سنون تعاد ودهر يعيد

سُنونٌ تُعادُ وَدَهرٌ يُعيد
لَعَمرُكَ ما في اللَيالي جَديد
أَضاءَ لِآدَمَ هَذا الهِلالُ
فَكَيفَ تَقولُ الهِلالُ الوَليد
نَعُدُّ عَلَيهِ الزَمانَ القَريبَ
وَيُحصي عَلَينا الزَمانَ البَعيد
عَلى صَفحَتَيهِ حَديثُ القُرى
وَأَيّامُ عادٍ وَدُنيا ثَمود
وَطيبَةُ آهِلَةٌ بِالمُلوكِ
وَطيبَةُ مُقفِرَةٌ بِالصَعيد
يَزولُ بِبَعضِ سَناهُ الصَفا
وَيَفنى بِبَعضِ سَناهُ الحَديد
وَمِن عَجَبٍ وَهوَ جَدُّ اللَيالي
يُبيدُ اللَيالِيَ فيما يُبيد
يَقولونَ يا عامُ قَد عُدتَ لي
فَيالَيتَ شِعري بِماذا تَعود
لَقَد كُنتَ لي أَمسِ ما لَم أُرِد
فَهَل أَنتَ لي اليَومَ ما لا أُريد
وَمَن صابَرَ الدَهرَ صَبري لَهُ
شَكا في الثَلاثينَ شَكوى لَبيد
ظَمِئتُ وَمِثلي بَرِيٍّ أَحَقُّ
كَأَنّي حُسَينٌ وَدَهري يَزيد
تَغابَيتُ حَتّى صَحِبتُ الجَهولَ
وَدارَيتُ حَتّى صَبِحتُ الحَسود

