دع ما يضرك والتمس ما ينفع

دع ما يضرك والتمس ما ينفع
واختر لنفسك ما يزين ويرفع
واسمع لقول العقل لا قول الهوى
إن الهوى لضلالة لا تتبع
واجعل شبابك من هواك بمأمن
إن الشباب هو العنان الأطوع
واعلم فقِدما للمالك فتِّحت
بالعلم أبواب السعادة أجمع
إن الشعوب إذا أرادوا نهضة
بذرائع العلم الصحيح تذرّعوا
وانظر بعين في الأمور جلية
لا تُثبت الأشياء عين تدمع
مما أَحب به الرجال بلادهم
أن يحسن الإنسان فيما يصنع
واحفظ على مصر السكينة إنها
روض بأفياء السكينة ممرع
وصن اليدين عن الدماء فإنها
في البغى أوخم ما يكون المرتع
الختل من خلق الذئاب وشهوة
في الرأس يركبها الجبان فيشجع
برىء العباد من الشرائع كلها
إن كان قتل النفس مما يرفع
لا تذكرنّ الحرب أو أهوالها
إلا بقلب خاشع يتوجع
واذرف على القلب الدموع فكلكم
في آدم أهل وآدم يجمع
للخلق صبيان كما لك صبية
ولهم لباس فارقوه ومضجع
واخرج من الحرب العوان بِعبِرة
إن العظات من الحوادث أوقع
إسمع حديث جُناتها وصلاتها
هل كان فيها للديانة موضع
المال باعثها الأثيم ولم تزل
تُردى المطامع ناسهن وتصرع
لما رمت دول المسيح بهولها
مشت اثنتان لها وهبت أربع
يتقاذفون وللكنائس هِزة
ويسوع ينظرو الزكية تسمع
والله يغضب والعناصر تبتلىِ
والسيف يضحك في الدماء ويلمع
نزل البلاء وحل طوفان دم
بالمسلمين سماؤه لا تقلع
كانوا بظل السلم لا بهلالهم
شر يراد ولا حماه مروع
لولا قضاء الله ما خاضوا الوغى
إن القضاء إذا أتى لا يُدفع
تلك العوان على الشديد شديدة
أين السيوف لمثلها والأدرع
ماذا اندفاع المسلمين بموقف
الغالب المنصور فيه مضعضع
حرب على حرب حنانك ربنا
لم يبق منا ما ينال المدفع
لا تأخذن بريئنا بمسيئنا
فالعدل كلٌّ حاصد ما يزرع
يا رب بالرسل الكرام بآلهم
باللوح والكرسى وهو المفزع
أدرك دماء الخلق إن دماءهم
سالت فوجه الأرض منها مترع
سبحت ببحر دمائهم أشلاؤهم
والأرض لا تَروَى ولا هي تشبع
زاد الأرامل واليتامي كثرةً
حتى لقد صعدت إليك الأدمع
يا رب هل تلك القيامة كلها
أم للقيامة بعد ذلك موقع

