بارض الجيزة اجتاز الغمام

بِأَرضِ الجيزَةِ اِجتازَ الغَمامُ
وَحَلَّ سَماءَها البَدرُ التَمامُ
وَزارَ رِياضَ إِسماعيلَ غَيثٌ
كَوالِدِهِ لَهُ المِنَنُ الجِسامُ
ثَنى عِطفَيهِما الهَرَمانِ تيهاً
وَقالَ الثالِثُ الأَدنى سَلامُ
حَلُمّي مَنفُ هَذا تاجُ خوفو
كَقُرصِ الشَمسِ يَعرِفُهُ الأَنامُ
نَمَتهُ مِن بَني فِرعَونَ هامٌ
وَمِن خُلَفاءِ إِسماعيلَ هامُ
تَأَلَّقَ في سَمائِكِ عَبقَرِيّاً
عَلَيهِ جَلالَةٌ وَلَهُ وِسامُ
تَرَعرَعَتِ الحَضارَةُ في حُلاهُ
وَشَبَّ عَلى جَواهِرِهِ النِظامُ
وَنالَ الفَنُّ في أُولى اللَيالي
وَأُخراهُنَّ عِزّاً لا يُرامُ
مَشى في جيزَةِ الفُسطاطِ ظِلٌّ
كَظِلِّ النيلِ بُلَّ بِهِ الأُوامُ
إِذا ما مَسَّ تُرباً عادَ مِسكاً
وَنافَسَ تَحتَهُ الذَهَبَ الرَغامُ
وَإِن هُوَ حَلَّ أَرضاً قامَ فيها
جِدارٌ لِلحَضارَةِ أَو دِعامُ
فَمَدرَسَةٌ لِحَربِ الجَهلِ تُبنى
وَمُستَشفى يُذادُ بِهِ السَقامُ
وَدارٌ يُستَغاثُ بِها فَيَمضي
إِلى الإِسعافِ أَنجادٌ كِرامُ
أُساةُ جِراحَةٍ حيناً وَحيناً
مَيازيبٌ إِذا اِنفَجَرَ الضِرامُ
وَأَحواضٌ يُراضُ النيلُ فيها
وَكُلُّ نَجيبَةٍ وَلَها لِجامُ
أَبا الفاروقِ أَقبَلنا صُفوفاً
وَأَنتَ مِنَ الصُفوفِ هُوَ الإِمامُ
إِلى البَيتِ الحَرامِ بِكَ اِتَّجَهنا
وَمِصرُ وَحَقَّها البَيتُ الحَرامُ
طَلَعتَ عَلى الصَعيدِ فَهَشَّ حَتّى
عَلا شَفَتَي أَبي الهَولُ اِبتِسامُ
ركابٌ سارَتِ الآمالُ فيهِ
وَطافَ بِهِ التَلَفُّتُ وَالزِحامُ
فَماذا في طَريقِكَ مِن كُفورٍ
أَجَلُّ مِنَ البُيوتِ بِها الرِجامُ
كَأَنَّ الراقِدينَ بِكُلِّ قاعٍ
هُمُ الأَيقاظُ وَاليَقظى النِيامُ
لَقَد أَزَمَ الزَمانُ الناسَ فَاِنظُر
فَعِندَكَ تُفرَجُ الإِزَمُ العِظامُ
وَبَعدَ غَدٍ يُفارِقُ عامُ بُؤسٍ
وَيَخلفُهُ مِنَ النَعماءِ عامُ
يَدورُ بِمِصرَ حالاً بَعدَ حالٍ
زَمانٌ ما لِحالَيهِ دَوامُ
وَمِصرُ بِناءُ جَدِّكَ لَم يُتَمَّم
أَلَيسَ عَلى يَدَيكَ لَهُ تَمامُ
فَلَسنا أُمَّةً قَعَدَت بِشَمسٍ
وَلا بَلَداً بِضاعَتُهُ الكَلامُ
وَلَكِن هِمَّةٌ في كُلِّ حينٍ
يَشُدُّ بِناءَها المَلِكُ الهُمامُ
نَرومُ الغايَةَ القُصوى فَنَمضي
وَأَنتَ عَلى الطَريقِ هُوَ الزِمامُ
وَنَقصرُ خُطوَةً وَنَمُدُّ أُخرى
وَتُلجِئُنا المَسافَةُ وَالمَرامُ
وَنَصبرُ لِلشَدائِدِ في مَقامٍ
وَيَغلِبُنا عَلى صَبرٍ مَقامُ
فَقَوِّ حَضارَةَ الماضي بِأُخرى
لَها زَهوٌ بِعَصرِكَ وَاِتِّسامُ
تَرفُّ صَحائِفُ البَردِيِّ فيها
وَيَنطُقُ في هَياكِلِها الرُخامُ
رَعَتكَ وَوادِياً تَرعاهُ عَنّا
مِنَ الرَحمَنِ عَينٌ لا تَنامُ
فَإِن يَكُ تاجُ مِصرَ لَها قِواماً
فَمِصرُ لِتاجِها العالي قِوامُ
لِتَهنَأ مِصرُ وَليَهنَأ بَنوها
فَبَينَ الرَأسِ وَالجِسمِ اِلتِئامُ

