ان تسالي عن مصر حواء القري

إِن تَسأَلي عَن مِصرَ حَوّاءِ القُرى
وَقَرارَةِ التاريخِ وَالآثارِ
فَالصُبحُ في مَنفٍ وَثيبَة واضِحٌ
مَن ذا يُلاقي الصُبحَ بِالإِنكارِ
بِالهَيلِ مِن مَنفٍ وَمِن أَرباضِها
مَجدوعُ أَنفٍ في الرِمالِ كُفاري
خَلَتِ الدُهورُ وَما اِلتَقَت أَجفانُهُ
وَأَتَت عَلَيهِ كَلَيلَةٍ وَنَهارِ
ما فَلَّ ساعِدَهُ الزَمانُ وَلَم يَنَل
مِنهُ اِختِلافُ جَوارِفٍ وَذَوارِ
كَالدَهرِ لَو مَلَكَ القِيامَ لِفَتكَةٍ
أَو كانَ غَيرَ مُقَلَّمِ الأَظفارِ
وَثَلاثَةٍ شَبَّ الزَمانُ حِيالَها
شُمٍّ عَلى مَرِّ الزَمانِ كِبارِ
قامَت عَلى النيلِ العَهيدِ عَهيدَةً
تَكسوهُ ثَوبَ الفَخرِ وَهيَ عَوارِ
مِن كُلِّ مَركوزٍ كَرَضوى في الثَرى
مُتَطاوِلٍ في الجَوِّ كَالإِعصارِ
الجِنُّ في جَنَباتِها مَطروقَةٌ
بِبَدائِعِ البَنّاءِ وَالحَفّارِ
وَالأَرضُ أَضَيعُ حيلَةً في نَزعِها
مِن حيلَةِ المَصلوبِ في المِسمارِ
تِلكَ القُبورُ أَضَنَّ مِن غَيبٍ بِما
أَخفَت مِنَ الأَعلاقِ وَالأَذخارِ
نامَ المُلوكُ بِها الدُهورَ طَويلَةً
يَجِدونَ أَروَحَ ضَجعَةٍ وَقَرارِ
كُلٌّ كَأَهلِ الكَهفِ فَوقَ سَريرِهِ
وَالدَهرُ دونَ سَريرِهِ بِهِجارِ
أَملاكُ مِصرَ القاهِرونَ عَلى الوَرى
المُنزَلونَ مَنازِلَ الأَقمارِ
هَتَكَ الزَمانُ حِجابَهُم وَأَزالَهُم
بَعدَ الصِيانِ إِزالَةَ الأَسرارِ
هَيهاتَ لَم يَلمِس جَلالَهُمو البِلى
إِلّا بِأَيدٍ في الرَغامِ قِصارِ
كانوا وَطَرفُ الدَهرِ لا يَسمو لَهُم
ما بالُهُم عُرِضوا عَلى النُظّارِ
لَو أَمهَلوا حَتّى النُشورِ بِدَورِهِم
قاموا لِخالِقِهِم بِغَيرِ غُبارِ

