مقادير من جفنيك حولن حاليا

مَقاديرُ مِن جَفنَيكِ حَوَلنَ حالِيا
فَذُقتُ الهَوى بَعدَما كُنتُ خالِيا
نَفَذنَ عَلَيَّ اللُبَّ بِالسَهمِ مُرسَلاً
وَبِالسِحرِ مَقضِيّاً وَبِالسَيفِ قاضِيا
وَأَلبَسنَني ثَوبَ الضَنى فَلَبِستُهُ
فَأَحبِب بِهِ ثَوباً وَإِن ضَمَّ بالِيا
وَما الحُبُّ إِلّا طاعَةٌ وَتَجاوُزٌ
وَإِن أَكثَروا أَوصافَهُ وَالمَعانِيا
وَما هُوَ إِلّا العَينُ بِالعَينِ تَلتَقي
وَإِن نَوَّعوا أَسبابَهُ وَالدَواعِيا
وَعِندي الهَوى مَوصوفُهُ لا صِفاتُهُ
إِذا سَأَلوني ما الهَوى قُلتُ ما بِيا
وَبي رَشَأٌ قَد كانَ دُنيايَ حاضِراً
فَغادَرَني أَشتاقُ دُنيايَ نائِيا
سَمَحتُ بِروحي في هَواهُ رَخيصَةً
وَمَن يَهوَ لا يوثِرُ عَلى الحُبِّ غالِيا
وَلَم تَجرِ أَلفاظُ الوُشاةِ بِريبَةٍ
كَهَذي الَّتي يَجري بِها الدَمعُ واشِيا
أَقولُ لِمَن وَدَّعتُ وَالرَكبُ سائِرٌ
بِرُغمِ فُؤادي سائِرٌ بِفُؤاديا
أَماناً لِقَلبي مِن جُفونِكِ في الهَوى
كَفى بِالهَوى كَأساً وَراحاً وَساقِيا
وَلا تَجعَليهِ بَينَ خَدَيكِ وَالنَوى
مِنَ الظُلمِ أَن يَغدو لِنارَينِ صالِيا
وَلَم يَندَمِل مِن طَعنَةِ القَدِّ جُرحُهُ
فَرِفقاً بِهِ مِن طَعنَةِ البَينِ دامِيا

كان لبعضهم حمار وجمل

كانَ لِبَعضِهِم حِمارٌ وَجَمَل
نالَهُما يَوماً مِنَ الرِقِّ مَلَل
فَاِنتَظَرا بَشائِرَ الظَلماءِ
وَاِنطَلَقا مَعاً إِلى البَيداءِ
يَجتَلِيانِ طَلعَةَ الحُرِّيَّه
وَيَنشِقانِ ريحَها الزَكِيَّه
فَاِتَّفَقا أَن يَقضِيا العُمرَ بِها
وَاِرتَضَيا بِمائِها وَعُشبِها
وَبَعدَ لَيلَةٍ مِنَ المَسيرِ
اِلتَفَتَ الحِمارُ لِلبَعيرِ
وَقالَ كَربٌ يا أَخي عَظيمُ
فَقِف فَمشي كُلُّهُ عَقيمُ
فَقالَ سَل فِداكَ أُمّي وَأَبي
عَسى تَنالُ بي جَليلَ المَطلَبِ
قالَ اِنطَلِق مَعي لِإِدراكِ المُنى
أَو اِنتَظِر صاحِبَكَ الحُرَّ هُنا
لا بُدَّ لي مِن عَودَةٍ لِلبَلَدِ
لِأَنَّني تَرَكتُ فيهِ مِقوَدي
فَقالَ سِر وَاِلزَم أَخاكَ الوَتِدا
فَإِنَّما خُلِقتَ كَي تُقَيَّدا

مررنا بالهلال علي كريد

مررنا بالهلال على كريد
وقد ملأ الفضاء بها جمالا
بدوا والركب في شوق إليه
يضئ لنا رُباها والجبالا
فهلل رفقتي واستقبلوه
كما يستقبل الملك احتفالا
فقلت رويدكم هلا ذكرتم
شبيها كان أمس هنا فزالا
فلم أر في وجوه القوم شيئا
ولم أر مدمعا للقوم سالا
فقلت الأمر للمولى تعالى
يصرف ملكه حالا فحالا

