شرفا نصير ارفع جبينك عاليا

شَرَفاً نُصَيرُ اِرفَع جَبينَكَ عالِياً
وَتَلَقَّ مِن أَوطانِكَ الإِكليلا
يَهنيكَ ما أُعطيتَ مِن إِكرامِها
وَمُنِحتَ مِن عَطفِ اِبنِ إِسماعيلا
اليَومَ يَومُ السابِقينَ فَكُن فَتىً
لَم يَبغِ مِن قَصَبِ الرِهانِ بَديلا
وَإِذا جَرَيتَ مَعَ السَوابِقِ فَاِقتَحِم
غُرَراً تَسيلُ إِلى المَدى وَحُجولا
حَتّى يَراكَ الجَمعُ أَوَّلَ طالِعٍ
وَيَرَوا عَلى أَعرافِكَ المِنديلا
هَذا زَمانٌ لا تَوَسُّطَ عِندَهُ
يَبغي المُغامِرُ عالِياً وَجَليلا
كُن سابِقاً فيهِ أَوِ اِبقَ بِمَعزِلٍ
لَيسَ التَوَسُّطُ لِلنُبوغِ سَبيلا
يا قاهِرَ الغَربِ العَتيدِ مَلَأتَهُ
بِثَناءِ مِصرَ عَلى الشِفاهِ جَميلا
قَلَّبتَ فيهِ يَداً تَكادُ لِشِدَّةٍ
في البَأسِ تَرفَعُ في الفَضاءِ الفيلا
إِنَّ الَّذي خَلَقَ الحَديدَ وَبَأسَهُ
جَعَلَ الحَديدَ لِساعِدَيكَ ذَليلا
زَحزَحتَهُ فَتَخاذَلَت أَجلادُهُ
وَطَرَحتَهُ أَرضاً فَصَلَّ صَليلا
لِمَ لا يَلينُ لَكَ الحَديدُ وَلَم تَزَل
تَتلو عَلَيهِ وَتَقرَأُ التَنزيلا
الأَزمَةَ اِشتَدَّت وَرانَ بَلاؤُها
فَاِصدِم بِرُكنِكَ رُكنَها لِيَميلا
شَمشونُ أَنتَ وَقَد رَسَت أَركانُها
فَتَمَشَّ في أَركانِها لِتَزولا
قُل لي نُصَيرُ وَأَنتَ بَرٌّ صادِقٌ
أَحَمَلتَ إِنساناً عَلَيكَ ثَقيلا
أَحَمَلتَ دَيناً في حَياتِكَ مَرَّةً
أَحَمَلتَ يَوماً في الضُلوعِ غَليلا
أَحَمَلتَ ظُلماً مِن قَريبٍ غادِرٍ
أَو كاشِحٍ بِالأَمسِ كانَ خَليلا
أَحَمَلتَ مِنّا بِالنَهارِ مُكَرَّراً
وَاللَيلِ مِن مُسدٍ إِلَيكَ جَميلا
أَحَمَلتَ طُغيانَ اللَئيمِ إِذا اِغتَنى
أَو نالَ مِن جاهِ الأُمورِ قَليلا
أَحَمَلتَ في النادي الغَبِيِّ إِذا اِلتَقى
مِن سامِعيهِ الحَمدَ وَالتَبجيلا
تِلكَ الحَياةُ وَهَذِهِ أَثقالُها
وُزِنَ الحَديدُ بِها فَعادَ ضَئيلا

