معالي العهد قمت بها فطيما

مَعالي العَهدِ قُمتَ بِها فَطيما
وَكانَ إِلَيكَ مَرجِعُها قَديما
تَنَقَّل مِن يَدٍ لِيَدٍ كَريماً
كَروحِ اللَهِ إِذ خَلَفَ الكَليما
تَنحّى لِاِبنِ مَريَمَ حينَ جاءَ
وَخَلّى النَجمُ لِلقَمَرِ الفَضاءَ
ضِياءٌ لِلعُيونِ تَلا ضِياءً
يَفيضُ مَيامِناً وَهُدىً عَميما
كَذا أَنتُم بَني البَيتِ الكَريمِ
وَهَل مُتَجَزِّئٌ ضَوءُ النُجومِ
وَأَينَ الشُهبُ مِن شَرَفٍ صَميمِ
تَأَلَّقَ عِقدُهُ بِكُمو نَظيما
أَرى مُستَقبَلاً يَبدو عُجابا
وَعُنواناً يُكِنُّ لَنا كِتابا
وَكانَ مُحَمَّدٌ أَمَلاً شِهابا
وَكانَ اليَأسُ شَيطاناً رَجيما
وَأَشرَقَتِ الهَياكِلُ وَالمَباني
كَما كانَت وَأَزيَنَ في الزَمانِ
وَأَصبَحَ ما تُكِنُّ مِنَ المَعاني
عَلى الآفاقِ مَسطوراً رَقيما
سَأَلتُ فَقيلَ لي وَضَعَتهُ طِفلاً
وَهَذا عيدُهُ في مِصرَ يُجلى
فَقُلتُ كَذَلِكُم آنَستُ قَبلا
وَكانَ اللَهُ بِالنَجوى عَليما
بِمُنتَزَهِ الإِمارَةِ هَلَّ فَجرا
هِلالاً في مَنازِلِهِ أَغَرّا
فَباتَت مِصرُ حَولَ المَهدِ ثَغرا
وَباتَ الثَغرُ لِلدُنيا نَديما
لِجيلِكَ في غَدٍ جيلِ المَعالي
وَشَعبِ المَجدِ وَالهِمَمِ العَوالي
أَزُفُ نَوابِغَ الكَلِمِ الغَوالي
وَأَهدي حِكمَتي الشَعبَ الحَكيما
إِذا أَقبَلتَ يا زَمَن البَنينا
وَشَبّوا فيكَ وَاِجتازوا السِنينا
فَدُر مِن بَعدِنا لَهُمو يَمينا
وَكُن لِوُرودِكَ الماءَ الحَميما
وَيا جيلَ الأَميرِ إِذا نَشَأنا
وَشاءَ الجَدُّ أَن تُعطى وَشِئتا
فَخُذ سُبُلاً إِلى العَلياءِ شَتّى
وَخَلِّ دَليلَكَ الدينَ القَويما
وَضِنَّ بِهِ فَإِنَّ الخَيرَ فيهِ
وَخُذهُ مِنَ الكِتابِ وَما يَليهِ
وَلا تَأخُذهُ مِن شَفَتَي فَقيهِ
وَلا تَهجُر مَعَ الدينِ العُلوما
وَثِق بِالنَفسِ في كُلِّ الشُؤونِ
وَكُن مِمّا اِعتَقدتَ عَلى يَقينِ
كَأَنَّكَ مِن ضَميرِكَ عِندَ دينٍ
فَمِن شَرَفِ المَبادِئِ أَن تُقيما
وَإِن تَرُمِ المَظاهِرَ في الحَياةِ
فَرُمها بِاِجتِهادِكَ وَالثَباتِ
وَخُذها بِالمَساعي باهِراتِ
تُنافِسُ في جَلالَتِها النُجوما
وَإِن تَخرُج لِحَربٍ أَو سَلامِ
فَأَقدِم قَبلَ إِقدامِ الأَنامِ
وَكُن كَاللَيثِ يَأتي مِن أَمامِ
فَيَملَأُ كُلَّ ناطِقَةٍ وُجوما
وَكُن شَعبَ الخَصائِصِ وَالمَزايا
وَلا تَكُ ضائِعاً بَينَ البَرايا
وَكُن كَالنَحلِ وَالدُنيا الخَلايا
يَمُرُّ بِها وَلا يَمضي عَقيما
وَلا تَطمَح إِلى طَلَبِ المُحالِ
وَلا تَقنَع إِلى هَجرِ المَعالي
فَإِن أَبطَأنَ فَاِصبِر غَيرَ سالِ
كَصَبرِ الأَنبِياءِ لَها قَديما
وَلا تَقبَل لِغَيرِ اللَهِ حُكماً
وَلا تَحمِل لِغَيرِ الدَهرِ ظُلما