الله يحكم في المدائن والقري

اللَهُ يَحكُمُ في المَدائِنِ وَالقُرى
يا ميتَ غَمرَ خُذي القَضاءَ كَما جَرى
ما جَلَّ خَطبٌ ثُمَّ قيسَ بِغَيرِهِ
إِلّا وَهَوَّنَهُ القِياسُ وَصَغَّرا
فَسَلي عَمورَةَ أَو سدونَ تَأَسِّياً
أَو مَرتَنيقَ غَداةَ وُورِيَتِ الثَرى
مُدنٌ لَقينَ مِنَ القَضاءِ وَنارِهِ
شَرَراً بِجَنبِ نَصيبِها مُستَصغَرا
هَذي طُلولُكِ أَنفُساً وَحِجارَةً
هَل كُنتِ رُكناً مِن جَهَنَّمَ مُسعَرا
قَد جِئتُ أَبكيها وَآخُذُ عِبرَةً
فَوَقَفتُ مُعتَبِراً بِها مُستَعبِرا
أَجِدُ الحَياةَ حَياةَ دَهرٍ ساعَةً
وَأَرى النَعيمَ نَعيمَ عُمرٍ مُقصِرا
وَأَعُدُّ مِن حَزمِ الأُمورِ وَعَزمِها
لِلنَفسِ أَن تَرضى وَأَلّا تَضجَرا
ما زِلتُ أَسمَعُ بِالشَقاءِ رِوايَةً
حَتّى رَأَيتُ بِكِ الشَقاءَ مُصَوَّرا
فَعَلَ الزَمانُ بِشَملِ أَهلِكِ فِعلَهُ
بِبَني أُمَيَّةَ أَو قَرابَةِ جَعفَرا
بِالأَمسِ قَد سَكَنوا الدِيارَ فَأَصبَحوا
لا يَنظُرونَ وَلا مَساكِنُهُم تُرى
فَإِذا لَقيتَ لَقيتَ حَيّاً بائِساً
وَإِذا رَأَيتَ رَأَيتَ مَيتاً مُنكَرا
وَالأُمَّهاتُ بِغَيرِ صَبرٍ هَذِهِ
تَبكي الصَغيرَ وَتِلكَ تَبكي الأَصغَرا
مِن كُلِّ مودِعَةِ الطُلولِ دُموعَها
مِن أَجلِ طِفلٍ في الطُلولِ اِستَأخَرا
كانَت تُؤَمِّلُ أَن تَطولَ حَياتُهُ
وَاليَومَ تَسأَلُ أَن يَعودَ فَيُقبَرا
طَلَعَت عَلَيكِ النارُ طَلعَةَ شُؤمِها
فَمَحَتكِ آساساً وَغَيَّرَتِ الذُرا
مَلَكَت جِهاتِكِ لَيلَةً وَنَهارَها
حَمراءَ يَبدو المَوتُ مِنها أَحمَرا
لا تَرهَبُ الطوفانَ في طُغيانِها
لَو قابَلَتهُ وَلا تَهابُ الأَبحُرا
لَو أَنَّ نيرونُ الجَمادَ فُؤادُهُ
يُدعى لِيَنظُرَها لَعافَ المَنظَرا
أَو أَنَّهُ اِبتُلِيَ الخَليلُ بِمِثلِها
أَستَغفِرُ الرَحمَنَ وَلّى مُدبِرا
أَو أَنَّ سَيلاً عاصِمٌ مِن شَرِّها
عَصَمَ الدِيارَ مِنَ المَدامِعِ ما جَرى
أَمسى بِها كُلُّ البُيوتِ مُبَوَّباً
وَمُطَنَّباً وَمُسَيَّجاً وَمُسَوَّرا
