يا راكب الريح حي النيل والهرما

يا راكِبَ الريحِ حَيِّ النيلَ وَالهَرَما
وَعَظِّمِ السَفحَ مِن سيناءَ وَالحَرَما
وَقِف عَلى أَثَرٍ مَرَّ الزَمانُ بِهِ
فَكانَ أَثبَتَ مِن أَطوادِهِ قِمَما
وَاِخفِض جَناحَكَ في الأَرضِ الَّتي حَمَلَت
موسى رَضيعاً وَعيسى الطُهرَ مُنفَطِما
وَأَخرَجَت حِكمَةَ الأَجيالِ خالِدَةً
وَبَيَّنَت لِلعِبادِ السَيفَ وَالقَلَما
وَشُرِّفَت بِمُلوكٍ طالَما اِتَّخَذوا
مَطِيَّهُم مِن مُلوكِ الأَرضِ وَالخَدَما
هَذا فَضاءٌ تُلِمُّ الريحُ خاشِعَةً
بِهِ وَيَمشي عَلَيهِ الدَهرُ مُحتَشِما
فَمَرحَباً بِكُما مِن طالِعينَ بِهِ
عَلى سِوى الطائِرِ المَيمونِ ما قَدِما
عادَ الزَمانُ فَأَعطى بَعدَما حَرَما
وَتابَ في أُذُنِ المَحزونِ فَاِبتَسَما
فَيا رَعى اللَهُ وَفداً بَينَ أَعيُنِنا
وَيَرحَمُ اللَهُ ذاكَ الوَفدُ ما رَحِما
هُم أَقسَموا لِتَدينَنَّ السَماءُ لَهُم
وَاليَومَ قَد صَدَّقوا في قَبرِهِم قَسَما
وَالناسُ باني بِناءٍ أَو مُتَمِّمُهُ
وَثالِثٌ يَتَلافى مِنهُ ما اِنهَدَما
تَعاوُنٌ لا يُحِلُّ المَوتُ عُروَتَهُ
وَلا يُرى بِيَدِ الأَرزاءِ مُنفَصِما
يا صاحِبي أَدرَميدٍ حَسبُها شَرَفاً
أَنَّ الرِياحَ إِلَيها أَلقَتِ اللُجُما
وَأَنَّها جاوَزَت في القُدسِ مِنطَقَةً
جَرى البِساطُ فَلَم يَجتَز لَها حَرَما
مَشَت عَلى أُفقٍ مَرَّ البُراقُ بِهِ
فَقَبَّلَت أَثَراً لِلخُفِّ مُرتَسِما
وَمَسَّحَت بِالمُصَلّى فَاِكتَسَت شَرَفاً
وَبِالمَغارِ المُعَلّى فَاِكتَسَت عِظَما
وَكُلَّما شاقَها حادٍ عَلى أُفُقٍ
كانَت مَزاميرُ داوُدٍ هِيَ النَغَما
جَشَّمتُماها مِنَ الأَهوالِ أَربَعَةً
الرَعدَ وَالبَرقَ وَالإِعصارَ وَالظُلَما
حَتّى حَوَتها سَماءُ النيلِ فَاِنحَدَرَت
كَالنَسرِ أَعيا فَوافى الوَكرَ فَاِعتَصَما
يا آلَ عُثمانَ أَبناءَ العُمومَةِ هَل
تَشكونَ جُرحاً وَلا نَشكو لَهُ أَلَما
إِذا حَزِنتُم حَزِنّا في القُلوبِ لَكُم
كَالأُمِّ تَحمِلُ مِن هَمِّ اِبنِها سَقَما
وَكَم نَظَرنا بِكُم نُعمى فَجَسَّمَها
لَنا السُرورُ فَكانَت عِندَنا نِعَما
وَنَبذُلُ المالَ لَم نُحمَل عَلَيهِ كَما
يَقضي الكَريمُ حُقوقَ الأَهلِ وَالذِمَما
صَبراً عَلى الدَهرِ إِن جَلَّت مَصائِبُهُ
إِنَّ المَصائِبَ مِمّا يوقِظُ الأُمَما
إِذا المُقاتِلُ مِن أَخلاقِهِم سَلَمَت
فَكُلُّ شَيءٍ عَلى آثارِها سَلَما
وَإِنَّما الأُمَمُ الأَخلاقُ ما بَقِيَت
فَإِن تَوَلَّت مَضَوا في إِثرِها قُدُما
نِمتُم عَلى كُلِّ ثارٍ لا قَرارَ لَهُ
وَهَل يَنامُ مُصيبٌ في الشُعوبِ دَما
فَنالَ مِن سَيفِكُم مَن كانَ ساقِيَهُ
كَما تَنالُ المُدامُ الباسِلَ القَدَما
قالَ العَذولُ خَرَجنا في مَحَبَّتِكُم
مِنَ الوَقارِ فَيا صِدقَ الَّذي زَعَما
فَما عَلى المَرءِ في الأَخلاقِ مِن حَرَجٍ
إِذا رَعى صِلَةً في اللَهِ أَو رَحِما
وَلَو وَهَبتُم لَنا عُليا سِيادَتِكُم
ما زادَنا الفَضلُ في إِخلاصِنا قُدُما
نَحنو عَلَيكُم وَلا نَنسى لَنا وَطَناً
وَلا سَريراً وَلا تاجاً وَلا عَلَما
هَذي كَرائِمُ أَشياءِ الشُعوبِ فَإِن
ماتَت فَكُلُّ وُجودٍ يُشبِهُ العَدَما

