اقدم فليس علي الاقدام ممتنع

أَقدِم فَلَيسَ عَلى الإِقدامِ مُمتَنِعُ
وَاِصنَع بِهِ المَجدَ فَهوَ البارِعُ الصَنَعُ
لِلناسِ في كُلِّ يَومٍ مِن عَجائِبِهِ
ما لَم يَكُن لِاِمرِئٍ في خاطِرٍ يَقَعُ
هَل كانَ في الوَهمِ أَنَّ الطَيرَ يَخلُفُها
عَلى السَماءِ لَطيفُ الصُنعِ مُختَرَعُ
وَأَنَّ أَدراجَها في الجَوِّ يَسلُكُها
جِنٌّ جُنودُ سُلَيمانٍ لَها تَبَعُ
أَعيا العُقابَ مَداهُم في السَماءِ وَما
راموا مِنَ القُبَّةِ الكُبرى وَما فَرَعوا
قُل لِلشَبابِ بِمِصرَ عَصرُكُم بَطَلٌ
بِكُلِّ غايَةِ إِقدامٍ لَهُ وَلَعُ
أُسُّ المَمالِكِ فيهِ هِمَّةٌ وَحِجىً
لا التُرَّهاتُ لَها أُسٌّ وَلا الخِدَعُ
يُعطي الشُعوبَ عَلى مِقدارِ ما نَبَغوا
وَلَيسَ يَبخَسُهُم شَيئاً إِذا بَرَعوا
ماذا تُعِدّونَ بَعدَ البَرلَمانِ لَهُ
إِذا خِيارُكُمُ بِالدَولَةِ اِضطَلَعوا
البَرُّ لَيسَ لَكُم في طولِهِ لُجُمٌ
وَالبَحرُ لَيسَ لَكُم في عَرضِهِ شُرُعُ
هَل تَنهَضونَ عَساكُمُ تَلحَقونَ بِهِ
فَلَيسَ يَلحَقُ أَهلَ السَيرِ مُضطَجِعُ
لا يُعجَبَنَّكُمُ ساعٍ بِتَفرِقَةٍ
إِنَّ المِقَصَّ خَفيفٌ حينَ يَقتَطِعُ
قَد أَشهَدوكُم مِنَ الماضي وَما نَبَشَت
مِنهُ الضَغائِنُ ما لَم تَشهَدِ الضَبُعُ
ما لِلشَبابِ وَلِلماضي تَمُرُّ بِهِم
فيهِ عَلى الجِيَفِ الأَحزابُ وَالشِيَعُ
إِنَّ الشَبابَ غَدٌ فَليَهدِهِم لِغَدٍ
وَلِلمَسالِكِ فيهِ الناصِحُ الوَرِعُ
لا يَمنَعَنَّكُمُ بِرُّ الأُبُوَّةِ أَن
يَكونَ صُنعُكُمُ غَيرَ الَّذي صَنَعوا
لا يُعجِبَنَّكُمُ الجاهُ الَّذي بَلَغوا
مِنَ الوِلايَةِ وَالمالُ الَّذي جَمَعوا
ما الجاهُ وَالمالُ في الدُنيا وَإِن حَسُنا
إِلّا عَوارِيُّ حَظٍّ ثُمَّ تُرتَجَعُ
عَلَيكُمُ بِخَيالِ المَجدِ فَأتَلِفوا
حِيالَهُ وَعَلى تِمثالِهِ اِجتَمَعوا
وَأَجمِلوا الصَبرَ في جِدٍّ وَفي عَمَلٍ