أَسَرَتهُمو وَتَمَلَّكَت طُرُقاتِهِم
مَن فَرَّ لَم يَجِدِ الطَريقَ مُيَسَّرا
خَفَّت عَلَيهِم يَومَ ذَلِكَ مَورِداً
وَأَضَلَّهُم قَدَرٌ فَضَّلوا المَصدَرا
حَيثُ اِلتَفَتَّ تَرى الطَريقَ كَأَنَّها
ساحاتُ حاتِمَ غِبَّ نيرانِ القِرى
وَتَرى الدَعائِمَ في السَوادِ كَهَيكَلٍ
خَمَدَت بِهِ نارُ المَجوسِ وَأَقفَرا
وَتَشَمُّ رائِحَةَ الرُفاتِ كَريهَةً
وَتَشَمُّ مِنها الثاكِلاتُ العَنبَرا
كَثُرَت عَلَيها الطَيرُ في حَوماتِها
يا طَيرُ كُلُّ الصَيدِ في جَوفِ الفَرا
هَل تَأمَنينَ طَوارِقَ الأَحداثِ أَن
تَغشى عَلَيكِ الوَكرَ في سِنَةِ الكَرى
وَالناسُ مِن داني القُرى وَبَعيدِها
تَأتي لِتَمشِيَ في الطُلولِ وَتَخبُرا
يَتَساءَلونَ عَنِ الحَريقِ وَهَولِهِ
وَأَرى الفَرائِسَ بِالتَساؤُلِ أَجدَرا
يا رَبِّ قَد خَمَدَت وَلَيسَ سِواكَ مَن
يُطفي القُلوبَ المُشعَلاتِ تَحَسُّرا
فَتَحوا اِكتِتاباً لِلإِعانَةِ فَاِكتَتِب
بِالصَبرِ فَهوَ بِمالِهِم لا يُشتَرى
إِن لَم تَكُن لِلبائِسينَ فَمَن لَهُم
أَو لَم تَكُن لِلّاجِئينَ فَمَن تَرى
فَتَوَلَّ جَمعاً في اليَبابِ مُشَتَّتاً
وَاِرحَم رَميماً في التُرابِ مُبَعثَرا
فَعَلَت بِمِصرَ النارُ ما لَم تَأتِهِ
آياتُكَ السَبعُ القَديمَةُ في الوَرى
أَوَ ما تَراها في البِلادِ كَقاهِرٍ
في كُلِّ ناحِيَةٍ يُسَيِّرُ عَسكَرا
فَاِدفَع قَضاءَكَ أَو فَصَيِّر نارَهُ
بَرداً وَخُذ بِاللُطفِ فيما قُدِّرا
مُدّوا الأَكُفَّ سَخِيَّةً وَاِستَغفِري
يا أُمَّةً قَد آنَ أَن تَستَغفِرا
أَولى بِعَطفِ الموسِرينَ وَبِرِّهِم
مَن كانَ مِثلَهُمو فَأَصبَحَ مُعسِرا
يا أَيُّها السُجَناءُ في أَموالِهِم
أَأَمِنتُمو الأَيّامَ أَن تَتَغَيَّرا
لا يَملكُ الإِنسانُ مِن أَحوالِهِ
ما تَملكُ الأَقدارُ مَهما قَدَّرا
لا يُبطِرَنَّكَ مِن حَريرٍ مَوطِئٌ
فَلَرُبَّ ماشٍ في الحَريرِ تَعَثَّرا
وَإِذا الزَمانُ تَنَكَّرَت أَحداثُهُ
لِأَخيكَ فَاِذكُرهُ عَسى أَن تُذكَرا