جرح علي جرح حنانك جلق

جُرحٌ عَلى جُرحٍ حَنانَكِ جِلَّقُ
حُمِّلتِ ما يوهي الجِبالَ وَيُزهِقُ
صَبراً لُباةَ الشَرقِ كُلُّ مَصيبَةٍ
تَبلى عَلى الصَبرِ الجَميلِ وَتَخلُقُ
أَنَسيتِ نارَ الباطِشينَ وَهَزَّةً
عَرَتِ الزَمانَ كَأَنَّ روما تُحرَقُ
رَعناءَ أَرسَلَها وَدَسَّ شُواظَها
في حُجرَةِ التاريخِ أَرعَنُ أَحمَقُ
فَمَشَت تُحَطِّمُ بِاليَمينِ ذَخيرَةً
وَتَلُصُّ أُخرى بِالشَمالِ وَتَسرِقُ
جُنَّت فَضَعضَعَها وَراضَ جِماحَها
مِن نَشئِكِ الحُمسِ الجُنونُ المُطبِقُ
لَقِيَ الحَديدُ حَمِيَّةً أَمَوِيَّةً
لا تَكتَسي صَدَأً وَلا هِيَ تُطرَقُ
يا واضِعَ الدُستورِ أَمسِ كَخُلقِهِ
ما فيهِ مِن عِوَجٍ وَلا هُوَ ضَيِّقُ
نَظمٌ مِنَ الشورى وَحُكمٌ راشِدٌ
أَدَبُ الحَضارَةِ فيهِما وَالمَنطِقُ
لا تَخشَ مِمّا أَلحَقوا بِكِتابِهِ
يَبقى الكِتابُ وَلَيسَ يَبقى المُلحَقُ
مَيتَ الجَلالِ مِنَ القَوافي زَفرَةٌ
تَجري وَمِنها عَبرَةٌ تَتَرَقرَقُ
وَلَقَد بَعَثتُهُما إِلَيكَ قَصيدَةً
أَفَأَنتَ مُنتَظِرٌ كَعَهدِكَ شَيِّقُ
أَبكي لَيالينا القِصارَ وَصُحبَةً
أَخَذَت مُخيلَتُها تَجيشُ وَتَبرُقُ
لا أَذكُرُ الدُنيا إِلَيكَ فَرُبَّما
كَرِهَ الحَديثَ عَنِ الأَجاجِ المُغرَقُ
طُبِعَت مِنَ السُمِّ الحَياةُ طَعامُها
وَشَرابُها وَهَوائُها المُتَنَشَّقُ
وَالناسُ بَينَ بَطيئِها وَذُعافِها
لا يَعلَمونَ بِأَيِّ سُمَّيها سُقوا
أَما الوَلِيُّ فَقَد سَقاكَ بِسُمِهِ
ما لَيسَ يَسقيكَ العَدُوُّ الأَزرَقُ
طَلَبوكَ وَالأَجَلُ الوَشيكُ يَحُثُّهُم
وَلِكُلِّ نَفسٍ مُدَّةٌ لا تُسبَقُ
لَمّا أَعانَ المَوتُ كَيدَ حِبالِهِم
عَلِقَت وَأَسبابُ المَنِيَّةِ تَعلَقُ
طَرَقَت مِهادَكَ حَيَّةٌ بَشَرِيَّةٌ
كَفَرَت مِمّا تَنتابُ مِنهُ وَتَطرُقُ
يا فَوزُ تِلكَ دِمَشقُ خَلفَ سَوادِها
تَرمي مَكانَكَ بِالعُيونِ وَتَرمُقُ
ذَكَرَت لَيالِيَ بَدرِها فَتَلَفَّتَت
فَعَساكَ تَطلُعُ أَو لَعَلَّكَ تُشرِقُ
بَرَدى وَراءَ ضِفافِهِ مُستَعبِرٌ
