اليوم اصعد دون قبرك منبرا

اليَومَ أَصعَدُ دونَ قَبرِكَ مِنبَرا
وَأُقَلِّدُ الدُنيا رِثاءَكَ جَوهَرا
وَأَقُصُّ مِن شِعري كِتابَ مَحاسِنٍ
تَتَقَدَّمُ العُلَماءَ فيهِ مُسَطَّرا
ذِكراً لِفَضلِكَ عِندَ مِصرَ وَأَهلِها
وَالفَضلُ مِن حُرُماتِهِ أَن يُذكَرا
العِلمُ لا يُعلي المَراتِبَ وَحدَهُ
كَم قَدَّمَ العَمَلُ الرِجالَ وَأَخَّرا
وَالعِلمُ أَشبَهُ بِالسَماءِ رِجالُهُ
خُلِطَت جَهاماً في السَحابِ وَمُمطِرا
طُفنا بِقَبرِكَ وَاِستَلَمنا جَندَلاً
كَالرُكنِ أَزكى وَالحَطيمِ مُطَهَّرا
بَينَ التَشَرُّفِ وَالخُشوعِ كَأَنَّما
نَستَقبِلُ الحَرَمَ الشَريفَ مُنَوَّرا
لَو أَنصَفوكَ جَنادِلاً وَصَفائِحاً
جَعَلوكَ بِالذِكرِ الحَكيمِ مُسَوَّرا
يا مَن أَراني الدَهرُ صِحَّةَ وُدِّهِ
وَالوُدُّ في الدُنيا حَديثٌ مُفتَرى
وَسَمِعتُ بِالخُلُقِ العَظيمِ رِوايَةً
فَأَرانِيَ الخُلُقَ العَظيمَ مُصَوَّرا
ماذا لَقيتَ مِنَ الرُقادِ وَطولِهِ
أَنا فيكَ أَلقى لَوعَةً وَتَحَسُّرا
نَم ما بَدا لَكَ آمِناً في مَنزِلٍ
الدَهرُ أَقصَرُ فيهِ مِن سِنَةِ الكَرى
ما زِلتَ في حَمدِ الفِراشِ وَذَمِّهِ
حَتّى لَقيتَ بِهِ الفِراشَ الأَوثَرا
لا تَشكُوَنَّ الضُرَّ مِن حَشَراتِهِ
حَشَراتُ هَذا الناسِ أَقبَحُ مَنظَرا
يا سَيِّدَ النادي وَحامِلَ هَمِّهِ
خَلَّفتَهُ تَحتَ الرَزِيَّةِ موقَرا
شَهِدَ الأَعادي كَم سَهِرتَ لِمَجدِهِ
وَغَدَوتَ في طَلَبِ المَزيدِ مُشَمِّرا
وَكَمِ اِتَّقَيتَ الكَيدَ وَاِستَدفَعتَهُ
وَرَمَيتَ عُدوانَ الظُنونِ فَأَقصَرا
وَلَبِثتَ عَن حَوضِ الشَبيبَةِ ذائِداً
حَتّى جَزاكَ اللَهُ عَنهُ الكَوثَرا
شُبّانُ مِصرَ حِيالَ قَبرِكَ خُشَّعٌ
لا يَملِكونَ سِوى مَدامِعِهِم قِرى
جَمَعَ الأَسى لَكَ جَمعَهُم في واحِدٍ
كانَ الشَبابَ الواجِدَ المُستَعبِرا
لَولاكَ ما عَرَفوا التَعاوُنَ بَينَهُم
فيما يَسُرُّ وَلا عَلى ما كَدَّرا
حَيثُ اِلتَفَتَّ رَأَيتَ حَولَكَ مِنهُمُ
آثارَ إِحسانٍ وَغَرساً مُثمِرا
كَم مَنطِقٍ لَكَ في البِلادِ وَحِكمَةٍ
وَالعَقلُ بَينَهُما يُباعُ وَيُشتَرى
تَمشي إِلى الأَكواخِ تُرشِدُ أَهلَها
مَشيَ الحَوارِيّينَ يَهدونَ القُرى
مُتَواضِعاً لِلَّهِ بَينَ عِبادِهِ
وَاللَهُ يُبغِضُ عَبدَهُ المُتَكَبِّرا
لَم تَدرِ نَفسُكَ ما الغُرورُ وَطالَما
دَخَلَ الغُرورُ عَلى الكِبارِ فَصَغَّرا
في كُلِّ ناحِيَةٍ تَخُطُّ نِقابَةً
فيها حَياةُ أَخي الزِراعَةِ لَو دَرى
هِيَ كيمِياؤُكَ لا خُرافَةُ جابِرٍ
تَذَرُ المُقِلَّ مِنَ الجَماعَةِ مُكثِرا
وَالمالُ لا تَجني ثِمارَ رُؤوسِهِ
حَتّى يُصيبَ مِنَ الرُؤوسِ مُدَبِّرا
وَالمُلكُ بِالأَموالِ أَمنَعُ جانِباً
وَأَعَزُّ سُلطاناً وَأَصدَقُ مَظهَرا
إِنّا لَفي زَمَنٍ سِفاهُ شُعوبِهِ
في مُلكِهِم كَالمَرءِ في بَيتِ الكِرا
أَسِواكَ مِن أَهلِ المَبادِىءِ مَن دَعا
لِلجِدِّ أَو جَمَعَ القُلوبَ النُفَّرا
المَوتُ قَبلَكَ في البَرِيَّةِ لَم يَهَب
طَهَ الأَمينُ وَلا يَسوعُ الخَيِّرا
لَمّا دُعيتُ أَتَيتُ أَنثُرُ مَدمَعي
وَلَوِ اِستَطَعتَ نَثَرتُ جَفني في الثَرى
أَبكي يَمينَكَ في التُرابِ غَمامَةً
وَالصَدرَ بَحراً وَالفُؤادَ غَضَنفَرا
لَم أُعطَ عَنكَ تَصَبُّراً وَأَنا الَّذي
عَزَّيتُ فيكَ عَنِ الأَميرِ المَعشَرا
أَزِنُ الرِجالَ وَلي يَراعٌ طالَما
خَلَعَ الثَناءَ عَلى الكِرامِ مُحَبَّرا
بِالأَمسِ أَرسَلتُ الرِثاءَ مُمَسَّكاً
وَاليَومَ أَهتِفُ بِالثَناءِ مُعَنبَرا
غَيَّرتَني حُزناً وَغَيَّرَكَ البِلى
وَهَواكَ يَأبى في الفُؤادِ تَغَيُّرا
فَعَلَيَّ حِفظُ العَهدِ حَتّى نَلتَقي
وَعَلَيكَ أَن تَرعاهُ حَتّى نُحشَرا