الا حبذا صحبة المكتب

أَلا حَبَّذا صُحبَةَ المَكتَبِ
وَأَحبِب بِأَيّامِهِ أَحبِبِ
وَيا حَبَّذا صِبيَةٌ يَمرَحو
نَ عِنانُ الحَياةِ عَلَيهِم صَبي
كَأَنَّهُمو بَسَماتُ الحَيا
ةِ وَأَنفاسُ رَيحانَها الطَيِّبِ
يُراحُ وَيُغدى بِهِم كَالقَطي
عِ عَلى مَشرِقِ الشَمسِ وَالمَغرِبِ
إِلى مَرتَعٍ أَلِفوا غَيرَهُ
وَراعٍ غَريبِ العَصا أَجنَبي
وَمُستَقبَلٍ مِن قُيودِ الحَيا
ةِ شَديدٍ عَلى النَفسِ مُستَصعَبِ
فِراخٌ بِأَيكٍ فَمِن ناهِضٍ
يَروضُ الجَناحَ وَمِن أَزغَبِ
مَقاعِدُهُم مِن جَناحِ الزَما
نِ وَما عَلِموا خَطَرَ المَركَبِ
عَصافيرُ عِندَ تَهَجّي الدُرو
سِ مِهارٌ عَرابيدُ في المَلعَبِ
خَلِيّونَ مِن تَبِعاتِ الحَيا
ةِ عَلى الأُمِّ يَلقونَها وَالأَبِ
جُنونُ الحَداثَةِ مِن حَولِهِم
تَضيقُ بِهِ سَعَةُ المَذهَبِ
عَدا فَاِستَبَدَّ بِعَقلِ الصَبِيّ
وَأَعدى المُؤَدِّبَ حَتّى صَبى
لَهُم جَرَسٌ مُطرِبٌ في السَرا
حِ وَلَيسَ إِذا جَدَّ بِالمُطرِبِ
تَوارَت بِهِ ساعَةٌ لِلزَما
نِ عَلى الناسِ دائِرَةُ العَقرَبِ
تَشولُ بِإِبرَتِها لِلشَبا
بِ وَتَقذِفُ بِالسُمِّ في الشُيَّبِ
يَدُقُّ بِمِطرَقَتَيها القَضا
ءَ وَتَجري المَقاديرُ في اللَولَبِ
وَتِلكَ الأَواعي بِأَيمانِهِم
حَقائِبُ فيها الغَدُ المُختَبي
فَفيها الَّذي إِن يُقِم لا يُعَدَّ
مِنَ الناسِ أَو يَمضِ لا يُحسَبِ
وَفيها اللِواءُ وَفيها المَنا
رُ وَفيها التَبيعُ وَفيها النَبي
وَفيها المُؤَخَّرُ خَلفَ الزِحا
مِ وَفيها المُقَدَّمُ في المَوكِبِ
جَميلٌ عَلَيهِم قَشيبُ الثِيا
بِ وَما لَم يُجَمَّل وَلَم يَقشِبِ
كَساهُم بَنانُ الصِبا حُلَّةً
أَعَزَّ مِن المِخمَلِ المُذهَبِ
وَأَبهى مِنَ الوَردِ تَحتَ النَدى
إِذا رَفَّ في فَرعِهِ الأَهدَبِ
وَأَطهَرَ مِن ذَيلِها لَم يَلُمّ
مِنَ الناسِ ماشٍ وَلَم يَسحَبِ
قَطيعٌ يُزَجّيهِ راعٍ مِنَ الدَه
رِ لَيسَ بِلَينٍ وَلا صُلَّبِ
أَهابَت هِرواتُهُ بِالرِفا
قِ وَنادَت عَلى الحُيَّدِ الهُرَّبِ
وَصَرَّفَ قُطعانَهُ فَاِستَبَدّ
وَلَم يَخشَ شَيئاً وَلَم يَرهَبِ
أَرادَ لِمَن شاءَ رَعيَ الجَدي
بِ وَأَنزَلَ مَن شاءَ بِالمُخصِبِ
وَرَوّى عَلى رِيِّها الناهلا
تِ وَرَدَّ الظِماءَ فَلَم تَشرَبِ
وَأَلقى رِقاباً إِلى الضارِبي
نَ وَضَنَّ بِأُخرى فَلَم تُضرَبِ
وَلَيسَ يُبالي رِضا المُستَري
حِ وَلا ضَجَرَ الناقِمِ المُتعَبِ
وَلَيسَ بِمُبقٍ عَلى الحاضِري
نَ وَلَيسَ بِباكٍ عَلى الغُيَّبِ
فَيا وَيحَهُم هَل أَحَسّوا الحَيا
ةَ لَقَد لَعِبوا وَهيَ لَم تَلعَبِ
تُجَرِّبُ فيهِم وَما يَعلَمو
نَ كَتَجرُبَةِ الطِبِّ في الأَرنَبِ