فَالصَبرُ يَنفَعُ ما لا يَنفَعُ الجَزَعُ
وَإِن نَبَغتُم فَفي عِلمٍ وَفي أَدَبٍ
وَفي صِناعاتِ عَصرٍ ناسُهُ صُنُعُ
وَكُلُّ بُنيانِ قَومٍ لا يَقومُ عَلى
دَعائِمَ العَصرِ مِن رُكنَيهِ مُنصَدِعُ
شَريفُ مَكَّةَ حُرٌّ في مَمالِكِهِ
فَهَل تُرى القَومُ بِالحُرِيَّةِ اِنتَفَعوا
كَم في الحَياةِ مِنَ الصَحراءِ مِن شَبَهٍ
كِلتاهُما في مُفاجاةِ الفَنى شَرَعُ
وَراءَ كُلِّ سَبيلٍ فيهِما قَدَرٌ
لا تَعلَمُ النَفسُ ما يَأتي وَما يَدَعُ
فَلَستَ تَدري وَإِن كُنتَ الحَريصَ مَتى
تَهُبُّ ريحاهُما أَو يَطلُعُ السَبَعُ
وَلَستَ تَأمَنُ عِندَ الصَحوِ فاجِئَةً
مِنَ العَواصِفِ فيها الخَوفُ وَالهَلَعُ
وَلَستَ تَدري وَإِن قَدَّرتَ مُجتَهِداً
مَتى تَحُطُّ رِحالاً أَو مَتى تَضَعُ
وَلَستَ تَملُكُ مِن أَمرِ الدَليلِ سِوى
أَنَّ الدَليلَ وَإِن أَرداكَ مُتَّبَعُ
وَما الحَياةُ إِذا أَظمَت وَإِن خَدَعَت
إِلّا سَرابٌ عَلى صَحراءَ يَلتَمِعُ
أَكبَرتُ مِن حَسَنَينٍ هِمَّةً طَمَحَت
تَروُم ما لا يَرومُ الفِتيَةُ القُنُعُ
وَما البُطولَةُ إِلّا النَفسُ تَدفَعُها
فيما يُبَلِغُها حَمداً فَتَندَفِعُ
وَلا يُبالي لَها أَهلٌ إِذا وَصَلوا
طاحوا عَلى جَنَباتِ الحَمدِ أَم رَجَعوا
رَحّالَةَ الشَرقِ إِنَّ البيدَ قَد عَلِمَت
بِأَنَّكَ اللَيثُ لَم يُخلَق لَهُ الفَزَعُ
ماذا لَقيتَ مِنَ الدَوِّ السَحيقِ وَمِن
قَفرٍ يَضيقُ عَلى الساري وَيَتَّسِعُ
وَهَل مَرَرتَ بِأَقوامٍ كَفِطرَتِهِم
مِن عَهدِ آدَمَ لا خُبثٌ وَلا طَبَعُ
وَمِن عَجيبٍ لِغَيرِ اللَهِ ما سَجَدوا
عَلى الفَلا وَلِغَيرِ اللَهِ ما رَكَعوا
كَيفَ اِهتَدى لَهُمُ الإِسلامُ وَاِنتَقَلَت
إِلَيهُمُ الصَلَواتُ الخَمسُ وَالجُمَعُ
جَزَتكَ مِصرُ ثَناءً أَنتَ مَوضِعُهُ
فَلا تَذُب مِن حَياءٍ حينَ تَستَمِعُ
وَلَو جَزَتكَ الصَحارى جِئتَنا مَلِكاً
مِنَ المُلوكِ عَلَيكَ الريشُ وَالوَدَعُ

