَجنونُ فيها سالِياً
نَفَضَ اللَوعَةَ عَنهُ وَالوَصَب
أَعِرِ الناسَ لِساناً يَنظُموا
لَكَ فيهِ الشِعرَ أَو يُنشوا الخُطَب
قُم صِفِ الخُلدَ لَنا في مُلكِهِ
مِن جَلالِ الخُلقِ وَالصُنعِ العَجَب
وَثِمارٍ في يَواقيتِ الرُبى
وَسُلافٍ في أَباريقِ الذَهَب
وَاِنثُرِ الشِعرَ عَلى الأَبرارِ في
قُدُسِ الساحِ وَعُلوِيِّ الرَحِب
وَاِستَعِر رُضوانَ عودَي قَصَبٍ
وَتَرَنَّم بِالقَوافي في القَصَب
وَاِسقِ بِالمَعنى إِلَهِيّاً كَما
تَتَساقَونَ الرَحيقَ المُنسَكِب
كُلَّما سَبَّحتَ لِلعَرشِ بِهِ
رَفَعَ الرَحمَنُ وَالرُسُلُ الحُجُب
قُم تَأَمَّل هَذِهِ الدارُ وَفى
لَكَ مِن طُلّابِها الجَمعُ الأَرِب
وَفَتِ الدارُ لِباني رُكنِها
وَقَضى الحَقَّ بَنو الدارِ النُجُب
طَلَبوا العِلمَ عَلى شَيخِهِمُ
زَمَناً ثُمَّ إِذا الشَيخُ طُلِب
غابَ عَن أَعيُنِهِم لَكِنَّهُ
ماثِلٌ في كُلِّ قَلبٍ لَم يَغِب
صورَةٌ مُحسَنَةٌ ما تَختَفي
وَمِثالٌ طَيِّبٌ ما يَحتَجِب
رَجُلُ الواجِبِ في الدُنيا مَضى
يُنصِفُ الأُخرى وَيَقضي ما وَجَب
عاشَ عَيشَ الناسِ في دُنياهُمُ
وَكَما قَد ذَهَبَ الناسُ ذَهَب
أَخَذَ الدَرسَ الَّذي لُقِّنَهُ
عَجَمُ الناسِ قَديماً وَالعَرَب

صغار في الذهاب وفي الاياب

صغار في الذهاب وفي الإياب
أهذا كل شأنك يا عرابي
عفا عنك الأباعد والأداني
فمن يعفو عن الوطن المصاب
وما سألوا بنيك ولا بنينا
ولا ألتفتوا إلى القوم الغضاب
فعش في مصر موفور المعالي
رفيع الذكر مقتبل الشباب
أفرق بين سيلان ومصر
وفي كلتيهما حمر الثياب
يتوب عليك من منفاك فيها
أناس منك أولى بالمتاب
ولا والله ما ملكوا متابا
ولا ملكوا القديم من العقاب
ولا ساووك في صدق الطوايا
وإن ساووك في الشيم الكذاب
حكومة ذلة وسراة جهل
كعهدك إذ تحييك الطوابي
وإذ ضربوا وسيفك لم يجرَّد
وإذ دخلوا ونعلك في الركاب
وإذ ملئت لك الدينا نفاقا
وضاقت بالغباوة والتغابي
وإذ تُقنى المعالي بالتمنى
وإذ يغزَى الأعادي بالسباب
وإذ تعطَى الأريكة في النوادي
وتعطَى التاج في هزل الخطاب
ستنظر إن رفعت بمصر طرفا
رجال الوقت من تلك الصحاب
وقد نبذوا جنابك حين أقوى
وقد لاذوا إلى أقوى جناب
وبالإنجيل قد حلفوا لقوم
كما حلفوا أمامك بالكتاب
يريدون النساء بلا حجاب
ونحن اليوم أولى بالحجاب
فماذا يعلم الأحياء عنا
إذا ما قيل عاد لها عرابي