اخترت يوم الهول يوم وداع

اِختَرتَ يَومَ الهَولِ يَومَ وَداعِ
وَنَعاكَ في عَصفِ الرِياحِ الناعي
هَتَفَ النُعاةُ ضُحىً فَأَوصَدَ دونَهُم
جُرحُ الرَئيسِ مَنافِذَ الأَسماعِ
مَن ماتَ في فَزَعِ القِيامَةِ لَم يَجِد
قَدَماً تُشَيِّعُ أَو حَفاوَةَ ساعي
ما ضَرَّ لَو صَبَرَت رِكابُكَ ساعَةً
كَيفَ الوُقوفُ إِذا أَهابَ الداعي
خَلِّ الجَنائِزَ عَنكَ لا تَحفِل بِها
لَيسَ الغُرورُ لِمَيِّتٍ بِمَتاعِ
سِر في لِواءِ العَبقَرِيَّةِ وَاِنتَظِم
شَتّى المَواكِبِ فيهِ وَالأَتباعِ
وَاِصعَدَ سَماءَ الذِكرِ مِن أَسبابِها
وَاِظهَر بِفَضلٍ كَالنَهارِ مُذاعِ
فُجِعَ البَيانُ وَأَهلُهُ بِمُصَوِّرٍ
لَبِقٍ بِوَشيِ المُمتِعاتِ صَناعِ
مَرموقِ أَسبابِ الشَبابِ وَإِن بَدَت
لِلشَيبِ في الفَودِ الأَحَمِّ رَواعي
تَتَخَيَّلُ المَنظومَ في مَنثورِهِ
فَتَراهُ تَحتَ رَوائِعِ الأَسجاعِ
لَم يَجحَدِ الفُصحى وَلَم يَهجُم عَلى
أُسلوبِها أَو يُزرِ بِالأَوضاعِ
لَكِن جَرى وَالعَصرَ في مِضمارِها
شَوطاً فَأَحرَزَ غايَةَ الإِبداعِ
حُرُّ البَيانِ قَديمُهُ وَجَديدُهُ
كَالشَمسِ جِدَّةَ رُقعَةٍ وَشُعاعِ
يونانُ لَو بيعَت بِهوميرٍ لَما
خَسِرَت لَعَمرُكَ صَفقَةُ المُبتاعِ
يا مُرسِلَ النَظَراتِ في الدُنيا وَما
فيها عَلى ضَجَرٍ وَضيقِ ذِراعِ
وَمُرَقرِقَ العَبَراتِ تَجري رِقَّةً
لِلعالَمِ الباكي مِنَ الأَوجاعِ
مَن ضاقَ بِالدُنيا فَلَيسَ حَكيمَها
إِنَّ الحَكيمَ بِها رَحيبُ الباعِ
هِيَ وَالزَمانُ بِأَرضِهِ وَسَمائِهِ
في لُجَّةِ الأَقدارِ نِضوُ شِراعِ
مَن شَذَّ ناداهُ إِلَيهِ فَرَدَّهُ
قَدَرٌ كَراعٍ سائِقٍ بِقِطاعِ
ما خَلفُهُ إِلّا مَقودٌ طائِعٌ
مُتَلَفِّتٌ عَن كِبرِياءِ مُطاعِ
جَبّارُ ذِهنٍ أَو شَديدُ شَكيمَةٍ
يَمضي مُضِيَّ العاجِزِ المُنصاعِ
مَن شَوَّهَ الدُنيا إِلَيكَ فَلَم تَجِد
في المُلكِ غَيرَ مُعَذَّبينَ جِياعِ
أَبِكُلِّ عَينٍ فيهِ أَو وَجهٍ تَرى
لَمَحاتِ دَمعٍ أَو رُسومِ دِماعِ
ما هَكَذا الدُنيا وَلَكِن نُقلَةٌ
دَمعُ القَريرِ وَعَبرَةُ المُلتاعِ
لا الفَقرُ بِالعَبَراتِ خُصَّ وَلا الغِنى
غِيَرُ الحَياةِ لَهُنَّ حُكمُ مَشاعِ
ما زالَ في الكوخِ الوَضيعِ بَواعِثٌ
مِنها وَفي القَصرِ الرَفيعِ دَواعي
في القَفرِ حَيّاتٌ يُسَيِّبُها بِهِ
حاوي القَضاءِ وَفي الرِياضِ أَفاعي
وَلَرُبَّ بُؤسٍ في الحَياةِ مُقَنَّعٍ
أَربى عَلى بُؤسٍ بِغَيرِ قِناعِ
يا مُصطَفى البُلَغاءِ أَيَّ يَراعَةٍ
فَقَدوا وَأَيَّ مُعَلِّمٍ بِيَراعِ
اليَومَ أَبصَرتَ الحَياةَ فَقُل لَنا
ماذا وَراءَ سَرابِها اللَمّاعِ
وَصِفِ المَنونَ فَكَم قَعَدتَ تَرى لَها
شَبَحاً بِكُلِّ قَرارَةٍ وَيَفاعِ
سَكَنَ الأَحِبَّةُ وَالعِدى وَفَرَغتَ مِن
حِقدِ الخُصومِ وَمِن هَوى الأَشياعِ
كَم غارَةٍ شَنّوا عَلَيكَ دَفَعتَها
تَصِلُ الجُهودَ فَكُنَّ خَيرَ دِفاعِ
وَالجُهدُ موتٍ في الحَياةِ ثِمارَهُ
وَالجُهدُ بَعدَ المَوتِ غَيرُ مُضاعِ
فَإِذا مَضى الجيلُ المِراضُ صُدورُهُ
وَأَتى السَليمُ جَوانِبَ الأَضلاعِ
فَاِفزَع إِلى الزَمَنِ الحَكيمِ فَعِندَهُ
نَقدٌ تَنَزَّهَ عَن هَوىً وَنِزاعِ
فَإِذا قَضى لَكَ أُبتَ مِن شُمِّ العُلا
بِثَنِيَّةٍ بَعُدَت عَلى الطَلّاعِ
وَأَجَلُّ ما فَوقَ التُرابِ وَتَحتَهُ
قَلَمٌ عَلَيهِ جَلالَةُ الإِجماعِ
تِلكَ الأَنامِلُ نامَ عَنهُنَّ البِلى
عُطِّلنَ مِن قَلَمٍ أَشَمَّ شُجاعِ
وَالجُبنُ في قَلَمِ البَليغِ نَظيرُهُ
في السَيفِ مَنقَصَةٌ وَسوءُ سَماعِ