وَالحورُ مَحلولُ الضَفائِرِ مُطرِقُ
وَالطَيرُ في جَنَباتِ دُمَّرَ نُوَّحٌ
يَجِدُ الهُمومَ خَلِيُّهُنَّ وَيَأرَقُ
وَيَقولُ كُلُّ مُحَدِّثٍ لِسَميرِهِ
أَبِذاتِ طَوقٍ بَعدَ ذَلِكَ يوثَقُ
عَشِقَت تَهاويلَ الجَمالِ وَلَم تَجِد
في العَبقَرِيَّةِ ما يُحَبُّ وَيُعشَقُ
فَمَشَت كَأَنَّ بَنانَها يَدُ مُدمِنٍ
وَكَأَنَّ السُمَّ فيها زِئبَقُ
وَلَو اَنَّ مَقدوراً يُرَدُّ لَرَدَّها
بِحَياتِهِ الوَطَنُ المَروعُ المُشفِقُ
أَشقى القَضاءُ الأَرضَ بَعدَكَ أُسرَةً
لَولا القَضاءُ مِنَ السَماءِ لَما شَقَوا
قَسَتِ القُلوبُ عَلَيهِمُ وَتَحَجَّرَت
فَاِنظُر فُؤادَكَ هَل يَلينُ وَيَرفُقُ
إِنَّ الَّذينَ نَزَلتَ في أَكنافِهِم
صَفَحوا فَما مِنهُم مَغيظٌ مُحنَقُ
سَخِروا مِنَ الدُنيا كَما سَخِرَت بِهِم
وَاِنبَتَّ مِن أَسبابِها المُتَعَلَّقُ
يا مَأتَماً مِن عَبدِ شَمسٍ مِثلُهُ
لِلشَمسِ يُصنَعُ في المَماتِ وَيُنسَقُ
إِن ضاقَ ظَهرُ الأَرضِ عَنكَ فَبَطنُها
عَمّا وَراءَكَ مِن رُفاتٍ أَضيَقُ
لَمّا جَمَعتَ الشامَ مِن أَطرافِهِ
وافى يُعَزّي الشامَ فيكَ المَشرِقُ
يَبكي لِواءً مِنَ شَبابِ أُمَيَّةٍ
يَحمي حِمى الحَقِّ المُبينِ وَيَخفُقُ
لَمَسَت نَواصيها الحُصونُ تَرومُهُ
وَتَلَمَّستُهُ فَلَم تَجِدهُ الفَيلَقُ
رُكنُ الزَعامَةِ حينَ تَطلُبُ رَأيَهُ
فَيَرى وَتَسأَلُهُ الخِطابَ فَيَنطِقُ
وَيَكادُ مِن سِحرِ البَلاغَةِ تَحتَهُ
عودُ المَنابِرِ يُستَخَفُّ فَيورِقُ
فَيحاءُ أَينَ عَلى جِنانِكِ وَردَةٌ
كانَت بِها الدُنيا تَرِفُّ وَتَعبَقُ
عُلوِيَّةً تَجِدُ المَسامِعُ طَيِّها
وَتُحِسُّ رَيّاها العُقولُ وَتَنشَقُ
وَأَرائِكُ الزَهرِ الغُصونُ وَعَرشُها
يَدُ أُمَّةٍ وَجَبينُها وَالمِفرَقُ
مَن مُبلِغٌ عَنّي شُبولَةُ جِلَّقٍ
قَولاً يَبُرُّ عَلى الزَمانِ وَيَصدُقُ
بِاللَهِ جَلَّ جَلالُهُ بِمُحَمَّدٍ
بِيَسوعَ بِالغَزِّيِّ لا تَتَفَرَّقوا
قَد تُفسِدُ المَرعى عَلى أَخَواتِها
شاةٌ تَنِدُّ مِنَ القَطيعِ وَتَمرُقُ