سَقَتهُم بِسُمٍّ جَرى في الأُصو
لِ وَرَوّى الفُروعَ وَلَم يَنضُبِ
وَدارَ الزَمانُ فَدالَ الصِبا
وَشَبَّ الصِغارُ عَنِ المَكتَبِ
وَجَدَّ الطِلابُ وَكَدَّ الشَبا
بُ وَأَوغَلَ في الصَعبِ فَالأَصعَبِ
وَعادَت نَواعِمُ أَيّامِهِ
سِنينَ مِنَ الدَأَبِ المُنصِبِ
وَعُذِّبَ بِالعِلمِ طُلّابُهُ
وَغَصّوا بِمَنهَلِهِ الأَعذَبِ
رَمَتهُم بِهِ شَهَواتُ الحَيا
ةِ وَحُبُّ النَباهَةِ وَالمَكسَبِ
وَزَهو الأُبُوَّةِ مِن مُنجِبٍ
يُفاخِرُ مَن لَيسَ بِالمُنجِبِ
وَعَقلٌ بَعيدُ مَرامي الطِما
حِ كَبيرُ اللُبانَةِ وَالمَأرَبِ
وَلوعُ الرَجاءِ بِما لَم تَنَل
عُقولُ الأَوالي وَلَم تَطلُبِ
تَنَقَّلَ كَالنَجمِ مِن غَيهَبٍ
يَجوبُ العُصورَ إِلى عَيهَبِ
قَديمُ الشُعاعِ كَشَمسِ النَها
رِ جَديدٌ كَمِصباحِها المُلهِبِ
أَبُقراطُ مِثلُ اِبنِ سينا الرَئي
سِ وَهوميرُ مِثلُ أَبي الطَيِّبِ
وَكُلُّهُمو حَجَرٌ في البِنا
ءِ وَغَرسٌ مِنَ المُثمِرِ المُعقِبِ
تُؤَلِفُهُم في ظِلالِ الرَخا
ءِ وَفي كَنَفِ النَسَبِ الأَقرَبِ
وَتَكسِرُ فيهِم غُرورَ الثَرا
ءِ وَزَهوَ الوِلادَةِ وَالمَنصِبِ
بُيوتٌ مُنَزَّهَةٌ كَالعَتي
قِ وَإِن لَم تُسَتَّر وَلَم تُحجَبِ
يُداني ثَراها ثَرى مَكَّةٍ
وَيَقرُبُ في الطُهرِ مِن يَثرِبِ
إِذا ما رَأَيتَهُمو عِندَها
يَموجونَ كَالنَحلِ عِندَ الرُبى
رَأَيتَ الحَضارَةَ في حُصنِها
هُناكَ وَفي جُندِها الأَغلَبِ
وَتَعرِضُهُم مَوكِباً مَوكِباً
وَتَسأَلُ عَن عَلَمِ المَوكِبِ
دَعِ الحَظَّ يَطلَع بِهِ في غَدٍ
فَإِنَّكَ لَم تَدرِ مَن يَجتَبي
لَقَد زَيَّنَ الأَرضَ بِالعَبقَرِيِّ
مُحَلّي السَماواتِ بِالكَوكَبِ
وَخَدَّشَ ظُفرُ الزَمانِ الوُجو
هَ وَغَيَّضَ مِن بِشرِها المُعجِبِ
وَغالَ الحَداثَةَ شَرخُ الشَبا
بِ وَلَو شِيَتِ المُردُ في الشُيَّبِ
سَرى الشَيبُ مُتَّئِداً في الرُؤو
سِ سُرى النارِ في المَوضِعِ المُعشِبِ
حَريقٌ أَحاطَ بِخَيطِ الحَيا
ةِ تَعَجَّبتُ كَيفَ عَلَيهِم غَبي
وَمَن تُظهِرِ النارُ في دارِهِ
وَفي زَرعِهِ مِنهُمو يَرعَبِ
قَدِ اِنصَرَفوا بَعدَ عِلمِ الكِتا
بِ لِبابٍ مِنَ العِلمِ لَم يُكتَبِ
حَياةٌ يُغامِرُ فيها اِمرُؤٌ
تَسَلَّحَ بِالنابِ وَالمِخلَبِ
وَصارَ إِلى الفاقَةِ اِبنُ الغَنِيّ
وَلاقى الغِنى وَلَدُ المُترَبِ
وَقَد ذَهَبَ المُمتَلي صِحَّةً
وَصَحَّ السَقيمُ فَلَم يَذهَبِ
وَكَم مُنجِبٍ في تَلَقِّ الدُرو
سِ تَلَقّى الحَياةَ فَلَم يُنجِبِ
وَغابَ الرِفاقُ كَأَن لَم يَكُن
بِهِم لَكَ عَهدٌ وَلَم تَصحَبِ
إِلى أَن فَنوا ثَلَّةً ثَلَّةً
فَناءَ السَرابِ عَلى السَبسَبِ