في الموت ما اعيا وفي اسبابه

في المَوتِ ما أَعيا وَفي أَسبابِهِ
كُلُّ اِمرِئٍ رَهنٌ بِطَيِّ كِتابِهِ
أَسَدٌ لَعَمرُكَ مَن يَموتُ بِظُفرِهِ
عِندَ اللِقاءِ كَمَن يَموتُ بِنابِهِ
إِن نامَ عَنكَ فَكُلُّ طِبٍّ نافِعٌ
أَو لَم يَنَم فَالطِبُّ مِن أَذنابِهِ
داءُ النُفوسِ وَكُلُّ داءٍ قَبلَهُ
هَمٌّ نَسينَ مَجيئَهُ بِذَهابِهِ
النَفسُ حَربُ المَوتِ إِلّا أَنَّها
أَتَتِ الحَياةَ وَشُغلَها مِن بابِهِ
تَسَعُ الحَياةَ عَلى طَويلِ بَلائِها
وَتَضيقُ عَنهُ عَلى قَصيرِ عَذابِهِ
هُوَ مَنزِلُ الساري وَراحَةُ رائِحٍ
كَثُرَ النَهارُ عَلَيهِ في إِنعابِهِ
وَشَفاءُ هَذي الروحِ مِن آلامِها
وَدَواءُ هَذا الجِسمِ مِن أَوصابِهِ
مَن سَرَّهُ أَلّا يَموتَ فَبِالعُلا
خَلُدَ الرِجالُ وَبِالفِعالِ النابِهِ
ما ماتَ مَن حازَ الثَرى آثارَهُ
وَاِستَولَتِ الدُنيا عَلى آدابِهِ
قُل لِلمُدِلِّ بِمالِهِ وَبِجاهِهِ
وَبِما يُجِلُّ الناسُ مِن أَنسابِهِ
هَذا الأَديمُ يَصُدُّ عَن حُضّارِهِ
وَيَنامُ مِلءَ الجَفنِ عَن غُيّابِهِ
إِلّا فَنىً يَمشي عَلَيهِ مُجَدِّداً
ديباجَتَيهِ مُعَمِّراً بِخَرابِهِ
صادَت بِقارِعَةِ الصَعيدِ بَعوضَةٌ
في الجَوِّ صائِدَ بازِهِ وَعُقابِهِ
وَأَصابَ خُرطومُ الذُبابَةِ صَفحَةً
خُلِقَت لِسَيفِ الهِندِ أَو لِذُبابِهِ
طارَت بِخافِيَةِ القَضاءِ وَرَأرَأَت
بِكَريمَتَيهِ وَلامَسَت بِلُعابِهِ
لا تَسمَعَنَّ لِعُصبَةِ الأَرواحِ ما
قالوا بِباطِلِ عِلمِهِم وَكِذابِهِ
الروحُ لِلرَحمَنِ جَلَّ جَلالُهُ
هِيَ مِن ضَنائِنِ عِلمِهِ وَغِيابِهِ
غُلِبوا عَلى أَعصابِهِم فَتَوَهَّموا
أَوهامَ مَغلوبٍ عَلى أَعصابِهِ
ما آبَ جَبّارُ القُرونِ وَإِنَّما
يَومُ الحِسابِ يَكونُ يَومَ إِيابِهِ
فَذَروهُ في بَلَدِ العَجائِبِ مُغمَداً
لا تَشهَروهُ كَأَمسِ فَوقَ رِقابِهِ
المُستَبِدُّ يُطاقُ في ناووسِهِ
لا تَحتَ تاجَيهِ وَفَوقَ وِثابِهِ
وَالفَردُ يُؤمَنُ شَرُّهُ في قَبرِهِ
كَالسَيفِ نامَ الشَرُّ خَلفَ قِرابِهِ
هَل كانَ توتَنخٌ تَقَمَّصُ روحُهُ
قُمُصَ البَعوضِ وَمُستَخَسَّ إِهابِهِ
أَو كانَ يَجزيكَ الرَدى عَن صُحبَةٍ
وَهوَ القَديمُ وَفاؤُهُ لِصِحابِهِ
تَاللَهِ لَو أَهدى لَكَ الهَرَمَينِ مِن
ذَهَبٍ لَكانَ أَقَلَّ ما تُجزى بِهِ
أَنتَ البَشيرُ بِهِ وَقَيِّمُ قَصرِهِ
وَمُقَدِّمُ النُبَلاءِ مِن حُجّابِهِ
أَعلَمتَ أَقوامَ الزَمانِ مَكانَهُ