نجا وتماثل ربانها

نَجا وَتَماثَلَ رُبّانُها
وَدَقَّ البَشائِرَ رُكبانُها
وَهَلَّلَ في الجَوِّ قَيدومُها
وَكَبَّرَ في الماءِ سُكّانُها
تَحَوَّلَ عَنها الأَذى وَاِنثَنى
عُبابُ الخُطوبِ وَطوفانُها
نَجا نوحُها مِن يَدِ المُعتَدي
وَضَلَّ المُقاتِلَ عُدوانُها
يَدٌ لِلعِنايَةِ لا يَنقَضي
وَإِن نَفَدَ العُمرُ شُكرانُها
وَقى الأَرضَ شَرَّ مَقاديرِهِ
لَطيفُ السَماءِ وَرَحمانُها
وَنَجّى الكِنانَةَ مِن فِتنَةٍ
تَهَدَّدَتِ النيلَ نيرانُها
يَسيلُ عَلى قَرنِ شَيطانِها
عَقيقُ الدِماءِ وَعِقيانِها
فَيا سَعدُ جُرحُكَ ساءَ الرِجالَ
فَلا جُرِحَت فيكَ أَوطانُها
وَقَتكَ العِنايَةُ بِالراحَتَينِ
وَطَوَّقَ جيدَكَ إِحسانُها
مَنايا أَبى اللَهُ إِذ ساوَرَتكَ
فَلَم يَلقَ نابَيهِ ثُعبانُها
حَوَت دَمَكَ الأَرضُ في أَنفِها
زَكِيّاً كَأَنَّكَ عُثمانُها
وَرَقَّت لِآثارِهِ في القَميصِ
كَأَنَّ قَميصَكَ قُرآنُها
وَريعَت كَما ريعَتِ الأَرضُ فيكَ
نَواحي السَماءِ وَأَعنانُها
وَلَو زُلتَ غُيَّبَ عَمرُو الأُمورِ
وَأَخلى المَنابِرَ سَحبانُها
رَماكَ عَلى غِرَّةٍ يافِعٌ
مُثارُ السَريرَةِ غَضبانُها
وَقِدماً أَحاطَت بِأَهلِ الأُمورِ
مُيولُ النُفوسِ وَأَضغانُها
تَلَمَّسَ نَفسَكَ بَينَ الصُفوفِ
وَمِن دونِ نَفسِكَ إيمانُها
يُريدُ الأُمورَ كَما شاءَها
وَتَأبى الأُمورُ وَسُلطانُها
وَعِندَ الَّذي قَهَرَ القَيصَرَينِ
مَصيرُ الأُمورِ وَأَحيانُها
وَلَو لَم يُسابِق دُروسَ الحَياةِ
لَبَصَّرَهُ الرُشدَ لُقمانُها
فَإِنَّ اللَيالي عَلَيها يَحولُ
شُعورُ النُفوسِ وَوُجدانُها
وَيَختَلِفُ الدَهرُ حَتّى يَبينَ
رُعاةُ العُهودِ وَخُوّانُها
أَرى مِصرَ يَلهو بِحَدِّ السِلاحِ
وَيَلعَبُ بِالنارِ وِلدانُها