ذاد الكري عن مقلتيك حمام

ذادَ الكَرى عَن مُقلَتَيكَ حِمامُ
لَبّاهُ شَوقٌ ساهِرٌ وَغَرامُ
حَيرانُ مَشبوبُ المَضاجِعِ لَيلُهُ
حَربٌ وَلَيلُ النائِمينَ سَلامُ
بَينَ الدُجى لَكُما وَعادِيَةِ الدُجى
مُهَجٌ تُؤَلِّفُ بينَها الأَسقامُ
تَتَعاوَنانِ وَلِلتَعاوُنِ أُمَّةٌ
لا الدَهرُ يَخذُلُها وَلا الأَيّامُ
يا أَيُّها الطَيرُ الكَثيرُ سَميرُهُ
هَل ريشَةٌ لِجَناحيهِ فَيُقامُ
عانَقتَ أَغصاناً وَعانَقتُ الجَوى
وَشَكَوتَ وَالشَكوى عَلَيَّ حَرامُ
أَمُحَرِّمَ الأَجفانِ إِدناءَ الكَرى
يَهنيكَ ما حَرَّمَت حينَ تَنامُ
حاوَلنَ إِلى خَيالِكَ سُلَّماً
لَو سامَحَت بِخَيالِكَ الأَحلامُ
فَأذَن لِطَيفِكَ أَن يُلِمَّ مُجامِلاً
وَمُؤَمَلٌ مِن طَيفِكَ الإِلمامُ