انا من بدل بالكتب الصحابا

أَنا مَن بَدَّلَ بِالكُتبِ الصِحابا
لَم أَجِد لي وافِياً إِلّا الكِتابا
صاحِبٌ إِن عِبتَهُ أَو لَم تَعِب
لَيسَ بِالواجِدِ لِلصاحِبِ عابا
كُلَّما أَخلَقتُهُ جَدَّدَني
وَكَساني مِن حِلى الفَضلِ ثِيابا
صُحبَةٌ لَم أَشكُ مِنها ريبَةً
وَوِدادٌ لَم يُكَلِّفني عِتابا
رُبَّ لَيلٍ لَم نُقَصِّر فيهِ عَن
سَمَرٍ طالَ عَلى الصَمتِ وَطابا
كانَ مِن هَمِّ نَهاري راحَتي
وَنَدامايَ وَنَقلِيَ وَالشَرابا
إِن يَجِدني يَتَحَدَّث أَو يَجِد
مَلَلاً يَطوي الأَحاديثَ اِقتِضابا
تَجِدُ الكُتبَ عَلى النَقدِ كَما
تَجِدُ الإِخوانَ صِدقاً وَكِذابا
فَتَخَيَّرها كَما تَختارُهُ
وَاِدَّخِر في الصَحبِ وَالكُتبِ اللُبابا
صالِحُ الإِخوانِ يَبغيكَ التُقى
وَرَشيدُ الكُتبِ يَبغيكَ الصَوابا
غالِ بِالتاريخِ وَاِجعَل صُحفَهُ
مِن كِتابِ اللَهِ في الإِجلالِ قابا
قَلِّبِ الإِنجيلَ وَاِنظُر في الهُدى
تَلقَ لِلتاريخِ وَزناً وَحِسابا
رُبَّ مَن سافَرَ في أَسفارِهِ
بِلَيالي الدَهرِ وَالأَيّامِ آبا
وَاِطلُبِ الخُلدَ وَرُمهُ مَنزِلاً
تَجِدِ الخُلدَ مِنَ التاريخِ بابا
عاشَ خَلقٌ وَمَضَوا ما نَقَصوا
رُقعَةَ الأَرضِ وَلا زادوا التُرابا
أَخَذَ التاريخُ مِمّا تَرَكوا
عَمَلاً أَحسَنَ أَو قَولاً أَصابا
وَمِنَ الإِحسانِ أَو مِن ضِدِّهِ
نَجَحَ الراغِبُ في الذِكرِ وَخابا
مَثَلُ القَومِ نَسوا تاريخَهُم
كَلَقيطٍ عَيَّ في الناسِ اِنتِسابا
أَو كَمَغلوبٍ عَلى ذاكِرَةٍ
يَشتَكي مِن صِلَةِ الماضي اِنقِضابا
يا أَبا الحُفّاظِ قَد بَلَّغتَنا
طِلبَةً بَلَّغَكَ اللَهُ الرِغابا
لَكَ في الفَتحِ وَفي أَحداثِهِ
فَتَحَ اللَهُ حَديثاً وَخِطابا
مَن يُطالِعهُ وَيَستَأنِس بِهِ
يَجِدُ الجِدَّ وَلا يَعدَم دِعابا
صُحُفٌ أَلَّفَتها في شِدَّةٍ
يَتَلاشى دونَها الفِكرُ اِنتِهابا
لُغَةُ الكامِلِ في اِستِرسالِهِ
وَاِبنُ خَلدونَ إِذا صَحَّ وَصابا
إِنَّ لِلفُصحى زِماماً وَيَداً
تَجنِبُ السَهلَ وَتَقتادُ الصَعابا
لُغَةُ الذِكرِ لِسانُ المُجتَبى
كَيفَ تَعيا بِالمُنادينَ جَوابا
كُلُّ عَصرٍ دارُها إِن صادَفَت
مَنزِلاً رَحباً وَأَهلاً وَجَنابا
إِئتِ بِالعُمرانِ رَوضاً يانِعاً
وَاِدعُها تَجرِ يَنابيعَ عِذابا
لا تَجِئها بِالمَتاعِ المُقتَنى
سَرَقاً مِن كُلِّ قَومٍ وَنِهابا
سَل بِها أَندَلُساً هَل قَصَّرَت
دونَ مِضمارِ العُلى حينَ أَهابا
غُرِسَت في كُلِّ تُربٍ أَعجَمٍ
فَزَكَت أَصلاً كَما طابَت نِصابا
وَمَشَت مِشيَتَها لَم تَرتَكِب
غَيرَ رِجلَيها وَلَم تَحجِل غُرابا
إِنَّ عَصراً قُمتَ تَجلوهُ لَنا
لَبِسَ الأَيّامَ دَجناً وَضَبابا
المَماليكُ تَمَشّى ظُلمُهُم
ظُلُماتٍ كَدُجى اللَيلِ حِجابا
كُلُّهُم كافورُ أَو عَبدُ الخَنا
غَيرَ أَنَّ المُتَنَبّي عَنهُ خابا
وَلِكُلٍّ شيعَةٌ مِن جِنسِهِ
إِنَّ لِلشَرِّ إِلى الشَرِّ اِنجِذابا
ظُلُماتٌ لا تَرى في جُنحِها