وَراحَ بِغَيرِ مَجالِ العُقولِ
يُجيلُ السِياسَةَ غُلمانُها
وَما القَتلُ تَحيا عَلَيهِ البِلادُ
وَلا هِمَّةُ القَولِ عُمرانُها
وَلا الحُكمُ أَن تَنقَضي دَولَةٌ
وَتُقبِلَ أُخرى وَأَعوانُها
وَلَكِن عَلى الجَيشِ تَقوى البِلادُ
وَبِالعِلمِ تَشتَدُّ أَركانُها
فَأَينَ النُبوغُ وَأَينَ العُلومُ
وَأَينَ الفُنونُ وَإِتقانُها
وَأَينَ مِن الخُلقِ حَظُّ البِلادِ
إِذا قَتَلَ الشيبَ شُبّانُها
وَأَينَ مِنَ الرِبحِ قِسطُ الرِجالِ
إِذا كانَ في الخُلقِ خُسرانُها
وَأَينَ المُعَلِّمُ ما خَطبُهُ
وَأَينَ المَدارِسُ ما شَأنُها
لَقَد عَبَثَت بِالنِياقِ الحُداةُ
وَنامَ عَنِ الإِبلِ رُعيانُها
إِلى الخُلقِ أَنظُرُ فيما أَقولُ
وَتَأخُذُ نَفسِيَ أَشجانُها
وَيا سَعدُ أَنتَ أَمينُ البِلادِ
قَدِ اِمتَلَأَت مِنكَ أَيمانُها
وَلَن تَرتَضي أَن تُقَدَّ القَناةُ
وَيُبتَرَ مِن مِصرَ سودانُها
وَحُجَّتُنا فيهِما كَالصَباحِ
وَلَيسَ بِمُعييكَ تِبيانُها
فَمِصرُ الرِياضُ وَسودانُها
عُيونُ الرِياضِ وَخُلجانُها
وَما هُوَ ماءٌ وَلَكِنَّهُ
وَريدُ الحَياةِ وَشِريانُها
تُتَمِّمُ مِصرَ يَنابيعُهُ
كَما تَمَّمَ العَينَ إِنسانُها
وَأَهلوهُ مُنذُ جَرى عَذبُهُ
عَشيرَةُ مِصرَ وَجيرانُها
وَأَمّا الشَريكُ فَعِلّاتُهُ
هِيَ الشَرِكاتُ وَأَقطانُها
وَحَربٌ مَضَت نَحنُ أَوزارُها
وَخَيلٌ خَلَت نَحنُ فُرسانُها
وَكَم مَن أَتاكَ بِمَجموعَةٍ
مِنَ الباطِلِ الحَقُّ عُنوانُها
فَأَينَ مِنَ المَنشِ بَحرُ الغَزالِ
وَفَيضُ نِيانزا وَتَهتانُها
وَأَينَ التَماسيحُ مِن لُجَّةٍ
يَموتُ مِنَ البَردِ حيتانُها
وَلَكِن رُؤوسٌ لِأَموالِهِم
يُحَرِّكُ قَرنَيهِ شَيطانُها
وَدَعوى القَوِيِّ كَدَعوى السِباعِ
مِنَ النابِ وَالظُفرِ بُرهانُها