احق انهم دفنوا عليا

أحق أنهم دفنوا عليا
وحطوا في الثرى المرء الزكيا
فما تركوا من الأخلاق سمحا
على وجه التراب ولا رضيا
مضوا بالضاحك الماضى وألقوا
إلى الحفر الخفيف السمهريا
فمن عون اللغات على ملم
أصاب فصيحها والأعجميا
لقد فقدت مصرِّفها حنينا
وبات مكانه منها خليا
ومن ينظر ير الفسطاط تبكى
بفائضه من العبرات ريا
ألم يمش الثرى قحة عليها
وكان ركابها نحو الثريا
فنقب عن مواضعها علىٌّ
فجدد دارسا وجلا خفيا
ولولا جهده احتجبت رسوما
فلا دمنا تريك ولا نؤيّا
تلفتت الفنون وقد تولى
فلم تجد النصير ولا الوليا
سلوا الآثار من يغدو يغالى
بها ويروح محتفظا حفيا
وينزلها الرفوف كجوهري
يصفف في خزائنها الحليا
وما جهل العتيق الحر منها
ولا غبى المقلد والدعيا
فتى عاف المشارب من دنايا
وصان عن القذى ماء المحيا
أبىّ النفس في زمن إذا ما
عجمت بنيه لم تجد الأبيا
تعوّد أن يراه الناس رأسا
وليس يرونه الذَّنَب الدنّيا
وجدت العلم لا يبنى نفوسا
ولا يغنى عن الأخلاق شيا
ولم أر في السلاح أضل حدا
من الأخلاق إن صحبت غبيا
هما كالسيف لا تنصفه يفسد
عليك وخذه مكتملا سويا
غدير أترع الأوطان خيرا
وإن لم تمتلئ منه دويا
وقد تأتى الجداول في خشوع
بما قد يعجز السيل الأتيا
حياة معلم طفئت وكانت
سراجا يعجب السارى وضيا
سبقت القابسين إلى سناها
ورحت بنورها أحبو صبيا
أخذت على أريب ألمعي
ومن لك بالمعلم ألمعيا
ورب معلم تلقاه فظا
غليظ القلب أوَفدماً غبيا
إذا انتدب البنون لها سيوفا
من الميلاد ردّهم عصيا
إذا رشد المعلم كان مسوى
وإن هو ضل كان السامريا
ورب معلمين خلوا وفاتوا
إلى الحرية أنساقوا هديا
أناروا ظلمة الدنيا وكانوا
لنار الظالمين بها صُلِيَّا
أرقت وما نسيت بنات بوم
على المطرية اندفعت بكيا
بكت وتأؤهت فوهمت شرّا
وقبلى داخل الوهم الذكيا
قلبت لها الحُدى وكان منى
ضلالا أن قلبت لها الحذيا
زعمت الغيب خلف لسان طير
جهلت لسانه فزعمت غيا
أصاب الغيب عند الطير قوم
وصار البوم بينهمو نبيا
إذا غناهمو وجدوا سطيحا
على فمه وافعى الجرهميا
رمى الغربان شيخ تنوخ قبلى
وراش من الطويل لها رويا
نجا من ناجذيه كل لحم
وغودور لحمهن به شقيا
نَعستُ فما وجدت الغمض حتى
نفضت على المناحة مقلتيا
فقلت نذيرة وبلاغ صدق
وحق لم يفاجئ مسمعيا
ولكن الذي بكت البواكي
خليل عز مصرعه عليا
ومن يُفجع بحرٍّ عبقري
يجد ظلم المنية عبقريا
ومن تتراخ مدته فيكثر
من الأحباب لا يحص النعيا
أخي أقبل على من المنايا
وهات حديثك العذب الشهيا
فلم أعدم إذا ما الدور نامت
سميرا بالمقابر أو نجيا
يذكرني الدى لِدَةً حميما
هنالك بات أو خلا وفيا
نشدتك بالمنينة وهي حق
ألم يك زخرف الدنيا فويا
عرفت الموت معنى بعد لفظ
تكلم واكشف المعنى الخبيا
أتاك من الحياة الموت فانظر
أكنت تموت لو لم تلف حيا
وللاشياء أضداد إليها
تصير إذا صبرت لها مليا
ومنقلب النجوم إلى سكون
من الدوران يطويهن طيا
فخبرني عن الماضين إني
شددت الرحل أنتظر المضيا
وصف ل منزلا حُملوا إليه
وما لمحوا الطريق ولا المطيا
وكيف أتى الغنىّ له فقيرا
وكيف ثوى الفقير به غنيا
لقد لبسوا له الأزياء شتى
فلم يقبل سوى التجريد زيا
سواء فيه من وافى نهارا
ومن قذف اليهود به عشيا
ومن قطع الحياة صدى وجوعا
ومن مرت به شبعا وريا
وميت ضجت الدنيا عليه
وآخر ما تحس له نعيا