غَيرَ هَذا الأَزهَرِ السَمحِ شِهابا
زيدَتِ الأَخلاقُ فيهِ حائِطاً
فَاِحتَمى فيها رِواقاً وَقِبابا
وَتَرى الأَعزالَ مِن أَشياخِهِ
صَيَّروهُ بِسِلاحِ الحَقِّ غابا
قَسَماً لَولاهُ لَم يَبقَ بِها
رَجُلٌ يَقرَأُ أَو يَدري الكِتابا
حَفِظَ الدينَ مَلِيّاً وَمَضى
يُنقِذُ الدُنيا فَلَم يَملِك ذَهابا
أوذِيَت هَيبَتُهُ مِن عَجزِهِ
وَقُصارى عاجِزٍ أَن لا يُهابا
لَم تُغادِر قَلَماً في راحَةٍ
دَولَةٌ ما عَرَفَت إِلّا الحِرابا
أَقعَدَ اللَهُ الجَبرَتِيَّ لَها
قَلَماً عَن غائِبِ الأَقلامِ نابا
خَبَّأَ الشَيخُ لَها في رُدنِهِ
مِرقَماً أَدهى مِنَ الصِلِّ اِنسِيابا
مَلِكٌ لَم يُغضِ عَن سَيِّئَةٍ
يا لَهُ مِن مَلَكٍ يَهوى السِبابا
لا يَراهُ الظُلمُ في كاهِلِهِ
وَهوَ يَكوي كاهِلَ الظُلمِ عِقابا
صُحُفُ الشَيخِ وَيَومِيّاتُهُ
كَزَمانِ الشَيخِ سُقماً وَاِضطِرابا
مِن حَواشٍ كَجَليدٍ لَم يَذُب
وَفُصولٍ تُشبِهُ التِبرَ المُذابا
وَالجَبَرتِيُّ عَلى فِطنَتِهِ
مَرَّةً يَغبى وَحيناً يَتَغابى
مُنصِفٌ ما لَم يَرُض عاطِفَةً
أَو يُعالِجُ لِهَوى النَفسِ غِلابا
وَإِذا الحَيُّ تَوَلّى بِالهَوى
سيرَةَ الحَيِّ بَغى فيها وَحابى
وَقعَةُ الأَهرامِ جَلَّت مَوقِعاً
وَتَعالَت في المَغازي أَن تُرابا
عِظَةُ الماضي وَمُلقى دَرسِهِ
لِعُقولٍ تَجعَلُ الماضي مَثابا
مِن بَناتِ الدَهرِ إِلّا أَنَّها
تَنشُرُ الدَهرَ وَتَطويهِ كَعابا
وَمِنَ الأَيّامِ ما يَبقى وَإِن
أَمعَنَ الأَبطالُ في الدَهرِ اِحتِجابا
هِيَ مِن أَيِّ سَبيلٍ جِئتَها
غايَةٌ في المَجدِ لا تَدنو طِلابا
اُنظُرِ الشَرقَ تَجِدها صَرَّفَت
دَولَةَ الشَرقِ اِستِواءً وَاِنقِلابا
جَلَبَت خَيراً وَشَرّاً وَسَقَت
أُمَماً في مَهدِهِم شُهداً وَصابا
في نَصيبينَ لَبِسنا حُسنَها
وَعَلى التَلِّ لَبِسناها مَعابا
إِنَّ سِرباً زَحَفَ النَسرُ بِهِ
قَطَعَ الأَرضَ بِطاحاً وَهِضابا
إِن تَرامَت بَلَداً عِقبانُهُ
خَطَفَت تاجاً وَاِصطادَت عُقابا
شَهِدَ الجَيزِيُّ مِنهُم عُصبَةً
لَبِسوا الغارَ عَلى الغارِ اِغتِصابا
كَذِئابِ القَفرِ مِن طولِ الوَغى
وَاِختِلافِ النَقعِ لَوناً وَإِهابا
قادَهُم لِلفَتحِ في الأَرضِ فَتىً
لَو تَأَنّى حَظَّهُ قادَ الصَحابا
غَرَّتِ الناسَ بِهِ نَكبَتُهُ
جَمَعَ الجُرحُ عَلى اللَيثِ الذُبابا
بَرَزَت بِالمَنظَرِ الضاحي لَهُم
فَيلَقٌ كَالزَهرِ حُسناً وَاِلتِهابا
حُلِّيَ الفُرسانُ فيها جَوهَراً
وَجَلالُ الخَيلِ دُرّاً وَذَهابا
في سِلاحٍ كَحُلِيِّ الغيدِ ما
لَمَسَت طَعناً وَلا مَسَّت ضِرابا
طَرِحَت مِصرٌ فَكانَت مومِيا
بَينَ لِصَّينِ أَراداها جُذابا
نالَها الأَعرَضُ ظَفَراً مِنهُما
مِن ذِئابِ الحَربِ وَالأَطوَلُ نابا
وَبَنو الوادي رِجالاتُ الحِمى
وَقَفوا مِن ساقِهِ الجَيشَ ذُنابى
مَوقِفَ العاجِزِ مِن حِلفِ الوَغى
يَحرُسُ الأَحمالَ أَو يَسقي مُصابا