وَلا تَرضَ القَليلَ الدونَ قِسما
إِذا لَم تَقدِرِ الأَمرَ المَروما
وَلا تَيأَس وَلا تَكُ بِالضَجورِ
وَلا تَثِقَنَّ مِن مَجرى الأُمورِ
فَلَيسَ مَعَ الحَوادِثِ مِن قَديرِ
وَلا أَحَدٌ بِما تَأتي عَليما
وَفي الجُهّالِ لا تَضَعِ الرَجاءَ
كَوَضعِ الشَمسِ في الوَحَلِ الضِياءَ
يَضيعُ شُعاعُها فيهِ هَباءَ
وَكانَ الجَهلُ مَمقوتاً ذَميما
وَبالِغ في التَدَبُّرِ وَالتَحَرّي
وَلا تَعجَل وَثِق مِن كُلِّ أَمرِ
وَكُن كَالأُسدِ عِندَ الماءِ تَجري
وَلَيسَت وُرَّداً حَتّى تَحوما
وَما الدُنيا بِمَثوىً لِلعِبادِ
فَكُن ضَيفَ الرِعايَةِ وَالوِدادِ
وَلا تَستَكثِرَنَّ مِنَ الأَعادي
فَشَرُّ الناسِ أَكثَرُهُم خُصوما
وَلا تَجعَل تَوَدُّدُكَ اِبتِذالاً
وَلا تَسمَح بِحِلمِكَ أَن يُذالا
وَكُن ما بَينَ ذاكَ وَذاكَ حالا
فَلَن تُرضي العَدُوَّ وَلا الحَميما
وَصَلِّ صَلاةَ مَن يَرجو وَيَخشى
وَقَبلَ الصَومِ صُم عَن كُلِّ فَحشا
وَلا تَحسَب بِأَنَّ اللَهَ يُرشى
وَأَنَّ مُزَكّياً أَمِنَ الجَحيما
لِكُلِّ جَنىً زَكاةً في الحَياةِ
وَمَعنى البِرِّ في لَفظِ الزَكاةِ
وَما لِلَّهُ فينا مِن جُباةِ
وَلا هُوَ لِاِمرِئٍ زَكّى غَريما
فَإِن تَكُ عالِماً فَاِعمَل وَفَطِّن
وَإِن تَكُ حاكِماً فَاِعدِل وَأَحسِن
وَإِن تَكُ صانِعاً شَيئاً فَأَتقِن
وَكُن لِلفَرضِ بَعدَئِذٍ مُقيما
وَصُن لُغَةً يَحُقُّ لَها الصِيانُ
فَخَيرُ مَظاهِرِ الأُمِّ البَيانُ
وَكانَ الشَعبُ لَيسَ لَهُ لِسانُ
غَريباً في مَواطِنِهِ مَضيما
أَلَم تَرَها تُنالُ بِكُلِّ ضَيرٍ
وَكانَ الخَيرُ إِذ كانَت بِخَيرِ
أَيَنطِقُ في المَشارِقِ كُلُّ طَيرِ
وَيَبقى أَهلُها رَخَماً وَبوما
فَعَلِّمها صَغيرَكَ قَبلَ كُلِّ
وَدَع دَعوى تَمَدُّنِهِم وَخَلِّ
فَما بِالعِيِّ في الدُنيا التَحَلّي
وَلا خَرَسُ الفَتى فَضلاً عَظيما
وَخُذ لُغَةَ المُعاصِرِ فَهيَ دُنيا
وَلا تَجعَل لِسانَ الأَصلِ نَسيا
كَما نَقَلَ الغُرابُ فَضَلَّ مَشياً
وَما بَلَغَ الجَديدَ وَلا القَديما
لِجيلِكَ يَومَ نَشأَتِهِ مَقالي
فَأَمّا أَنتَ يا نَجلَ المَعالي
فَتَنظُرُ مِن أَبيكَ إِلى مِثالٍ
يُحَيِّرُ في الكَمالاتِ الفُهوما
نَصائِحُ ما أَرَدتُ بِها لِأَهدي
وَلا أَبغي بِها جَدواكَ بَعدي
وَلَكِنّي أُحِبُّ النَفعَ جَهدي
وَكانَ النَفعُ في الدُنيا لُزوما
فَإِن أُقرِئتَ يا مَولايَ شِعري
فَإِنَّ أَباكَ يَعرِفُهُ وَيَدري
وَجَدُّكَ كانَ شَأوي حينَ أَجري
فَأَصرَعُ في سَوابِقِها تَميما
بَنونا أَنتَ صُبحُهُمُ الأَجَلُّ
وَعَهدُكَ عِصمَةٌ لَهُمو وَظِلُّ
فَلِم لا نَرتَجيكَ لَهُم وَكُلٌّ
يَعيشُ بِأَن تَعيشَ وَأَن تَدوما