شكوت لله من نسلي وكثرته

شكوت لله من نسلي وكثرته
وقلت في ذاك والتوحيد معتقدي
لا تنقضى سنة إلاّ ولى ولد
وأنت يا ربّ من ألفين لم تلد
ولو وهبتَ لعيسى منك ألف أخ
ما ضقت ذرعا ولا ضاقوا إلى الأبد
ولا ووجهك لم أكره تعدّدهم
فأغنهم ثم هبهم لي بلا عدد

راك تحب السجع حتي تظنه

رآك تحب السجع حتى تظنه
هو الحسن لا ما جاء من جودة الطبع
فثقل من صفع بسجع وما درى
بأن أجل السجع ما خف في السمع

الا هل لي بلقياه يدان

ألا هل لي بلقياه يدانِ
حبيب شأنه عجب وشأني
إذا دنت الديار به فناء
وإن نأت الديار به فداني
يودّ الليل لو ندنو كلانا
ويدخر النهار لنا التهاني
وتأتي شقوتي بالذنب عندي
لها لا للزمان ولا المكان

سلك لال من بني الاعمام

سِلك لآلٍ مِن بَني الأَعمامِ
وَمُلكُ آلٍ مِن بَني الغَمامِ
بجَدّهم في السَنة اِستَسقى عُمَر
هَزّ الغَمامَ بِالغَمام فَاِنهَمَر
وَدُولةُ الحَق بَدَت لِلناسِ
بَينَ رِضى الخَلق وَالاستئناسِ
وَعدُ النَبيّ في الحَياة عَمّه
اللَه مِن بَعدهما أَتمه
وَلَستَ تَدري مَن بَنى أَساسَها
أَعجَبُ أَم مَن شادَها وَساسَها
أَقبلَ يَبنيها مشن الفِتيان
عِصابَةٌ مُحسِنَةُ البُنيانِ
قَد نَفَروا لِلأَمر في أَوقاتِهِ
وَالأَمرُ يَستَأنِسُ في مِيقاتِهِ
وَاِنتَخبوا الأَبطال لِلمَجالِ
وَالخَيرُ في تَخيُّر الرِجال
وَنقدوا الآراءَ وَالسُيوفا
فَنَفو الكُلولَ وَالزيوفا
سَلُّوا خَراسانَ وَنعمَ الماضي
في الأَمر مُستقبلِهِ وَالماضي
خِفّت لِداعيهم وَلَبّت الطَلَب
وَاِعتَصَمَ المَأمونُ فِيها فَغَلَب
لِأَهلِها فيهم هَوى وَنارُ
وَفي مَهَبِّ الريح تَقوى النارُ
رَموا بِها فَجَدلوا أُمَيّه
وَكُلُّ سَهمٍ وَلَهُ رَميّه
بِالشام صادوا الملكَ وَالإِمامَه
ما بال بازيهم غَدا حَمامَه
حَقيقةٌ لَيسَ لَها مُفنِّدُ
كُل مُهنّد لَهُ مُهَنّدُ