روعوه فتولي مغضبا

رَوَّعوهُ فَتَوَلّى مُغضَبا
أَعَلِمتُم كَيفَ تَرتاعُ الظِبا
خُلِقَت لاهِيَةً ناعِمَةً
رُبَّما رَوَّعَها مُرُّ الصَبا
لي حَبيبٌ كُلَّما قيلَ لَهُ
صَدَّقَ القَولَ وَزَكّى الرِيَبا
كَذَبَ العُذّالُ فيما زَعَموا
أَمَلي في فاتِني ما كَذَبا
لَو رَأَونا وَالهَوى ثالِثُنا
وَالدُجى يُرخي عَلَينا الحُجُبا
في جِوارِ اللَيلِ في ذِمَّتِهِ
نَذكُرُ الصُبحَ بِأَن لا يَقرُبا
مِلءُ بُردَينا عَفافٌ وَهَوى
حَفظَ الحُسنَ وَصُنتُ الأَدَبا
يا غَزالاً أَهِلَ القَلبُ بِهِ
قَلبِيَ السَفحُ وَأَحنى مَلعَبا
لَكَ ما أَحبَبتَ مِن حَبَّتِهِ
مَنهَلاً عَذباً وَمَرعىً طَيِّبا
هُوَ عِندَ المالِكِ الأَولى بِهِ
كَيفَ أَشكو أَنَّهُ قَد سُلِبا
إِن رَأى أَبقى عَلى مَملوكِهِ
أَو رَأى أَتلَفَهُ وَاِحتَسَبا
لَكَ قَدٌّ سَجَدَ البانُ لَهُ
وَتَمَنَّت لَو أَقَلَّتهُ الرُبى
وَلِحاظٌ مِن مَعاني سِحرِهِ
جَمَعَ الجَفنُ سِهاماً وَظُبى
كانَ عَن هَذا لِقَلبي غُنيَةٌ
ما لِقَلبِيَ وَالهَوى بَعدَ الصِبا
فِطرَتي لا آخُذُ القَلبَ بِها
خُلِقَ الشاعِرُ سَمحاً طَرِبا
لَو جَلَوا حُسنَكَ أَو غَنّوا بِهِ
لِلَبيدٍ في الثَمانينَ صَبا
أَيُّها النَفسُ تَجِدّينَ سُدىً
هَل رَأَيتِ العَيشَ إِلّا لَعِبا
جَرِّبي الدُنيا تَهُن عِندَكِ ما
أَهوَنَ الدُنيا عَلى مَن جَرَّبا
نِلتِ فيما نِلتِ مِن مَظهَرِها
وَمُنِحتِ الخُلدَ ذِكراً وَنَبا

لقد صفعوه صفعة جل شانها

لقد صفعوه صفعة جل شأنها
وأعيا على حذق الطبيب علاجها
ولو أتبعوا صفعا بصفع لأحسنوا
وزان اللآلى في النحور ازدواجها

وهب لي ريالين تحت الحساب

وهب لي ريالين تحت الحساب
وبعد غد نلتقى ههنا
بعد أن ينظر أمامه انتظر ياجمال
بربك فالحظ قد أحسنا
فهذا أخو زيَنب مقبلا
فسر حيث شئت ودعنى أنا

وان موليير نجم لا افول له

وإن موليير نجم لا أفول له
وأن تغيب في الأحقاب واحتجبا
شريعة من بيان الغرب صافية
وإن يك الشرق أحيانا بها شربا
وآية الأدب الرّومَى في لغة
لم تُخل من سرها عجما ولا عربا
لو استطاع ذووها من عنايتهم
بنشرها علّموها الجن والشهبا
فاحفظ لسانك واجهد في صيانته
كما يصون الكريم العرض والحسبا
كأنما كانت الدنيا على يده
يصوِّر الناس عنها كلما كَتبا
إذا مضى يعرض الأخلاق عارية
أراك من كل نفس صورة عجبا
يأتي النفوس فينضُو عن طبائعها
سترا ويهتك عن أهوالها الحجبا
فربما ازددت علما بالبخيل وإن
نشأت تلقاه جَدا أو تراه أبا
وقد يزيدك بالكذاب معرفة
وأنت تضحى وتمسى تسمع الكذبا
وقد يريك أخا الوجهين منكشفا
وأنت تلقاه في الإِخوان منتقبا

