لم يتفق مما جري في المركب

لَم يَتَّفِق مِمّا جَرى في المَركَبِ
كَكَذِبِ القِردِ عَلى نوحِ النَبي
فَإِنَّهُ كانَ بِأَقصى السَطحِ
فَاِشتاقَ مِن خِفَّتِهِ لِلمَزحِ
وَصاحَ يا لِلطَيرِ وَالأَسماكِ
لِمَوجَةٍ تَجِدُّ في هَلاكي
فَبَعَثَ النَبي لَهُ النُسورا
فَوَجَدَتهُ لاهِياً مَسرورا
ثُمَّ أَتى ثانِيَةً يَصيحُ
قَد ثُقِبَت مَركَبُنا يا نوحُ
فَأَرسَلَ النَبِيُّ كُلَّ مَن حَضَر
فَلَم يَرَوا كَما رَأى القِردُ خَطَر
وَبَينَما السَفيهُ يَوماً يَلعَبُ
جادَت بِهِ عَلى المِياهِ المَركَبُ
فَسَمِعوهُ في الدُجى يَنوحُ
يَقولُ إِنّي هالِكٌ يا نوحُ
سَقَطتُ مِن حَماقَتي في الماءِ
وَصِرتُ بَينَ الأَرضِ وَالسَماءِ
فَلَم يُصَدِّق أَحَدٌ صِياحَه
وَقيلَ حَقّاً هَذِهِ وَقاحَه
قَد قالَ في هَذا المَقامِ مَن سَبَق
أَكذبُ ما يُلفي الكَذوبُ إِن صَدَق
مَن كانَ مَمنُوّاً بِداءِ الكَذِبِ
لا يَترُكُ اللَهَ وَلا يُعفي نَبي

كان للغربان في العصر مليك

كانَ لِلغربانِ في العَصرِ مَليك
وَلَهُ في النَخلَةِ الكُبرى أَريك
فيهِ كُرسِيٌّ وَخِدرٌ وَمُهود
لِصِغارِ المُلكِ أَصحابِ العُهودِ
جاءَهُ يَوماً ندورُ الخادِمُ
وَهوَ في البابِ الأَمينُ الحازِمُ
قالَ يا فَرعَ المُلوكِ الصالِحين
أَنتَ ما زِلتَ تُحِبُّ الناصِحين
سوسَةٌ كانَت عَلى القَصرِ تَدور
جازَت القَصرَ وَدَبَّت في الجُدور
فَاِبعَثِ الغِربانَ في إِهلاكِها
قَبلَ أَن نَهلِكَ في أَشراكِها
ضَحكَ السُلطانُ في هَذا المَقال
ثُمَّ أَدنى خادِمَ الخَيرِ وَقال
أَنا رَبُّ الشَوكَةِ الضافي الجَناح
أَنا ذو المِنقارِ غَلّابُ الرِياح
أَنا لا أَنظُرُ في هَذي الأُمور
أَنا لا أُبصِرُ تَحتي بانُدور
ثُمَّ لَمّا كانَ عامٌ بَعدَ عام
قامَ بَينَ الريحِ وَالنَخلِ خِصام
وَإِذا النَخلَةُ أَقوى جِذعُها
فَبَدا لِلريحِ سَهلاً قَلعُها
فَهَوَت لِلأَرضِ كَالتَلِّ الكَبير
وَهَوى الديوانُ وَاِنقَضَّ السَرير
فَدَها السُلطانَ ذا الخَطبُ المَهول
وَدَعا خادِمَهُ الغالي يَقول
يا نُدورَ الخَيرِ أَسعِف بِالصِياح
ما تَرى ما فَعَلَت فينا الرِياح
قالَ يا مَولايَ لا تَسأَل نُدور
أَنا لا أَنظُرُ في هَذي الأُمور