اخذت السماء يا دار ركنا

أخذتِ السماء يا دار ركنا
وأويت الكواكب الزهر سُكنى
وجمعت السعادتين فباتت
فيك دنيا الصلاح للدين خِدنا
نادَما الدهر في ذَراك وفضا
من سلاف الوداد دَنا فدنا
وإذا الخُلق كان عقد وداد
لم ينل منه من وشَى وتجنى
وأرى العلم كالعبادة في أبـ
ـعد غاياته إلى الله أدنى
واسع الساح يرسل الفكر فيها
كل من شك ساعة أو تظنى
هل سألنا أبا العلاء وإن قلّـ
ـب عينا في عالم الكون وسنى
كيف يهذِى بخالق الطير من لم
يعلم الطير هل بكى أو تغنى
أنتِ كالشمس رفرفا والسماكـ
ـين رواقا والمجرّة صحنا
لو تسترت كنت كالقبة الغرا
ء ذيلا من الجلال وردنا
إن تكن للثواب والبر دارا
كيف إن تمت الملاوة قرنا
لا تَعدِّى السنين إن ذكر العـ
ـلم فما تعلمين للعلم سنا
سوف تفنى في ساحتيك الليالي
وهو باق على المدى ليس يفنى
يا عكاظا حوى الشبا فصاحا
قرشيين في المجامع لُسنا
بثهم في كنانة الله نورا
من ظلام على البصائر أخنى
علَّموا بالبيان لا غرباء
فيه يوما ولا أعاجم لُكنا
فتية محسنون لم يخلفوا العـ
ـلم رجاء ولا المعلم ظنا
صدعوا ظلمة على الريف حلت
وأضاءوا الصعيد سهلا وحزنا
من قضى منهم تفرق فكرا
في نهى النشء أو تقسم ذهنا
ناد دار العلوم إن شئت يا عا
يش أو شئت نادها يا سُكَينا
قل لها يا ابنة المبارك إيه
قد جرت كاسمه أمورك يمنا
هو في المهرجان حى شهيد
يجتلى غرس فضله كيف أجنى
وهو في العرس إن تحجّب أو لم
يحتجب والد العروس المهنا
ما جرى ذكره بناديك حتى
وقف الدمع في الشؤون فأثنى
رب خير ملئت منه سرورا
ذكّر الخيرين فاهتجت حزنا
أدرى إذ بناك أن كان يبني
فوق أنف العدوّ للضاد حصنا
حائط الملك بالمدارس إن شئـ
ـت وإن شئت بالمعاقل يبني
أنظر الناس هل ترى لحياة
عَطَلت من نباهة الذكر معنى
لا الغني في الرجال ناب عن الفضـ
ـل وسلطانه ولا الجاه أغنى
رب عاث في الأرض لم يجعل الأر
ض له إن أقام أو سار وزنا
عاش لم ترمه بعين وأودى
همَلا لم تهب لناعيه أذنا
نظّم الله ملكه بعباد
عبقريين أورثوا الملك حسنا
شغلتهم عن الحسود المعالي
إنما يُحسد العظيم ويُشنا
من ذكىّ الفؤاد يوِرث علما
أو بديع الخيال يَخلق فنا
كم قديم كرقعة النجم حر
لم يقلل له الجديدان شأنا
وحديد عليه يختلف الدهـ
ـر ويفنى الزمان قرنا فقرنا
فاحتفظ بالذخيرتين جميعا
عادة الفطن بالذخائر يعنى
يا شبابا سقونيَ الودّ محضا
وسقوا شانئي على الغل أجنا
كلما صار للكهولة شعري
أنشدوه فعاد أمرد لدنا
أسرة الشاعر الرواة وما عنَّـ
ـوه والمرء بالقريب معنى
هم يضنون في الحياة بما قا
ل ويُلفَون في الحياة أضنا
وإذا ما انقضى وأهلوه لم يعـ
ـدم شقيقا من الرواة أو أبنا
النبوغَ النبوغَ حتى تنصوا
راية العلم كالهلال وأسنى
نحن في صورة الممالك ما لم
يصبح العلم والمعلم منا
لا تنادوا الحصون والسفن وادعوا الـ
ـعلم ينشئ لكم حصونا وسفنا
إن ركب الحضارة اخترق الأر
ض وشق السماء ريحا ومزنا
وصحبناه كالغبار فلا رحـ
ـلا شددنا ولا ركابا زممنا
دان آباؤنا الزمان مليا
ومليا لحادث الدهر دنا
كم نباهي بلحد ميت وكم نحـ
ـمل من هادم ولم يبن مَنَّا
قد أنَى أن نقول نحن ولا نسـ
ـمع أبناءنا يقولون كنا