الم عصفور بمجري صاف

أَلَمَّ عُصفورٌ بِمَجرىً صافِ
قَد غابَ تَحتَ الغابِ في الأَلفافِ
يَسقي الثَرى مِن حَيثُ لا يَدري الثَرى
خَشيَةَ أَن يُسمَعَ عَنهُ أَو يُرى
فَاِغتَرَفَ العُصفورُ مِن إِحسانِهِ
وَحَرَّكَ الصَنيعُ مِن لِسانِهِ
فَقالَ يا نورَ عُيونِ الأَرضِ
وَمُخجِلَ الكَوثَرِ يَومَ العَرضِ
هَل لَكَ في أَن أَرشِدَ الإِنسانا
لِيَعرِفَ المَكانَ وَالإِمكانا
فَيَنظُرَ الخَيرَ الَّذي نَظَرتُ
وَيَشكُرَ الفَضلَ كَما شَكَرتُ
لَعَلَّ أَن تُشهَرَ بِالجِميلِ
وَتُنسِيَ الناسَ حَديثَ النيلِ
فَاِلتَفَتَ الغَديرُ لِلعُصفورِ
وَقالَ يُهدي مُهجَةَ المَغرورِ
يا أَيُّها الشاكِرُ دونَ العالَمِ
أَمَّنَكَ اللَهُ يَدَ اِبنِ آدَمِ
النيلُ فَاِسمَع وَاِفهَمِ الحَديثا
يُعطي وَلَكِن يَأخُذُ الخَبيثا
مِن طولِ ما أَبصَرَهُ الناسُ نُسي
وَصارَ كُلُّ الذِكرِ لِلمُهَندِسِ
وَهَكَذا العَهدُ بِوُدِّ الناسي
وَقيمَةُ المُحسِنِ عِندَ الناسِ
وَقَد عَرَفتَ حالَتي وَضِدَّها
فَقُل لِمَن يَسأَلُ عَنّي بَعدَها
إِن خَفِيَ النافِعُ فَالنَفعُ ظَهَر
يا سَعدَ مَن صافى وَصوفي وَاِستَتَر

اشرقت حلوان

أشرقت حلوان
بابن محييها
بعلىّ الشان
بدر ناديها
زارها الغيث
مذ بدا فيها
وأتى الغوث
لأهاليها
يا شقيق المجد
يا أخا الأفضال
أنت نجم السعد
في سما الإقبال
جاهك الجاه
والرعاية غال
صانك الله
وأدام الآل