يحمي فرنسا فتية

يحمى فرنسا فتية
ما منهمو إلا أسامه
حاطوا الحمى الغالي كما
حاطوا من الحق الدعامه
لما أصاروا النوط في
يوم الفخار هو العلامه
كانوا الحمائم قل أن
تحلو من الطوق الحمامه
يا من يذود عن الحمى
نلت العلامة والسلامه

قد سمع الثعلب اهل القري

قَد سَمِعَ الثَعلَبُ أَهلَ القُرى
يَدعونَ مُحتالاً بِيا ثَعلَبُ
فَقالَ حَقّاً هَذِهِ غايَةٌ
في الفَخرِ لا تُؤتى وَلا تُطلَبُ
مَن في النُهى مِثلِيَ حَتّى الوَرى
أَصبَحتُ فيهِم مَثَلاً يُضرَبُ
ما ضَرَّ لَو وافَيتُهُم زائِراً
أُريهُمُ فَوقَ الَّذي اِستَغرَبوا
لَعَلَّهُم يُحيونَ لي زينَةً
يَحضُرُها الديكُ أَوِ الأَرنَبُ
وَقَصَدَ القَومَ وَحَيّاهُمُ
وَقامَ فيما بَينَهُم يَخطُبُ
فَأُخِذَ الزائِرُ مِن أُذنِهِ
وَأُعطِيَ الكَلبَ بِهِ يَلعَبُ
فَلا تَثِق يَوماً بِذي حيلَةٍ
إِذ رُبَّما يَنخَدِعُ الثَعلَبُ

قالوا فرنسا انذرت سلطاننا

قالوا فرنسا أنذرت سلطاننا
قطع العلائق والوعيد مهول
وتساءلوا ماذا يكون فعالها
فأجبتهم فاشودة وتزول
لك أن تلوم ولى من الأعذار
إن الهوى قَدَر من الأقدار
ما كنت أُسلم للعيون سلامتي
وأبيح حادثة الغرام وقارى
وطَر تعلَّقه الفؤاد وينقضى
والنفس ماضية مع الأوطار
يا قلب شأنك لا أمدّك في الهوى
أبدا ولا أدعوك للإقصار
أمرى وأمرك في الهوى بيد الهوى
لو أنه بيدى فككت إسارى
جَارِ الشبيبة وأنتفع بجوارها
قبل المشيب فما له من جار
مَثَل الحياة تُحَبُّ في عهد الصبا
مثَل الرياض تحب في آذار
أبدا فروق من البلاد هي المنى
ومناى منها ظبية بسوار
ممنوعة إلا الجمال بأسره
محجوبة إلا عن الأنظار
خطَواتها التقوى فلا مزهوَّة
تمشى الدلال ولا بذات نِفَار
مرت بنا فوق الخليج فأسفرت
عن جَنة وتلفتت عن نار
في نسوة يورِدن من شِئن الردى
نظَرا ولا ينظرن في الإِصدار
عارضتُهن وبين قلبي والهوى
أمر أحاول كتمه وأداري
وسالت ما شغل الملائك بالثرى
فأجبن عيد خليفة المختار
صبحَ الجلوس جلتك أشرف ليلة
وجلوت للدنيا أجل نهار
الملك بينهما بأيمن طالع
والدين بينهما بخير منار
تاب الزمان إليه عن أحداثه
بفتى على أحداثه جبار
عمر الأمانة لا تراه غافلا
عن حرمة أو نائما عن ثار
عش يا أمير المؤمنين لأمة
ترضاك في الإعلان والإسرار
لو كان يجلس في الجوارح مالك
لجلست في الأسماع والأبصار
إن الذي جعل الخلافة هالة
قد زانها بالبدر في الأقمار
ألقى أزِمتها إليك وحازها
لك عن خلائف أربعين كبار
تعطى المشارق كل عام عيدها
بمجمل الأعوام والأعصار
بابر ممدود البناء بنى لها
ركنا قد كانت بغير جدار
ويهز عطفيه الزمان ويزدهى
بأغر فيه محجل الآثار
جالى الجنودَ كأنهم شهب الدجى
ومنيرهم من كل ليث ضار
ولقد ينال حمى الإله ببعضهم
مالا تنال الأرض بالأسوار
أخليفة الرحمن دعوة مهتد
بإمامة في ضوء يلدز سار
لك أن تقرّ البيض في أغمادها
أو تترك الدنيا بغير قرار
فاختر لبأسك قرِنه وأربأ به
أن يلتقى بسفاسف الأحرار
إن يستعينوا بالسباب فإنه
حولُ الضعيف وحيلة المخوار
مما يبلغني رضاكم أنني
حسّان أبغى الله في أشعاري
ما زلت أهدى كل صالحة لكم
حتى وهبت لكم ثواب البارى