وَحَشَدتَهُم في ساحِهِ وَرِحابِهِ
لولا بَنانُكَ في طَلاسِمِ تُربِهِ
ما زادَ في شَرَفٍ عَلى أَترابِهِ
أَخنى الحِمامُ عَلى اِبنِ هِمَّةِ نَفسِهِ
في المَجدِ وَالباني عَلى أَحسابِهِ
الجائِبُ الصَخرَ العَتيدَ بِحاجِرٍ
دَبَّ الزَمانُ وَشَبَّ في أَسرابِهِ
لَو زايَلَ المَوتى مَحاجِرَهُم بِهِ
وَتَلَفَّتوا لَتَحَيَّروا كَضَبابِهِ
لَم يَألُهُ صَبراً وَلَم يَنِ هِمَّةً
حَتّى اِنثَنى بِكُنوزِهِ وَرِغابِهِ
أَفضى إِلى خَتمِ الزَمانِ فَفَضَّهُ
وَحَبا إِلى التاريخِ في مِحرابِهِ
وَطَوى القُرونَ القَهقَرى حَتّى أَتى
فِرعَونَ بَينَ طَعامِهِ وَشَرابِهِ
المَندَلُ الفَيّاحُ عودُ سَريرِهِ
وَاللُؤلُؤُ اللَمّاحُ وَشيُ ثِيابِهِ
وَكَأَنَّ راحَ القاطِفينَ فَرَغنَ مِن
أَثمارِهِ صُبحاً وَمِن أَرطابِهِ
جَدَثٌ حَوى ما ضاقَ غُمدانٌ بِهِ
مِن هالَةِ المُلكِ الجَسيمِ وَغابِهِ
بُنيانُ عُمرانٍ وَصَرحُ حَضارَةٍ
في القَبرِ يَلتَقِيانِ في أَطنابِهِ
فَتَرى الزَمانَ هُناكَ عِندَ مَشيبِهِ
مِثلَ الزَمانِ اليَومَ بَعدَ شَبابِهِ
وَتُحِسُّ ثَمَّ العِلمَ عِندَ عُبابِهِ
تَحتَ الثَرى وَالفَنُّ عِندَ عُجابِهِ
يا صاحِبَ الأُخرى بَلَغتَ مَحَلَّةً
هِيَ مِن أَخي الدُنيا مُناخُ رِكابِهِ
نُزُلٌ أَفاقَ بِجانِبَيهِ مِنَ الهَوى
مَن لا يُفيقُ وَجَدَّ مِن تَلعابِهِ
نامَ العَدُوُّ لَدَيهِ عَن أَحقادِهِ
وَسَلا الصَديقُ بِهِ هَوى أَحبابِهِ
الراحَةُ الكُبرى مِلاكُ أَديمِهِ
وَالسَلوَةُ الطولى قِوامُ تُرابِهِ
وادي المُلوكِ بَكَت عَلَيكَ عُيونُهُ
بِمُرَقرَقٍ كَالمُزنِ في تَسكابِهِ
أَلقى بَياضَ الغَيمِ عَن أَعطافِهِ
حُزناً وَأَقبَلَ في سَوادِ سَحابِهِ
يَأسى عَلى حَرباءِ شَمسِ نَهارِهِ
وَنَزيلُ قيعَتِهِ وَجارُ سَرابِهِ
وَيَوَدُّ لَو أُلبِستَ مِن بَردِيَّهِ
بُردَينِ ثُمَّ دُفِنتَ بَينَ شِعابِهِ
نَوَّهتَ في الدُنيا بِهِ وَرَفَعتَهُ
فَوقَ الأَديمِ بِطاحِهِ وَهِضابِهِ
أَخرَجتَ مِن قَبرٍ كِتابَ حَضارَةٍ
الفَنُّ وَالإِعجازُ مِن أَبوابِهِ
فَصَّلتَهُ فَالبَرقُ في إيجازِهِ
يُبنى البَريدُ عَلَيهِ في إِطنابِهِ
طَلَعا عَلى لَوزانَ وَالدُنيا بِها
وَعَلى المُحيطِ ما وَراءَ عُبابِهِ
جِئتَ الشُعوبَ المُحسِنينَ بِشافِعٍ
مِن مِثلِ مُتقَنِ فَنِّهِم وَلُبابِهِ
فَرَفَعتَ رُكناً لِلقَضِيَّةِ لَم يَكُن
سَحبانُ يَرفَعُهُ بِسِحرِ خِطابِهِ