يا نائح الطلح اشباه عوادينا

يا نائِحَ ا لطَلحِ أَشباهٌ عَوادينا
نَشجى لِواديكَ أَم نَأسى لِوادينا
ماذا تَقُصُّ عَلَينا غَيرَ أَنَّ يَداً
قَصَّت جَناحَكَ جالَت في حَواشينا
رَمى بِنا البَينُ أَيكاً غَيرَ سامِرِنا
أَخا الغَريبِ وَظِلّاً غَيرَ نادينا
كُلٌّ رَمَتهُ النَوى ريشَ الفِراقُ لَنا
سَهماً وَسُلَّ عَلَيكَ البَينُ سِكّينا
إِذا دَعا الشَوقُ لَم نَبرَح بِمُنصَدِعٍ
مِنَ الجَناحَينِ عَيٍّ لا يُلَبّينا
فَإِن يَكُ الجِنسُ يا اِبنَ ا لطَلحِ فَرَّقَنا
إِنَّ المَصائِبَ يَجمَعنَ المُصابينا
لَم تَألُ ماءَكَ تَحناناً وَلا ظَمَأً
وَلا اِدِّكاراً وَلا شَجوا أَفانينا
تَجُرُّ مِن فَنَنٍ ساقاً إِلى فَنَنٍ
وَتَسحَبُ الذَيلَ تَرتادُ المُؤاسينا
أُساةُ جِسمِكَ شَتّى حينَ تَطلُبُهُم
فَمَن لِروحِكَ بِالنُطسِ المُداوينا
آها لَنا نازِحي أَيكٍ بِأَندَلُسٍ
وَإِن حَلَلنا رَفيقاً مِن رَوابينا
رَسمٌ وَقَفنا عَلى رَسمِ الوَفاءِ لَهُ
نَجيشُ بِالدَمعِ وَ الإِجلالِ يَثنينا
لِفِتيَةٍ لا تَنالُ الأَرضُ أَدمُعَهُم
وَلا مَفارِقَهُم إِلّا مُصَلّينا
لَو لَم يَسودوا بِدينٍ فيهِ مَنبَهَةٌ
لِلناسِ كانَت لَهُم أَخلاقُهُم دينا
لَم نَسرِ مِن حَرَمٍ إِلّا إِلى حَرَمٍ
كَالخَمرِ مِن بابِلٍ سارَت لِدارينا
لَمّا نَبا الخُلدُ نابَت عَنهُ نُسخَتُهُ
تَماثُلَ الوَردِ خِيرِيّاً وَنَسرينا
نَسقي ثَراهُم ثَناءً كُلَّما نُثِرَت
دُموعُنا نُظِمَت مِنها مَراثينا
كادَت عُيونُ قَوافينا تُحَرِّكُهُ
وَكِدنَ يوقِظنَ في التُربِ السَلاطينا
لَكِنَّ مِصرَ وَإِن أَغضَت عَلى مِقَةٍ
عَينٌ مِنَ الخُلدِ بِالكافورِ تَسقينا
عَلى جَوانِبِها رَفَّت تَمائِمُنا
وَحَولَ حافاتِها قامَت رَواقينا
مَلاعِبٌ مَرِحَت فيها مَآرِبُنا
وَأَربُعٌ أَنِسَت فيها أَمانينا
وَمَطلَعٌ لِسُعودٍ مِن أَواخِرِنا
وَمَغرِبٌ لِجُدودٍ مِن أَوالينا
بِنّا فَلَم نَخلُ مِن رَوحٍ يُراوِحُنا
مِن بَرِّ مِصرَ وَرَيحانٍ يُغادينا
كَأُمِّ موسى عَلى اِسمِ اللَهِ تَكفُلُنا
وَبِاِسمِهِ ذَهَبَت في اليَمِّ تُلقينا
وَمِصرُ كَالكَرمِ ذي الإِحسانِ فاكِهَةٌ
لِحاضِرينَ وَأَكوابٌ لِبادينا
يا سارِيَ البَرقِ يَرمي عَن جَوانِحِنا
بَعدَ الهُدوءِ وَيَهمي عَن مَآقينا
لَمّا تَرَقرَقَ في دَمعِ السَماءِ دَماً
هاجَ البُكا فَخَضَبنا الأَرضَ باكينا
اللَيلُ يَشهَدُ لَم نَهتِك دَياجِيَهُ
عَلى نِيامٍ وَلَم نَهتِف بِسالينا
وَالنَجمُ لَم يَرَنا إِلّا عَلى قَدَمٍ
