سويجع النيل رفقا بالسويداء

سُوَيجعَ النيلِ رِفقاً بِالسُوَيداءِ
فَما تُطيقُ أَنينَ المُفرَدِ النائي
لِلَّهِ وادٍ كَما يَهوى الهَوى عَجَبٌ
تَرَكتَ كُلَّ خَلِيٍّ فيهِ ذا داءِ
وَأَنتَ في الأَسرِ تَشكو ما تُكابِدُهُ
لِصَخرَةٍ مِن بَني الأَعجامِ صَمّاءُ
اللَهُ في فَنَنٍ تَلهو الزَمانَ بِهِ
فَإِنَّما هُوَ مَشدودٌ بِأَحشائي
وَفي جَوانِحِكَ اللاتي سَمَحتَ بِها
فَلَو تَرَفَّقتَ لَم تَسمَح بِأَعضائي
ماذا تُريدُ بِذي الأَنّاتِ في سَهَري
هَذي جُفوني تَسقي عَهدَ إِغفائي
حَسبُ المَضاجِعِ مِنّي ما تُعالِجُ مِن
جَنبي وَمِن كَبِدٍ في الجَنبِ حَرّاءِ
أُمسي وَأُصبِحُ مِن نَجواك في كَلَفٍ
حَتّى لَيَعشَقُ نُطقي فيكِ إِصغائي
اللَيلُ يُنهِضُني مِن حَيثُ يُقعِدُني
وَالنَجمُ يَملَأُ لي وَالفِكرُ صَهبائي
آتي الكَواكِبَ لَم أَنقُل لَها قَدَماً
لا يَنقَضي سَهَري فيها وَإِسرائي
وَأَلحَظُ الأَرضَ أَطوي ما يَكونُ إِلى
ما كانَ مِن آدَمٍ فيها وَحَوّاءِ
مُؤَيَّداً بِكَ في حِلّي وَمُرتَحَلي
وَما هُما غَيرُ إِصباحي وَإِمسائي
توحي إِلَيَّ الَّذي توحي وَتَسمَعُ لي
وَفي سَماعِكَ بَعدَ الوَحيِ إِغرائي

الازبكية فيها درة عجب

الأزبكية فيها درة عجب
والنجم في الأفق كالنقاد يفليها
تحكى المصابيح حولَيها وبُهرتَها
قلائد الغيد فوضى في تراقيها
أما الخميلة فالدنيا إذا ضحكت
أو جنة الخلد أو وشىٌ يحاكيها
والأفق ممتلئ نورا وأعجبه
تلك العِصِى إذا انسابت أفاعيها
وما تيامن يبغى الشرق سابقها
إلا تياسر يبغى الغرب تاليها
مطويّة صُعُداً والجو ينشرها
منشورة صَبباً والجو يطويها
وكم ثريا وكم جوزاء ما لبثت
حتى خبت غير رسم في مهاويها
مضى على مصر دهرا لم تكن وطنا
وإن توهم أوطانا أهاليها
ما بين أوّله لو يوعَظون به
وبين آخره ذكر لواعيها
كأن ما ساء مما مر بينهما
أهوال حلم سرى بالطفل ساريها
يبكى ويضحك منها غير مكترث
أَسَرَّ مضحكَها أم ساء مبكيها

الليل بدموعه جاني

الليل بدموعه جاني
يا حمام نوّح ويايه
نوّح واشرح أشجاني
دا جواك من جنس جوايه
الشوق هاجك من نوحك
وشكيت الوجد معايه
أبكى بالدمع لنواحك
وتنوّح يا حمام لبكايه
بعد الأحباب لوّعنا
والصبر دواك ودوايه
مِسير الأيام تجمعنا
إن كان في الصبر بقايه
إن لقيت عندي من حبي
سلطان العشق هوايه
أنا خدت الدمع في قلبي
وأكتم في القلب أسايه