حلفت بالمستره

حَلَفتُ بِالمُسَتَّرَه
وَالرَوضَةِ المُعَطَّرَه
وَمَجلِسِ الزَهراءِ في ال
حَظائِرِ المُنَوَّرَه
مَراقِدِ السُلالَةِ ال
طَيِّبَةِ المُطَهَّرَه
ما أَنزَلوا إِلى الثَرى
بِالأَمسِ إِلّا نَيِّرَه
سيروا بِها نَقِيَّةً
تَقِيَّةً مُبَرَّرَه
نُجِلُّ سِترَ نَعشِها
كَالكُسوَةِ المُسَيَّرَه
وَنَنشُقُ الجَنَّةَ مِن
أَعوادِهِ المُنَضَّرَه
في مَوكِبٍ تَمَثَّلَ ال
حَقُّ فَكانَ مَظهَرَه
دَعِ الجُنودَ وَالبُنو
دَ وَالوُفودَ المُحضَرَه
وَكُلَّ دَمعٍ كَذِبٍ
وَلَوعَةٍ مُزَوَّرَه
لا يَنفَعُ المَيتَ سِوى
صالِحَةٍ مُدَّخَرَه
قَد تُرفَعُ السوقَةُ عِن
دَ اللَهِ فَوقَ القَيصَرَه
يا جَزَعَ العِلمِ عَلى
سُكَينَةِ المُوَقَّرَه
أَمسى بِرَبعٍ موحِشٍ
مِنها وَدارٍ مُقفِرَه
مَن ذا يُؤَسّي هَذِهِ ال
جامِعَةَ المُستَعبَرَه
لَو عِشتِ شِدتِ مِثلَها
لِلمَرأَةِ المُحَرَّرَه
بَنَيتِ رُكنَيها كَما
يَبني أَبوكِ المَأثُرَه
قَرَنتِ كُلَّ حِجرِ
في أُسِّها بِجَوهَرَه
مَفخَرَةٌ لِبَيتِكُم
كَم قَبلَها مِن مَفخَرَه
يا بِنتَ إِسماعيلِ في ال
مَيتِ لِحَيٍّ تَبصِرَه
أَكانَ عِندَ بَيتِكُم
لِهَذِهِ الدُنيا تِرَه
هَلّا وَصَفتِها لَنا
مُقبِلَةً وَمُدبِرَه
وَلَونَها صافِيَةً
وَطَعمَها مُكَدَّرَه
كَالحِلمِ أَو كَالوَهمِ أَو
كَالظِلِّ أَو كَالزَهَرَه
فاطِمُ مَن يولَدُ يَمُت
المَهدُ جِسرُ المَقبَرَه
وَكُلُّ نَفسٍ في غَدٍ
مَيِّتَةٌ فَمُنشَرَه
وَإِنَّهُ مَن يَعمَلِ ال
خَيرَ أَوِ الشَرَّ يَرَه
وَإِنَّما يُنَبَّهُ ال
غافِلُ عِندَ الغَرغَرَه
يَلفِظُها حَنظَلَةً
كانَت بِفيهِ سُكَّرَه
وَلَن تَزالَ مِن يَدٍ
إِلى يَدٍ هَذي الكُرَه
أَينَ أَبوكِ مالُهُ
وَجاهُهُ وَالمَقدِرَه
وادي النَدى وَغَيثُهُ
وَعَينُهُ المُفَجَّرَه
أَينَ الأُمورُ وَالقُصو
رُ وَالبُدورُ المُخدَرَه
أَينَ اللَيالي البيضُ وَال
أَصائِلُ المُزَعفَرَه
وَأَينَ في رُكنِ البِلا
دِ يَدَهُ المُعَمِّرَه
وَأَينَ تِلكَ الهِمَّةُ ال
ماضِيَةُ المُشَمِّرَه
تَبغي لِمِصرَ الشَرقُ أَو
أَكثَرَهُ مُستَعمَرَه
جَرى الزَمانُ دونَها
فَرَدَّهُ وَأَعثَرَه
فَإِن هَمَمتَ فَاِذكُرِ ال
مَقادِرَ المُقَدَّرَه
مَن لا يُصِب فَالناسُ لا
يَلتَمِسونَ المَعذِرَه