من صور السحر المبين عيونا

مَن صَوَّرَ السِحرَ المُبينَ عُيوناً
وَأَحَلَّهُ حَدَقاً وَجُفونا
نَظَرَت فَحُلتُ بِجانِبي فَاِستَهدَفَت
كَبِدي وَكانَ فُوادِيَ المَغبونا
وَرَمَت بِسَهمٍ جالَ فيهِ جَولَةً
حَتّى اِستَقَرَّ فَرَنَّ فيهِ رَنينا
فَلَمَستُ صَدري موجِساً وَمُرَوَّعاً
وَلَمَستُ جَنبي مُشفِقاً وَضَنينا
يا قَلبُ إِنَّ مِنَ البَواتِرِ أَعيُناً
سوداً وَإِنَّ مِنَ الجَآذِرِ عينا
لا تَأخُذَنَّ مِنَ الأُمورِ بِظاهِرٍ
إِنَّ الظَواهِرَ تَخدَعُ الرائينا
فَلَكَم رَجَعتُ مِنَ الأَسِنَّةِ سالِماً
وَصَدَرتُ عَن هيفِ القُدودِ طَعينا
وَخَميلَةٍ فَوقَ الجَزيرَةِ مَسَّها
ذَهَبُ الأَصيلِ حَواشِياً وَمُتونا
كَالتِبرِ أُفقاً وَالزَبَرجَدِ رَبوَةً
وَالمِسكِ تُرباً وَاللُجَينِ مَعينا
وَقَفَ الحَيا مِن دونِها مُستَأذِناً
وَمَشى النَسيمُ بِظِلِّها مَأذونا
وَجَرى عَلَيها النيلُ يَقذِفُ فَضَّةً
نَثراً وَيَكسِرُ مَرمَراً مَسنونا
يُغري جَوارِيَهُ بِها فَيَجِئنَها
وَيُغيرُهُنَّ بِها فَيَستَعلينا
راعَ الظَلامُ بِها أَوانِسَ تَرتَمي
مِثلَ الظِباءِ مِنَ الرُبى يَهوينا
يَخطُرنَ في ساحِ القُلوبِ عَوالِياً
وَيَمِلنَ في مَرأى العُيونِ غُصونا
عِفنَ الذُيولِ مِنَ الحَريرِ وَغَيرِهِ
وَسَحَبنَ ثَمَّ الآسَ وَالنَسرينا
عارَضتُهُنَّ وَلي فُؤادٌ عُرضَةٌ
لِهَوى الجَآذِرِ دانَ فيهِ وَدينا
فَنَظَرنَ لا يَدرينَ أَذهَبُ يَسرَةً
فَيَحِدنَ عَنّي أَم أَميلُ يَمينا
وَنَفَرنَ مِن حَولي وَبَينَ حَبائِلي
كَالسِربِ صادَفَ في الرَواحِ كَمينا
فَجَمَعتُهُنَّ إِلى الحَديثِ بَدَأتُهُ
فَغَضِبنَ ثُمَّ أَعَدتُهُ فَرَضينا
وَسَمِعتُ مَن أَهوى تَقولُ لِتُربِها
أَحرى بِأَحمَدَ أَن يَكونَ رَزينا
قالَت أَراهُ عِندَ غايَةِ وَجدِهِ
فَلَعَلَّ لَيلى تَرحَمُ المَجنونا

من يرد حقه فللحق انصار

من يرد حقه فللحق أنصا
ر كثير وفي الزمان كرام
لا تروقنّ نومة الحق للبا
غي فللحق هزة وأنتقام

انبئت ان سليمان الزمان

أُنبِئتُ أَنَّ سُلَيمانَ الزَمانِ وَمَن
أَصبى الطُيورَ فَناجَتهُ وَناجاها
أَعطى بَلابِلَهُ يَوماً يُؤَدِّبُها
لِحُرمَةٍ عِندَهُ لِلبومِ يَرعاها
وَاِشتاقَ يَوماً مِنَ الأَيّامِ رُؤيَتَها
فَأَقبَلَت وَهيَ أَعصى الطَيرِ أَفواها
أَصابَها العِيُّ حَتّى لا اِقتِدارَ لَها
بِأَن تَبُثَّ نَبِيَّ اللَهِ شَكواها
فَنالَ سَيِّدَها مِن دائِها غَضَبٌ
وَوَدَّ لَو أَنَّهُ بِالذَبحِ داواها
فَجاءَهُ الهُدهُدُ المَعهودُ مُعتَذِراً
عَنها يَقولُ لِمَولاهُ وَمَولاها
بَلابِلُ اللَهِ لا تَخرَس وَلا وُلِدَت
خُرساً وَلَكِنَّ بومَ الشُؤمِ رَبّاها

ما هيج البسفور مثلك شاعرا

ما هيج البسفور مثلك شاعرا
بين الطبيعة فيه والتاريخ
فجعلت شعرك فيهما ولطالما
قد كنت عبد المدح والتاريخ