حكاية الكلب مع الحمامه

حِكايَةُ الكَلبِ مَعَ الحَمامَه
تَشهَدُ لِلجِنسَينِ بِالكَرامَه
يُقالُ كانَ الكَلبُ ذاتَ يَومِ
بَينَ الرِياضِ غارِقاً في النَومِ
فَجاءَ مِن وَرائِهِ الثُعبانُ
مُنتَفِخاً كَأَنَّهُ الشَيطانُ
وَهَمَّ أَن يَغدِرَ بِالأَمينِ
فَرَقَّتِ الوَرقاءُ لِلمِسكينِ
وَنَزَلَت توّاً تُغيثُ الكَلبا
وَنَقَرَتهُ نَقرَةً فَهَبّا
فَحَمَدَ اللَهَ عَلى السَلامَه
وَحَفِظَ الجَميلَ لِلحَمامَه
إِذ مَرَّ ما مَرَّ مِنَ الزَمانِ
ثُمَّ أَتى المالِكُ لِلبُستانِ
فَسَبَقَ الكَلبُ لِتِلكَ الشَجَرَه
لِيُنذِرَ الطَيرَ كَما قَد أَنذَرَه
وَاِتَّخَذَ النَبحَ لَهُ عَلامَه
فَفَهِمَت حَديثَهُ الحَمامَه
وَأَقلَعَت في الحالِ لِلخَلاصِ
فَسَلِمَت مِن طائِرِ الرَصاصِ
هَذا هُوَ المَعروفُ يَا أَهلَ الفِطَن
الناسُ بِالناسِ وَمَن يُعِن يُعَن

لا السهد يطويه ولا الاغضاء

لا السُهدُ يَطويهِ وَلا الإِغضاءُ
لَيلٌ عِدادُ نُجومِهِ رُقَباءُ
داجي عُبابِ الجُنحِ فَوضى فُلكُهُ
ما لِلهُمومِ وَلا لَها إِرساءُ
أَغَزالَةُ الإِشراقِ أَنتِ مِنَ الدُجى
وَمِنَ السُهادِ إِذا طَلَعتِ شِفاءُ
رِفقاً بِجَفنٍ كُلَّما أَبكَيتِهِ
سالَ العَقيقُ بِهِ وَقامَ الماءُ
ما مَدَّ هُدبَيهِ لِيَصطادَ الكَرى
إِلّا وَطَيفُكَ في الكَرى العَنقاءُ
مَن لي بِهِنَّ لَيالِياً نَهِلَ الصِبا
مِمّا أَفَضنَ وَعَلَّتِ الأَهواءُ
أَلَّفنَ أَوطاري فَعَيشِيَ وَالمُنى
في ظِلِّهِنَّ الكَأسُ وَالصَهباءُ

لله انت مؤلفا ومدونا

لله أنت مؤلفا ومدوِّنا
وجليل سفرك منشئا ومعنونا
فيه الجواهر قد عُرفن وإنما
قبل الجواهر قد عرفنا المعدنا
زينت معناه بلفظك شائقا
وأتيت بالمعنى للفظك أزينا
وملأته من حكمة وفكاهة
وجلوته مثل الرياض وأحسنا
وهو كالندىِّ وأنت بين سطوره
ملك الحديث تنقلا وتفننا
أو تلك جنات البيان تفجرت
فيها المعارف للبصائر أعينا
والعلم ليس بكامل في حسنه
حتى يصيب من البيان محسِّنا
ويكاد قارئه لكل عبارة
يزداد إِنسانية وتمدنا