تامل في الوجود وكن لبيبا

تأمل في الوجود وكن لبيبا
وقم في العالمين فقل خطيبا
بفوز جنودنا الفوز العجيبا
بعيد الفتح قد أضحى قريبا
لقينا في الزريبة يوم نصر
كيوم التل في تاريخ مصر
يهيئ للبلاد جديد عصر
ويكفيها القلاقل والخطوبا
فقم من طول نومك والغرور
وخذ بالحزن أو خذ بالسرور
فعار صرف همك عن أمور
ستأخذ من عواقبها نصيبا
بعثنا للدراويش السرايا
تصب على رؤوسهم المنايا
فجاءهم عذاب الله آيا
كما قد جاء قبلهم الشعوبا
وكم من قبل قد عادوا وعدنا
وكم مال على هذا أبدنا
وجيش إثر جيش قد فقدنا
وكان القائد النحس الغريبا
إلى أن قد مضى زمن التخلى
وصار الجوّ أصلح للتجلى
قصدناهم على ذاك المحل
وكان الفخ مكسيم المذيبا
فما للقطر لا يغدو فخورا
ولندن لا تجاوبه سرورا
أرى الجيشين قد ظهرا ظهورا
على غنم الزريبة لن يريبا
وروتر من ذهول لا يخبى
يباهي الأرض في شرق وغرب
بمن يزجي الجيوش ومن يعبى
ومن يسترجع القطر الخصيبا
بسردار البلاد ولا أبالي
إذا ما قلت كتشنر المعالي
سقى السودان أى دم ومال
ولم يبرح بعلته طبيبا
لبثنا في التناوش نحو شهر
والاستطلاع من نهر لنهر
وأتياس الزريبة ليس تدرى
بأن قد حيرت أسدا وذيبا
ظنناها أعزّ من السحاب
وأمنع في الطوابي من عُقاب
فجئناها بألوية صعاب
وجندنا الجنود لها ضروبا
بسود كانت الوثبات منها
وبيض لا تسل في الحرب عنها
وحمر لاقت الأعداء وجها
فكانت سهم راميها المصيبا
طلعنا والصباح على الطوابي
بنار من جهنم لا تحابي
ملكنا منهم قمم الروابي
وماء النهر والغاب الرهيبا
رأونا قبل ما رأوا النهارا
فهبوا من مراقدهم حيارى
فكنا الموت وافاهم جهارا
وهبت ريحه فيهم هبوبا
رصاص لا يغيض ولا يغيب
بعيد في مقاصده قريب
كأن مسيله مطر يصوب
ولكن نقمة وردىً صبيبا
دككنا حصنهم حرقا وكسرا
وأفنيناهم قتلا وأسرا
أخذنا العرش من محمود قسرا
وقد بل الأمير العنقريبا
نعم فتح رعاه الله فتحا
وقتلى هم له ثمن وجرحى
ومال طائل أصلا وربحا
بذلناه ولم نخش الرقيبا
ولكن ما وراءك يا عصام
وبعد الحرب ما يأتي السلام
فليت هياكلا درست تقام
فأسألها وأطمع أن تجيبا
بلى إن الحقيقة قد تجلت
وإن تك بالزخارف قد تحلت
تولى عزنا الماضي وولت
بلاد الله سودانا ونوبا
فيا سردار مصر لك الأيادي
فأنت لها المعين على الأعادى
وكل الناس بل كل البلاد
لسان بالثناء غدا رطيبا
فخذ من مالها حتى الوجودا
وجنِّد كيفما شئت الجنودا
وأنَّى شئت ضع منها الحدودا
شمالا في البسيطة أو جنوبا
فها لَكَ في الحدود اليوم رجل
وفي الخرطوم أخرى سوف تعلو
لأن السعد للقدمين نعل
ومن ذا يغلب السعد الغلوبا