اقول لقلبي والهوي يزحم الهوي

أقول لقلبي والهوى يزحم الهوى
حوالي الصبا والوجد بالوجد يلتقى
إذا أنت لم تعط الشبيبة حقها
ندمت على ما فات بعد التفرّق
وإنك حىّ ما خفقت مؤمّل
وإن حياتي في حياتك فاخفق

ايها القصر اترعي عهدنا

أيها القصر أترعى عهدنا
وتفى إن عز في الناس الوفى
لا تُضع عندك أسرار الهوى
واختزنها في الزوايا والحنِى
واتخذ ختما على أشيائه
إن أشياء الهوى كنز سنى
ذكريات كلما حركتها
ضاع من جدرانك المسك الزكي
قُبَل لم يحصها إلا الهوى
طِبن بالصبح وطيبن العشي
يجد الجسم لها همسا كما
خفق السنبل أو رنَ الحلى
وعناق كالجفون اشتبكت
والغصين التف باللدن الطرى
أيها القصر أنقضى عُرس الهوى
وطوى الإِصباح ليل الأنس طى
وقديما في الليالي لم تدم
بهجة العرس ولم يبق الدوِى

اليوم نسود بوادينا

اليَومَ نَسودُ بِوادينا
وَنُعيدُ مَحاسِنَ ماضينا
وَيُشيدُ العِزَّ بِأَيدينا
وَطَنٌ نَفديهِ وَيَفدينا
وَطَنٌ بِالحَقِّ نُؤَيِّدُهُ
وَبِعَينِ اللَهِ نُشَيِّدُهُ
وَنُحَسِّنُهُ وَنُزَيِّنُهُ
بِمَآثِرِنا وَمَساعينا
سِرُّ التاريخِ وَعُنصُرُهُ
وَسَريرُ الدَهرِ وَمِنبَرُهُ
وَجِنانُ الخُلدِ وَكَوثَرُهُ
وَكَفى الآباءُ رَياحينا
نَتَّخِذُ الشَمسَ لَهُ تاجا
وَضُحاها عَرشاً وَهّاجا
وَسَماءَ السُؤدُدِ أَبراجا
وَكَذَلِكَ كانَ أَوالينا
العَصرُ يَراكُمُ وَالأُمَمُ
وَالكَرنَكُ يَلحَظُ وَالهَرَمُ
أَبني الأَوطانَ أَلا هِمَمُ
كَبِناءِ الأَوَّلِ يَبنينا
سَعياً أَبَداً سَعياً سَعياً
لِأَثيلِ المَجدِ وَلِلعَليا
وَلنَجعَل مِصرَ هِيَ الدُنيا
وَلنَجعَل مِصرَ هِيَ الدُنيا

اليوم اصعد دون قبرك منبرا

اليَومَ أَصعَدُ دونَ قَبرِكَ مِنبَرا
وَأُقَلِّدُ الدُنيا رِثاءَكَ جَوهَرا
وَأَقُصُّ مِن شِعري كِتابَ مَحاسِنٍ
تَتَقَدَّمُ العُلَماءَ فيهِ مُسَطَّرا
ذِكراً لِفَضلِكَ عِندَ مِصرَ وَأَهلِها
وَالفَضلُ مِن حُرُماتِهِ أَن يُذكَرا
العِلمُ لا يُعلي المَراتِبَ وَحدَهُ
كَم قَدَّمَ العَمَلُ الرِجالَ وَأَخَّرا
وَالعِلمُ أَشبَهُ بِالسَماءِ رِجالُهُ
خُلِطَت جَهاماً في السَحابِ وَمُمطِرا
طُفنا بِقَبرِكَ وَاِستَلَمنا جَندَلاً
كَالرُكنِ أَزكى وَالحَطيمِ مُطَهَّرا
بَينَ التَشَرُّفِ وَالخُشوعِ كَأَنَّما
نَستَقبِلُ الحَرَمَ الشَريفَ مُنَوَّرا
لَو أَنصَفوكَ جَنادِلاً وَصَفائِحاً
جَعَلوكَ بِالذِكرِ الحَكيمِ مُسَوَّرا
يا مَن أَراني الدَهرُ صِحَّةَ وُدِّهِ
وَالوُدُّ في الدُنيا حَديثٌ مُفتَرى
وَسَمِعتُ بِالخُلُقِ العَظيمِ رِوايَةً
فَأَرانِيَ الخُلُقَ العَظيمَ مُصَوَّرا
ماذا لَقيتَ مِنَ الرُقادِ وَطولِهِ
أَنا فيكَ أَلقى لَوعَةً وَتَحَسُّرا