قم سابق الساعة واسبق وعدها

قُم سابِقِ الساعَةَ وَاِسبِق وَعدَها
الأَرضُ ضاقَت عَنكَ فَاِصدَع غِمدَها
وَاِملَأ رِماحاً غَورَها وَنَجدَها
وَاِفتَح أُصولَ النيلِ وَاِستَرِدَّها
شَلّالَها وَعَذبَها وَعِدَّها
وَاِصرِف إِلَينا جَزرَها وَمَدَّها
تِلكَ الوُجوهُ لا شَكَونا فَقدَها
بَيَّضَتِ القُربى لَنا مُسوَدَّها
سُلِلَت مِن وادي المُلوكِ فَاِزدَهى
وَأَلقَتِ الشَمسُ عَلَيهِ رَأدَها
وَاِستَرجَعَت دَولَتُهُ إِفرِندَها
أَبيَضَ رَيّانَ المُتونِ وَردَها
أَبلى ظُبى الدَهرِ وَفَلَّ حَدَّها
وَأَخلَقَ العُصورَ وَاِستَجَدَّها
سافَرَ أَربَعينَ قَرناً عَدَّها
حَتّى أَتى الدارَ فَأَلفى عِندَها
إِنجِلتِرا وَجَيشَها وَلوردَها
مَسلولَةَ الهِندِيِّ تَحمي هِندَها
قامَت عَلى السودانِ تَبني سَدَّها
وَرَكَزَت دونَ القَناةِ بَندَها
فَقالَ وَالحَسرَةُ ما أَشَدَّها
لَيتَ جِدارَ القَبرِ ما تَدَهدَها
وَلَيتَ عَيني لَم تُفارِق رَقدَها
قُم نَبِّني يا بَنتَؤورُ ما دَها
مِصرُ فَتاتي لَم تُوَقِّر جَدَّها
دَقَّت وَراءَ مَضجَعي جازَبَندَها
وَخَلَطَت ظِباءَها وَأُسدَها
وَسَكَبَ الساقي الطِلا وَبَدَّها
قَد سَحَبَت عَلى جَلالي بُردَها
لَيتَ جَلالَ المَوتِ كانَ صَدَّها
فَقُلتُ يا ماجِدَها وَجَعدَها
لَو لَم تَكُ اِبنَ الشَمسِ كُنتَ رِئدَها
لَحدُكَ وَدَّتهُ النُجومُ لَحدَها
أَرَيتَنا الدُنيا بِهِ وَجِدَّها
سُلطانَها وَعِزَّها وَرَغدَها
وَكَيفَ يُعطى المُتَّقونَ خُلدَها
آثارُكُم يُخطي الحِسابُ عَدَّها
اِنهَدَمَ الدَهرُ وَلَم يَهُدَّها
أَبوابُكَ اللاتي قَصَدنا قَصدَها
كارتِرُ في وَجهِ الوُفودِ رَدَّها
لَولا جُهودٌ لا نُريدُ جَحدَها
وَحُرمَةٌ مِن قُربِكَ اِستَمَدَّها
قُلتُ لَكَ اِضرِب يَدَهُ وَقُدَّها
وَاِبعَث لَهُ مِنَ البَعوضِ نُكدَها
مِصرُ الفَتاةُ بَلَغَت أَشُدَّها
وَأَثبَتَ الدَمُ الزَكِيُّ رُشدَها
وَلَعِبَت عَلى الحِبالِ وَحدَها
وَجَرَّبَت إِرخائَها وَشَدَّها
فَأَرسَلَت دُهاتَها وَلُدَّها
في الغَربِ سَدّوا عِندَهُ مَسَدَّها
وَبَعَثَت لِلبَرلَمانِ جُندَها
وَحَشَدَت لِلمِهرَجانِ حَشدَها
حَدَت إِلَيهِ شيبَها وَمُردَها
وَأَبرَزَت كِعابَها وَخَودَها
وَنَثَرَت فَوقَ الطَريقِ وَردَها
وَاِستَقبَلَت فُؤادَها وَوَفدَها
مَوئِلَها وَكَهفَها وَرِدَّها
وَاِبنَ الَّذينَ قَوَّموا مَقَدَّها
وَأَلَّفوا بَعدَ اِنفِراطٍ عِقدَها
وَجَعَلوا صَحراءَ ليبيا حَدَّها
وَبَسَطوا عَلى الحِجازِ أَيدَها
وَصَيَّروا العاتِيَ فيهِ عَبدَها
حَتّى أَتى الدارَ الَّتي أَعَدَّها
لِمِصرَ تَبني في ذَراها مَجدَها
فَثَبَّتَ الشورى وَشَدَّ عَقدَها
وَقَلَّدَ الجيلَ السَعيدَ عَهدَها
سُلطَتُهُ إِلى بَنينا رَدَّها
يا رَبِّ قَوِّ يَدَها وَشُدَّها
وَاِفتَح لَها السُبلُ وَلا تَسُدَّها
وَقِس لِكُلِّ خُطوَةٍ ما بَعدَها
وَعَن صَغيراتِ الأُمورِ حُدَّها
وَاِصرِف إِلى جِدِّ الشُؤونِ جَدَّها
وَلا تُضِع عَلى الضَحايا جُهدَها
وَاِكبَح هَوى الأَنفُسِ وَاِكسِر حِقدَها
وَاِجمَع عَلى الأُمِّ الرَؤومِ وِلدَها
وَاِملَأ بِأَلبانِ النُبوغِ نَهدَها
وَلا تَدَعها تُحيِ مُستَبِدَها
وَتَنتَحِت بِراحَتَيها فَردَها