ايامكم ام عهد اسماعيلا

أَيّامُكُم أَم عَهدُ إِسماعيلا
أَم أَنتَ فِرعَونٌ يَسوسُ النيلا
أَم حاكِمٌ في أَرضِ مِصرَ بِأَمرِهِ
لا سائِلاً أَبَداً وَلا مَسؤولا
يا مالِكاً رِقَّ الرِقابِ بِبَأسِهِ
هَلّا اِتَّخَذتَ إِلى القُلوبِ سَبيلا
لَمّا رَحَلتَ عَنِ البِلادِ تَشَهَّدَت
فَكَأَنَّكَ الداءُ العَياءُ رَحيلا
أَوسَعتَنا يَومَ الوَداعِ إِهانَةً
أَدَبٌ لَعَمرُكَ لا يُصيبُ مَثيلا
هَلّا بَدا لَكَ أَن تُجامِلَ بَعدَ ما
صاغَ الرَئيسُ لَكَ الثَنا إِكليلا
اُنظُر إِلى أَدَبِ الرَئيسِ وَلُطفِهِ
تَجِدِ الرَئيسَ مُهَذَّباً وَنَبيلا
في مَلعَبٍ لِلمُضحِكاتِ مُشَيَّدٍ
مَثَّلتَ فيهِ المُبكِياتِ فُصولا
شَهِدَ الحُسَينُ عَلَيهِ لَعنَ أُصولِهِ
وَيُصَدَّرُ الأَعمى بِهِ تَطفيلا
جُبنٌ أَقَلَّ وَحَطَّ مِن قَدرَيهِما
وَالمَرءُ إِن يَجبُن يَعِش مَرذولا
لَمّا ذَكَرتُ بِهِ البِلادَ وَأَهلَها
مَثَّلتَ دَورَ مَماتِها تَمثيلا
أَنذَرتَنا رِقّاً يَدومُ وَذِلَّةً
تَبقى رِحالاً لا تَرى تَحويلا
أَحَسِبتَ أَنَّ اللَهَ دونَكَ قُدرَةً
لا يَملُكُ التَغييرَ وَالتَبديلا
اللَهُ يَحكُمُ في المُلوكِ وَلَم تَكُن
دُوَلٌ تُنازِعُهُ القُوى لِتَدولا
فِرعَونُ قَبلَكَ كانَ أَعظَمَ سَطوَةً
وَأَعَزَّ بَينَ العالَمينَ قَبيلا
اليَومَ أَخلَفَتِ الوُعودَ حُكومَةٌ
كُنّا نَظُنُّ عُهودَها الإِنجيلا
دَخَلَت عَلى حُكمِ الوِدادِ وَشَرعِهِ
مِصراً فَكانَت كَالسُلالِ دُخولا
هَدَمَت مَعالِمَها وَهَدَّت رُكنَها
وَأَضاعَتِ اِستِقلالَها المَأمولا
قالوا جَلَبتَ لَنا الرَفاهَةَ وَالغِنى
جَحَدوا الإِلَهَ وَصُنعَهُ وَالنيلا
كَم مِنَّةٍ مَوهومَةٍ أَتبَعتَها
مِنّا عَلى الفَطِنِ الخَبيرِ ثَقيلا
في كُلِّ تَقريرٍ تَقولُ خَلَقتُكُم
أَفَهَل تَرى تَقريرَكَ التَنزيلا
هَل مِن نَداكَ عَلى المَدارِسِ أَنَّها
تَذَرُ العُلومَ وَتَأخُذُ الفُوتبولا
أَم مِن صِيانَتِكَ القَضاءَ بِمِصرَ أَن
تَأتي بِقاضي دِنشِوايَ وَكيلا
أَم هَل يَعُدُّ لَكَ الإِضاعَةَ مِنَّةً
جَيشٌ كَجَيشِ الهِندِ باتَ ذَليلا
اُنظُر إِلى فِتيانِهِ ما شَأنُهُم
أَوَ لَيسَ شَأناً في الجُيوشِ ضَئيلا
حَرَّمتُهُم أَن يَبلُغوا رُتَبَ العُلا
وَرَفَعتَ قَومَكَ فَوقَهُم تَفضيلا
فَإِذا تَطَلَّعَتِ الجُيوشُ وَأَمَّلَت
مُستَقبَلاً لا يَملِكوا التَأميلا
مِن بَعدِ ما زَفّوا لِإِدوَردَ العُلا
فَتحاً عَريضاً في البِلادِ طَويلا
لَو كُنتُ مِن جُمرِ الثِيابِ عَبَدتُكُم
مِن دونِ عيسى مُحسِناً وَمُنيلا
أَو كُنتُ بَعضَ الإِنكِليزَ قَبِلتُكُم
مَلِكاً أُقَطِّعُ كَفَّهُ تَقبيلا
أَو كُنتُ عُضواً في الكُلوبِ مَلَأتُهُ
أَسَفاً لِفُرقَتِكُم بُكاً وَعَويلا
أَو كُنتُ قِسّيساً يَهيمُ مُبَشِّراً
رَتَّلتُ آيَةَ مَدحِكُم تَرتيلا
أَو كُنتُ صَرّافاً بِلُندُنَ دائِناً
أَعطَيتُكُم عَن طيبَةٍ تَحويلا
أَو كُنتُ تَيمَسَكُم مَلَأتُ صَحائِفي
مَدحاً يُرَدَّدُ في الوَرى مَوصولا
أَو كُنتُ في مِصرٍ نَزيلاً جاهِداً
سَبَّحتُ بِاِسمِكِ بُكرَةً وَأَصيلا
أَو كُنتُ سِريوناً حَلَفتُ بِأَنَّكُم
أَنتُم حَوَيتُمُ بِالقَناةِ الجيلا
ما كانَ مِن عَقَباتِها وَصِعابِها
ذَلَّلتُموهُ بِعَزمِكُم تَذليلا
عَهدُ الفِرَنجِ وَأَنتَ تَعلَمُ عَهدَهُم
لا يَبخَسونَ المُحسِنينَ فَتيلا
فَاِرحَل بِحِفظِ اللَهِ جَلَّ صَنيعُهُ
مُستَعفِياً إِن شِئتَ أَو مَعزولا
وَاِحمِل بِساقِكَ رَبطَةً في لُندُنٍ
وَاِخلِف هُناكَ غِرايَ أَو كَمبيلا
أَو شاطِرِ المُلكَ العَظيمَ بِلادَهُ
وَسُسِ المَمالِكَ عَرضَها وَالطولا
إِنّا تَمَنَّينا عَلى اللَهِ المُنى
وَاللَهُ كانَ بِنَيلِهِنَّ كَفيلا
مَن سَبَّ دينَ مُحَمَّدٍ فَمُحَمَّدٌ
مُتَمَكِّنٌ عَنّا الإِلَهُ رَسولا