نَم ما بَدا لَكَ آمِناً في مَنزِلٍ
الدَهرُ أَقصَرُ فيهِ مِن سِنَةِ الكَرى
ما زِلتَ في حَمدِ الفِراشِ وَذَمِّهِ
حَتّى لَقيتَ بِهِ الفِراشَ الأَوثَرا
لا تَشكُوَنَّ الضُرَّ مِن حَشَراتِهِ
حَشَراتُ هَذا الناسِ أَقبَحُ مَنظَرا
يا سَيِّدَ النادي وَحامِلَ هَمِّهِ
خَلَّفتَهُ تَحتَ الرَزِيَّةِ موقَرا
شَهِدَ الأَعادي كَم سَهِرتَ لِمَجدِهِ
وَغَدَوتَ في طَلَبِ المَزيدِ مُشَمِّرا
وَكَمِ اِتَّقَيتَ الكَيدَ وَاِستَدفَعتَهُ
وَرَمَيتَ عُدوانَ الظُنونِ فَأَقصَرا
وَلَبِثتَ عَن حَوضِ الشَبيبَةِ ذائِداً
حَتّى جَزاكَ اللَهُ عَنهُ الكَوثَرا
شُبّانُ مِصرَ حِيالَ قَبرِكَ خُشَّعٌ
لا يَملِكونَ سِوى مَدامِعِهِم قِرى
جَمَعَ الأَسى لَكَ جَمعَهُم في واحِدٍ
كانَ الشَبابَ الواجِدَ المُستَعبِرا
لَولاكَ ما عَرَفوا التَعاوُنَ بَينَهُم
فيما يَسُرُّ وَلا عَلى ما كَدَّرا
حَيثُ اِلتَفَتَّ رَأَيتَ حَولَكَ مِنهُمُ
آثارَ إِحسانٍ وَغَرساً مُثمِرا
كَم مَنطِقٍ لَكَ في البِلادِ وَحِكمَةٍ
وَالعَقلُ بَينَهُما يُباعُ وَيُشتَرى
تَمشي إِلى الأَكواخِ تُرشِدُ أَهلَها
مَشيَ الحَوارِيّينَ يَهدونَ القُرى
مُتَواضِعاً لِلَّهِ بَينَ عِبادِهِ
وَاللَهُ يُبغِضُ عَبدَهُ المُتَكَبِّرا
لَم تَدرِ نَفسُكَ ما الغُرورُ وَطالَما
دَخَلَ الغُرورُ عَلى الكِبارِ فَصَغَّرا
في كُلِّ ناحِيَةٍ تَخُطُّ نِقابَةً
فيها حَياةُ أَخي الزِراعَةِ لَو دَرى
هِيَ كيمِياؤُكَ لا خُرافَةُ جابِرٍ
تَذَرُ المُقِلَّ مِنَ الجَماعَةِ مُكثِرا
وَالمالُ لا تَجني ثِمارَ رُؤوسِهِ
حَتّى يُصيبَ مِنَ الرُؤوسِ مُدَبِّرا
وَالمُلكُ بِالأَموالِ أَمنَعُ جانِباً
وَأَعَزُّ سُلطاناً وَأَصدَقُ مَظهَرا
إِنّا لَفي زَمَنٍ سِفاهُ شُعوبِهِ
في مُلكِهِم كَالمَرءِ في بَيتِ الكِرا
أَسِواكَ مِن أَهلِ المَبادِىءِ مَن دَعا
لِلجِدِّ أَو جَمَعَ القُلوبَ النُفَّرا
المَوتُ قَبلَكَ في البَرِيَّةِ لَم يَهَب
طَهَ الأَمينُ وَلا يَسوعُ الخَيِّرا
لَمّا دُعيتُ أَتَيتُ أَنثُرُ مَدمَعي
وَلَوِ اِستَطَعتَ نَثَرتُ جَفني في الثَرى
أَبكي يَمينَكَ في التُرابِ غَمامَةً
وَالصَدرَ بَحراً وَالفُؤادَ غَضَنفَرا
لَم أُعطَ عَنكَ تَصَبُّراً وَأَنا الَّذي
عَزَّيتُ فيكَ عَنِ الأَميرِ المَعشَرا
أَزِنُ الرِجالَ وَلي يَراعٌ طالَما
خَلَعَ الثَناءَ عَلى الكِرامِ مُحَبَّرا
بِالأَمسِ أَرسَلتُ الرِثاءَ مُمَسَّكاً
وَاليَومَ أَهتِفُ بِالثَناءِ مُعَنبَرا
غَيَّرتَني حُزناً وَغَيَّرَكَ البِلى
وَهَواكَ يَأبى في الفُؤادِ تَغَيُّرا
فَعَلَيَّ حِفظُ العَهدِ حَتّى نَلتَقي
وَعَلَيكَ أَن تَرعاهُ حَتّى نُحشَرا