مجموعة لاحمد

مَجموعَةٌ لِأَحمَدٍ
مُعجِزُه فيها بَهَر
تُعَدُّ في تاريخِها
أَليَقَ ديوانٍ ظَهَر

الا حبذا صحبة المكتب

أَلا حَبَّذا صُحبَةَ المَكتَبِ
وَأَحبِب بِأَيّامِهِ أَحبِبِ
وَيا حَبَّذا صِبيَةٌ يَمرَحو
نَ عِنانُ الحَياةِ عَلَيهِم صَبي
كَأَنَّهُمو بَسَماتُ الحَيا
ةِ وَأَنفاسُ رَيحانَها الطَيِّبِ
يُراحُ وَيُغدى بِهِم كَالقَطي
عِ عَلى مَشرِقِ الشَمسِ وَالمَغرِبِ
إِلى مَرتَعٍ أَلِفوا غَيرَهُ
وَراعٍ غَريبِ العَصا أَجنَبي
وَمُستَقبَلٍ مِن قُيودِ الحَيا
ةِ شَديدٍ عَلى النَفسِ مُستَصعَبِ
فِراخٌ بِأَيكٍ فَمِن ناهِضٍ
يَروضُ الجَناحَ وَمِن أَزغَبِ
مَقاعِدُهُم مِن جَناحِ الزَما
نِ وَما عَلِموا خَطَرَ المَركَبِ
عَصافيرُ عِندَ تَهَجّي الدُرو
سِ مِهارٌ عَرابيدُ في المَلعَبِ
خَلِيّونَ مِن تَبِعاتِ الحَيا
ةِ عَلى الأُمِّ يَلقونَها وَالأَبِ
جُنونُ الحَداثَةِ مِن حَولِهِم
تَضيقُ بِهِ سَعَةُ المَذهَبِ
عَدا فَاِستَبَدَّ بِعَقلِ الصَبِيّ
وَأَعدى المُؤَدِّبَ حَتّى صَبى
لَهُم جَرَسٌ مُطرِبٌ في السَرا
حِ وَلَيسَ إِذا جَدَّ بِالمُطرِبِ
تَوارَت بِهِ ساعَةٌ لِلزَما
نِ عَلى الناسِ دائِرَةُ العَقرَبِ
تَشولُ بِإِبرَتِها لِلشَبا
بِ وَتَقذِفُ بِالسُمِّ في الشُيَّبِ
يَدُقُّ بِمِطرَقَتَيها القَضا
ءَ وَتَجري المَقاديرُ في اللَولَبِ
وَتِلكَ الأَواعي بِأَيمانِهِم
حَقائِبُ فيها الغَدُ المُختَبي
فَفيها الَّذي إِن يُقِم لا يُعَدَّ
مِنَ الناسِ أَو يَمضِ لا يُحسَبِ
وَفيها اللِواءُ وَفيها المَنا
رُ وَفيها التَبيعُ وَفيها النَبي
وَفيها المُؤَخَّرُ خَلفَ الزِحا
مِ وَفيها المُقَدَّمُ في المَوكِبِ
جَميلٌ عَلَيهِم قَشيبُ الثِيا
بِ وَما لَم يُجَمَّل وَلَم يَقشِبِ
كَساهُم بَنانُ الصِبا حُلَّةً
أَعَزَّ مِن المِخمَلِ المُذهَبِ
وَأَبهى مِنَ الوَردِ تَحتَ النَدى
إِذا رَفَّ في فَرعِهِ الأَهدَبِ
وَأَطهَرَ مِن ذَيلِها لَم يَلُمّ
مِنَ الناسِ ماشٍ وَلَم يَسحَبِ
قَطيعٌ يُزَجّيهِ راعٍ مِنَ الدَه
رِ لَيسَ بِلَينٍ وَلا صُلَّبِ
أَهابَت هِرواتُهُ بِالرِفا
قِ وَنادَت عَلى الحُيَّدِ الهُرَّبِ
وَصَرَّفَ قُطعانَهُ فَاِستَبَدّ
وَلَم يَخشَ شَيئاً وَلَم يَرهَبِ
أَرادَ لِمَن شاءَ رَعيَ الجَدي
بِ وَأَنزَلَ مَن شاءَ بِالمُخصِبِ
وَرَوّى عَلى رِيِّها الناهلا
تِ وَرَدَّ الظِماءَ فَلَم تَشرَبِ
وَأَلقى رِقاباً إِلى الضارِبي
نَ وَضَنَّ بِأُخرى فَلَم تُضرَبِ
وَلَيسَ يُبالي رِضا المُستَري
حِ وَلا ضَجَرَ الناقِمِ المُتعَبِ
وَلَيسَ بِمُبقٍ عَلى الحاضِري
نَ وَلَيسَ بِباكٍ عَلى الغُيَّبِ
فَيا وَيحَهُم هَل أَحَسّوا الحَيا
ةَ لَقَد لَعِبوا وَهيَ لَم تَلعَبِ