قِيامَ لَيلِ الهَوى لِلعَهدِ راعينا
كَزَفرَةٍ في سَماءِ اللَيلِ حائِرَةٍ
مِمّا نُرَدِّدُ فيهِ حينَ يُضوينا
بِاللَهِ إِن جُبتَ ظَلماءَ العُبابِ عَلى
نَجائِبِ النورِ مَحدُوّاً بِجرينا
تَرُدُّ عَنكَ يَداهُ كُلَّ عادِيَةٍ
إِنساً يَعِثنَ فَساداً أَو شَياطينا
حَتّى حَوَتكَ سَماءُ النيلِ عالِيَةٍ
عَلى الغُيوثِ وَإِن كانَت مَيامينا
وَأَحرَزَتكَ شُفوفُ اللازَوَردِ عَلى
وَشيِ الزَبَرجَدِ مِن أَفوافِ وادينا
وَحازَكَ الريفُ أَرجاءً مُؤَرَّجَةً
رَبَت خَمائِلَ وَاِهتَزَّت بَساتينا
فَقِف إِلى النيلِ وَاِهتُف في خَمائِلِهِ
وَاِنزِل كَما نَزَلَ الطَلُّ الرَياحينا
وَآسِ ما باتَ يَذوي مِن مَنازِلِنا
بِالحادِثاتِ وَيَضوى مِن مَغانينا
وَيا مُعَطِّرَةَ الوادي سَرَت سَحَراً
فَطابَ كُلُّ طُروحٍ مِن مَرامينا
ذَكِيَّةُ الذَيلِ لَو خِلنا غِلالَتَها
قَميصَ يوسُفَ لَم نُحسَب مُغالينا
جَشِمتِ شَوكَ السُرى حَتّى أَتَيتِ لَنا
بِالوَردِ كُتباً وَبِالرَيّا عَناوينا
فَلَو جَزَيناكِ بِالأَرواحِ غالِيَةً
عَن طيبِ مَسراكِ لَم تَنهَض جَوازينا
هَل مِن ذُيولِكِ مَسكِيٌّ نُحَمِّلُهُ
غَرائِبَ الشَوقِ وَشياً مِن أَمالينا
إِلى الَّذينَ وَجَدنا وُدَّ غَيرِهِمُ
دُنيا وَوُدَّهُمو الصافي هُوَ الدينا
يا مَن نَغارُ عَلَيهِم مِن ضَمائِرِنا
وَمِن مَصونِ هَواهُم في تَناجينا
غابَ الحَنينُ إِلَيكُم في خَواطِرِنا
عَنِ الدَلالِ عَلَيكُم في أَمانينا
جِئنا إِلى الصَبرِ نَدعوهُ كَعادَتِنا
في النائِباتِ فَلَم يَأخُذ بِأَيدينا
وَما غُلِبنا عَلى دَمعٍ وَلا جَلَدٍ
حَتّى أَتَتنا نَواكُم مِن صَياصينا
وَنابِغي كَأَنَّ الحَشرَ آخِرُهُ
تُميتُنا فيهِ ذِكراكُم وَتُحيينا
نَطوي دُجاهُ بِجُرحٍ مِن فُراقِكُمو
يَكادُ في غَلَسِ الأَسحارِ يَطوينا
إِذا رَسا النَجمُ لَم تَرقَأ مَحاجِرُنا
حَتّى يَزولَ وَلَم تَهدَأ تَراقينا
بِتنا نُقاسي الدَواهي مِن كَواكِبِهِ
حَتّى قَعَدنا بِها حَسرى تُقاسينا
يَبدو النَهارُ فَيَخفيهِ تَجَلُّدُنا
لِلشامِتينَ وَيَأسوهُ تَأَسّينا
سَقياً لِعَهدٍ كَأَكنافِ الرُبى رِفَةً
أَنّى ذَهَبنا وَأَعطافِ الصَبا لينا
إِذِ الزَمانُ بِنا غَيناءُ زاهِيَةٌ
تَرِفُّ أَوقاتُنا فيها رَياحينا
الوَصلُ صافِيَةٌ وَالعَيشُ ناغِيَةٌ
وَالسَعدُ حاشِيَةٌ وَالدَهرُ ماشينا
وَالشَمسُ تَختالُ في العِقيانِ تَحسَبُها
بَلقيسَ تَرفُلُ في وَشيِ اليَمانينا
وَالنيلُ يُقبِلُ كَالدُنيا إِذا اِحتَفَلَت