تاتي الدلال سجية وتصنعا

تَأتي الدَلالَ سَجِيَّةً وَتَصَنُّعاً
وَأَراكَ في حالَي دَلالِكَ مُبدِعا
تِه كَيفَ شِئتَ فَما الجَمالُ بِحاكِمٍ
حَتّى يُطاعَ عَلى الدَلالِ وَيُسمَعا
لَكَ أَن يُرَوِّعَكَ الوُشاةُ مِنَ الهَوى
وَعَلَيَّ أَن أَهوى الغَزالَ مُرَوَّعا
قالوا لَقَد سَمِعَ الغَزالُ لِمَن وَشى
وَأَقولُ ما سَمِعَ الغَزالُ وَلا وَعى
أَنا مَن يُحِبُّكَ في نِفارِكَ مُؤنِساً
وَيُحِبُّ تيهَكَ في نِفارِكَ مَطمَعا
قَدَّمتُ بَينَ يَدَيَّ أَيّامَ الهَوى
وَجَعَلتُها أَمَلاً عَلَيكَ مُضَيَّعا
وَصَدَقتُ في حُبّي فَلَستُ مُبالِياً
أَن أُمنَحَ الدُنيا بِهِ أَو أُمنَعا
يا مَن جَرى مِن مُقلَتَيهِ إِلى الهَوى
صِرفاً وَدارَ بِوَجنَتَيهِ مُشعشَعا
اللَهَ في كَبِدٍ سَقَيتَ بِأَربَعٍ
لَو صَبَّحوا رَضوى بِها لَتَصَدَّعا

اريد سلوكم والقلب يابي

أَريدُ سُلُوَّكُم وَالقَلبُ يَأبى
وَأَعتِبُكُم وَمِلءُ النَفسِ عُتبى
وَأَهجُرُكُم فَيَهجُرُني رُقادي
وَيُضويني الظَلامُ أَسىً وَكَربا
وَأَذكُرُكُم بِرُؤيَةِ كُلِّ حُسنٍ
فَيَصبو ناظِري وَالقَلبُ أَصبى
وَأَشكو مِن عَذابي في هَواكُم
وَأَجزيكُم عَنِ التَعذيبِ حُبّا
وَأَعلَمُ أَنَّ دَأبَكُمُ جَفائي
فَما بالي جَعَلتُ الحُبَّ دَأبا
وَرُبَّ مُعاتَبٍ كَالعَيشِ يُشكى
وَمِلءُ النَفسِ مِنهُ هَوىً وَعُتبى
أَتَجزيني عَنِ الزُلفى نِفاراً
عَتَبتكَ بِالهَوى وَكَفاكَ عَتبا
فَكُلُّ مَلاحَةٍ في الناسِ ذَنبٌ
إِذا عُدَّ النِفارُ عَلَيكَ ذَنبا
أَخَذتُ هَواكَ عَن عَيني وَقَلبي
فَعَيني قَد دَعَت وَالقَلبُ لَبّى
وَأَنتَ مِنَ المَحاسِنِ في مِثالٍ
فَدَيتُكَ قالَباً فيهِ وَقَلبا
أُحِبُّكَ حينَ تَثني الجيدَ تيهاً
وَأَخشى أَن يَصيرَ التيهُ دَأبا
وَقالوا في البَديلِ رِضاً وَرَوحٌ
لَقَد رُمتُ البَديلَ فَرُمتُ صَعبا
وَراجَعتُ الرَشادَ عَسايَ أَسلو
فَما بالي مَعَ السُلوانِ أَصبى
إِذا ما الكَأسُ لَم تُذهِب هُمومي
فَقَد تَبَّت يَدُ الساقي وَتَبّا
عَلى أَنّي أَعَفُّ مَنِ اِحتَساها
وَأَكرَمُ مِن عَذارى الدَيرِ شربا
وَلي نَفسٌ أُرَوّيها فَتَزكو
كَزَهرِ الوَردِ نَدَّوهُ فَهَبّا