تُجَرِّبُ فيهِم وَما يَعلَمو
نَ كَتَجرُبَةِ الطِبِّ في الأَرنَبِ
سَقَتهُم بِسُمٍّ جَرى في الأُصو
لِ وَرَوّى الفُروعَ وَلَم يَنضُبِ
وَدارَ الزَمانُ فَدالَ الصِبا
وَشَبَّ الصِغارُ عَنِ المَكتَبِ
وَجَدَّ الطِلابُ وَكَدَّ الشَبا
بُ وَأَوغَلَ في الصَعبِ فَالأَصعَبِ
وَعادَت نَواعِمُ أَيّامِهِ
سِنينَ مِنَ الدَأَبِ المُنصِبِ
وَعُذِّبَ بِالعِلمِ طُلّابُهُ
وَغَصّوا بِمَنهَلِهِ الأَعذَبِ
رَمَتهُم بِهِ شَهَواتُ الحَيا
ةِ وَحُبُّ النَباهَةِ وَالمَكسَبِ
وَزَهو الأُبُوَّةِ مِن مُنجِبٍ
يُفاخِرُ مَن لَيسَ بِالمُنجِبِ
وَعَقلٌ بَعيدُ مَرامي الطِما
حِ كَبيرُ اللُبانَةِ وَالمَأرَبِ
وَلوعُ الرَجاءِ بِما لَم تَنَل
عُقولُ الأَوالي وَلَم تَطلُبِ
تَنَقَّلَ كَالنَجمِ مِن غَيهَبٍ
يَجوبُ العُصورَ إِلى عَيهَبِ
قَديمُ الشُعاعِ كَشَمسِ النَها
رِ جَديدٌ كَمِصباحِها المُلهِبِ
أَبُقراطُ مِثلُ اِبنِ سينا الرَئي
سِ وَهوميرُ مِثلُ أَبي الطَيِّبِ
وَكُلُّهُمو حَجَرٌ في البِنا
ءِ وَغَرسٌ مِنَ المُثمِرِ المُعقِبِ
تُؤَلِفُهُم في ظِلالِ الرَخا
ءِ وَفي كَنَفِ النَسَبِ الأَقرَبِ
وَتَكسِرُ فيهِم غُرورَ الثَرا
ءِ وَزَهوَ الوِلادَةِ وَالمَنصِبِ
بُيوتٌ مُنَزَّهَةٌ كَالعَتي
قِ وَإِن لَم تُسَتَّر وَلَم تُحجَبِ
يُداني ثَراها ثَرى مَكَّةٍ
وَيَقرُبُ في الطُهرِ مِن يَثرِبِ
إِذا ما رَأَيتَهُمو عِندَها
يَموجونَ كَالنَحلِ عِندَ الرُبى
رَأَيتَ الحَضارَةَ في حُصنِها
هُناكَ وَفي جُندِها الأَغلَبِ
وَتَعرِضُهُم مَوكِباً مَوكِباً
وَتَسأَلُ عَن عَلَمِ المَوكِبِ
دَعِ الحَظَّ يَطلَع بِهِ في غَدٍ
فَإِنَّكَ لَم تَدرِ مَن يَجتَبي
لَقَد زَيَّنَ الأَرضَ بِالعَبقَرِيِّ
مُحَلّي السَماواتِ بِالكَوكَبِ
وَخَدَّشَ ظُفرُ الزَمانِ الوُجو
هَ وَغَيَّضَ مِن بِشرِها المُعجِبِ
وَغالَ الحَداثَةَ شَرخُ الشَبا
بِ وَلَو شِيَتِ المُردُ في الشُيَّبِ
سَرى الشَيبُ مُتَّئِداً في الرُؤو
سِ سُرى النارِ في المَوضِعِ المُعشِبِ
حَريقٌ أَحاطَ بِخَيطِ الحَيا
ةِ تَعَجَّبتُ كَيفَ عَلَيهِم غَبي
وَمَن تُظهِرِ النارُ في دارِهِ
وَفي زَرعِهِ مِنهُمو يَرعَبِ
قَدِ اِنصَرَفوا بَعدَ عِلمِ الكِتا
بِ لِبابٍ مِنَ العِلمِ لَم يُكتَبِ
حَياةٌ يُغامِرُ فيها اِمرُؤٌ
تَسَلَّحَ بِالنابِ وَالمِخلَبِ
وَصارَ إِلى الفاقَةِ اِبنُ الغَنِيّ
وَلاقى الغِنى وَلَدُ المُترَبِ
وَقَد ذَهَبَ المُمتَلي صِحَّةً
وَصَحَّ السَقيمُ فَلَم يَذهَبِ
وَكَم مُنجِبٍ في تَلَقِّ الدُرو
سِ تَلَقّى الحَياةَ فَلَم يُنجِبِ
وَغابَ الرِفاقُ كَأَن لَم يَكُن
بِهِم لَكَ عَهدٌ وَلَم تَصحَبِ
إِلى أَن فَنوا ثَلَّةً ثَلَّةً
فَناءَ السَرابِ عَلى السَبسَبِ