هالة للهلال فيها اعتصام

هالَةٌ لِلهِلالِ فيها اِعتِصامُ
كَيفَ حامَت حِيالَها الأَيّامُ
دَخَلَتها عَلَيكَ عُثمانُ في السِل
مِ وَقَد كُنتَ في الوَغى لا تُرامُ
وَإِذا الداءُ كانَ داءَ المَنايا
صَعَّبَتهُ لِأَهلِها الأَحلامُ
فَبُرَغمِ المُشيرِ أَن يَتَوَلّى
وَالخُطوبُ المُرَوِّعاتُ جِسامُ
وَيَدُ المُلكِ تَستَجيرُ يَدَيهِ
وَالسَرايا تَدعوهُ وَالأَعلامُ
وَبَنوهُ يَرجونَهُ وَهُمُ الجُن
دُ وَهُم قادَةُ الجُنودِ العِظامُ
مَثَّلَتهُم صِفاتُهُ لِلبَرايا
رُبَّ فَردٍ سادَت بِهِ أَقوامُ
بَطَلَ الشَرقِ قَد بَكَتكَ المَعالي
وَرَثاكَ الوَلِيُّ وَالأَخصامُ
خَذَلَ المُلكَ زِندُهُ يَومَ أَودَي
تَ وَأَهوى مِن راحَتَيهِ الحُسامُ
وَدَهى الدينَ وَالخِلافَةَ أَمرٌ
فادِحٌ رائِعٌ جَليلٌ جُسامُ
عَلَمُ العَصرِ وَالمَمالِكِ وَلّى
وَقَليلٌ أَمثالُهُ الأَعلامُ
سَل بِلَفنا أَكُنتَ تُدرَكُ فيها
وَلَوَ أَنَّ المُحاصِرينَ الأَنامُ
خَيَّمَ الروسُ حَولَ حِصنِكَ لَكِن
أَينَ مِن هامَةِ السِماكِ الخِيامُ
وَأَحاطَت بِعَزمِكَ الجُندُ لَكِن
عَزمُكَ الشُهبُ وَالجُنودُ الظِلامُ
كُلَّما جَرَّدَ المُحاصِرُ سَيفاً
قَطَعَ السَيفَ رَأيُكَ الصَمصامُ
وَإِذا كانَتِ العُقولُ كِباراً
سَلِمَت في المَضايِقِ الأَجسامُ
وَعَجيبٌ لا يَأخُذُ السَيفُ مِنكُم
وَيَنالُ الطَوى وَيُعطى الأُوامُ
فَخَرَجتُم إِلى العِدا لَم تُبالوا
ما لِأُسدٍ عَلى سُغوبٍ مُقامُ
تَخرِقونَ الجُيوشَ جَيشاً فَجَيشاً
مِثلَما يَخرِقُ الخَواءَ الغَمامُ
وَالمَنايا مُحيطَةٌ وَحُصونُ الرو
سِ تَحمي الطَريقَ وَالأَلغامُ
وَلِنارِ العَدُوِّ فيكُم قُعودٌ
وَلِسَيفِ العَدُوِّ فيكُم قِيامُ
جُرِحَ اللَيثُ يَومَ ذاكَ فَخانَ ال
جَيشَ قَلبٌ وَزُلزِلَت أَقدامُ
ما دَفَعتَ الحُسامَ عَجزاً وَلَكِن
عَجَّزتَ ضَيغَمَ الحُروبِ الكِلامُ
فَأَعادوهُ خَيرَ شَيءٍ أَعادوا
وَكَذا يَعرِفُ الكِرامَ الكِرامُ
فَتَقَلَّدتَهُ وَكُنتَ خَليقاً
سَلَبَتنا كِلَيكُما الأَيّامُ
ما لَها عَودَةٌ وَلا لَكَ رَدٌّ
نِمتَ عَنها وَمَن تَرَكتَ نِيامُ
إِنَّما المُلكُ صارِمٌ وَيَراعٌ
فَإِذا فارَقاهُ سادَ الطَغامُ
وَنِظامُ الأُمورِ عَقلٌ وَعَدلٌ
فَإِذا وَلَّيا تَوَلّى النِظامُ
وَعَجيبٌ خُلِقتَ لِلحَربِ لَبثاً
وَسَجاياكَ كُلُّهُنَّ سَلامُ
فَهيَ في رَأيِكَ القَويمِ حَلالٌ
وَهيَ في قَلبِكَ الرَحيمِ حَرامُ
لَكَ سَيفٌ إِلى اليَتامى بَغيضٌ
وَحَنانٌ يُحِبُّهِ الأَيتامُ
مُستَبِدٌّ عَلى قَوِيٍّ حَليمٌ
عَن ضَعيفٍ وَهَكَذا الإِسلامُ