ابني اباظة ان رافع بيتكم

أبني أباظة إن رافع بيتكم
جعل المكارم فيه والأحسابا
جاء الكرام بكم فيما قصرتمو
عن والد وولدتمو الأنجابا
جربت ودّ شبابكم وكهولكم
فوجدت شيبا عليَة وشبابا
اختالت الشرقية الكبرى بكم
وجلت فتاكم في البيان شهابا
لَسِنٌ إذا صعد المنابر أو نضا
قلما شأى الخطباء والكتابا
وتراه أرفع أن يقول دنّية
يوم الخصومة أو يخط سبابا
لا يخدم الأمم الرجال إذا همو
لم يخدموا الأخلاق والآدابا
فكرى أذقت اليوم عفو بلاغة
وزففت محضا للنهى ولبابا
من كل فاكهة وكل فكاهة
هيأت نحلا واتخذت شرابا
ما زلت تنثر كل طيبة الشذى
حتى جمعت من الزهور كتابا
فأتى ألذ من الربيع وعهده
فضلا وأمتع في البدائع بابا
تلك الرسائل لو شكوت بها الهوى
عطفت على أهل الهوى الأحبابا
عاتبت فيها الحادثات بحكمة
حتى لكدت تلينهن عتابا
ولو استطعت شفيت من أضغانها
شِيَعَ الرجال بمصر والأحزابا

يود من الارواح ما لا توده

يودّ من الأرواح ما لا تودّه
ويفتك فيها مسرفا وهي جنده
نمير تواليه المحاسن ورَّدا
وتنهل منه النفس لو راق وِرده
خذوه بنفسي إنه هو قاتلي
ولا تقتلوه إنني أنا عبده
ولا تسألوه ما ذنوبي واسألوا
قبول متابي قبل ذنب أعدّه
ولا تذكروني عنده بشفاعة
فإن شفيع الواجد الصب وجده
لحاني الذي لم يعرف السهد جفنه
ولم تدر تقليب المضاجع كبده
وقاطعني من كنت أرجو وفاءه
وأين أخو الود الذي دام وده
فيا مدنيَ العذال ماشاء عِطفه
ويا مقصى العشاق ما شاء صده
أيُمنح منك القرب من سار ذمه
ويمنع منك اللفظ من سار حمده
ويأوي لظل من سواك رجاؤه
ويعتنق الحرمان من أنت قصده
أعوذ بعيد الملك من أن يمرّ بي
فلا يلتقي بي في غرامك سعده
فتى تشرق الدنيا إذا ذكر اسمه
ويهتز اشياخ الزمان ومرده
إذا ما الليالي نمن لم يغف حزمه
وفوق سهاد الدهر في الخطب سهده
وإن يرتجل وعدا وفي الليل هجعه
تجلى على الصدق الصباح ووعده
فتى النيل أضحى عصمة بك ملكه
وكان سلاما في يمينك عهده
وشعب أطاش الدهر ثابت جأشه
فخار فلما جئته جاء رشده
فلو أن حالا دام لم ينقض الأسى
ولكنها الأيام حال وضده