في ذي الجفون صوارم الاقدار

في ذي الجفون صوارم الأقدار
راعِى البريةَ يا رعاك الباري
وكفى الحياةُ لنا شواغل فأفتني
ملأ النجوم وعالم الأقمار
ما أنت في هذى الحِلَى إنسيّة
إن أنت إلا الشمس في الأنوار
زهراءُ بالأفق الذي من دونه
وثب النهى وتطاول الأفكار
تتهتك الألباب خلف حجابها
مهما طلعِت فكيف بالأبصار
يا زينة الإصباح والإمساء بل
يا رونق الآصال والأسحار
ماذا تحاول من تنائينا النوى
أنت الدُّنى وأنا الخيال الساري
ألقى الضحى ألقاكِ ثُم من الدجى
سبل إليك خفية الإغوار
ولقد أطارحك الغرام مؤيّدا
بلُغى الوجود المائج الزخار
وإذا أنست بوحدتي فلأنها
سببي إليك وسلّمى ومنارى
إيه زماني في الهوى وزمانها
تالله قد كنت النمير الجاري
متسلسلا بين الصبابة والصبا
مترقرقا بمسارح الأوطار
سمحَ الأزمّة ما تريد تحوّلا
ونريد عمرك أطول الأعمار
حتى إذا سكنت إليك لنا منىً
كانت بظلك في هنىّ جوار
عمد الفراق لطىّ أنسك غاشما
إن الفراق جهم الأقدار

عزيز انت مفلس

عزيز أنت مفلِس
ما شئت في ذاك فقل
على البلاد يا عزيـ
ـز كلنا ذاك الرجل

سعت لك صورتي واتاك شخصي

سَعَت لَكَ صورَتي وَأَتاكَ شَخصي
وَسارَ الظِلُّ نَحوَكَ وَالجِهاتُ
لِأَنَّ الروحَ عِندَكَ وَهيَ أَصلٌ
وَحَيثُ الأَصلُ تَسعى المُلحَقاتُ
وَهَبها صورَةً مِن غَيرِ روح
أَلَيسَ مِنَ القَبولِ لَها حَياةُ

يد الملك العلوي الكريم

يَدُ المَلِكِ العَلَوي الكَريم
عَلى العلمِ هَزَّت أَخاهُ الأَدَب
لِسانُ الكِنانَةِ في شُكرِها
وَما هُوَ إِلّا لِسانُ العَرَب
قَضَت مِصرُ حاجَتَها يا عَلِيُّ
وَنالَت وَنالَ بَنوها الأَرَب
وَهَنَّأتُ بِالرُتَبِ العَبقَرِيِّ
وَهَنَّأتُ بِالعَبقَرِيِّ الرُتَب
عَلِيُّ لَقَد لَقَّبَتكَ البِلادُ
بِآسي الجِراحِ وَنِعمَ اللَقَب
سِلاحُكَ مِن أَدَواتِ الحَياةِ
وَكُلُّ سِلاحٍ أَداةُ العَطَب
وَلَفظُكَ بِنجٌ وَلَكِنَّهُ
لَطيفُ الصَبا في جُفونِ العَصَب
أَنامِلُ مِثلُ بَنانِ المَسيحِ
أَواسي الجِراحِ مَواحي النُدَب
تُعالِجُ كَفّاكَ بُؤسَ الحَياةِ
فَكَفٌّ تُداوي وَكَفٌّ تَهَب
وَيَستَمسِكُ الدَمُ في راحَتَيكَ
وَفَوقَهُما لا يَقَرُّ الذَهَب
كَأَنَّكَ لِلمَوتِ مَوتٌ أُتيحَ
فَلَم يَرَ وَجهَكَ إِلّا هَرَب