علموه كيف يجفو فجفا

عَلَّموهُ كَيفَ يَجفو فَجَفا
ظالِمٌ لاقَيتُ مِنهُ ما كَفى
مُسرِفٌ في هَجرِهِ ما يَنتَهي
أَتُراهُم عَلَّموهُ السَرَفا
جَعَلوا ذَنبي لَدَيهِ سَهَري
لَيتَ يَدري إِذ دَرى الذَنبَ عَفا
عَرَفَ الناسُ حُقوقي عِندَهُ
وَغَريمي ما دَرى ما عَرَفا
صَحَّ لي في العُمرِ مِنهُ مَوعِدٌ
ثُمَّ ما صَدَّقتُ حَتّى أَخلَفا
وَيَرى لي الصَبرَ قَلبٌ ما دَرى
أَنَّ ما كَلَّفَني ما كَلَّفا
مُستَهامٌ في هَواهُ مُدنَفٌ
يَتَرَضّى مُستَهاماً مُدنَفا
يا خَليلَيَّ صِفا لي حيلَةً
وَأَرى الحيلَةَ أَن لا تَصِفا
أَنا لَو نادَيتُهُ في ذِلَّةٍ
هِيَ ذي روحي فَخُذها ما اِحتَفى

بدا الطيف بالجميل وزارا

بَدَأَ الطَيفُ بِالجَميلِ وَزارا
يا رَسولَ الرِضى وُقيتَ العِثارا
خُذ مِنَ الجَفنِ وَالفُؤادِ سَبيلاً
وَتَيَمَّم مِنَ السُوَيداءِ دارا
أَنتَ إِن بِتَّ في الجُفونِ فَأَهلٌ
عادَةُ النورِ يُنزِلُ الأَبصارا
زارَ وَالحَربُ بَينَ جَفني وَنَومي
قَد أَعَدَّ الدُجى لَها أَوزارا
حَسَنٌ يا خَيالُ صُنعُكَ عِندي
أَجمَلُ الصُنعِ ما يُصيبُ اِفتِقارا
ما لِرَبِّ الجَمالِ جارَ عَلى القَل
بِ كَأَن لَم يَكُن لَهُ القَلبُ جارا
وَأَرى القَلبَ كُلَّما ساءَ يَجزي
هِ عَنِ الذَنبِ رِقَّةً وَاِعتِذارا
أَجَريحُ الغَرامِ يَطلُبُ عَطفاً
وَجَريحُ الأَنامِ يَطلُبُ ثارا
أَيُّها العاذِلونَ نِمتُم وَرامَ الس
سُهدُ مِن مُقلَتَيَّ أَمراً فَصارا
آفَةُ النُصحِ أَن يَكونَ لَجاجاً
وَأَذى النُصحِ أَن يَكونَ جِهارا
ساءَلتَني عَنِ النَهارِ جُفوني
رَحِمَ اللَهُ يا جُفوني النَهارا
قُلنَ نَبكيهِ قُلتُ هاتي دُموعاً
قُلنَ صَبراً فَقُلتُ هاتي اِصطِبارا
يا لَيالِيَّ لَم أَجِدكِ طِوالاً
بَعدَ لَيلي وَلَم أَجِدكِ قِصارا
إِنَّ مَن يَحمِلُ الخُطوبَ كِباراً
لا يُبالي بِحَملِهِنَّ صِغارا
لَم نُفِق مِنكَ يا زَمانُ فَنَشكو
مُدمِنُ الخَمرِ لا يُحِسُّ الخُمارا
فَاِصرِفِ الكَأسَ مُشفِقاً أَو فَواصِل
خَرجَ الرُشدُ عَن أَكُفِّ السُكارى

فيم ابتسامك للدنيا وغايتها

فيم ابتسامك للدنيا وغايتها
ترد كل محب عنك منتحيا
وما اتساعك منها بعد ما حسبت
عليك ضيقة الأجداث منقلبا
كم صاحب لبدور الأرض فارقهم
لم يحص من حشرات الأرض ما صحبا
وناعم كان يُؤذى من غِلالته
تالَّف الدود والأكفان والتربا
لا يعرف العيش حتى ينقضى فنرى
صدق الحياة بعين الموت والكذبا
كل الحقائق فيها الشك محتمل
إلا المنية تأبى الشك والريبا
وما رأيت على علمي وتجربتي
كالموت جدا ولا ما قبله لعبا
ما مات من أودع الدنيا عظيم نبا
ولا قضى من قضى للمجد ما وجبا
وما استوى المرء يطوى ذكره معه
وذاهب فضله في الناس ما ذهبا
فإن مررت على الدنيا فمرَّ فتى
ولا تمرنّ مثل الأكثرين هبا
فالخلد صفنان خلد الناس بعدهم
بالذكر والخلد عند الله مرتقبا
أبكى رفاعة أبكى العلم والأدبا
أبكى المروءة والفضل الذي احتجبا
أبكى القوافي كضوء الشمس سائرة
ابكى المحابر والأقلام والكتبا
ابكى الأحاديث تجرى كلها ادبا
ابكى البلاغة ابكى بعدك العربا
يا ابن الذي بعثت مصرا معارفه
ابوك كان لأبناء البلاد ابا
اتيتما وظلام الجهل يملؤها
كالشمس والبدر لا ادعو كما الشهبا
تربيان لها الأبناء صالحة
وتخرجان حماة الدولة النخبا
والشكر اولى واحرى في الشعوب به
من يمطر العلم ممن يمطر الذهبا
قال النعاة قضى خير الكرام ابا
فقلت إن شاء ربى خيرهم عقبا
لا يهدم الله بيتا أُسه شرف
مدت له يده من فضله طنبا