لَو كانَ فيها وَفاءٌ لِلمُصافينا
وَالسَعدُ لَو دامَ وَالنُعمى لَوِ اِطَّرَدَت
وَالسَيلُ لَو عَفَّ وَالمِقدارُ لَو دينا
أَلقى عَلى الأَرضِ حَتّى رَدَّها ذَهَباً
ماءً لَمَسنا بِهِ الإِكسيرَ أَو طينا
أَعداهُ مِن يُمنِهِ التابوتُ وَاِرتَسَمَت
عَلى جَوانِبِهِ الأَنوارُ مِن سينا
لَهُ مَبالِغُ ما في الخُلقِ مِن كَرَمٍ
عَهدُ الكِرامِ وَميثاقُ الوَفِيّينا
لَم يَجرِ لِلدَهرِ إِعذارٌ وَلا عُرُسٌ
إِلّا بِأَيّامِنا أَو في لَيالينا
وَلا حَوى السَعدُ أَطغى في أَعِنَّتِهِ
مِنّا جِياداً وَلا أَرحى مَيادينا
نَحنُ اليَواقيتُ خاضَ النارَ جَوهَرُنا
وَلَم يَهُن بِيَدِ التَشتيتِ غالينا
وَلا يَحولُ لَنا صِبغٌ وَلا خُلُقٌ
إِذا تَلَوَّنَ كَالحِرباءِ شانينا
لَم تَنزِلِ الشَمسُ ميزاناً وَلا صَعَدَت
في مُلكِها الضَخمِ عَرشاً مِثلَ وادينا
أَلَم تُؤَلَّه عَلى حافاتِهِ وَرَأَت
عَلَيهِ أَبناءَها الغُرَّ المَيامينا
إِن غازَلَت شاطِئَيهِ في الضُحى لَبِسا
خَمائِلَ السُندُسِ المَوشِيَّةِ الغينا
وَباتَ كُلُّ مُجاجِ الوادِ مِن شَجَرٍ
لَوافِظَ القَزِّ بِالخيطانِ تَرمينا
وَهَذِهِ الأَرضُ مِن سَهلٍ وَمِن جَبَلٍ
قَبلَ القَياصِرِ دِنّاها فَراعينا
وَلَم يَضَع حَجَراً بانٍ عَلى حَجَرٍ
في الأَرضِ إِلّا عَلى آثارِ بانينا
كَأَنَّ أَهرامَ مِصرٍ حائِطٌ نَهَضَت
بِهِ يَدُ الدَهرِ لا بُنيانُ فانينا
إيوانُهُ الفَخمُ مِن عُليا مَقاصِرِهِ
يُفني المُلوكَ وَلا يُبقي الأَواوينا
كَأَنَّها وَرِمالاً حَولَها اِلتَطَمَت
سَفينَةٌ غَرِقَت إِلّا أَساطينا
كَأَنَّها تَحتَ لَألاءِ الضُحى ذَهَباً
كُنوزُ فِرعَونَ غَطَّينَ المَوازينا
أَرضُ الأُبُوَّةِ وَالميلادِ طَيَّبَها
مَرُّ الصِبا في ذُيولٍ مِن تَصابينا
كانَت مُحَجَّلَةٌ فيها مَواقِفُنا
غُرّاً مُسَلسَلَةَ المَجرى قَوافينا
فَآبَ مِن كُرَةِ الأَيّامِ لاعِبُنا
وَثابَ مِن سِنَةِ الأَحلامِ لاهينا
وَلَم نَدَع لِلَيالي صافِياً فَدَعَت
بِأَن نَغَصَّ فَقالَ الدَهرُ آمينا
لَوِ اِستَطَعنا لَخُضنا الجَوَّ صاعِقَةً
وَالبَرَّ نارَ وَغىً وَالبَحرَ غِسلينا
سَعياً إِلى مِصرَ نَقضي حَقَّ ذاكِرِنا
فيها إِذا نَسِيَ الوافي وَباكينا
كَنزٌ بِحُلوانَ عِندَ اللَهِ نَطلُبُهُ
خَيرَ الوَدائِعِ مِن خَيرِ المُؤَدّينا
لَو غابَ كُلُّ عَزيزٍ عَنهُ غَيبَتَنا
لَم يَأتِهِ الشَوقُ إِلّا مِن نَواحينا
إِذا حَمَلنا لِمِصرٍ أَو لَهُ شَجَناً
لَم نَدرِ أَيُّ هَوى الأُمَّينِ شاجينا