اذار اقبل قم بنا يا صاح

آذارُ أَقبَلَ قُم بِنا يا صاحِ
حَيِّ الرَبيعَ حَديقَةَ الأَرواحِ
وَاِجمَع نَدامى الظَرفِ تَحتَ لِوائِهِ
وَاِنشُر بِساحَتِهِ بِساطَ الراحِ
صَفوٌ أُتيحَ فَخُذ لِنَفسِكَ قِسطَها
فَالصَفوُ لَيسَ عَلى المَدى بِمُتاحِ
وَاِجلِس بِضاحِكَةِ الرِياضِ مُصَفِّقاً
لِتَجاوُبِ الأَوتارِ وَالأَقداحِ
وَاِستَأنِسَنَّ مِنَ السُقاةِ بِرُفقَةٍ
غُرٍّ كَأَمثالِ النُجومِ صِباحِ
رَقَّت كَنُدمانِ المُلوكِ خِلالُهُم
وَتَجَمَّلوا بِمُروءَةٍ وَسَماحِ
وَاِجعَل صَبوحَكَ في البُكورِ سَليلَةً
لِلمُنجِبَينِ الكَرمِ وَالتُفّاحِ
مَهما فَضَضتَ دِنانَها فَاِستَضحَكَت
مُلِئَ المَكانُ سَنىً وَطيبَ نُقاحِ
تَطغى فَإِن ذَكَرَت كَريمَ أُصولِها
خَلَعَت عَلى النَشوانِ حِليَةَ صاحي
فِرعَونُ خَبَّأَها لِيَومِ فُتوحِهِ
وَأَعَدَّ مِنها قُربَةً لِفَتاحِ
ما بَينَ شادٍ في المَجالِسِ أَيكُهُ
وَمُحَجَّباتِ الأَيكِ في الأَدواحِ
غَرِدٌ عَلى أَوتارِهِ يوحي إِلى
غَرِدٍ عَلى أَغصانِهِ صَدّاحِ
بيضُ القَلانِسِ في سَوادِ جَلابِبٍ
حُلّينَ بِالأَطواقِ وَالأَوضاحِ
رَتَّلنَ في أَوراقِهِنَّ مَلاحِناً
كَالراهِباتِ صَبيحَةَ الإِفصاحِ
يَخطُرنَ بَينَ أَرائِكٍ وَمَنابِرٍ
في هَيكَلٍ مِن سُندُسٍ فَيّاحِ
مَلِكُ النَباتِ فَكُلُّ أَرضٍ دارُهُ
تَلقاهُ بِالأَعراسِ وَالأَفراحِ
مَنشورَةٌ أَعلامُهُ مِن أَحمَرٍ
قانٍ وَأَبيَضَ في الرُبى لَمّاحِ
لَبِسَت لِمَقدَمِهِ الخَمائِلُ وَشيَها
وَمَرَحنَ في كَنَفٍ لَهُ وَجَناحِ
يَغشى المَنازِلَ مِن لَواحِظِ نَرجِسٍ
آناً وَآناً مِن ثُغورِ أَقاحِ
وَرُؤوسُ مَنثورٍ خَفَضنَ لِعِزِّهِ
تيجانَهُنَّ عَواطِرَ الأَرواحِ
الوَردُ في سُرُرِ الغُصونِ مُفَتَّحٍ
مُتَقابِلٍ يُثنى عَلى الفَتّاحِ
ضاحي المَواكِبِ في الرِياضِ مُمَيَّزٌ
دونَ الزُهورِ بِشَوكَةٍ وَسِلاحِ
مَرَّ النَسيمُ بِصَفحَتَيهِ مُقبِلاً
مَرَّ الشِفاهِ عَلى خُدودِ مِلاحِ
هَتَكَ الرَدى مِن حُسنِهِ وَبَهائِهِ
بِاللَيلِ ما نَسَجَت يَدُ الإِصباحِ
يُنبيكَ مَصرَعُهُ وَكُلٌّ زائِلٌ
أَنَّ الحَياةَ كَغَدوَةٍ وَرَواحِ
وَيَقائِقُ النَسرينِ في أَغصانِها
كَالدُرِّ رُكِّبَ في صُدورِ رِماحِ