صرت ارجو بان تكون المرجي

صرت أرجو بأن تكون المرجى
وبان يبدل الهجا لك مدحا
تلك كف قد اكتفت واكتفينا
فرأينا أن نعقب الصفع صفحا

دار الزمان

دار الزمان فدارا
يستعقبان جهارا
أضحى النضار حديدا
أضحى الحديد نضارا
أمسى الصَّغار جلالا
أمسى الجلال صغارا
أمر قضاه الإله
والناس فيه حيارى

وعصابة بالخير الف شملهم

وَعِصابَةٍ بِالخَيرِ أُلِّفَ شَملُهُم
وَالخَيرُ أَفضَلُ عُصبَةً وَرِفاقا
جَعَلوا التَعاوُنَ وَالبِنايَةَ هَمَّهُم
وَاِستَنهَضوا الآدابَ وَالأَخلاقا
وَلَقَد يُداوونَ الجِراحَ بِبِرِّهِم
وَيُقاتِلونَ البُؤسَ وَالإِملاقا
يَسمونَ بِالأَدَبِ الجَديدِ وَتارَةً
يَبنونَ لِلأَدَبِ القَديمِ رِواقا
بَعَثَ اِهتِمامَهُمو وَهاجَ حَنانَهُم
زَمَنٌ يُثيرُ العَطفَ وَالإِشفاقا
عَرَضَ القُعودُ فَكانَ دونَ نُبوغِهِ
قَيداً وَدونَ خُطى الشَبابِ وِثاقا
البُلبُلُ الغَرِدُ الَّذي هَزَّ الرُبى
وَشَجى الغُصونَ وَحَرَّكَ الأَوراقا
خَلَفَ البَهاءَ عَلى القَريضِ وَكَأسِهِ
فَسَقى بِعَذبِ نَسيبِهِ العُشّاقا
في القَيدِ مُمتَنِعُ الخُطى وَخَيالِهِ
يَطوي البِلادَ وَيَنشُرُ الآفاقا
سَبّاقُ غاياتِ البَيانِ جَرى بِلا
ساقٍ فَكَيفَ إِذا اِستَرَدَّ الساقا
لَو يَطعمُ الطِبُّ الصَناعُ بَيانَهُ
أَو لَو يُسيغُ لِما يَقولُ مَذاقا
غالى بِقيمَتِهِ فَلَم يَصنَع لَهُ
إِلّا الجَناحَ مُحَلِّقاً خَفّاقا

انت فوق النقيب دخلا وريعا

أنت فوق النقيب دخلا وريعا
بعد حين وأنت أكثر مالا
جدة تجعل الحديد على الما
ل وتحمى الأبواب والأقفالا
لكنها يا صديق
أشد منى ومنكا
صبرا فعما قليل
سيفرج الله عنكا