تامل في الوجود وكن لبيبا

تأمل في الوجود وكن لبيبا
وقم في العالمين فقل خطيبا
بفوز جنودنا الفوز العجيبا
بعيد الفتح قد أضحى قريبا
لقينا في الزريبة يوم نصر
كيوم التل في تاريخ مصر
يهيئ للبلاد جديد عصر
ويكفيها القلاقل والخطوبا
فقم من طول نومك والغرور
وخذ بالحزن أو خذ بالسرور
فعار صرف همك عن أمور
ستأخذ من عواقبها نصيبا
بعثنا للدراويش السرايا
تصب على رؤوسهم المنايا
فجاءهم عذاب الله آيا
كما قد جاء قبلهم الشعوبا
وكم من قبل قد عادوا وعدنا
وكم مال على هذا أبدنا
وجيش إثر جيش قد فقدنا
وكان القائد النحس الغريبا
إلى أن قد مضى زمن التخلى
وصار الجوّ أصلح للتجلى
قصدناهم على ذاك المحل
وكان الفخ مكسيم المذيبا
فما للقطر لا يغدو فخورا
ولندن لا تجاوبه سرورا
أرى الجيشين قد ظهرا ظهورا
على غنم الزريبة لن يريبا
وروتر من ذهول لا يخبى
يباهي الأرض في شرق وغرب
بمن يزجي الجيوش ومن يعبى
ومن يسترجع القطر الخصيبا
بسردار البلاد ولا أبالي
إذا ما قلت كتشنر المعالي
سقى السودان أى دم ومال
ولم يبرح بعلته طبيبا
لبثنا في التناوش نحو شهر
والاستطلاع من نهر لنهر
وأتياس الزريبة ليس تدرى
بأن قد حيرت أسدا وذيبا
ظنناها أعزّ من السحاب
وأمنع في الطوابي من عُقاب
فجئناها بألوية صعاب
وجندنا الجنود لها ضروبا
بسود كانت الوثبات منها
وبيض لا تسل في الحرب عنها
وحمر لاقت الأعداء وجها
فكانت سهم راميها المصيبا
طلعنا والصباح على الطوابي
بنار من جهنم لا تحابي
ملكنا منهم قمم الروابي
وماء النهر والغاب الرهيبا
رأونا قبل ما رأوا النهارا
فهبوا من مراقدهم حيارى
فكنا الموت وافاهم جهارا
وهبت ريحه فيهم هبوبا
رصاص لا يغيض ولا يغيب
بعيد في مقاصده قريب
كأن مسيله مطر يصوب
ولكن نقمة وردىً صبيبا
دككنا حصنهم حرقا وكسرا
وأفنيناهم قتلا وأسرا
أخذنا العرش من محمود قسرا
وقد بل الأمير العنقريبا
نعم فتح رعاه الله فتحا
وقتلى هم له ثمن وجرحى
ومال طائل أصلا وربحا
بذلناه ولم نخش الرقيبا
ولكن ما وراءك يا عصام
وبعد الحرب ما يأتي السلام
فليت هياكلا درست تقام
فأسألها وأطمع أن تجيبا
بلى إن الحقيقة قد تجلت
وإن تك بالزخارف قد تحلت
تولى عزنا الماضي وولت
بلاد الله سودانا ونوبا
فيا سردار مصر لك الأيادي
فأنت لها المعين على الأعادى
وكل الناس بل كل البلاد
لسان بالثناء غدا رطيبا
فخذ من مالها حتى الوجودا
وجنِّد كيفما شئت الجنودا
وأنَّى شئت ضع منها الحدودا
شمالا في البسيطة أو جنوبا
فها لَكَ في الحدود اليوم رجل
وفي الخرطوم أخرى سوف تعلو
لأن السعد للقدمين نعل
ومن ذا يغلب السعد الغلوبا