اليوم نسود بوادينا

اليَومَ نَسودُ بِوادينا
وَنُعيدُ مَحاسِنَ ماضينا
وَيُشيدُ العِزَّ بِأَيدينا
وَطَنٌ نَفديهِ وَيَفدينا
وَطَنٌ بِالحَقِّ نُؤَيِّدُهُ
وَبِعَينِ اللَهِ نُشَيِّدُهُ
وَنُحَسِّنُهُ وَنُزَيِّنُهُ
بِمَآثِرِنا وَمَساعينا
سِرُّ التاريخِ وَعُنصُرُهُ
وَسَريرُ الدَهرِ وَمِنبَرُهُ
وَجِنانُ الخُلدِ وَكَوثَرُهُ
وَكَفى الآباءُ رَياحينا
نَتَّخِذُ الشَمسَ لَهُ تاجا
وَضُحاها عَرشاً وَهّاجا
وَسَماءَ السُؤدُدِ أَبراجا
وَكَذَلِكَ كانَ أَوالينا
العَصرُ يَراكُمُ وَالأُمَمُ
وَالكَرنَكُ يَلحَظُ وَالهَرَمُ
أَبني الأَوطانَ أَلا هِمَمُ
كَبِناءِ الأَوَّلِ يَبنينا
سَعياً أَبَداً سَعياً سَعياً
لِأَثيلِ المَجدِ وَلِلعَليا
وَلنَجعَل مِصرَ هِيَ الدُنيا
وَلنَجعَل مِصرَ هِيَ الدُنيا