انظر الي الاقمار كيف تزول

اُنظُر إِلى الأَقمارِ كَيفَ تَزولُ
وَإِلى وُجوهِ السَعدِ كَيفَ تَحولُ
وَإِلى الجِبالِ الشُمِّ كَيفَ يُميلُها
عادي الرَدى بِإِشارَةٍ فَتَميلُ
وَإِلى الرِياحِ تَخِرُّ دونَ قَرارِها
صَرعى عَلَيهِنَّ التُرابُ مَهيلُ
وَإِلى النُسورِ تَقاسَرَت أَعمارُها
وَالعَهدُ في عُمرِ النُسورِ يَطولُ
في كُلِّ مَنزِلَةٍ وَكُلِّ سَمِيَّةٍ
قَمَرٌ مِنَ الغُرِّ السُماةِ قَتيلُ
يَهوي القَضاءُ بِها فَما مِن عاصِمٍ
هَيهاتَ لَيسَ مِنَ القَضاءِ مُقيلُ
فَتحُ السَماءِ وَنورُها سَكَنا الثَرى
فَالأَرضُ وَلهى وَالسَماءُ ثَكولُ
سِر في الهَواءِ وَلُذ بِناصِيَةِ السُها
المَوتُ لا يَخفى عَلَيهِ سَبيلُ
وَاِركَب جَناحَ النَسرِ لا يَعصِمكَ مِن
نَسرٍ يُرَفرِفُ فيهِ عِزرائيلُ
وَلِكُلِّ نَفسٍ ساعَةٌ مَن لَم يَمُت
فيها عَزيزاً ماتَ وَهوَ ذَليلُ
أَإِلى الحَياةِ سَكَنتَ وَهيَ مَصارِعٌ
وَإِلى الأَماني يَسكَنُ المَسلولُ
لا تَحفَلَنَّ بِبُؤسِها وَنَعيمِها
نُعمى الحَياةِ وَبُؤسُها تَضليلُ
ما بَينَ نَضرَتِها وَبَينَ ذُبولِها
عُمرُ الوُرودِ وَإِنَّهُ لَقَليلُ
هَذا بَشيرُ الأَمسِ أَصبَحَ ناعِياً
كَالحُلمِ جاءَ بِضِدِّهِ التَأويلُ
يَجري مِنَ العَبَراتِ حَولَ حَديثِهِ
ما كانَ مِن فَرَحٍ عَلَيهِ يَسيلُ
وَلَرُبَّ أَعراسٍ خَبَأنَ مَأتَماً
كَالرُقطِ في ظِلِّ الرِياضِ تَقيلُ
يا أَيُّها الشُهَداءُ لَن يُنسى لَكُم
فَتحٌ أَغَرُّ عَلى السَماءِ جَميلُ
وَالمَجدُ في الدُنيا لِأَوَّلِ مُبتَنٍ
وَلِمَن شُيِّدَ بَعدَهُ فَيُطيلُ
لَولا نُفوسٌ زُلنَ في سُبُلِ العُلا
لَم يَهدِ فيها السالِكينَ دَليلُ
وَالناسُ باذِلُ روحِهِ أَو مالِهِ
أَو عِلمِهِ وَالآخَرونَ فُضولُ
وَالنَصرُ غُرَّتُهُ الطَلائِعُ في الوَغى
وَالتابِعونَ مِنَ الخَميسِ حُجولُ
كَم أَلفُ ميلٍ نَحوَ مِصرَ قَطَعتُم
فيمَ الوُقوفُ وَدونَ مِصرٍ ميلُ
طوروسُ تَحتَكِمُ ضَئيلٌ طَرفُهُ
لَمّا طَلَعتُم في السَحابِ كَليلُ
تَرخونَ لِلريحِ العِنانَ وَإِنَّها
لَكُم عَلى طُغيانِها لَذَلولُ
اِثنَينِ اِثرَ اِثنَينِ لَم يَخطُر لَكُم
أَنَّ المَنِيَّةَ ثالِثٌ وَزَميلُ
وَمِنَ العَجائِبِ في زَمانِكَ أَن يَفي
لَكَ في الحَياةِ وَفي المَماتِ خَليلُ
لَو كانَ يُفدى هالِكٌ لَفَداكُمُ
في الجَوِّ نَسرٌ بِالحَياةِ بَخيلُ
أَيُّ الغُزاةِ أُلي الشَهادَةِ قَبلَكُم
عَرضُ السَماءِ ضَريحُهُم وَالطولُ
يَغدو عَلَيكُم بِالتَحِيَّةِ أَهلُها
وَيُرَفرِفُ التَسبيحُ وَالتَهليلُ
إِدريسُ فَوقَ يَمينِهِ رَيحانَةٌ
وَيَسوعُ فَوقَ يَمينهِ إِكليلُ
في عالَمٍ سُكّانُهُ أَنفاسُهُم
طيبٌ وَهَمسُ حَديثِهِم إِنجيلُ
إِنّي أَخافُ عَلى السَماءِ مِنَ الأَذى
في يَومِ يُفسِدُ في السَماءِ الجيلُ
كانَت مُطَهَّرَةَ الأَديمِ نَقِيَّةً