حف كاسها الحبب

حَفَّ كَأسَها الحَبَبُ
فَهيَ فِضَّةٌ ذَهَبُ
أَو دَوائِرٌ دُرَرٌ
مائِجٌ بِها لَبَبُ
أَو فَمُ الحَبيبِ جَلا
عَن جُمانِهِ الشَنَبُ
أَو يَدٌ وَباطِنُها
عاطِلٌ وَمُختَضِبُ
أَو شَقيقُ وَجنَتِهِ
حينَ لي بِهِ لَعِبُ
راحَةُ النُفوسِ وَهَل
عِندَ راحَةٍ تَعَبُ
يا نَديمُ خِفَّ بِها
لا كَبا بِكَ الطَرَبُ
لا تَقُل عَواقِبُها
فَالعَواقِبُ الأَدَبُ
تَنجَلي وَلي خُلُقٌ
يَنجَلي وَيَنسَكِبُ
يَرقُبُ الرِفاقُ لَهُ
كُلَّما سَرى شَرِبوا
شاعِرُ العَزيزِ وَما
بِالقَليلِ ذا اللَقَبُ
لَيلَةٌ لِسَيِّدِنا
في الزَمانِ تُرتَقَبُ
دونَها الرَشيدُ وَما
أَخلَدَت لَهُ الكُتُبُ
يُهرَعُ النَزيلُ لَها
وَالرَعِيَّةُ النُخَبُ
فَالسَرايُ جَوهَرَةٌ
لِلعُقولِ تَختَلِبُ
أَو كَباقَةِ زَهرا
لِلعُيونِ تَأتَشِبُ
الجَلالُ قُبَّتُهُ
وَالسَنا لَهُ طُنُبُ
ثابِتٌ وَذِروَتُهُ
في الفَضاءِ تَضطَرِبُ
أَشرَقَت نَوافِذُهُ
فَهيَ مَنظَرٌ عَجَبُ
وَاِستَنارَ رَفرَفُهُ
وَالسُجوفُ وَالحُجُبُ
تَعجَبُ العُيونُ لَهُ
كَيفَ تَسكُنُ الشُهُبُ
أَقبَلَت شُموسُ ضُحىً
ما لَهُنَّ مُنتَقَبُ
الظَلامُ رايَتُها
وَهيَ جَيشُهُ اللَجِبُ
في هَوادِجٍ عَجَلاً
بِالجِيادِ تَنسَحِبُ
قامَ دونَها سَبَبٌ
وَاِستَحَثَّها سَبَبُ
فَهيَ تارَةً مَهَلٌ
وَهيَ تارَةً خَبَبُ
تَرتَمي بِهِنَّ حِمىً
لا يَجوزُهُ رَغَبُ
بابُهُ لِداخِلِهِ
جَنَّةٌ هِيَ الأَرَبُ
قامَتِ السَراةُ بِهِ
وَالمَعِيَّةُ النُجُبُ
وَاِنبَرى النِساءُ لَهُ
عُجمُهُنَّ وَالعَرَبُ
العَفافُ زينَتُها
وَالجَمالُ وَالحَسَبُ
أَنجُمٌ مَطالِعُها
عابِدينُ وَالرَحَبُ
سَيِّدي لَها فَلَكٌ
وَهيَ مِنهُ تَقتَرِبُ
عِندَ رُكنِ حُجرَتِهِ
بَدرُهُ لَنا كَثَبُ
يَزدَهي السَريرُ بِهِ
وَالمَطارِفُ القُشُبُ
حَولَ عَرشِهِ عَجَمٌ
حَولَ عَرشِهِ عَرَبُ
رُتبَةُ الجُدودِ لَهُ
تَستَوي بِها الرُتَبُ
شُرِّفَت بِهِ وَسَما
تالِدٌ وَمُكتَسَبُ
اللُيوثُ ماثِلَةٌ
وَالظِباءُ تَنسَرِبُ
الحَريرُ مَلبَسُها