ابتغوا ناصية الشمس مكانا

اِبتَغوا ناصِيَةَ الشَمسِ مَكانا
وَخُذوا القِمَّةَ عَلَماً وَبَيانا
وَاِطلُبوا بِالعَبقَرِيّاتِ المَدى
لَيسَ كُلُّ الخَيلِ يَشهَدنَ الرِهنا
اِبعَثوها سابِقاتٍ نُجُبا
تَملَأُ المِضمارَ مَعنىً وَعِيانا
وَثِبوا لِلعِزِّ مِن صَهوَتِها
وَخُذوا المَجدَ عِناناً فَعِنانا
لا تُثيبوها عَلى ما قَلَّدَت
مِن أَيادٍ حَسَداً أَو شَنَآنا
وَضَئيلٍ مِن أُساةِ الحَيِّ لَم
يُعنَ بِاللَحمِ وَبِالشَحمِ اِختِزانا
ضامِرٍ في شُفعَةٍ تَحسَبُهُ
نِضوَ صَحراءَ اِرتَدى الشَمسَ دِهانا
أَو طَبيباً آيِباً مِن طيبَةٍ
لَم تَزَل تَندى يَداهُ زَعفَرانا
تُنكِرُ الأَرضُ عَلَيهِ جِسمَهُ
وَاِسمُهُ أَعظَمُ مِنها دَوَرانا
نالَ عَرشَ الطِبِّ أُمحوتَبٍ
وَتَلَقّى مِن يَدَيهِ الصَولَجانا
يا لِأَمحوتَبَ مِن مُستَألِهٍ
لَم يَلِد إِلّا حَوارِيّاً هِجانا
خاشِعاً لِلَّهِ لَم يُزهَ وَلَم
يُرهِقِ النَفسَ اِغتِراراً وَاِفتِتانا
يَلمُسُ القُدرَةُ لَمساً كُلَّما
قَلَبَ المَوتى وَجَسَّ الحَيَوانا
لَو يُرى اللَهُ بِمِصباحٍ لَما
كانَ إِلّا العِلمَ جَلَّ اللَهُ شانا
في خِلالٍ لَفَتَت زَهرَ الرُبى
وَسَجايا أَنِسَت الشَربَ الدِنانا
لَو أَتاهُ موجَعاً حاسِدُهُ
سَلَّ مِن جَنَبِ الحَسودِ السَرطانا
خَيرُ مَن عَلَّمَ في القَصرِ وَمَن
شَقَّ عَن مُستَتِرِ الداءِ الكِنانا
كُلُّ تَعليمٍ نَراهُ ناقِصاً
سُلَّمٌ رَثٌّ إِذا اِستُعمِلَ خانا
دَرَكٌ مُستَحدَثٌ مِن دَرَجٍ
وَمِنَ الرِفعَةِ ما حَطَّ الدُخانا
لا عَدِمنا لِلسُيوطِيِّ يَداً
خُلِقَت لِلفَتقِ وَالرَتقِ بَنانا
تَصرِفِ المِشرَطَ لِلبُرءِ كَما
صَرَفَ الرُمحُ إِلى النَصرِ السِنانا
مَدَّها كَالأَجَلِ المَبسوطِ في
طَلَبِ البُرءِ اِجتِهاداً وَاِفتِنانا
تَجِدُ الفولاذَ فيها مُحسِناً
أَخَذَ الرِفقَ عَلَيها وَاللِيانا
يَدُ إِبراهيمَ لَو جِئتَ لَها
بِذَبيحِ الطَيرِ عادَ الطَيَرانا
لَم تَخِط لِلناسِ يَوماً كَفَناً
إِنَّما خاطَت بَقاءً وَكِيانا
وَلَقَد يُؤسى ذَوو الجَرحى بِها
مِن جِراحِ الدَهرِ أَو يُشفى الحَزانى
نَبَغَ الجيلُ عَلى مِشرَطِها
في كِفاحِ المَوتِ ضَرباً وَطِعانا
لَو أَتَت قَبلَ نُضوجِ الطِبِّ ما
وَجَدَ التَنويمُ عَوناً فَاِستَعانا
يا طِرازاً يَبعَثُ اللَهُ بِهِ
في نَواحي مُلكِهِ آناً فَآنا
مِن رِجالٍ خُلِقوا أَلوِيَةً
وَنُجوماً وَغُيوثاً وَرِعانا
قادَةُ الناسِ وَإِن لَم يَقرُبوا
طَبَعاتِ الهِندِ وَالسُمرَ اللِدانا
وَغَذاءَ الجيلِ فَالجيلِ وَإِن
نَسِيَ الأَجيالُ كَالطِفلِ اللِبانا
وَهُمو الأَبطالُ كانَت حَربُهُم
مُنذُ شَنّوها عَلى الجَهلِ عَوانا
يا أَخي وَالذُخرُ في الدُنيا أَخٌ
حاضِرُ الخَيرِ عَلى الخَيرِ أَعانا
لَكَ عِندَ اِبنَي أَو عِندي يَدٌ
لَستُ آلوها اِدِّكاراً أَو صِيانا
حَسُنَت مِنّي وَمِنهُ مَوقِعاً
فَجَعَلنا حِرزَها الشُكرَ الحُسانا
هَل تَرى أَنتَ فَإِنّي لَم أَجِد
كَجَميلِ الصُنعِ بِالشُكرِ اِقتِرانا
وَإِذا الدُنيا خَلَت مِن خَيرٍ
وَخَلَت مِن شاكِرٍ هانَت هَوانا
دَفَعَ اللَهُ حُسَيناً في يَدٍ
كَيَدِ الأَلطافِ رِفقاً وَاِحتِضانا
لَو تَناوَلتُ الَّذي قَد لَمَسَت
مِنهُ ما زِدتُ حِذاراً وَحَنانا
جُرحُهُ كانَ بِقَلبي يا أَباً
لا أُنَبّيهِ بِجُرحي كَيفَ كانا
لَطَفَ اللَهُ فَعوفينا مَعاً
وَاِرتَهَنّا لَكَ بِالشُكرِ لِسانا

صار شوقي ابا علي

صارَ شَوقي أَبا عَلي
في الزَمانِ التَرَلَّلي
وَجَناها جِنايَةً
لَيسَ فيها بِأَوَّلِ