لا آدَمٌ فيها وَلا قابيلُ
يَتَوَجَّهُ العاني إِلى رَحَماتِها
وَيَرى بِها بَرقَ الرَجاءِ عَليلُ
وَيُشيرُ بِالرَأسِ المُكَلَّلِ نَحوَها
شَيخٌ وَبِاللَحظِ البَريءِ بَتولُ
وَاليَومَ لِلشَهَواتِ فيها وَالهَوى
سَيلٌ وَلِلدَمِ وَالدُموعِ مَسيلُ
أَضحَت وَمِن سُفُنِ الجَواءِ طَوائِفٌ
فيها وَمِن خَيلِ الهَواءِ رَعيلُ
وَأُزيلَ هَيكَلُها المَصونُ وَسِرُّهُ
وَالدَهرُ لِلسِرِّ المَصونِ مُذيلُ
هَلِعَت دِمَشقُ وَأَقبَلَت في أَهلِها
مَلهوفَةً لَم تَدرِ كَيفَ تَقولُ
مَشَتِ الشُجونُ بِها وَعَمَّ غِياطَها
بَينَ الجَداوِلِ وَالعُيونِ ذُبولُ
في كُلِّ سَهلٍ أَنَّةٌ وَمَناحَةٌ
وَبِكُلِّ حَزنٍ رَنَّةٌ وَعَويلُ
وَكَأَنَّما نُعِيَت أُمَيَّةُ كُلُّها
لِلمَسجِدِ الأَمَوِيِّ فَهوَ طُلولُ
خَضَعَت لَكُم فيهِ الصُفوفُ وَأُزلِفَت
لَكُمُ الصَلاةُ وَقُرِّبَ التَرتيلُ
مِن كُلِّ نَعشٍ كَالثُرَيّا مَجدُهُ
في الأَرضِ عالٍ وَالسَماءِ أَصيلُ
فيهِ شَهيدٌ بِالكِتابِ مُكَفَّنٌ
بِمَدامِعِ الروحِ الأَمينِ غَسيلُ
أَعوادُهُ بَينَ الرِجالِ وَأَصلُهُ
بَينَ السُهى وَالمُشتَري مَحمولُ
يَمشي الجُنودُ بِهِ وَلَولا أَنَّهُم
أَولى بِذاكَ مَشى بِهِ جِبريلُ
حَتّى نَزَلتُم بُقعَةً فيها الهَوى
مِن قَبلُ ثاوٍ وَالسَماحُ نَزيلُ
عَظُمَت وَجَلَّ ضَريحُ يوسُفَ فَوقَها
حَتّى كَأَنَّ المَيتَ فيهِ رَسولُ
شِعري إِذا جُبتَ البِحارَ ثَلاثَةً
وَحَواكَ ظِلٌّ في فُروقَ ظَليلُ
وَتَداوَلَتكَ عِصابَةٌ عَرَبِيَّةٌ
بَينَ المَآذِنِ وَالقِلاعِ نُزولُ
وَبَلَغتَ مِن بابِ الخِلافَةِ سُدَّةً
لِسُتورِها التَمسيحُ وَالتَقبيلُ
قُل لِلإِمامِ مُحَمَّدٍ وَلِآلِهِ
صَبرُ العِظامِ عَلى العَظيمِ جَميلُ
تِلكَ الخُطوبُ وَقَد حَمَلتُم شَطرَها
ناءَ الفُراتُ بِشَطرِها وَالنيلُ
إِن تَفقِدوا الآسادَ أَو أَشبالَها
فَالغابُ مِن أَمثالِها مَأهولُ
صَبراً فَأَجرُ المُسلِمينَ وَأَجرُكُم
عِندَ الإِلَهِ وَإِنَّهُ لَجَزيلُ
يا مَن خِلافَتُهُ الرَضِيَّةُ عِصمَةٌ
لِلحَقِّ أَنتَ بِأَن يُحَقَّ كَفيلُ
وَاللَهُ يَعلَمُ أَنَّ في خُلَفائِهِ
عَدلاً يُقيمُ المُلكَ حينَ يَميلُ
وَالعَدلُ يَرفَعُ لِلمَمالِكِ حائِطاً
لا الجَيشُ يَرفَعُهُ وَلا الأُسطولُ
هَذا مَقامٌ أَنتَ فيهِ مُحَمَّدٌ
وَالرِفقُ عِندَ مُحَمَّدٍ مَأمولُ
بِاللَهِ بِالإِسلامِ بِالجُرحِ الَّذي
ما اِنفَكَّ في جَنبِ الهِلالِ يَسيلُ
إِلّا حَلَلتَ عَنِ السَجينِ وَثاقَهُ
إِنَّ الوِثاقَ عَلى الأُسودِ ثَقيلُ
أَيَقولُ واشٍ أَو يُرَدِّدُ شامِتٌ
صِنديدُ بُرقَةَ موثَقٌ مَكبولُ
هُوَ مِن سُيوفِكَ أَغمَدوهُ لِريبَةٍ
ما كانَ يُغمَدُ سَيفُكَ المَسلولُ
فَاِذكُر أَميرَ المُؤمِنينَ بَلاءَهُ
وَاِستَبقِهِ إِنَّ السُيوفَ قَليلُ