قصر الاعزة ما اعز حماكا

قَصرَ الأَعِزَّةِ ما أَعَزَّ حِماكا
وَأَجَلَّ في العَلياءِ بَدرَ سَماكا
تَتَساءَلُ العربُ المُقَدَّسُ بَيتُها
أَأُعيدَ باني رُكنِهِ فَبَناكا
وَتَقولُ إِذ تَأتيكَ تَلتَمِسُ الهُدى
سِيّانِ هَذا في الجَلالِ وَذاكا
يا مُلتَقى القَمَرَينِ ما أَبهاكَ بَل
يا مَجمَعَ البَحرَينِ ما أَصفاكا
إِنَّ الأَمانَةَ وَالجَلالَةَ وَالعُلا
في هالَةٍ دارَت عَلى مَغناكا
ما العِزُّ إِلّا في ثَرى القَدَمِ الَّتي
حَسَدَت عَلَيها النَيِّراتُ ثَراكا
يا سادِسَ الأُمَراءِ مِن آبائِهِ
ما لِلإِمارَةِ مَن يُعَدُّ سِواكا
التُركُ تَقرَأُ بِاِسمِ جَدِّكَ في الوَغى
وَالعُربُ تَذكُرُ في الكِتابِ أَباكا
نَسَبٌ لَوِ اِنتَمَتِ النُجومُ لِعِقدِهِ
لَتَرَفَّعَت أَن تَسكُنَ الأَفلاكا
شَرَفاً عَزيزَ العَصرِ فُتَّ مُلوكَهُ
فَضلاً وَفاتَ بَنيهمُ نَجلاكا
لَكَ جَنَّةُ الدُنيا وَكَوثَرُها الَّذي
يَجري بِهِ في المُلكِ شَرطُ غِناكا
وَلَكَ المَدائِنُ وَالثُغورُ مَنيعَةً
في مَجمَعِ البَحرَينِ تَحتَ لِواكا
مُلكٌ رَعَيتَ اللَهَ فيهِ مُؤَيَّداً
بِاِسمِ النَبِيِّ مُوَفَّقاً مَسعاكا
فَأَقَمتَ أَمراً يا أَبا العَبّاسِ مَأ
مونَ السَبيلِ عَلى رَشيدِ نُهاكا
إِن يَعرِضوهُ عَلى الجِبالِ تَهُن لَهُ
وَهِيَ الجِبالُ فَما أَشَدَّ قُواكا
بِسِياسَةٍ تَقِفُ العُقولُ كَليلَةً
لا تَستَطيعُ لِكُنهِها إِدراكا
وَبِحِكمَةٍ في الحُكمِ تَوفيقِيَّةٍ
لَكَ يَقتَفي فيها الرِجالُ خُطاكا
مَولايَ عيدُ الفِطرِ صُبحُ سُعودِهِ
في مِصرَ أَسفَرَ عَن سَنا بُشراكا
فَاِستَقبِلِ الآمالَ فيهِ بَشائِراً
وَأَشائِراً تُجلى عَلى عَلياكا
وَتَلَقَّ أَعيادَ الزَمانِ مُنيرَةً
فَهَناؤُهُ ما كانَ فيهِ هَناكا
أَيّامُكَ الغُرُّ السَعيدَةُ كُلُّها
عيدٌ فَعيدُ العالَمينَ بَقاكا
فَليَبقَ بَيتُكَ وَليَدُم ديوانُهُ
وَليَحيَ جُندُكَ وَلتَعِش شوراكا
وَليَهنِني بِكَ كُلُّ يَومٍ أَنَّني
في أَلفِ عيدٍ مِن سُعودِ رِضاكا
ياأَيُّها المَلِكُ الأَريبُ إِلَيكَها
عَذراءَ هامَت في صِفاتِ عُلاكا
فَطَوَت إِلَيكَ البَحرَ أَبيَضَ نِسبَةً
لِنَظيرِهِ المَورودِ مِن يُمناكا
قَدِمَت عَلى عيدٍ لِبابِكَ بَعدَما
قَدِمَت عَلَيَّ جَديدَةً نُعماكا
أَوَ كُلَّما جادَت نَداكَ رَوِيَّتي
سَبَقَت ثَنايَ بِالارتِجالِ يَداكا
أَنتَ الغَنِيُّ عَنِ الثَناءِ فَإِن تُرِد
ما يُطرِبُ المَلِكَ الأَديبَ فَهاكا

غزالة مرت علي اتان

غَزالَةٌ مَرَّت عَلى أَتانِ
تُقَبِّلُ الفَطيمَ في الأَسنانِ
وَكانَ خَلفَ الظَبيَةِ اِبنُها الرَشا
بِوُدِّها لَو حَمَلتهُ في الحَشا
فَفَعَلَت بِسَيِّدِ الصِغارِ
فِعلَ الأَتانِ بِاِبنِها الحِمارِ
فَأَسرَعَ الحِمارُ نَحوَ أُمِّهِ
وَجاءَها وَالضِحكُ مِلءُ فَمِهِ
يَصيحُ يا أُمّاهُ ماذا قَد دَها
حَتّى الغَزالَةُ اِستَخَفَّتِ اِبنَها

يا ناثرا حكما في الناس بالغة

يا ناثرا حكما في الناس بالغة
وفَّيت ركن الهوى شرحا وتبيانا
لكن أثرت على العشاق عاصفة
جرت عليهم من التذكار أشجانا
إن البلابل ما تشدو يهيم بها
قلب المحب فيجرى الدمع هتّانا