علي قدر الهوي ياتي العتاب

على قدر الهوى يأتي العتاب
ومن عاتبت تفديه الصحاب
صحوت فأنكر السلوانَ قلبي
علىّ وراجع الطربَ الشباب
وللعيش الصبا فإذا تولى
فكل بقية في الكأس صاب
وما ورثت له عندى حبال
ولا ضاقت له عني ثياب
كأنّ رواية الأشواق عود
على بدء وما كمل الكتاب
إذا ما اعتضت عن عشق بعشق
أُعيد الكأس وامتدّ الشراب
وكل هوى بلائمة مشوب
وحبك في الملامة لا يشاب
لأنك أنت للأوطان كهف
وأنت حقوق مصرِك والطِلاب
فأهلا بالأمير وما رأينا
هلالا تستقرّ به الركاب
ولا شمسا برأس التنين حلّت
وفي الدنيا ضحاها واللعاب
تغيب عن البلاد وعن بنيها
وما لك عن قلوبهم غياب
أظلتك الخلافة في ذراها
وبرت سوحها بك والرحاب
وفُتِّح للرعاية ألف باب
هناك وسُدّ للواشين باب
وردنا الماء بينكما نميرا
وأظمأَ من يريبكما السراب
وما وجدوا لمفسدة مجالا
ولكن تنبح القمر الكلاب
فعيشا فرقدين من الليالي
وعاش خلائق بكما وطابوا
نداء الخلف بينكما عقيم
وداعي الله بينكما مجاب