وَاللُجَينُ وَالذَهَبُ
وَالقُصورُ مَسرَحُها
لا الرِمالُ وَالعُشُبُ
يَستَفِزُّها نَغَمٌ
لا صَدىً وَلا لَجَبُ
يُستَعادُ مُرقِصُهُ
تارَةً وَيُقتَضَبُ
فَالقُدودُ بانُ رُبىً
بَيدَ أَنَّها تَثِبُ
يَلعَبُ العِناقُ بِها
وَهوَ مُشفِقٌ حَدِبُ
فَهيَ مَرَّةً صُعُدٌ
وَهيَ مَرَّةً صَبَبُ
وَهيَ هَهُنا وَهُنا
تَلتَقي وَتَصطَحِبُ
مِثلَما اِلتَقَت أَسَلٌ
أَو تَعانَقَت قُضُبُ
الرُؤوسُ مائِلَةٌ
في الصُدورِ تَحتَجِبُ
وَالنُحورُ قائِمَةٌ
قاعِدٌ بِها الوَصَبُ
وَالنُهودُ هامِدَةٌ
وَالخُدودُ تَلتَهِبُ
وَالخُصورُ واهِيَةٌ
بِالبَنانِ تَنجَذِبُ
سالَتِ الأَكُفُّ بِها
فَهيَ أَغصُنٌ نُهَبُ
الخَوانُ دائِرَةٌ
المَلا لَها قُطُبُ
لِلوُفودِ مائِدَةٌ
مِنهُ أَينَما اِنقَلَبوا
وَالطَريقُ مُتَّصِلٌ
نَحوَهُ وَمُنشَعِبُ
وَالطَعامُ حاضِرُهُ
وَالمَزيدُ مُنتَهَبُ
بارِدٌ وَمِن عَجَبٍ
يُشتَهى وَيُطَّلَبُ
سائِغٌ لِذي سَغَبٍ
سائِغٌ وَلا سَغَبُ
حاضِرٌ لَدى طَلَبٍ
حاضِرٌ وَلا طَلَبُ
وَالمُدامُ أَكؤُسُها
ما تَغيضُ وَالعُلَبُ
وَهيَ بَينَنا سَلَبٌ
وَالنُهى لَها سَلَبُ
شَرُفَت مَنافِحُها
وَاِعتَلى بِها العِنَبُ
حَولَها الحَوائِمُ ما
يَنقَضي لَها قَرَبُ
يَغتَبِطنَ في حَرَمٍ
لا تَنالُهُ الرِيَبُ
ما سِوى الحَديثِ بِهِ
يُبتَغى وَيُجتَذَبُ
هَكَذا الكِرامُ كِرا
مٌ وَإِن هُموا طَرَبوا
لَيلَةٌ عَلَت وَغَلَت
لَيتَ فَجرَها كَذِبُ
يَكفُلُ الأَميرُ لَنا
أَن تَعيدَها الحِقَبُ
عاشَ لِلنَدى مَلِكٌ
سَيِّدٌ لَنا وَأَبُ
حاتِمُ المُلوكِ إِذا
ضاقَ بِالنَدى النَشَبُ
السُرورُ أَنعُمُهُ
وَالهَناءُ ما يَهَبُ
وَالنَدى سَجِيَّتُهُ
وَالحَنانُ وَالحَدَبُ
يا عَزيزُ دامَ لَنا
رَوضُ عِزِّكَ الأَشِبُ
هَذِهِ عَروسُ نُهىً
في القُبولِ تَرتَغِبُ
زَفَّها لَكُم وَجلا
شاعِرُ الحِمى الأَرِبُ
اِحتَفى الحُضورُ بِها
وَاِكتَفى بِها الغَيَبُ
أَنتُمُ الظِلالُ لَنا
وَالمَنازِلُ الخُصُبُ
لَو مَدَحتُكُم زَمَني
لَم أَقُم بِما يَجِبُ