اهلا وسهلا بحاميها وفاديها

أهلا وسهلا بحاميها وفاديها
ومرحبا وسلاما يا عرابيها
وبالكرامة يامن راح يفضحها
ومقدم الخير يا من جاء يخزيها
وعد لها حين لا تغنى مدافعها
عن الزعيم ولا تجدى طوابيها
وارجع إليها فيا لله فاتحها
يوم الإياب ويا لله غازيها
وانزل على الطائر الميمون ساحتها
واجلس على تلّها وانعق بواديها
وبِض لها بيضة للنصر كافلة
إن الدجاج عقيم في نواحيها
واظلم صحيح البخارى كل أونة
ونم عن الحرب واقرأ في لياليها
وأخرج القوم من مصر بخارقة
تفوق فاشودة فيها وتنسيها
من العجائب صاروا من أحبتها
فيما زعمت وكانوا من أعاديها
كأن ما كان من حرب ومن حَرَب
عتب المودة لا يودى بصافيها
وضع عمامتك الخضراء من شرف
يعرفك كل جهول من أهاليها
وقصّ رؤياك مكذوبا بمضحكها
على النبيين مكذوبا بمبكيها
فلست تعدم عميا من أكابرها
ولست تعدم بكما من أعاليها
ولست تعدم وغدا من أسافلها
يزف للأمة البشرى ويهديها
ولست تعدم في الأجواد ذا سفه
يحصى الديون التي تشكو ويقضيها
قل للمَّلك أدورد أصبت غنى
عن الهنود وإرلندا وما فيها
هذا عرابي تمنى أن تقابله
وأن ينال يداً جلت أياديها
فمر بانكلترا تزجى فيالقها
وبالأساطيل تدوى في موانيها
ومر بلندرة تبدو بزينتها
وتنجلى للبرايا في مجاليها
فأين روبرس منه إذ ييمها
وأين سيمور منه إذ يوافيها
هذا الذي يعرف الافرنج صولته
والبر يعلمها والبحر يدريها
وسله بالله إن صافحت راحته
ما نفسه ما مناها ما مساعيها
وأين أيمانه اللاتي أشاد بها
أن لا يحكم فيها غير أهليها
وأين يموت عزيزا دون أربعها
ولا يعيش ذليلا في مغانيها
وقل له بلسان النيل توجعه
والنفس إن صغرت لا شئ يؤذيها
تلك العظام بلا قبر ولا كفن
لولاك لم يبل في العشرين باليها
فاقَر السلام عليها حين تندبها
وأمّل العفو منها حين تبكيها
وناجِها مرة في العمر واحدة
لو كان سهلا عليها أن تناجيها
أوردتها الموت لم تبلغ بها شرفا
ولا توخيت بالأوطان تنويها
وما رأت لك سيفا تستضىء به
يوم القتال ولا وجها يحييها
باتت يرى الموت فيها كيف يدركها
وبت تنظر مصرا كيف تأتيها
فأصبحت غنما مر الذئاب بها
ونام عنها غداة الروع راعيها
يا ابن الحسين حسين مات من ظمأ
وأنت محتفل بالنفس ترويها
تلك الأبوة ما هذى شمائلها
للعارفينَ ولا هذى معانيها
وأنت أصغر أن تعطى مفاخرها
وأنت أسمج أن تكسى معاليها
لم ينصر الله بالأحلام صاحبها
لكن بكل عوان كان يذكيها
والمواقف يغشاها مؤلّبة
والحوض يمنعه والخيل يحميها
أبوّة المصطفى ما زال يلبسها
حر قشيب شباب الفخر ضافيها
حتى تنازعها في مصر صبيتها
دعوى وحتى تردّتها غوانيها
وأصبحت لجبان القوم منقبة
وزينة لجهول القوم يبديها
هلا سبقت غداة التل ناعيها
على المنية مسرورا تلاقيها
هلا تكفنت في الهيجا برايتها
مثل الدراويش خانتها عواليها
ما زال جمعهم في الحرب ينشرها
حتى أتاها فناء الجمع يطويها
هلا أبيت على العافين عفوهم
لكي يقال أبىّ النفس عاليها
زعمت أنك أولى من أعزتها
بها وأحنى عليها من مواليها
وكنت تطرب إذ تتلى مدائحها
فأين دمعك إذ تتلى مراثيها