وَالياسَمينُ لَطيفُهُ وَنَقِيُّهُ
كَسَريرَةِ المُتَنَزِّهِ المِسماحِ
مُتَأَلِّقٌ خَلَلَ الغُصونِ كَأَنَّهُ
في بُلجَةِ الأَفنانِ ضَوءُ صَباحِ
وَالجُلَّنارُ دَمٌ عَلى أَوراقِهِ
قاني الحُروفِ كَخاتَمِ السَفّاحِ
وَكَأَنَّ مَخزونَ البَنَفسَجِ ثاكِلٌ
يَلقى القَضاءَ بِخَشيَةٍ وَصَلاحِ
وَعَلى الخَواطِرِ رِقَّةٌ وَكَآبَةٌ
كَخَواطِرِ الشُعَراءِ في الأَتراحِ
وَالسَروُ في الحِبَرِ السَوابِغِ كاشِفٌ
عَن ساقِهِ كَمَليحَةٍ مِفراحِ
وَالنَخلُ مَمشوقُ العُذوقِ مُعَصَّبٌ
مُتَزَيِّنٌ بِمَناطِقٍ وَوِشاحِ
كَبَناتِ فِرعَونٍ شَهِدنَ مَواكِباً
تَحتَ المَراوِحِ في نَهارٍ ضاحِ
وَتَرى الفَضاءَ كَحائِطٍ مِن مَرمَرٍ
نُضِدَت عَلَيهِ بَدائِعُ الأَلواحِ
الغَيمُ فيهِ كَالنَعامِ بَدينَةٌ
بَرَكَت وَأُخرى حَلَّقَت بِجَناحِ
وَالشَمسُ أَبهى مِن عَروسٍ بُرقِعَت
يَومَ الزِفافِ بِعَسجَدٍ وَضّاحِ
وَالماءُ بِالوادي يُخالُ مَسارِباً
مِن زِئبَقٍ أَو مُلقِياتِ صِفاحِ
بَعَثَت لَهُ شَمسُ النَهارِ أَشِعَّةً
كانَت حُلى النَيلوفَرِ السَبّاحِ
يَزهو عَلى وَرَقِ الغُصونِ نَثيرُها
زَهوَ الجَواهِرِ في بُطونِ الراحِ
وَجَرَت سَواقٍ كَالنَوادابِ بِالقُرى
رُعنَ الشَجِيَّ بِأَنَّةٍ وَنُواحِ
الشاكِياتُ وَما عَرَفنَ صَبابَةً
الباكِياتُ بِمَدمَعٍ سَحّاحِ
مِن كُلِّ بادِيَةِ الضُلوعِ غَليلَةٍ
وَالماءُ في أَحشائِها مِلواحِ
تَبكي إِذا رَتَبَت وَتَضحَكُ إِن هَفَت
كَالعيسِ بَينَ تَنَشُّطٍ وَرَزاحِ
هِيَ في السَلاسِلِ وَالغُلولِ وَجارُها
أَعمى يَنوءُ بِنيرِهِ الفَدّاحِ
إِنّي لَأَذكُرُ بِالرَبيعِ وَحُسنِهِ
عَهدَ الشَبابِ وَطِرفِهِ المِمراحِ
هَل كانَ إِلّا زَهرَةً كَزُهورِهِ
عَجِلَ الفَناءُ لَها بِغَيرِ جُناحِ
هَولَ كينِ مِصرُ رِوايَةٌ لا تَنتَهي
مِنها يَدُ الكُتّابِ وَالشُرّاحِ
فيها مِنَ البُردِيِّ وَالمُزمورِ وَال
تَوراةِ وَالفُرقانِ وَالإِصحاحِ
وَمِنا وَقِمبيزٌ إِلى إِسكَندَرٍ
فَالقَيصَرَينِ فِذى الجَلالِ صَلاحِ
تِلكَ الخَلائِقُ وَالدُهورُ خَزانَةٌ
فَاِبعَث خَيالَكَ يَأتِ بِالمِفتاحِ
أُفقُ البِلادِ وَأَنتَ بَينَ رُبوعِها
بِالنَجمِ مُزدانٌ وَبِالمِصباحِ