جعلت حلاها وتمثالها

جَعَلتُ حُلاها وَتِمثالَها
عُيونَ القَوافي وَأَمثالَها
وَأَرسَلتُها في سَماءِ الخَيالِ
تَجُرُّ عَلى النَجمِ أَذيالَها
وَإِنّي لِغِرّيدُ هَذي البِطاحِ
تَغَذّى جَناها وَسَلسالَها
تَرى مِصرَ كَعبَةَ أَشعارِهِ
وَكُلِّ مُعَلَّقَةٍ قالَها
وَتَلمَحُ بَينَ بُيوتِ القَصيد
حِجالَ العَروسِ وَأَحجالَها
أَدارَ النَسيبَ إِلى حُبِّها
وَوَلّى المَدائِحَ إِجلالَها
أَرَنَّ بِغابِرِها العَبقَرِيُّ
وَغَنّى بِمِثلِ البُكا حالَها
وَيَروي الوَقائِعَ في شِعرِهِ
يَروضُ عَلى البَأسِ أَطفالَها
وَما لَمَحوا بَعدُ ماءَ السُيوف
فَما ضَرَّ لَو لَمَحوا آلَها
وَيَومٍ ظَليلِ الضُحى مِن بَشنَسَ
أَفاءَ عَلى مِصرَ آمالَها
رَوى ظُلُّهُ عَن شَبابِ الزَمانِ
رَفيفَ الحَواشي وَإِخضالَها
مَشَت مِصرُ فيهِ تُعيدُ العُصورَ
وَيَغمُرُ ذِكرُ الصِبا بالَها
وَتَعرِضُ في المِهرَجانِ العَظيمِ
ضُحاها الخَوالي وَآصالَها
وَأَقبَلَ رَمسيسُ جَمَّ الجَلالِ
سَنِيَّ المَواكِبِ مُختالَها
وَما دانَ إِلّا بِشورى الأُمورِ
وَلا اِختالَ كِبراً وَلا اِستالَها
فَحَيّا بِأَبلَجَ مِثلِ الصِباحِ
وُجوهَ البِلادِ وَأَرسالَها
وَأَوما إِلى ظُلُماتِ القُرونِ
فَشَقَّ عَنِ الفَنِّ أَسدالَها
فَمَن يُبلِغُ الكَرنَكَ الأَقصُرِيَّ
وَيُنبِئُ طَيبَةَ أَطلالَها
وَيُسمِعُ ثَمَّ بِوادي المُلوكِ
مُلوكَ الدِيارِ وَأَقيالَها
وَكُلَّ مُخَلَّدَةٍ في الدُمى
هُنالِكَ لَم نُحصِ أَحوالَها
عَلَيها مِنَ الوَحيِ ديباجَةٌ
أَلَحَّ الزَمانُ فَما اِزدالَها
تَكادُ وَإِن هِيَ لَم تَتَّصِل
بِروحٍ تُحَرِّكُ أَوصالَها
وَما الفَنُّ إِلّا الصَريحُ الجَميلُ
إِذا خالَطَ النَفسَ أَوحى لَها
وَما هُوَ إِلّا جَمالُ العُقولِ
إِذا هِيَ أَولَتهُ إِجمالَها
لَقَد بَعَثَ اللَهُ عَهدَ الفُنونِ
وَأَخرَجَتِ الأَرضُ مَثّالَها
تَعالَوا نَرى كَيفَ سَوّى الصَفاةَ