كان علي بعض الدروب جمل

كانَ عَلى بَعضِ الدُروبِ جَمَلُ
حَمَّلَهُ المالِكُ ما لا يُحمَلُ
فَقالَ يا لِلنَحسِ وَالشَقاءِ
إِن طالَ هَذا لَم يَطُل بَقائي
لَم تَحمِلِ الجِبالُ مِثلَ حِملي
أَظُنُّ مَولايَ يُريدُ قَتلي
فَجاءَهُ الثَعلَبُ مِن أَمامِه
وَكانَ نالَ القَصدَ مِن كَلامِه
فَقالَ مَهلاً يا أَخا الأَحمالِ
وَيا طَويلَ الباعِ في الجِمالِ
فَأَنتَ خَيرٌ مِن أَخيكَ حالا
لِأَنَّني أَتعَبُ مِنكَ بالا
كَأَنَّ قُدّامِيَ أَلفَ ديكِ
تَسأَلُني عَن دَمِها المَسفوكِ
كَأَنَّ خَلفي أَلفَ أَلفِ أَرنَبِ
إِذا نَهَضتُ جاذَبتني ذَنَبي
وَرُبَّ أُمٍّ جِئتُ في مُناخِها
فَجعتُها بِالفَتكِ في أَفراخِها
يَبعَثُني مِن مَرقَدي بُكاها
وَأَفتَحُ العَينَ عَلى شَكواها
وَقَد عَرَفتَ خافِيَ الأَحمالِ
فَاِصبِر وَقُل لِأُمَّةِ الجِمالِ
لَيسَ بِحملٍ ما يَمَلُّ الظَهرُ
ما الحِملُ إِلّا ما يُعاني الصَدرُ