اوحت لطرفك فاستهل شؤونا

أَوحَت لِطَرفِكَ فَاِستَهَلَّ شُؤونا
دارٌ مَرَرتَ بِها عَلى قَيسونا
غاضَت بَشاشَتُها وَقَضَّت شَملَها
دُنيا تَغُرُّ السادِرَ المَفتونا
نَزَلَت عَوادِيَ الدَهرِ في ساحاتِها
وَأَقَلَّ رَفرَفِها الخُطوبَ العونا
فَتَكادُ مِن أَسَفٍ عَلى آسي الحِمى
مِن كُلِّ ناحِيَةٍ تَثورُ شُجونا
تِلكَ العِيادَةُ لَم تَكُن عَبَثاً وَلا
شَرَكاً لِصَيدِ مَآرِبٍ وَكَمينا
دارُ اِبنِ سينا نُزِّهَت حُجُراتُها
عَن أَن تَضُمَّ ضَلالَةً وَمُجونا
خَبَتِ المَطالِعُ مِن أَغَرِّ مُؤَمَّلٍ
كَالفَجرِ ثَغراً وَالصَباحِ جَبينا
وَمِنَ الوُفودِ كَأَنَّهُم مِن حَولِهِ
مَرضى بِعيسى الروحِ يَستَشفونا
مَثَلٌ تَصَوَّرَ مِن حَياةٍ حُرَّةٍ
لِلنَشءِ يَنطِقُ في السُكوتِ مُبينا
لَم تُحصَ مِن عَهدِ الصِبا حَرَكاتُهُ
وَتَخالُهُنَّ مِنَ الخُشوعِ سُكونا
جَمَحَت جِراحُ المُعوِزينَ وَأَعضَلَت
أَدواؤُهُم وَتَغَيَّبَ الشافونا
ماتَ الجَوادُ بِطِبِّهِ وَبِأَجرِهِ
وَلَرُبَّما بَذَلَ الدَواءَ مُعينا
وَتَجُسُّ راحَتُهُ العَليلَ وَتارَةً
تَكسو الفَقيرَ وَتُطعِمُ المِسكينا
أَدّى أَمانَةَ عِلمِهِ وَلَطالَما
حَمَلَ الصَداقَةَ وافِياً وَأَمينا
وَقَضى حُقوقَ الأَهلِ يُحسِنُ تارَةً
بِأَبيهِ أَو يَصِلُ القَرابَةَ حينا
خُلُقٌ وَدينٌ في زَمانٍ لا نَرى
خُلُقاً عَلَيهِ وَلا تُصادِفُ دينا
أَمُداوِيَ الأَرواحِ قَبلَ جُسومِها
قُم داوِ فيكَ فُؤادِيَ المَحزونا
رَوِّح بِلَفظِكَ كُلَّ روحِ مُعَذَّبٍ
حَيرانَ طارَ بِلُبِّهِ الناعونا
قَد كالَ لِلقَدَرِ العِتابَ وَرُبَّما
ظَنَّ المُدَلَّهُ بِالقَضاءِ ظُنونا
داوَيتَ كُلَّ مُحَطَّمٍ فَشَفَيتَهُ
وَنَسيتَ داءً في الضُلوعِ دَفينا
كَبِدٌ عَلى دَمِها اِتَّكَأتَ وَلَحمِها
فَحَمَلتَ هَمَّ المُسلِمينَ سِنيا
ظَلَّت وَراءَ الحَربِ تَشقى بِالنَوى
وَتَذوبُ لِلوَطَنِ الكَريمِ حَنينا
ناصَرتَ في فَجرِ القَضِيَّةِ مُصطَفى
فَنَصَرتَ خُلُقاً في الشَبابِ مَتينا
أَقدَمتَ في العِشرينَ تَحتَ لِوائِهِ
وَرَوائِعُ الإِقدامِ في العِشرينا
لَم تَبغِ دُنيا طالَما أَغضى لَها
حُمسُ الدُعاةِ وَطَأطَؤوا العِرنينا
رُحماكَ يوسُفُ قِف رِكابَكَ ساعَةً
وَاِعطِف عَلى يَعقوبَ فيهِ حَزينا
لَم يَدرِ خَلفَ النَعشِ مِن حَرِّ الجَوى
أَيَشُقُّ جَيباً أَم يَشُقُّ وَتينا
ساروا بِمُهجَتِهِ فَحُمِّلَ ثُكلَها
وَقَضَوا بِعائِلِهِ فَمالَ غَبينا
أَتَعودُ في رَكبِ الرَبيعِ إِذا اِنثَنى
بَهِجاً يَزُفُّ الوَردَ وَالنِسرينا
هَيهاتَ مِن سَفَرِ المَنِيَّةِ أَوبَةٌ
حَتّى يُهيبَ الصُبحُ بِالسارينا
وَيُقالُ لِلأَرضِ الفَضاءِ تَمَخَّضي
فَتَرُدُّ شَيخاً أَو تَمُجُّ جَنينا
اللَهُ أَبقى أَينَ مِن جَسَدي يَدٌ
لَم أَنسَ رِفقَ بَنانِها وَاللينا
حَتّى تَمَثَّلَتِ العِنايَةُ صورَةً
تومي بِراحٍ أَو تُجيلُ عُيونا
فَجَرَرتُ جُثماني وَهانَت كُربَةٌ
لَولا اِعتِناؤُكَ لَم تَكُن لِتَهونا
إِنَّ الشِفاءَ مِنَ الحَياةِ وَعَونِها
ما كانَ آسَ بِالشِفاءِ ضَمينا
وَاليَومَ أَرتَجِلُ الرِثاءَ وَأَنزَوي
في مَأتَمٍ أَبكي مَعَ الباكينا
سُبحانَ مَن يَرِثُ الطَبيبَ وَطِبِّهِ
وَيُري المَريضَ مَصارِعَ الآسينا