الفن روض يمر القاطفون به

الفن روض يمر القاطفون به
والسارقون جماعات ووحدانا
أولى الرجال به في الدهر مخترع
قد زاده جدولا أو زاد ريحانا
لا تسأل الله فنا كل آونة
واسأله في فترات الدهر فنانا
يا واحد الفن في أزجى معازفه
هذا أوان الثناء العدل قد آنا
يا رب ليل سمرنا الراح فاختلفت
على بنانك للسمار ألحانا
تلك اللعيبة من عود ومن وتر
لولا بنانك لم تجعل لها شانا
قد آنست رحمة في الصدر فاتكأت
بجانب الأذن تستوحيك شيطانا
كأنها عش طير هاج آهله
من كل ناحية ينساب أشجانا
ضمتها وتواصت راحتاك بها
ضم الوليدة إشفاقا وإحسانا
تملى عليها الذي يوحى إليك به
كأن داوود والمزمار ما بانا
حركتها فأتاها الروح فاندفعت
تبكى وتضحك أوتارا وعيدانا
يا طيبها حين تحدوها بحنجرة
كخرطم النحل أرواحا وألوانا
مصرية النبر وهّابية عذبت
شدوا ونوحا وترجيعا وتحنانا
ذكّرت خلقا وراء البحر مغتربا
مآلفا وصبابات وأوطانا
غنيتهم بأغاني المهد فالتمسوا
في ملتقى القوس والأوتار لبنانا
ولو هتفت ببتهوفان ما انصرفت
لك القلوب وإن صادفت آذانا
سقيتهم من سلاف طالما دخلت
عليهم المهد أعنابا وألبانا
فن تعطل منه الشرق آونة
وكان شغل بني العباس أزمانا

قم سابق الساعة واسبق وعدها

قُم سابِقِ الساعَةَ وَاِسبِق وَعدَها
الأَرضُ ضاقَت عَنكَ فَاِصدَع غِمدَها
وَاِملَأ رِماحاً غَورَها وَنَجدَها
وَاِفتَح أُصولَ النيلِ وَاِستَرِدَّها
شَلّالَها وَعَذبَها وَعِدَّها
وَاِصرِف إِلَينا جَزرَها وَمَدَّها
تِلكَ الوُجوهُ لا شَكَونا فَقدَها
بَيَّضَتِ القُربى لَنا مُسوَدَّها
سُلِلَت مِن وادي المُلوكِ فَاِزدَهى
وَأَلقَتِ الشَمسُ عَلَيهِ رَأدَها
وَاِستَرجَعَت دَولَتُهُ إِفرِندَها
أَبيَضَ رَيّانَ المُتونِ وَردَها
أَبلى ظُبى الدَهرِ وَفَلَّ حَدَّها
وَأَخلَقَ العُصورَ وَاِستَجَدَّها
سافَرَ أَربَعينَ قَرناً عَدَّها
حَتّى أَتى الدارَ فَأَلفى عِندَها
إِنجِلتِرا وَجَيشَها وَلوردَها
مَسلولَةَ الهِندِيِّ تَحمي هِندَها
قامَت عَلى السودانِ تَبني سَدَّها
وَرَكَزَت دونَ القَناةِ بَندَها
فَقالَ وَالحَسرَةُ ما أَشَدَّها
لَيتَ جِدارَ القَبرِ ما تَدَهدَها
وَلَيتَ عَيني لَم تُفارِق رَقدَها
قُم نَبِّني يا بَنتَؤورُ ما دَها
مِصرُ فَتاتي لَم تُوَقِّر جَدَّها
دَقَّت وَراءَ مَضجَعي جازَبَندَها
وَخَلَطَت ظِباءَها وَأُسدَها
وَسَكَبَ الساقي الطِلا وَبَدَّها
قَد سَحَبَت عَلى جَلالي بُردَها
لَيتَ جَلالَ المَوتِ كانَ صَدَّها
فَقُلتُ يا ماجِدَها وَجَعدَها
لَو لَم تَكُ اِبنَ الشَمسِ كُنتَ رِئدَها
لَحدُكَ وَدَّتهُ النُجومُ لَحدَها
أَرَيتَنا الدُنيا بِهِ وَجِدَّها
سُلطانَها وَعِزَّها وَرَغدَها
وَكَيفَ يُعطى المُتَّقونَ خُلدَها
آثارُكُم يُخطي الحِسابُ عَدَّها
اِنهَدَمَ الدَهرُ وَلَم يَهُدَّها
أَبوابُكَ اللاتي قَصَدنا قَصدَها
كارتِرُ في وَجهِ الوُفودِ رَدَّها
لَولا جُهودٌ لا نُريدُ جَحدَها
وَحُرمَةٌ مِن قُربِكَ اِستَمَدَّها
قُلتُ لَكَ اِضرِب يَدَهُ وَقُدَّها
وَاِبعَث لَهُ مِنَ البَعوضِ نُكدَها
مِصرُ الفَتاةُ بَلَغَت أَشُدَّها
وَأَثبَتَ الدَمُ الزَكِيُّ رُشدَها
وَلَعِبَت عَلى الحِبالِ وَحدَها
وَجَرَّبَت إِرخائَها وَشَدَّها
فَأَرسَلَت دُهاتَها وَلُدَّها
في الغَربِ سَدّوا عِندَهُ مَسَدَّها
وَبَعَثَت لِلبَرلَمانِ جُندَها
وَحَشَدَت لِلمِهرَجانِ حَشدَها
حَدَت إِلَيهِ شيبَها وَمُردَها
وَأَبرَزَت كِعابَها وَخَودَها
وَنَثَرَت فَوقَ الطَريقِ وَردَها
وَاِستَقبَلَت فُؤادَها وَوَفدَها
مَوئِلَها وَكَهفَها وَرِدَّها
وَاِبنَ الَّذينَ قَوَّموا مَقَدَّها
وَأَلَّفوا بَعدَ اِنفِراطٍ عِقدَها
وَجَعَلوا صَحراءَ ليبيا حَدَّها
وَبَسَطوا عَلى الحِجازِ أَيدَها
وَصَيَّروا العاتِيَ فيهِ عَبدَها
حَتّى أَتى الدارَ الَّتي أَعَدَّها
لِمِصرَ تَبني في ذَراها مَجدَها
فَثَبَّتَ الشورى وَشَدَّ عَقدَها
وَقَلَّدَ الجيلَ السَعيدَ عَهدَها
سُلطَتُهُ إِلى بَنينا رَدَّها
يا رَبِّ قَوِّ يَدَها وَشُدَّها
وَاِفتَح لَها السُبلُ وَلا تَسُدَّها
وَقِس لِكُلِّ خُطوَةٍ ما بَعدَها
وَعَن صَغيراتِ الأُمورِ حُدَّها
وَاِصرِف إِلى جِدِّ الشُؤونِ جَدَّها
وَلا تُضِع عَلى الضَحايا جُهدَها
وَاِكبَح هَوى الأَنفُسِ وَاِكسِر حِقدَها
وَاِجمَع عَلى الأُمِّ الرَؤومِ وِلدَها
وَاِملَأ بِأَلبانِ النُبوغِ نَهدَها
وَلا تَدَعها تُحيِ مُستَبِدَها
وَتَنتَحِت بِراحَتَيها فَردَها