انا من بدل بالكتب الصحابا

أَنا مَن بَدَّلَ بِالكُتبِ الصِحابا
لَم أَجِد لي وافِياً إِلّا الكِتابا
صاحِبٌ إِن عِبتَهُ أَو لَم تَعِب
لَيسَ بِالواجِدِ لِلصاحِبِ عابا
كُلَّما أَخلَقتُهُ جَدَّدَني
وَكَساني مِن حِلى الفَضلِ ثِيابا
صُحبَةٌ لَم أَشكُ مِنها ريبَةً
وَوِدادٌ لَم يُكَلِّفني عِتابا
رُبَّ لَيلٍ لَم نُقَصِّر فيهِ عَن
سَمَرٍ طالَ عَلى الصَمتِ وَطابا
كانَ مِن هَمِّ نَهاري راحَتي
وَنَدامايَ وَنَقلِيَ وَالشَرابا
إِن يَجِدني يَتَحَدَّث أَو يَجِد
مَلَلاً يَطوي الأَحاديثَ اِقتِضابا
تَجِدُ الكُتبَ عَلى النَقدِ كَما
تَجِدُ الإِخوانَ صِدقاً وَكِذابا
فَتَخَيَّرها كَما تَختارُهُ
وَاِدَّخِر في الصَحبِ وَالكُتبِ اللُبابا
صالِحُ الإِخوانِ يَبغيكَ التُقى
وَرَشيدُ الكُتبِ يَبغيكَ الصَوابا
غالِ بِالتاريخِ وَاِجعَل صُحفَهُ
مِن كِتابِ اللَهِ في الإِجلالِ قابا
قَلِّبِ الإِنجيلَ وَاِنظُر في الهُدى
تَلقَ لِلتاريخِ وَزناً وَحِسابا
رُبَّ مَن سافَرَ في أَسفارِهِ
بِلَيالي الدَهرِ وَالأَيّامِ آبا
وَاِطلُبِ الخُلدَ وَرُمهُ مَنزِلاً
تَجِدِ الخُلدَ مِنَ التاريخِ بابا
عاشَ خَلقٌ وَمَضَوا ما نَقَصوا
رُقعَةَ الأَرضِ وَلا زادوا التُرابا
أَخَذَ التاريخُ مِمّا تَرَكوا
عَمَلاً أَحسَنَ أَو قَولاً أَصابا
وَمِنَ الإِحسانِ أَو مِن ضِدِّهِ
نَجَحَ الراغِبُ في الذِكرِ وَخابا
مَثَلُ القَومِ نَسوا تاريخَهُم
كَلَقيطٍ عَيَّ في الناسِ اِنتِسابا
أَو كَمَغلوبٍ عَلى ذاكِرَةٍ
يَشتَكي مِن صِلَةِ الماضي اِنقِضابا
يا أَبا الحُفّاظِ قَد بَلَّغتَنا
طِلبَةً بَلَّغَكَ اللَهُ الرِغابا
لَكَ في الفَتحِ وَفي أَحداثِهِ
فَتَحَ اللَهُ حَديثاً وَخِطابا
مَن يُطالِعهُ وَيَستَأنِس بِهِ
يَجِدُ الجِدَّ وَلا يَعدَم دِعابا
صُحُفٌ أَلَّفَتها في شِدَّةٍ
يَتَلاشى دونَها الفِكرُ اِنتِهابا
لُغَةُ الكامِلِ في اِستِرسالِهِ
وَاِبنُ خَلدونَ إِذا صَحَّ وَصابا
إِنَّ لِلفُصحى زِماماً وَيَداً
تَجنِبُ السَهلَ وَتَقتادُ الصَعابا
لُغَةُ الذِكرِ لِسانُ المُجتَبى
كَيفَ تَعيا بِالمُنادينَ جَوابا
كُلُّ عَصرٍ دارُها إِن صادَفَت
مَنزِلاً رَحباً وَأَهلاً وَجَنابا
إِئتِ بِالعُمرانِ رَوضاً يانِعاً
وَاِدعُها تَجرِ يَنابيعَ عِذابا
لا تَجِئها بِالمَتاعِ المُقتَنى
سَرَقاً مِن كُلِّ قَومٍ وَنِهابا
سَل بِها أَندَلُساً هَل قَصَّرَت
دونَ مِضمارِ العُلى حينَ أَهابا
غُرِسَت في كُلِّ تُربٍ أَعجَمٍ
فَزَكَت أَصلاً كَما طابَت نِصابا
وَمَشَت مِشيَتَها لَم تَرتَكِب
غَيرَ رِجلَيها وَلَم تَحجِل غُرابا
إِنَّ عَصراً قُمتَ تَجلوهُ لَنا
لَبِسَ الأَيّامَ دَجناً وَضَبابا
المَماليكُ تَمَشّى ظُلمُهُم
ظُلُماتٍ كَدُجى اللَيلِ حِجابا
كُلُّهُم كافورُ أَو عَبدُ الخَنا
غَيرَ أَنَّ المُتَنَبّي عَنهُ خابا
وَلِكُلٍّ شيعَةٌ مِن جِنسِهِ
إِنَّ لِلشَرِّ إِلى الشَرِّ اِنجِذابا
ظُلُماتٌ لا تَرى في جُنحِها