الله يحكم في المدائن والقري

اللَهُ يَحكُمُ في المَدائِنِ وَالقُرى
يا ميتَ غَمرَ خُذي القَضاءَ كَما جَرى
ما جَلَّ خَطبٌ ثُمَّ قيسَ بِغَيرِهِ
إِلّا وَهَوَّنَهُ القِياسُ وَصَغَّرا
فَسَلي عَمورَةَ أَو سدونَ تَأَسِّياً
أَو مَرتَنيقَ غَداةَ وُورِيَتِ الثَرى
مُدنٌ لَقينَ مِنَ القَضاءِ وَنارِهِ
شَرَراً بِجَنبِ نَصيبِها مُستَصغَرا
هَذي طُلولُكِ أَنفُساً وَحِجارَةً
هَل كُنتِ رُكناً مِن جَهَنَّمَ مُسعَرا
قَد جِئتُ أَبكيها وَآخُذُ عِبرَةً
فَوَقَفتُ مُعتَبِراً بِها مُستَعبِرا
أَجِدُ الحَياةَ حَياةَ دَهرٍ ساعَةً
وَأَرى النَعيمَ نَعيمَ عُمرٍ مُقصِرا
وَأَعُدُّ مِن حَزمِ الأُمورِ وَعَزمِها
لِلنَفسِ أَن تَرضى وَأَلّا تَضجَرا
ما زِلتُ أَسمَعُ بِالشَقاءِ رِوايَةً
حَتّى رَأَيتُ بِكِ الشَقاءَ مُصَوَّرا
فَعَلَ الزَمانُ بِشَملِ أَهلِكِ فِعلَهُ
بِبَني أُمَيَّةَ أَو قَرابَةِ جَعفَرا
بِالأَمسِ قَد سَكَنوا الدِيارَ فَأَصبَحوا
لا يَنظُرونَ وَلا مَساكِنُهُم تُرى
فَإِذا لَقيتَ لَقيتَ حَيّاً بائِساً
وَإِذا رَأَيتَ رَأَيتَ مَيتاً مُنكَرا
وَالأُمَّهاتُ بِغَيرِ صَبرٍ هَذِهِ
تَبكي الصَغيرَ وَتِلكَ تَبكي الأَصغَرا
مِن كُلِّ مودِعَةِ الطُلولِ دُموعَها
مِن أَجلِ طِفلٍ في الطُلولِ اِستَأخَرا
كانَت تُؤَمِّلُ أَن تَطولَ حَياتُهُ
وَاليَومَ تَسأَلُ أَن يَعودَ فَيُقبَرا
طَلَعَت عَلَيكِ النارُ طَلعَةَ شُؤمِها
فَمَحَتكِ آساساً وَغَيَّرَتِ الذُرا
مَلَكَت جِهاتِكِ لَيلَةً وَنَهارَها
حَمراءَ يَبدو المَوتُ مِنها أَحمَرا
لا تَرهَبُ الطوفانَ في طُغيانِها
لَو قابَلَتهُ وَلا تَهابُ الأَبحُرا
لَو أَنَّ نيرونُ الجَمادَ فُؤادُهُ
يُدعى لِيَنظُرَها لَعافَ المَنظَرا
أَو أَنَّهُ اِبتُلِيَ الخَليلُ بِمِثلِها
أَستَغفِرُ الرَحمَنَ وَلّى مُدبِرا
أَو أَنَّ سَيلاً عاصِمٌ مِن شَرِّها
عَصَمَ الدِيارَ مِنَ المَدامِعِ ما جَرى
أَمسى بِها كُلُّ البُيوتِ مُبَوَّباً
وَمُطَنَّباً وَمُسَيَّجاً وَمُسَوَّرا