كان بروض غصن ناعم

كانَ بِرَوضٍ غُصُنٌ ناعِمٌ
يَقولُ جَلَّ الواحِدُ المُنفَرِد
فَقامَتي في ظَرفِها قامَتي
وَمِثلُ حُسنى في الوَرى ما عُهِد
فَأَقبَلَت خُنفُسَةٌ تَنثَني
وَنَجلُها يَمشي بِجَنبِ الكَبِد
تَقولُ يا زَينَ رِياضِ البَها
إِنَّ الَّذي تَطلُبُهُ قَد وُجِد
فَانظُر لِقَدِّ اِبني وَلا تَفتَخِر
مادامَ في العالَمِ أُمٌّ تَلِد

ما هيج البسفور مثلك شاعرا

ما هيج البسفور مثلك شاعرا
بين الطبيعة فيه والتاريخ
فجعلت شعرك فيهما ولطالما
قد كنت عبد المدح والتاريخ

ايها المنتحي باسوان دارا

أَيُّها المُنتَحي بِأَسوانَ داراً
كَالثُرَيّا تُريدُ أَن تَنقَضّا
اِخلَعِ النَعلَ وَاِخفِضِ الطَرفَ وَاِخشَع
لا تُحاوِل مِن آيَةِ الدَهرِ غَضّا
قِف بِتِلكَ القُصورِ في اليَمِّ غَرقى
مُمسِكاً بَعضُها مِنَ الذُعرِ بَعضا
كَعَذارى أَخفَينَ في الماءِ بَضّاً
سابِحاتٍ بِهِ وَأَبدَينَ بَضّا
مُشرِفاتٍ عَلى الزَوالِ وَكانَت
مُشرِفاتٍ عَلى الكَواكِبِ نَهضا
شابَ مِن حَولِها الزَمانُ وَشابَت
وَشَبابُ الفُنونِ مازالَ غَضّا
رُبَّ نَقشٍ كَأَنَّما نَفَضَ الصا
نِعُ مِنهُ اليَدَينِ بِالأَمسِ نَفضا
وَدُهانٍ كَلامِعِ الزَيتِ مَرَّت
أَعصُرٌ بِالسِراجِ وَالزَيتِ وُضّا
وَخُطوطٍ كَأَنَّها هُدبُ ريمٍ
حَسُنَت صَنعَةً وَطولاً وَعَرضا
وَضَحايا تَكادُ تَمشي وَتَرعى
لَو أَصابَت مِن قُدرَةِ اللَهِ نَبضا
وَمَحاريبَ كَالبُروجِ بَنَتها
عَزَماتٌ مِن عَزمَةِ الجِنِّ أَمضى
شَيَّدَت بَعضَها الفَراعينُ زُلفى
وَبَنى البَعضَ أَجنَبٌ يَتَرَضّى
وَمَقاصيرُ أُبدِلَت بِفُتاتِ ال
مِسكِ تُرباً وَبِاليَواقيتِ قَضّا
حَظُّها اليَومَ هَدَّةٌ وَقَديماً
صُرِّفَت في الحُظوظِ رَفعاً وَخَفضا
سَقَتِ العالَمينَ بِالسَعدِ وَالنَخ
سِ إِلى أَن تَعاطَتِ النَحسَ مَحضا
صَنعَةٌ تُدهِشُ العُقولَ وَفَنٌّ
كانَ إِتقانُهُ عَلى القَومِ فَرضا
يا قُصوراً نَظَرتُها وَهيَ تَقضي
فَسَكَبتُ الدُموعَ وَالحَقُّ يُقضى
أَنتِ سَطرٌ وَمَجدُ مِصرَ كِتابٌ
كَيفَ سامَ البِلى كِتابَكَ فَضّا
وَأَنا المُحتَفي بِتاريخِ مِصرٍ
مَن يَصُن مَجدَ قَومِهِ صانَ عِرضا
رُبَّ سِرٍّ بِجانِبَيكَ مُزالٍ
كانَ حَتّى عَلى الفَراعينِ غُمضا
قُل لَها في الدُعاءِ لَو كانَ يُجدي
يا سَماءَ الجِلالِ لا صِرتِ أَرضا
حارَ فيكِ المُهَندِسونَ عُقولاً
وَتَوَلَّت عَزائِمُ العِلمِ مَرضى
أَينَ مَلِكٌ حِيالَها وَفَريدٌ
مِن نِظامِ النَعيمِ أَصبَحَ فَضا
أَينَ فِرعَونُ في المَواكِبِ تَترى
يَركُضُ المالِكينَ كَالخَيلِ رَكضا
ساقَ لِلفَتحِ في المَمالِكِ عَرضاً
وَجَلا لِلفَخارِ في السِلمِ عَرضا
أَينَ إيزيسَ تَحتَها النيلُ يَجري
حَكَمَت فيهِ شاطِئَينِ وَعَرضا
أَسدَلَ الطَرفَ كاهِنٌ وَمَليكٌ
في ثَراها وَأَرسَلَ الرَأسَ خَفضا
يُعرَضُ المالِكونَ أَسرى عَلَيها
في قُيودِ الهَوانِ عانينَ جَرضى
ما لَها أَصبَحَت بِغَيرِ مُجيرٍ
تَشتَكي مِن نَوائِبِ الدَهرِ عَضّا
هِيَ في الأَسرِ بَينَ صَخرٍ وَبَحرٍ
مُلكَةٌ في السُجونِ فَوقَ حَضوضى
أَينَ هوروسُ بَينَ سَيفٍ وَنِطعٍ
أَبِهَذا في شَرعِهِم كانَ يُقضى
لَيتَ شِعري قَضى شَهيدَ غَرامٍ
أَم رَماهُ الوُشاةُ حِقداً وَبُغضا
رُبَّ ضَربٍ مِن سَوطِ فِرعَونَ مَضٍّ
دونَ فِعلِ الفِراقِ بِالنَفسِ مَضّا
وَهَلاكٍ بِسَيفِهِ وَهوَ قانٍ
دونَ سَيفٍ مِنَ اللَواحِظِ يُنضى
قَتَلوهُ فَهَل لِذاكَ حَديثٌ
أَينَ راوي الحَديثِ نَثراً وَقَرضا
يا إِمامَ الشُعوبِ بِالأَمسِ وَاليَو
مِ سَتُعطى مِنَ الثَناءِ فَتَرضى
مِصرُ بِالنازِلينَ مِن ساحِ مَعنٍ
وَحِمى الجودِ حاتِمُ الجودِ أَفضى
كُن ظَهيراً لِأَهلِها وَنَصيراً
وَاِبذُلِ النُصحَ بَعدَ ذَلِكَ مَحضا
قُل لِقَومٍ عَلى الوِلاياتِ أَيقا
ظٍ إِذا ذاقَتِ البَرِيَّةُ غُمضا
شيمَةُ النيلِ أَن يَفي وَعَجيبٌ
أَحرَجوهُ فَضَيَّعَ العَهدَ نَقضا
حاشَهُ الماءُ فَهوَ صَيدٌ كَريمٌ
لَيتَ بِالنيلِ يَومَ يَسقُطُ غَيضا
شيدَ وَالمالُ وَالعُلومُ قَليلٌ
أَنقَذوهُ بِالمالِ وَالعِلمِ نَقضا