غَيرَ هَذا الأَزهَرِ السَمحِ شِهابا
زيدَتِ الأَخلاقُ فيهِ حائِطاً
فَاِحتَمى فيها رِواقاً وَقِبابا
وَتَرى الأَعزالَ مِن أَشياخِهِ
صَيَّروهُ بِسِلاحِ الحَقِّ غابا
قَسَماً لَولاهُ لَم يَبقَ بِها
رَجُلٌ يَقرَأُ أَو يَدري الكِتابا
حَفِظَ الدينَ مَلِيّاً وَمَضى
يُنقِذُ الدُنيا فَلَم يَملِك ذَهابا
أوذِيَت هَيبَتُهُ مِن عَجزِهِ
وَقُصارى عاجِزٍ أَن لا يُهابا
لَم تُغادِر قَلَماً في راحَةٍ
دَولَةٌ ما عَرَفَت إِلّا الحِرابا
أَقعَدَ اللَهُ الجَبرَتِيَّ لَها
قَلَماً عَن غائِبِ الأَقلامِ نابا
خَبَّأَ الشَيخُ لَها في رُدنِهِ
مِرقَماً أَدهى مِنَ الصِلِّ اِنسِيابا
مَلِكٌ لَم يُغضِ عَن سَيِّئَةٍ
يا لَهُ مِن مَلَكٍ يَهوى السِبابا
لا يَراهُ الظُلمُ في كاهِلِهِ
وَهوَ يَكوي كاهِلَ الظُلمِ عِقابا
صُحُفُ الشَيخِ وَيَومِيّاتُهُ
كَزَمانِ الشَيخِ سُقماً وَاِضطِرابا
مِن حَواشٍ كَجَليدٍ لَم يَذُب
وَفُصولٍ تُشبِهُ التِبرَ المُذابا
وَالجَبَرتِيُّ عَلى فِطنَتِهِ
مَرَّةً يَغبى وَحيناً يَتَغابى
مُنصِفٌ ما لَم يَرُض عاطِفَةً
أَو يُعالِجُ لِهَوى النَفسِ غِلابا
وَإِذا الحَيُّ تَوَلّى بِالهَوى
سيرَةَ الحَيِّ بَغى فيها وَحابى
وَقعَةُ الأَهرامِ جَلَّت مَوقِعاً
وَتَعالَت في المَغازي أَن تُرابا
عِظَةُ الماضي وَمُلقى دَرسِهِ
لِعُقولٍ تَجعَلُ الماضي مَثابا
مِن بَناتِ الدَهرِ إِلّا أَنَّها
تَنشُرُ الدَهرَ وَتَطويهِ كَعابا
وَمِنَ الأَيّامِ ما يَبقى وَإِن
أَمعَنَ الأَبطالُ في الدَهرِ اِحتِجابا
هِيَ مِن أَيِّ سَبيلٍ جِئتَها
غايَةٌ في المَجدِ لا تَدنو طِلابا
اُنظُرِ الشَرقَ تَجِدها صَرَّفَت
دَولَةَ الشَرقِ اِستِواءً وَاِنقِلابا
جَلَبَت خَيراً وَشَرّاً وَسَقَت
أُمَماً في مَهدِهِم شُهداً وَصابا
في نَصيبينَ لَبِسنا حُسنَها
وَعَلى التَلِّ لَبِسناها مَعابا
إِنَّ سِرباً زَحَفَ النَسرُ بِهِ
قَطَعَ الأَرضَ بِطاحاً وَهِضابا
إِن تَرامَت بَلَداً عِقبانُهُ
خَطَفَت تاجاً وَاِصطادَت عُقابا
شَهِدَ الجَيزِيُّ مِنهُم عُصبَةً
لَبِسوا الغارَ عَلى الغارِ اِغتِصابا
كَذِئابِ القَفرِ مِن طولِ الوَغى
وَاِختِلافِ النَقعِ لَوناً وَإِهابا
قادَهُم لِلفَتحِ في الأَرضِ فَتىً
لَو تَأَنّى حَظَّهُ قادَ الصَحابا
غَرَّتِ الناسَ بِهِ نَكبَتُهُ
جَمَعَ الجُرحُ عَلى اللَيثِ الذُبابا
بَرَزَت بِالمَنظَرِ الضاحي لَهُم
فَيلَقٌ كَالزَهرِ حُسناً وَاِلتِهابا
حُلِّيَ الفُرسانُ فيها جَوهَراً
وَجَلالُ الخَيلِ دُرّاً وَذَهابا
في سِلاحٍ كَحُلِيِّ الغيدِ ما
لَمَسَت طَعناً وَلا مَسَّت ضِرابا
طَرِحَت مِصرٌ فَكانَت مومِيا
بَينَ لِصَّينِ أَراداها جُذابا
نالَها الأَعرَضُ ظَفَراً مِنهُما
مِن ذِئابِ الحَربِ وَالأَطوَلُ نابا
وَبَنو الوادي رِجالاتُ الحِمى
وَقَفوا مِن ساقِهِ الجَيشَ ذُنابى
مَوقِفَ العاجِزِ مِن حِلفِ الوَغى
يَحرُسُ الأَحمالَ أَو يَسقي مُصابا