تامل في الوجود وكن لبيبا

تأمل في الوجود وكن لبيبا
وقم في العالمين فقل خطيبا
بفوز جنودنا الفوز العجيبا
بعيد الفتح قد أضحى قريبا
لقينا في الزريبة يوم نصر
كيوم التل في تاريخ مصر
يهيئ للبلاد جديد عصر
ويكفيها القلاقل والخطوبا
فقم من طول نومك والغرور
وخذ بالحزن أو خذ بالسرور
فعار صرف همك عن أمور
ستأخذ من عواقبها نصيبا
بعثنا للدراويش السرايا
تصب على رؤوسهم المنايا
فجاءهم عذاب الله آيا
كما قد جاء قبلهم الشعوبا
وكم من قبل قد عادوا وعدنا
وكم مال على هذا أبدنا
وجيش إثر جيش قد فقدنا
وكان القائد النحس الغريبا
إلى أن قد مضى زمن التخلى
وصار الجوّ أصلح للتجلى
قصدناهم على ذاك المحل
وكان الفخ مكسيم المذيبا
فما للقطر لا يغدو فخورا
ولندن لا تجاوبه سرورا
أرى الجيشين قد ظهرا ظهورا
على غنم الزريبة لن يريبا
وروتر من ذهول لا يخبى
يباهي الأرض في شرق وغرب
بمن يزجي الجيوش ومن يعبى
ومن يسترجع القطر الخصيبا
بسردار البلاد ولا أبالي
إذا ما قلت كتشنر المعالي
سقى السودان أى دم ومال
ولم يبرح بعلته طبيبا
لبثنا في التناوش نحو شهر
والاستطلاع من نهر لنهر
وأتياس الزريبة ليس تدرى
بأن قد حيرت أسدا وذيبا
ظنناها أعزّ من السحاب
وأمنع في الطوابي من عُقاب
فجئناها بألوية صعاب
وجندنا الجنود لها ضروبا
بسود كانت الوثبات منها
وبيض لا تسل في الحرب عنها
وحمر لاقت الأعداء وجها
فكانت سهم راميها المصيبا
طلعنا والصباح على الطوابي
بنار من جهنم لا تحابي
ملكنا منهم قمم الروابي
وماء النهر والغاب الرهيبا
رأونا قبل ما رأوا النهارا
فهبوا من مراقدهم حيارى
فكنا الموت وافاهم جهارا
وهبت ريحه فيهم هبوبا
رصاص لا يغيض ولا يغيب
بعيد في مقاصده قريب
كأن مسيله مطر يصوب
ولكن نقمة وردىً صبيبا
دككنا حصنهم حرقا وكسرا
وأفنيناهم قتلا وأسرا
أخذنا العرش من محمود قسرا
وقد بل الأمير العنقريبا
نعم فتح رعاه الله فتحا
وقتلى هم له ثمن وجرحى
ومال طائل أصلا وربحا
بذلناه ولم نخش الرقيبا
ولكن ما وراءك يا عصام
وبعد الحرب ما يأتي السلام
فليت هياكلا درست تقام
فأسألها وأطمع أن تجيبا
بلى إن الحقيقة قد تجلت
وإن تك بالزخارف قد تحلت
تولى عزنا الماضي وولت
بلاد الله سودانا ونوبا
فيا سردار مصر لك الأيادي
فأنت لها المعين على الأعادى
وكل الناس بل كل البلاد
لسان بالثناء غدا رطيبا
فخذ من مالها حتى الوجودا
وجنِّد كيفما شئت الجنودا
وأنَّى شئت ضع منها الحدودا
شمالا في البسيطة أو جنوبا
فها لَكَ في الحدود اليوم رجل
وفي الخرطوم أخرى سوف تعلو
لأن السعد للقدمين نعل
ومن ذا يغلب السعد الغلوبا

فيم ابتسامك للدنيا وغايتها

فيم ابتسامك للدنيا وغايتها
ترد كل محب عنك منتحيا
وما اتساعك منها بعد ما حسبت
عليك ضيقة الأجداث منقلبا
كم صاحب لبدور الأرض فارقهم
لم يحص من حشرات الأرض ما صحبا
وناعم كان يُؤذى من غِلالته
تالَّف الدود والأكفان والتربا
لا يعرف العيش حتى ينقضى فنرى
صدق الحياة بعين الموت والكذبا
كل الحقائق فيها الشك محتمل
إلا المنية تأبى الشك والريبا
وما رأيت على علمي وتجربتي
كالموت جدا ولا ما قبله لعبا
ما مات من أودع الدنيا عظيم نبا
ولا قضى من قضى للمجد ما وجبا
وما استوى المرء يطوى ذكره معه
وذاهب فضله في الناس ما ذهبا
فإن مررت على الدنيا فمرَّ فتى
ولا تمرنّ مثل الأكثرين هبا
فالخلد صفنان خلد الناس بعدهم
بالذكر والخلد عند الله مرتقبا
أبكى رفاعة أبكى العلم والأدبا
أبكى المروءة والفضل الذي احتجبا
أبكى القوافي كضوء الشمس سائرة
ابكى المحابر والأقلام والكتبا
ابكى الأحاديث تجرى كلها ادبا
ابكى البلاغة ابكى بعدك العربا
يا ابن الذي بعثت مصرا معارفه
ابوك كان لأبناء البلاد ابا
اتيتما وظلام الجهل يملؤها
كالشمس والبدر لا ادعو كما الشهبا
تربيان لها الأبناء صالحة
وتخرجان حماة الدولة النخبا
والشكر اولى واحرى في الشعوب به
من يمطر العلم ممن يمطر الذهبا
قال النعاة قضى خير الكرام ابا
فقلت إن شاء ربى خيرهم عقبا
لا يهدم الله بيتا أُسه شرف
مدت له يده من فضله طنبا