صريع جفنيك ونفي عنهما التهما

صَريعُ جَفنَيكِ وَنفي عَنهُما التُهَما
فَما رُميتُ وَلَكِنَّ القَضاءَ رَمى
اللَهَ في روحِ صَبٍّ يَغشِيانِ بِها
مَوارِدَ الحَتفِ لَم يَنقُل لَها قَدَما
وَكَفَّ عَن قَلبِهِ المَعمودِ نَبلَهُما
أَلَيسَ عَهدُكَ فيهِ حَبَّةً وَدَما
سَلوا غَزالاً غَزا قَلبي بِحاجِبِهِ
أَما كَفى السَيفُ حَتّى جَرَّدَ القَلَما
وَاِستَخبِروهُ إِلى كَم نارُ جَفوَتِهِ
أَما كَفى ما جَنَت نارُ الخُدودِ أَما
وَاِستَوهِبوهُ يَداً في العُمرِ واحِدةً
وَمَهِّدا عُذرَهُ عَنّي إِذا حَرَما
وَلا تَرَوا مِنهُ ظُلماً أَن يُضَيِّعُني
مَن ضَيَّعَ العَرَضَ المَملوكَ ما ظَلَما

ليلة الامس قد ذهبت

ليلة الأمس قد ذهبت وما تذ
هب رؤيا أقصها شر رؤيا
ذاك أنى حلمت بالمتنبي
صار في مصر قاضيا أهليا
خيروه فقال طنطا أحب المد
ن في هذه البلاد إليا
فوجدت الصواب في الرأى أنى
أهجر الشعر والقوافي مليا
هو قد بدَّ قائل الشعر ميتا
كيف يلقاه قائل الشعر حيا
وتأملت في مصيبة حفني
يوم للحكم يجلسان سويا
هو عادي كرسيَّ كافور عمرا
هل يصافى لناصف كرسيا
جاءني صاحبي يقول بلاء
كنت والله عن بلاء غنيا
قلت نرجو من ناظر العدل يُص
يه بأسيوط مبعدا منفيا
إن فيها لشاعرا لك حرا
وأراه بالذَّود عنك حرِيا
مُره يمسخ له ولو شطر بيت
قال أخشى انقلاب ذاك عليا
أصبح الصبح زيد صدقي وقالوا
ناصف عاد قاضيا جزئيا