قلب يذوب ومدمع يجري

قَلبٌ يَذوبُ وَمَدمَعٌ يَجري
يا لَيلُ هَل خَبَرٌ عَنِ الفَجرِ
حالَت نُجومُكَ دونَ مَطلَعِهِ
لا تَبتَغي حِوَلاً وَلا يَسري
وَتَطاوَلَت جُنحاً فَخُيِّلَ لي
أَنَّ الصَباحَ رَهينَةُ الحَشرِ
أَرسَيتَها وَمَلَكتَ مَذهَبَها
بِدُجُنَّةٍ كَسَريرَةِ الدَهرِ
ظُلُمٌ تَجيءُ بِها وَتُرجِعُها
وَالمَوجُ مُنقَلِبٌ إِلى البَحرِ
لَيتَ الكَرى موسى فَيورِدَها
فِرعَونُ هَذا السُهدِ وَالفِكرِ
وَلَقَد أَقولُ لِهاتِفٍ سحراً
يَبكي لِغَيرِ نَوىً وَلا أَسرِ
وَالرَوضُ أَخرَسُ غَيرَ وَسوَسَةٍ
خَفَقَ الغُصونِ وَجِريَةِ الغَدرِ
وَالطَيرُ مِلءُ الأَيكِ أَرؤُسُها
مِثلُ الثِمارِ بَدَت مِنَ السِدرِ
أَلقى الجَناحَ وَناءَ بِالصَدرِ
وَرَنا بِصَفراوَينِ كَالتِبرِ
كَلَمَ السُهادُ بُيوتَ هُدبِهِما
وَأَقامَ بَينَ رُسومِها الحُمرِ
تَهدا جَوانِحُهُ فَتَحسَبُهُ
مِن صَنعَةِ الأَيدي أَوِ السِحرِ
وَتَثورُ فَهوَ عَلى الغُصونِ يَدٌ
عَلِقَت أَنامِلُها مِنَ الجَمرِ
يا طَيرُ بُثَّ أَخاكَ ما يَجري
إِنّا كِلانا مَوضِعُ السِرِّ
بي مِثلُ ما بِكَ مِن جَوىً وَنَوىً
أَنا في الأَنامِ وَأَنتَ في القُمرِ
عَبَثَ الغَرامُ بِنا وَرَوَّعَنا
أَنا بِالمَلامِ وَأَنتَ بِالزَجرِ
يا طَيرُ لا تَجزَع لِحادِثَةٍ
كُلُّ النُفوسِ رَهائِنُ الضَرِّ
فيما دَهاكَ لَوِ اِطَّلَعتَ رِضىً
شَرٌّ أَخَفُّ عَلَيكَ مِن شَرِّ
يا طَيرُ كَدرُ العَيشِ لَو تَدري
في صَفوِهِ وَالصَفوُ في الكَدرِ
وَإِذا الأُمورُ اِستُصعِبَت صَعُبَت
وَيَهونُ ما هَوَّنتَ مِن أَمرِ
يا طَيرُ لَو لُذنا بِمُصطَبَرٍ
فَلَعَلَّ روحَ اللَهِ في الصَبرِ
وَعَسى الأَمانِيُّ العِذابُ لَنا
عَونٌ عَلى السُلوانِ وَالهَجرِ

تجلد للرحيل فما استطاعا

تَجَلَّدَ لِلرَحيلِ فَما اِستَطاعا
وَداعاً جَنَّةَ الدُنيا وَداعا
عَسى الأَيّامُ تَجمَعُني فَإِنّي
أَرى العَيشَ اِفتِراقاً وَاِجتِماعا
أَلا لَيتَ البِلادَ لَها قُلوبُ
كَما لِلناسِ تَنفَطِرُ اِلتِياعا
وَلَيتَ لَدى فُروقٍ بَعضَ بَثّي
وَما فَعَلَ الفُراقُ غَداةَ راعا
أَما وَاللَهِ لَو عَلِمَت مَكاني
لَأَنطَقَتِ المَآذِنَ وَالقِلاعا
حَوَت رِقَّ القَواضِبِ وَالعَوالي
فَلَمّا ضُفتُها حَوَتِ اليَراعا
سَأَلتُ القَلبَ عَن تِلكَ اللَيالي
أَكُنُّ لَيالِياً أَم كُنَّ ساعا
فَقالَ القَلبُ بَل مَرَّت عِجالاً
كَدَقّاتي لِذِكراها سِراعا
أَدارَ مُحَمَّدٍ وَتُراثُ عيسى
لَقَد رَضِياكِ بينَهُما مَشاعا
فَهَل نَبَذَ التَعصُّبُ فيكِ قَومٌ
يَمُدُّ الجَهلُ بَينَهُمُ النِزاعا
أَرى الرَحمَنَ حَصَّنَ مَسجِدَيهِ
بِأَطوَلِ حائِطٍ مِنكِ اِمتِناعا
فَكُنتِ لِبَيتِهِ المَحجوجِ رُكناً
وَكُنتِ لِبَيتِهِ الأَقصى سِطاعا
هَواؤُكِ وَالعُيونُ مُفَجَّراتٌ
كَفى بِهِما مِنَ الدُنيا مَتاعا
وَشَمسُكِ كُلَّما طَلَعَت بِأُفقٍ
تَخَطَّرَتِ الحَياةُ بِهِ شُعاعا
وَغيدُكِ هُنَّ فَوقَ الأَرضِ حورٌ
أَوانِسُ لا نِقابَ وَلا قِناعا
حَوالى لُجَّةٍ مِن لازَوَردٍ
تَعالى اللَهُ خَلقاً وَاِبتِداعا
يَروحُ لُجَينُها الجاري وَيَغدو
عَلى الفِردَوسِ آكاماً وَقاعا