كان ذئب يتغذي

كانَ ذِئبٌ يَتَغَذّى
فَجَرَت في الزَورِ عَظمَه
أَلزَمَتهُ الصَومَ حَتّى
فَجَعَت في الروحِ جِسمَه
فَأَتى الثَعلَبُ يَبكي
وَيُعَزّي فيهِ أُمَّه
قالَ يا أُمَّ صَديقي
بِيَ مِمّا بِكِ غُمَّه
فَاِصبِري صَبراً جَميلاً
إِنَّ صَبرَ الأُمِّ رَحمَه
فَأَجابَت يا اِبنَ أُختي
كُلُّ ما قَد قُلتَ حِكمَه
ما بِيَ الغالي وَلَكِن
قَولُهُم ماتَ بِعَظمَه
لَيتَهُ مِثلَ أَخيهِ
ماتَ مَحسوداً بِتُخمَه

ايدسن ماذا تري في الكهرباء

إيدسن ماذا ترى في الكهرباء
أنت في الأرض فمن ذا في السماء
إن تكن تحكم في أزرارها
إنه في يده زر القضاء
كلما حركه في خلقه
ذهب العقل وجنّ العقلاء
فتأمّل هل ترى من حيلة
في سلوك مرسلات من ذكاء
قد حكيت الشمس حتى غضبت
من نحاس تجعل الصيف شتاء
من رآها قال قد سخّرها
لك من سخرها للأنبياء
لُعبة الناظر في غرفته
أم أفاد العلم أم أجدى الثراء
يا ملوك المال فيما زعموا
هل ملكتم خطرات من هواء
ليت لي الريح فسامتكمو
وأخذت الملك بيعا وشراء
أُشرك البائس في نعمائه
وأسوِّى القسم بين الفقراء
صدق الواهم منكم إنها
لهي الدنيا خيال وهباء
كل ما ساء وما سرّ بها
ينقضى بين صباح ومساء

صحا القلب الا من خمار اماني

صَحا القَلبُ إِلّا مِن خُمارِ أَماني
يُجاذِبُني في الغيدِ رَثَّ عِناني
حَنانَيكَ قَلبي هَل أُعيدُ لَكَ الصِبا
وَهَل لِلفَتى بِالمُستَحيلِ يَدانِ
تَحُنُّ إِلى ذاكَ الزَمانِ وَطيبِهِ
وَهَل أَنتَ إِلّا مِن دَمٍ وَحَنانِ
إِذا لَم تَصُن عَهداً وَلَم تَرعَ ذِمَّةً
وَلَم تَدَّكِر إِلفاً فَلَستَ جَناني
أَتَذَكُرُ إِذ نُعطي الصَبابَةَ حَقَّها
وَنَشرَبُ مِن صِرفِ الهَوى بِدِنانِ
وَأَنتَ خَفوقٌ وَالحَبيبُ مُباعِدٌ
وَأَنتَ خَفوقٌ وَالحَبيبُ مُدانُ
وَأَيّامَ لا آلو رِهاناً مَعَ الهَوى
وَأَنتَ فُؤادي عِندَ كُلِّ رِهانِ
لَقَد كُنتُ أَشكو مِن خُفوقِكِ دائِباً
فَوَلّى فَيا لَهَفي عَلى الخَفَقانِ
سَقاكَ التَصابي بَعدَ ما عَلَّكَ الصِبا
فَكَيفَ تَرى الكَأسَينِ تَختَلِفانِ
وَما زُلتُ في رَيعِ الشَبابِ وَإِنَّما
يَشيبُ الفَتى في مِصرَ قَبلَ أَوانِ
وَلا أَكذِبُ الباري بَنى اللَهُ هَيكَلي
صَنيعَةَ إِحسانٍ وَرِقَّ حِسانِ
أَدينُ إِذا اِقتادَ الجَمالُ أَزِمَّتي
وَأَعنو إِذا اِقتادَ الجَميلُ عِناني