فديناه من زائر مرتقب

فَدَيناهُ مِن زائِرٍ مُرتَقَب
بَدا لِلوُجودِ بِمَرأىً عَجَب
تَهُزُّ الجِبالَ تَباشيرُهُ
كَما هَزَّ عِطفَ الطَروبِ الطَرَب
وَيُحلي البِحارَ بِلَألائِهِ
فَمِنّا الكُؤوسُ وَمِنهُ الحَبَب
مَنارُ الحُزونِ إِذا ما اِعتَلى
مَنارُ السُهولِ إِذا ما اِنقَلَب
أَتانا مِنَ البَحرِ في زَورَقٍ
لُجَيناً مَجاذيفُهُ مِن ذَهَب
فَقُلنا سُلَيمانُ لَو لَم يَمُت
وَفِرعَونُ لَو حَمَلَتهُ الشُهُب
وَكِسرى وَما خَمَدَت نارهُ
وَيوسُفُ لَو أَنَّهُ لَم يَشِب
وَهَيهاتَ ما تُوِّجوا بِالسَنا
وَلا عَرشُهُم كانَ فَوقَ السُحُب
أَنافَ عَلى الماءِ ما بَينَها
وَبَينَ الجِبالِ وَشُمَّ الهُضَب
فَلا هُوَ خافٍ وَلا ظاهِرٌ
وَلا سافِرٌ لا وَلا مُنتَقِب
وَلَيسَ بِثاوٍ وَلا راحِلٍ
وَلا بِالبَعيدِ وَلا المُقتَرِب
تَوارى بِنِصفٍ خِلالَ السُحُب
وَنِصفٌ عَلى جَبَلٍ لَم يَغِب
يُجَدِّدُها آيَةً قَد خَلَت
وَيَذكُرُ ميلادَ خَيرِ العَرَب