سهرت منه الليالي

سهرتُ منه الليالي
ما للغرام ومالي
إن صد عني حبيبي
فلستُ عنه بسالي
يطوفُ بالحب قلبي
فراشةٌ لا تبالي
الحبُ فيهِ بقائي
الحبُ فيهِ زوالي
قلبٌ بغيرِ غرامٍ
جسمٌ من الروحِ خالي
أما رأيتَ حبيبي
في حُسنِهِ كالغزالِ
ربّي كساهُ جمالاً
ما بعدهُ من جمالِ
انظرْهُ كيفَ تهادَى
من رقةٍ ودلالِ
قلْ للأحبّةِ رفقاً
بحالِهم وبحالي
يبدونَ صدّاً ولكنْ
هم يُضمرونَ وصالي
ما أقصرَ العمرَ حتى
نضيّعهُ في النضالِ

نظر الليث الي عجل سمين

نَظَرَ اللَيثُ إِلى عِجلٍ سَمين
كانَ بِالقُربِ عَلى غَيطٍ أَمين
فَاِشتَهَت مِن لَحمِهِ نَفسُ الرَئيس
وَكَذا الأَنفُسُ يُصيبُها النَفيس
قالَ لِلثَعلَبِ يا ذا الاِحتِيال
رَأسُكَ المَحبوبُ أَو ذاكَ الغَزال
فَدَعا بِالسَعدِ وَالعُمرِ الطَويل
وَمَضى في الحالِ لِلأَمرِ الجَليل
وَأَتى الغَيطَ وَقَد جَنَّ الظَلام
فَرَأى العِجلَ فَأَهداهُ السَلام
قائِلاً يا أَيُّها المَولى الوَزير
أَنتَ أَهلُ العَفوِ وَالبِرِّ الغَزير
حَمَلَ الذِئبَ عَلى قَتلى الحَسَد
فَوَشى بي عِندَ مَولانا الأَسَد
فَتَرامَيتُ عَلى الجاهِ الرَفيع
وَهوَ فينا لَم يَزَل نِعمَ الشَفيع
فَبَكى المَغرورُ مِن حالِ الخَبيث
وَدَنا يَسأَلُ عَن شَرحِ الحَديث
قالَ هَل تَجهَلُ يا حُلوَ الصِفات
أَنَّ مَولانا أَبا الأَفيالِ مات
فَرَأى السُلطانُ في الرَأسِ الكَبير
مَوطِنَ الحِكمَةِ وَالحِذقِ الكَثير
وَرَآكُم خَيرَ مَن يُستَوزَرُ
وَلِأَمرِ المُلكِ رُكناً يُذخَرُ
وَلَقَد عَدّوا لَكُم بَينَ الجُدود
مِثلَ آبيسَ وَمَعبودِ اليَهود
فَأَقاموا لِمَعاليكُم سَرير
عَن يَمينِ المَلكِ السامي الخَطير
وَاِستَعَدَّ الطَيرُ وَالوَحشُ لِذاك
في اِنتِظارِ السَيِّدِ العالي هُناك
فَإِذا قُمتُم بِأَعباءِ الأُمور
وَاِنتَهى الأُنسُ إِلَيكُم وَالسُرور
بَرِّؤوني عِندَ سُلطانِ الزَمان
وَاِطلُبوا لي العَفوَ مِنهُ وَالأَمان
وَكَفاكُم أَنَّني العَبدُ المُطيع
أَخدُمُ المُنعِمَ جَهدَ المُستَطيع
فَأَحَدَّ العِجلُ قَرنَيهِ وَقالَ
أَنتَ مُنذُ اليَومِ جاري لا تُنال
فَاِمضِ وَاِكشِف لي إِلى اللَيثِ الطَريق
أَنا لا يَشقى لَدَيهِ بي رَفيق
فَمَضى الخِلّانِ تَوّاً لِلفَلاه
ذا إِلى المَوتِ وَهَذا لِلحَياه
وَهُناكَ اِبتَلَعَ اللَيثُ الوَزير
وَحَبا الثَعلَبَ مِنهُ بِاليَسير
فَاِنثَنى يَضحَكُ مِن طَيشِ العُجول
وَجَرى في حَلبَةِ الفَخرِ يَقول
سَلِمَ الثَعلَبُ بِالرَأسِ الصَغير
فَفَداهُ كُلُّ ذي رَأسٍ كَبير