قف باللواحظ عند حدك

قِف بِاللَواحِظِ عِندَ حَدِّك
يَكفيكَ فِتنَةُ نارِ خَدِّك
وَاِجعَل لِغِمدِكَ هُدنَةً
إِنَّ الحَوادِثَ مِلءُ غِمدِك
وَصُنِ المَحاسِنَ عَن قُلو
بٍ لا يَدَينِ لَها بِجُندِك
نَظَرَت إِلَيكَ عَنِ الفُتو
رِ وَما اِتَّقَت سَطَواتِ حَدِّك
أَعلى رِواياتِ القَنا
ما كانَ نِسبَتُهُ لِقَدِّك
نالَ العَواذِلُ جَهدَهُم
وَسَمِعتَ مِنهُم فَوقَ جَهدِك
نَقَلوا إِلَيكَ مَقالَةً
ما كانَ أَكثَرُها لِعَبدِك
قَسَماً بِما حَمَّلتَني
فَحَمَلتُ مِن وَجدي وَصَدِّك
ما بي السِهامُ الكُثرُ مِن
جَفنَيكَ لَكِن سَهمُ بُعدِك

جعلت حلاها وتمثالها

جَعَلتُ حُلاها وَتِمثالَها
عُيونَ القَوافي وَأَمثالَها
وَأَرسَلتُها في سَماءِ الخَيالِ
تَجُرُّ عَلى النَجمِ أَذيالَها
وَإِنّي لِغِرّيدُ هَذي البِطاحِ
تَغَذّى جَناها وَسَلسالَها
تَرى مِصرَ كَعبَةَ أَشعارِهِ
وَكُلِّ مُعَلَّقَةٍ قالَها
وَتَلمَحُ بَينَ بُيوتِ القَصيد
حِجالَ العَروسِ وَأَحجالَها
أَدارَ النَسيبَ إِلى حُبِّها
وَوَلّى المَدائِحَ إِجلالَها
أَرَنَّ بِغابِرِها العَبقَرِيُّ
وَغَنّى بِمِثلِ البُكا حالَها
وَيَروي الوَقائِعَ في شِعرِهِ
يَروضُ عَلى البَأسِ أَطفالَها
وَما لَمَحوا بَعدُ ماءَ السُيوف
فَما ضَرَّ لَو لَمَحوا آلَها
وَيَومٍ ظَليلِ الضُحى مِن بَشنَسَ
أَفاءَ عَلى مِصرَ آمالَها
رَوى ظُلُّهُ عَن شَبابِ الزَمانِ
رَفيفَ الحَواشي وَإِخضالَها
مَشَت مِصرُ فيهِ تُعيدُ العُصورَ
وَيَغمُرُ ذِكرُ الصِبا بالَها
وَتَعرِضُ في المِهرَجانِ العَظيمِ
ضُحاها الخَوالي وَآصالَها
وَأَقبَلَ رَمسيسُ جَمَّ الجَلالِ
سَنِيَّ المَواكِبِ مُختالَها
وَما دانَ إِلّا بِشورى الأُمورِ
وَلا اِختالَ كِبراً وَلا اِستالَها
فَحَيّا بِأَبلَجَ مِثلِ الصِباحِ
وُجوهَ البِلادِ وَأَرسالَها
وَأَوما إِلى ظُلُماتِ القُرونِ
فَشَقَّ عَنِ الفَنِّ أَسدالَها
فَمَن يُبلِغُ الكَرنَكَ الأَقصُرِيَّ
وَيُنبِئُ طَيبَةَ أَطلالَها
وَيُسمِعُ ثَمَّ بِوادي المُلوكِ
مُلوكَ الدِيارِ وَأَقيالَها
وَكُلَّ مُخَلَّدَةٍ في الدُمى
هُنالِكَ لَم نُحصِ أَحوالَها
عَلَيها مِنَ الوَحيِ ديباجَةٌ
أَلَحَّ الزَمانُ فَما اِزدالَها
تَكادُ وَإِن هِيَ لَم تَتَّصِل
بِروحٍ تُحَرِّكُ أَوصالَها
وَما الفَنُّ إِلّا الصَريحُ الجَميلُ
إِذا خالَطَ النَفسَ أَوحى لَها
وَما هُوَ إِلّا جَمالُ العُقولِ
إِذا هِيَ أَولَتهُ إِجمالَها
لَقَد بَعَثَ اللَهُ عَهدَ الفُنونِ
وَأَخرَجَتِ الأَرضُ مَثّالَها
تَعالَوا نَرى كَيفَ سَوّى الصَفاةَ
فَتاةً تُلَملِمُ سِربالَها
دَنَت مِن أَبي الهَولِ مَشيَ الرَؤومِ
إِلى مُقعَدٍ هاجَ بَلبالَها
وَقَد جابَ في سَكَراتِ الكَرى
عُروضَ اللَيالي وَأَطوالَها
وَأَلقى عَلى الرَملِ أَرواقَهُ
وَأَرسى عَلى الأَرضِ أَثقالَها
يُخالُ لِإِطراقِهِ في الرِملِ
سَطيحَ العُصورِ وَرَمّالَها
فَقالَت تَحَرَّك فَهمَ الجَماد
كَأَنَّ الجَمادَ وَعى قالَها
فَهَل سَكَبَت في تَجاليدِهِ
شُعاعَ الحَياةِ وَسَيّالَها
أَتَذكُرُ إِذ غَضِبَت كَاللُباةِ
وَلَمَّت مِنَ الغيلِ أَشبالَها
وَأَلقَت بِهِم في غِمارِ الخُطوبِ
فَخاضوا الخُطوبَ وَأَهوالَها
وَثاروا فَجُنَّ جُنونُ الرِياحِ
وَزُلزِلَتِ الأَرضُ زِلزالَها
وَباتَ تَلَمُّسُهُم شَيخَهُم
حَديثَ الشُعوبِ وَأَشغالَها
وَمَن ذا رَأى غابَةً كافَحَت
فَرَدَّت مِن الأَسرِ رِئبالَها
وَأَهيَبُ ما كانَ يَأسُ الشُعوبِ
إِذا سَلَّحَ الحَقُّ أَعزالَها
فُوادُ اِرفَعِ السِترَ عَن نَهضَةٍ
تَقَدَّمَ جَدُّكَ أَبطالَها
وَرُبَّ اِمرِئٍ لَم تَلِدهُ البِلادُ
نَماها وَنَبَّهَ أَنسالَها
وَلَيسَ اللَآلِئُ مِلكَ البُحورِ
وَلَكِنَّها مِلكُ مَن نالَها
وَما كَعَلِيٍّ وَلا جيلِهِ
إِذا عَرَضَت مِصرُ أَجيالَها
بَنَوا دَولَةً مِن بَناتِ الأَسِنَّ
ةِ لَم يَشهَدِ النيلُ أَمثالَها
لَئِن جَلَّلَ البَحرَ أُسطولُها
لَقَد لَبِسَ البَرُّ قِسطالَها
فأَمّا أَبوكَ فَدُنيا الحَضا
رَةِ لَو سالَمَ الدَهرُ إِقبالَها
تَخَيَّر إِفريقيا تاجَهُ
وَرَكَّبَ في التاجِ صومالَها
رِكابُكَ يا اِبنَ المُعِزِّ الغُيوثُ
وَيَفضُلنَ في الخَيرِ مِنوالَها
إِذا سِرنَ في الأَرضِ نَسَّينَها
رِكابَ السَماءِ وَأَفضالَها
فَلَم تَبرِحِ القَصرَ إِلّا شَفيتَ
جُدوبَ العُقولِ وَإِمحالَها
لَقَد رَكَّبَ اللهُ في ساعِدَيكَ
يَمينَ الجُدودِ وَشيمالَها
تَخُطُّ وَتَبني صُروحَ العُلومِ
وَتَفتَحُ لِلشَرقِ أَقفالَها

كم لنا من عجيبة

كم لنا من عجيبة
طى هذى البسيطةِ
أمم قد تغيرت
وبلاد تولتِ
وبحار تحوّلت
من مكان لبقعة
ثم نابت جزيرة
عندها عن جزيرة
حدّثينا حديثهم
وصِفى القوم وانعتي
دول قد تصرمت
دولة إثر دولة
وقرون تلاحقت
وعصور تقضت
ذهب الدهر كله
بين يوم وليلة