يوم اغر محجل الانباء

يوم أغر محجل الأنباء
لعلاك تهنئتي به وهنائي
ظمأ البلاد غليك في هذى النوى
ظمأ النبات إلى الغمام النائى
شوّقتها حتى إذا أظمأتها
قام السراب بها مقام الماء
عيدان فيها حين ناجت ربها
قالت له ثَلِّثهما بلقاء

قد حملت احدي نسا الارانب

قَد حَمَلَت إِحدى نِسا الأَرانِبِ
وَحَلَّ يَومُ وَضعِها في المَركَبِ
فَقَلقَ الرُكّابُ مِن بُكائِها
وَبَينَما الفَتاةُ في عَنائِها
جاءَت عَجوزٌ مِن بَناتِ عِرسِ
تَقولُ أَفدي جارَتي بِنَفسي
أَنا الَّتي أُرجى لِهَذي الغايَه
لِأَنَّني كُنتُ قَديماً دَأيَه
فَقالَتِ الأَرنَبُ لا يا جارَه
فَإِنَّ بَعدَ الأُلفَةِ الزِيارَه
مالي وُثوقٌ بِبَناتِ عِرسِ
إِنّي أُريدُ دايَةً مِن جِنسي

لك خد كانه قطعة الجلد

لك خدّ كأنه قطعة الجلـ
ـمد ثقلا فمن تراه استخفه
كلفوا صافعا به وهو لا يد
رى لذا راح صافعا كفه

باي جواب غير ذا السيف تطمع

بأي جواب غير ذا السيف تطمع
وهل دونه رد لمولاك مقنع
فعد يا رسول الغادرين مخيبا
فما كل من يُدعى إلى الغدر يهرع
وأبلغ عظيم الفرس أنى أصدّه
وأحمى على الأيام جارى وأمنع
وما أنا بالباكي على ابني وقتله
وعرضي إن يسلم قتيل مضيع
وخير لجادي من حياة بذلة
ممات إلى أسمى ذى العز يرفع
وخير لقلب منه إن ذاق ناره
وفاء يذود النار عنى ويدفع
أبعد شباب قد تجمّل بالهدى
يُلاح لشيبي بالضلال فيتبع
وترغب نفسي في القلائد والغنى
وصدري بتقوى الله حال مرصع
وأقبل أن أُعطَى بذل إمارةً
فأبنى بها جاهى وديني مضعضع
نعم ملك قمبيز أبن قيروش واسع
ولكنما ملك الفراديس أوسع

مضني وليس به حراك

مُضنىً وَلَيسَ بِهِ حِراك
لَكِن يَخِفُّ إِذا رَآك
وَيَميلُ مِن طَرَبٍ إِذا
ما مِلتَ يا غُصنَ الأَراك
إِنَّ الجَمالَ كَساكَ مِن
وَرَقِ المَحاسِنِ ما كَساك
وَنَبَتَّ بَينَ جَوانِحي
وَالقَلبُ مِن دَمِهِ سَقاك
حُلوَ الوُعودِ مَتى وَفاك
أَتُراكَ مُنجِزَها تُراك
مِن كُلِّ لَفظٍ لَو أَذِن
تَ لِأَجلِهِ قَبَّلتُ فاك
أَخَذَ الحَلاوَةَ عَن ثَنا
ياكَ العِذابِ وَعَن لَماك
ظُلماً أَقولُ جَنى الهَوى
لَم يَجنِ إِلّا مُقلَتاك
غَدَتا مَنِيَّةَ مَن رَأَي
تَ وَرُحتَ مُنيَةَ مَن رَآك