بين الملامة فيكم والهوي الجلل

بين الملامة فيكم والهوى الجلل
لي موقف الدمع بين العذر والعذل
إذا سمعت لقلبي زاد بي كلَفى
وإن سمعت لغير القلب لم أخَل
والحب باللوم كالدنيا لصاحبها
لم يخل من راحة فيها ومن ملل
ودعتكم وفؤادي خافق بيدى
والبين يأخذ من حولي ومن حيلي
وما توهمت قلبي قبل فرقتكم
يهب مثل هبوب الركب والإبل
لما أجبن النوى وكَّلن بي حدقا
بين الشفاعة في الأحباب والسُّؤل
من علَّم العِيس نجوانا ورحمتنا
فأومأت برقاب خُشَّع ذُلُل
ردّوا إلى اليأس مضنى لا حراك به
لعل في اليأس بُرءاً ليس في الأمل
لو تبصرون وقوفى في منازلكم
رأيتم طللا يبكى على طلل
بليت مثل بلاها وارتدت سقمي
كلا الَّلبُوسين فيكم أجمل الحلل
لو كنت لازار أعطِى يوم منبعث
بذلته فوق عمري غير مبتذل
أو كنت يوشع تجرى الشمس طوع يدى
طمعت منكم غداة البين في المهل
أو كنت عيسى أعيد الميت سيرته
أعدت للسقم جسما مات بالعلل
أو كنت موسى يخط اليم لي سبلا
حملتكم في عيون سمحة السبل
مولاى عيدك عيد الناس كلهم
وأنت جامعة الأجناس والملل
وما صنوف الرعايا حافلين به
إلا كبيت برب البيت محتفل
وأنت كالشمس لم يخصص بها أفق
وأنت كالبدر لم يَرهَن على نزل
إن الملوك على الكرسيّ مربعها
وأنت تجلس في الأسماع والمُقَل
حللت من كل نفس في سريرتها
وقمت منها مكان البِشر والجذل
آل الندى لك والأمثال سائرة
ولو تقدمت ما زادت على مثل
إن يسبقوك لفضل أو لمكرمة
فالسبق في الدهر لا في الفضل للأُوَل
وأنت لولا تليد الملك تحرزه
من الشمائل في ملك وفي خول
بلوت في الجاه قوما والغنى نفرا
فما تهيبت كالأخلاق في الرجل
فهن من كل جاه أو غنى بدل
وما لهن إذا أخطأن من بدل
قل للمشارق موتى غير راجعة
ففي الممات شفاء الجهل والكسل
فما تعلاتها والموت مدركها
إلا كما أمن المسلول للأَجل
إن الشعوب إذا ما أدبرت حبست
مالا عن البر أو علما عن العمل
ونام كل نصوح عن مجاهلها
ولو أراد هدى أعيا فلم يقل
شقيت بالشعر في ناس أعوذ بهم
من أن يقول الأعادي شاعر الهمل
وضعت بالحمة الغرّاء في زمني
كما يضيع شعاع الشمس في الوحل
مولاى أحمد هذا لا سمىَّ له
وأنت كل سيوف العصر والدول
لما رأيتك تاج القرن مدّخرا
قلّدتك الماس من مدحي ومن غزلي
وبشرتني المنى فيما تحدثني
بمظهر لسرير النيل مقتبل
وسؤدد لأميري فوق سؤدده
وما المزيد الذي أرجو بمحتمل
وإنما أنا سار في سنا قمر
يقول للبدر في غاياته اكتمل

يا حمامة دنشواي

يا حمامة دنشواى
نوِّحي للسير جارى
تحت الظلام
كيلا ينام
الشنق حامى
والضرب داير
فين المحامي
ما فيش كلام