أَسَرَتهُمو وَتَمَلَّكَت طُرُقاتِهِم
مَن فَرَّ لَم يَجِدِ الطَريقَ مُيَسَّرا
خَفَّت عَلَيهِم يَومَ ذَلِكَ مَورِداً
وَأَضَلَّهُم قَدَرٌ فَضَّلوا المَصدَرا
حَيثُ اِلتَفَتَّ تَرى الطَريقَ كَأَنَّها
ساحاتُ حاتِمَ غِبَّ نيرانِ القِرى
وَتَرى الدَعائِمَ في السَوادِ كَهَيكَلٍ
خَمَدَت بِهِ نارُ المَجوسِ وَأَقفَرا
وَتَشَمُّ رائِحَةَ الرُفاتِ كَريهَةً
وَتَشَمُّ مِنها الثاكِلاتُ العَنبَرا
كَثُرَت عَلَيها الطَيرُ في حَوماتِها
يا طَيرُ كُلُّ الصَيدِ في جَوفِ الفَرا
هَل تَأمَنينَ طَوارِقَ الأَحداثِ أَن
تَغشى عَلَيكِ الوَكرَ في سِنَةِ الكَرى
وَالناسُ مِن داني القُرى وَبَعيدِها
تَأتي لِتَمشِيَ في الطُلولِ وَتَخبُرا
يَتَساءَلونَ عَنِ الحَريقِ وَهَولِهِ
وَأَرى الفَرائِسَ بِالتَساؤُلِ أَجدَرا
يا رَبِّ قَد خَمَدَت وَلَيسَ سِواكَ مَن
يُطفي القُلوبَ المُشعَلاتِ تَحَسُّرا
فَتَحوا اِكتِتاباً لِلإِعانَةِ فَاِكتَتِب
بِالصَبرِ فَهوَ بِمالِهِم لا يُشتَرى
إِن لَم تَكُن لِلبائِسينَ فَمَن لَهُم
أَو لَم تَكُن لِلّاجِئينَ فَمَن تَرى
فَتَوَلَّ جَمعاً في اليَبابِ مُشَتَّتاً
وَاِرحَم رَميماً في التُرابِ مُبَعثَرا
فَعَلَت بِمِصرَ النارُ ما لَم تَأتِهِ
آياتُكَ السَبعُ القَديمَةُ في الوَرى
أَوَ ما تَراها في البِلادِ كَقاهِرٍ
في كُلِّ ناحِيَةٍ يُسَيِّرُ عَسكَرا
فَاِدفَع قَضاءَكَ أَو فَصَيِّر نارَهُ
بَرداً وَخُذ بِاللُطفِ فيما قُدِّرا
مُدّوا الأَكُفَّ سَخِيَّةً وَاِستَغفِري
يا أُمَّةً قَد آنَ أَن تَستَغفِرا
أَولى بِعَطفِ الموسِرينَ وَبِرِّهِم
مَن كانَ مِثلَهُمو فَأَصبَحَ مُعسِرا
يا أَيُّها السُجَناءُ في أَموالِهِم
أَأَمِنتُمو الأَيّامَ أَن تَتَغَيَّرا
لا يَملكُ الإِنسانُ مِن أَحوالِهِ
ما تَملكُ الأَقدارُ مَهما قَدَّرا
لا يُبطِرَنَّكَ مِن حَريرٍ مَوطِئٌ
فَلَرُبَّ ماشٍ في الحَريرِ تَعَثَّرا
وَإِذا الزَمانُ تَنَكَّرَت أَحداثُهُ
لِأَخيكَ فَاِذكُرهُ عَسى أَن تُذكَرا