فَتاةً تُلَملِمُ سِربالَها
دَنَت مِن أَبي الهَولِ مَشيَ الرَؤومِ
إِلى مُقعَدٍ هاجَ بَلبالَها
وَقَد جابَ في سَكَراتِ الكَرى
عُروضَ اللَيالي وَأَطوالَها
وَأَلقى عَلى الرَملِ أَرواقَهُ
وَأَرسى عَلى الأَرضِ أَثقالَها
يُخالُ لِإِطراقِهِ في الرِملِ
سَطيحَ العُصورِ وَرَمّالَها
فَقالَت تَحَرَّك فَهمَ الجَماد
كَأَنَّ الجَمادَ وَعى قالَها
فَهَل سَكَبَت في تَجاليدِهِ
شُعاعَ الحَياةِ وَسَيّالَها
أَتَذكُرُ إِذ غَضِبَت كَاللُباةِ
وَلَمَّت مِنَ الغيلِ أَشبالَها
وَأَلقَت بِهِم في غِمارِ الخُطوبِ
فَخاضوا الخُطوبَ وَأَهوالَها
وَثاروا فَجُنَّ جُنونُ الرِياحِ
وَزُلزِلَتِ الأَرضُ زِلزالَها
وَباتَ تَلَمُّسُهُم شَيخَهُم
حَديثَ الشُعوبِ وَأَشغالَها
وَمَن ذا رَأى غابَةً كافَحَت
فَرَدَّت مِن الأَسرِ رِئبالَها
وَأَهيَبُ ما كانَ يَأسُ الشُعوبِ
إِذا سَلَّحَ الحَقُّ أَعزالَها
فُوادُ اِرفَعِ السِترَ عَن نَهضَةٍ
تَقَدَّمَ جَدُّكَ أَبطالَها
وَرُبَّ اِمرِئٍ لَم تَلِدهُ البِلادُ
نَماها وَنَبَّهَ أَنسالَها
وَلَيسَ اللَآلِئُ مِلكَ البُحورِ
وَلَكِنَّها مِلكُ مَن نالَها
وَما كَعَلِيٍّ وَلا جيلِهِ
إِذا عَرَضَت مِصرُ أَجيالَها
بَنَوا دَولَةً مِن بَناتِ الأَسِنَّ
ةِ لَم يَشهَدِ النيلُ أَمثالَها
لَئِن جَلَّلَ البَحرَ أُسطولُها
لَقَد لَبِسَ البَرُّ قِسطالَها
فأَمّا أَبوكَ فَدُنيا الحَضا
رَةِ لَو سالَمَ الدَهرُ إِقبالَها
تَخَيَّر إِفريقيا تاجَهُ
وَرَكَّبَ في التاجِ صومالَها
رِكابُكَ يا اِبنَ المُعِزِّ الغُيوثُ
وَيَفضُلنَ في الخَيرِ مِنوالَها
إِذا سِرنَ في الأَرضِ نَسَّينَها
رِكابَ السَماءِ وَأَفضالَها
فَلَم تَبرِحِ القَصرَ إِلّا شَفيتَ
جُدوبَ العُقولِ وَإِمحالَها
لَقَد رَكَّبَ اللهُ في ساعِدَيكَ
يَمينَ الجُدودِ وَشيمالَها
تَخُطُّ وَتَبني صُروحَ العُلومِ
وَتَفتَحُ لِلشَرقِ أَقفالَها