الناس للدنيا تبع

الناسُ لِلدُنيا تَبَع
وَلِمَن تُحالِفُهُ شِيَع
لا تَهجَعَنَّ إِلى الزَما
نِ فَقَد يُنَبَّهُ مَن هَجَع
وَاِربَأ بِحِلمِكَ في النَوا
زِلِ أَن يُلِمَّ بِهِ الجَزَع
لا تَخلُ مِن أَمَلٍ إِذا
ذَهَب الزَمانُ فَكَم رَجَع
وَاِنفَع بِوُسعِكَ كُلِّهِ
إِنَّ المُوَفَّقَ مَن نَفَع
مِصرٌ بِنَت لِقَضائِها
رُكناً عَلى النَجمِ اِرتَفَع
فيهِ اِحتَمى اِستِقلالُها
وَبِهِ تَحَصَّنَ وَاِمتَنَع
فَليَهنِها وَليَهنِنا
أَنَّ القَضاءَ بِهِ اِضطَلَع
اللَهُ صانَ رِجالَهُ
مِمّا يُدَنِّسُ أَو يَضَع
ساروا بِسيرَةِ مُنذِرٍ
وَأَبي حَنيفَةَ في الوَرَع
وَكَأَنَّ أَيّامَ القَضا
ءِ جَميعُها بِهِمُ الجُمَع
قُل لِلمُبَرَّإِ مُرقُصٍ
أَنتَ النَقِيُّ مِنَ الطَبَع
هَذا القَضاءُ رَماكَ بِال
يُمنى وَبِاليُسرى نَزَع
هَذا قَضاءُ اللَهِ مُم
تَثَلُ الحُكومَةِ مُتَّبَع
عُد لِلمُحاماةِ الشَري
فَةِ عَودَ مُشتاقٍ وَلِع
وَاِلبَس رِداءَكَ طاهِراً
كَرِداءِ مُرقُصَ في البِيَع
وَاِدفَع عَنِ المَظلومِ وَال
مَحرومِ أَبلَغَ مَن دَفَع
وَاِغفِر لِحاسِدِ نِعمَةٍ
بِالأَمسِ نالَكَ أَو وَقَع
ما في الحَياةِ لِأَن تُعا
تِبَ أَو تُحاسِبَ مُتَّسَع

الدب معروف بسوء الظن

الدُبُّ مَعروفٌ بِسوءِ الظَنِّ
فَاِسمَع حَديثَهُ العَجيبَ عَنّي
لَمّا اِستَطالَ المُكثَ في السَفينَه
مَلَّ دَوامَ العيشَةِ الظَنينَه
وَقالَ إِنَّ المَوتَ في اِنتِظاري
وَالماءُ لا شَكَّ بِهِ قَراري
ثُمَّ رَأى مَوجاً عَلى بُعدٍ عَلا
فَظَنَّ أَنَّ في الفَضاءِ جَبَلا
فَقالَ لا بُدَّ مِنَ النُزولِ
وَصَلتُ أَو لَم أَحظَ بِالوُصولِ
قَد قالَ مَن أَدَّبَهُ اِختِبارُه
السَعيُ لِلمَوتِ وَلا اِنتِظارُه
فَأَسلَمَ النَفسَ إِلى الأَمواجِ
وَهيَ مَعَ الرِياحِ في هياجِ
فَشَرِبَ التَعيسُ مِنها فَاِنتَفَخ
ثُمَّ رَسا عَلى القَرارِ وَرَسَخ
وَبَعدَ ساعَتَينِ غيضَ الماءُ
وَأَقلَعَت بِأَمرِهِ السَماءُ
وَكانَ في صاحِبِنا بَعضُ الرَمَق
إِذ جاءَهُ المَوتُ بَطيئاً في الغَرَق
فَلَمَحَ المَركَبَ فَوقَ الجودي
وَالرَكبُ في خَيرٍ وَفي سُعودِ
فَقالَ يا لَجَدّيَ التَعيسِ
أَسَأتَ ظَنّي بِالنَبي الرَئيسِ
ما كانَ ضَرَّني لَو اِمتَثَلتُ
وَمِثلَما قَد فَعَلوا فَعَلتُ