اهلا وسهلا بحاميها وفاديها

أهلا وسهلا بحاميها وفاديها
ومرحبا وسلاما يا عرابيها
وبالكرامة يامن راح يفضحها
ومقدم الخير يا من جاء يخزيها
وعد لها حين لا تغنى مدافعها
عن الزعيم ولا تجدى طوابيها
وارجع إليها فيا لله فاتحها
يوم الإياب ويا لله غازيها
وانزل على الطائر الميمون ساحتها
واجلس على تلّها وانعق بواديها
وبِض لها بيضة للنصر كافلة
إن الدجاج عقيم في نواحيها
واظلم صحيح البخارى كل أونة
ونم عن الحرب واقرأ في لياليها
وأخرج القوم من مصر بخارقة
تفوق فاشودة فيها وتنسيها
من العجائب صاروا من أحبتها
فيما زعمت وكانوا من أعاديها
كأن ما كان من حرب ومن حَرَب
عتب المودة لا يودى بصافيها
وضع عمامتك الخضراء من شرف
يعرفك كل جهول من أهاليها
وقصّ رؤياك مكذوبا بمضحكها
على النبيين مكذوبا بمبكيها
فلست تعدم عميا من أكابرها
ولست تعدم بكما من أعاليها
ولست تعدم وغدا من أسافلها
يزف للأمة البشرى ويهديها
ولست تعدم في الأجواد ذا سفه
يحصى الديون التي تشكو ويقضيها
قل للمَّلك أدورد أصبت غنى
عن الهنود وإرلندا وما فيها
هذا عرابي تمنى أن تقابله
وأن ينال يداً جلت أياديها
فمر بانكلترا تزجى فيالقها
وبالأساطيل تدوى في موانيها
ومر بلندرة تبدو بزينتها
وتنجلى للبرايا في مجاليها
فأين روبرس منه إذ ييمها
وأين سيمور منه إذ يوافيها
هذا الذي يعرف الافرنج صولته
والبر يعلمها والبحر يدريها
وسله بالله إن صافحت راحته
ما نفسه ما مناها ما مساعيها
وأين أيمانه اللاتي أشاد بها
أن لا يحكم فيها غير أهليها
وأين يموت عزيزا دون أربعها
ولا يعيش ذليلا في مغانيها
وقل له بلسان النيل توجعه
والنفس إن صغرت لا شئ يؤذيها
تلك العظام بلا قبر ولا كفن
لولاك لم يبل في العشرين باليها
فاقَر السلام عليها حين تندبها
وأمّل العفو منها حين تبكيها
وناجِها مرة في العمر واحدة
لو كان سهلا عليها أن تناجيها
أوردتها الموت لم تبلغ بها شرفا
ولا توخيت بالأوطان تنويها
وما رأت لك سيفا تستضىء به
يوم القتال ولا وجها يحييها
باتت يرى الموت فيها كيف يدركها
وبت تنظر مصرا كيف تأتيها
فأصبحت غنما مر الذئاب بها
ونام عنها غداة الروع راعيها
يا ابن الحسين حسين مات من ظمأ
وأنت محتفل بالنفس ترويها
تلك الأبوة ما هذى شمائلها
للعارفينَ ولا هذى معانيها
وأنت أصغر أن تعطى مفاخرها
وأنت أسمج أن تكسى معاليها
لم ينصر الله بالأحلام صاحبها
لكن بكل عوان كان يذكيها
والمواقف يغشاها مؤلّبة
والحوض يمنعه والخيل يحميها
أبوّة المصطفى ما زال يلبسها
حر قشيب شباب الفخر ضافيها
حتى تنازعها في مصر صبيتها
دعوى وحتى تردّتها غوانيها
وأصبحت لجبان القوم منقبة
وزينة لجهول القوم يبديها
هلا سبقت غداة التل ناعيها
على المنية مسرورا تلاقيها
هلا تكفنت في الهيجا برايتها
مثل الدراويش خانتها عواليها
ما زال جمعهم في الحرب ينشرها
حتى أتاها فناء الجمع يطويها
هلا أبيت على العافين عفوهم
لكي يقال أبىّ النفس عاليها
زعمت أنك أولى من أعزتها
بها وأحنى عليها من مواليها
وكنت تطرب إذ تتلى مدائحها
فأين دمعك إذ تتلى مراثيها