ايها السيد لطفي

أيها السيد لطفى
لست والله جليدا
أنت كالنار مزاجا
كيف مازجت رشيدا

شيعت احلامي بقلب باك

شَيّعـتُ أَحْـلامـي بقلـبٍ بـاكِ
ولَمَحتُ من طُرُق المِـلاحِ شِباكـي
ورجـعـتُ أَدراجَ الشبـاب ووِرْدَه
أَمشي مكانَهمـا علـى الأَشـواكِ
وبجـانبِـي واهٍ كـأَن خُفـوقَـه
لَمـا تلفَّـتَ جَهْشَـةُ المُتبـاكـي
شاكِي السلاحِ إذا خـلا بضلوعـه
فإذا أُهيـبَ بـه فليـس بـشـاكِ
قد راعـه أَنـي طوَيْـتُ حبائلـي
من بعـد طـول تنـاولٍ وفكـاكِ
وَيْحَ ابنِ جَنْبـي ؟ كلُّ غايـةِ لـذَّةٍ
بعـدَ الشبـابِ عـزيـزةُ الإدراكِ
لـم تَبـقَ منَّا ، يا فـؤادُ ، بقيّـةٌ
لـفـتـوّةٍ ، أَو فَضلـةٌ لـعِـراكِ
كنا إذا صفَّقْـتَ نستبـق الـهوى
ونَشُـدُّ شَـدَّ العُصبـةِ الـفُتَّـاكِ
واليومَ تبعـث فـيّ حيـن تَهُزُّنـي
مـا يبعـث الناقـوسُ فِي النُّسّـاكِ
يا جارةَ الوادي ، طَرِبْـتُ وعادنـي
ما يشبـهُ الأَحـلامَ مـن ذكـراكِ
مَثَّلْتُ فِي الذِكْرَى هَواكِ وفِي الكَرَى
والذِّكرياتُ صَدَى السّنينَ الحَاكـي
ولقد مررتُ على الريـاض برَبْـوَةٍ
غَـنَّـاءَ كنـتُ حِيالَهـا أَلقـاكِ
ضحِكَتْ إلـيَّ وجُوهها وعيونُهـا
ووجـدْتُ فِـي أَنفاسهـا ريّـاكِ
فذهبتُ فِي الأَيـام أَذكـر رَفْرَفـاً
بيـن الجـداولِ والعيـونِ حَـواكِ
أَذكَرْتِ هَرْوَلَةَ الصبابـةِ والـهوى
لـما خَطَـرْتِ يُقبِّـلان خُطـاكِ ؟
لم أَدر ما طِيبُ العِناقِ على الـهوى
حتـى ترفَّـق ساعـدي فطـواكِ
وتأَوَّدَتْ أَعطـافُ بانِك فِي يـدي
واحـمرّ مـن خَفَرَيْهمـا خـدّاكِ
ودخَلْتُ فِي ليلين: فَرْعِك والدُّجـى
ولثمـتُ كالصّبـح المنـوِّرِ فـاكِ
ووجدْتُ فِي كُنْهِ الجوانـحِ نَشْـوَةً
من طيب فيك ، ومن سُلاف لَمَـاكِ
وتعطَّلَتْ لغـةُ الكـلامِ وخاطبَـتْ
عَيْنَـيَّ فِي لُغَـة الـهَوى عينـاكِ
ومَحَوْتُ كلَّ لُبانـةٍ من خاطـري
ونَسِيـتُ كلَّ تَعاتُـبٍ وتَشاكـي
لا أَمسِ من عمرِ الزمـان ولا غَـد
جُمِع الزمانُ فكـان يـومَ رِضـاكِ
لُبنانُ ، ردّتنـي إليكَ مـن النـوى
أَقـدارُ سَـيْـرٍ للـحـيـاةِ دَرَاكِ
جمعَتْ نزيلَيْ ظَهرِهـا مـن فُرقـةٍ
كُـرَةٌ وراءَ صَـوالـجِ الأَفــلاكِ
نـمشي عليها فوقَ كـلِّ فجـاءَة
كالطير فـوقَ مَكامِـنِ الأَشـراكِ
ولو أَنّ بالشوق الـمزارُ وجدتنـي
مُلْقي الرحالِ على ثَـراك الذاكـي
بِنْـتَ البِقـاع وأُمَّ بَـرَ دُونِـيِّـها
طِيبي كجِلَّـقَ ، واسكنـي بَـرداكِ
ودِمَشْقُ جَنَّـاتُ النعيـم ،وإنـما
أَلفَيْـتُ سُـدَّةَ عَـدْنِهِـنَّ رُبـاكِ
قَسَماً لو انتمت الـجداول والرُّبـا
لتهلَّـل الفـردوسُ ، ثـمَّ نَمـاكِ
مَـرْآكِ مَـرْآه وَعَيْنُـكِ عَيْـنُـه
لِـمْ يا زُحَيْلـةُ لا يكـون أَبـاكِ ؟
تلـك الكُـرومُ بقيَّـةٌ مـن بابـلٍ
هَيْهَـاتَ! نَسَّـى البابلـيَّ جَنـاكِ
تُبْدِي كَوَشْيِ الفُرْسِ أَفْتَـنَ صِبْغـةٍ
للناظـريـن إلـى أَلَـذِّ حِـيـاكِ
خَرَزاتِ مِسْكٍ ، أَو عُقودَ الكهربـا
أُودِعْـنَ كافـوراً مـن الأَسـلاكِ
فكَّرْتُ فِي لَبَـنِ الجِنـانِ وخمرِهـا
لـما رأَيْتُ الـماءَ مَـسَّ طِـلاكِ
لـم أَنْسَ من هِبَةِ الزمـانِ عَشِيَّـةً
سَلَفَتْ بظلِّـكِ وانقضَـتْ بِـذَراكِ
كُنتِ العروسَ على مِنصَّة جِنْحِـها
لُبنانُ فِي الوَشْـيِ الكريـم جَـلاكِ
يـمشي إليكِ اللّحظُ فِي الديباج أَو
فِي العاج من أَي الشِّعـابِ أَتـاكِ
ضَمَّـتْ ذراعيْـها الطبيعـةُ رِقَّـةً
صِنِّيـنَ والحَـرَمُـونَ فاحتضنـاكِ
والبـدرُ فِي ثَبَـج السمـاءِ مُنَـوِّرٌ
سالت حُلاه على الثـرى وحُـلاكِ
والنيِّـرات مـن السحـاب مُطِلَّـةٌ
كالغِيـد من سِتْـرٍ ومـن شُبّـاكِ
وكأَنَّ كـلَّ ذُؤابـةٍ مـن شاهِـقٍ
كنُ الـمجرَّةِ أَو جـدارُ سِمـاكِ
سكنَتْ نواحـي الليـلِ ، إلا أَنَّـةً
فِي الأَيْكِ، أَو وَتَر اًشَجِـيَّ حَـراكِ
شرفاً ، عروسَ الأَرْز ، كلُّ خريـدةٍ
تـحتَ السماءِ من البـلاد فِـداكِ
رَكَـز البيـانُ علـى ذراك لـواءَه
ومشى ملـوكُ الشعـر فِي مَغنـاكِ
أُدباؤكِ الزُّهرُ الشمـوسُ ، ولا أَرى
أَرضاً تَمَخَّضُ بالشمـوس سِـواكِ
من كـلّ أَرْوَعَ علْمُـه فِي شعـره
ويراعـه مـن خُلْقـه بـمِـلاكِ
جمع القصائـدَ من رُبـاكِ ، وربّمـا
سرق الشمائلَ مـن نسيـم صَبـاكِ
موسى ببابكِ فِي الـمكارم والعـلا
وعَصاه فِي سحـر البيـانِ عَصـاكِ
أَحْلَلْتِ شعري منكِ فِي عُليا الـذُّرا
وجَمـعْـتِـه بـروايـة الأَمـلاكِ
إن تُكرمي يا زَحْلُ شعـري إننـي
أَنكـرْتُ كـلَّ قَـصـيـدَةٍ إلاَّكِ
أَنتِ الخيـالُ : بديعُـهُ ، وغريبُـه
اللهُ صـاغـك ، والـزمـانُ رَواكِ