شجوني اذا جن الظلام كثير

شجوني إذا جُن الظلام كثير
يؤلبها عادي الهوى ويثير
إذا دهمت والليل من كل جانب
فنومي قتيل والصباح أسير
مشت لجناح واهن من جوانحي
ومالت على القلب الضعيف تُغير
فما ثار هذا الليل عندي وإنني
أليف له في جُنحه وسمير
إذ رقد الحياء نادمت نجمه
أدير له ذكر الكرى ويدير
ضعيفين لا نعطى حَراكا على الدجى
كلانا عليه مُقعد وعثور
نشدنا دفين الصبح في كل ظلمة
عليه كأنا منكر ونكير
يسائلني الساقي أَما لك نشوة
لعلك رضوى أو عساك ثبير
تكاد تخف الكأس من نفحاتها
وأنت على مر الكؤوس وقور
فقلت عوادي الهم بيني وبينها
تكاد تصدّ الكأس حين تدور
أتشغل قلبي الراح عن بعض ما به
وأشغال قلبي لو علمت كثير
برى البين ظُفريه وأذهب ريشه
وهدّ جناحيه فكيف يطير
يكاد يلين الجذع من زفراته
وييبس منها الفرع وهو نضير
كلانا غريب في المضاجع ليله
طويل وليل العالمين قصير
أقول له والغُدر بيني وبينه
ومن مدمعينا جدول وغدير
يلوم أناس ليس يدرون ما الهوى
لعلك دار يا حمام عذير
بعيشك خبرني وإن كنت عالما
هل الحب إلا جنة وسعير
أهنتُ عزيز الصبر فيك وخانني
إباء وفىٌّ في الخطوب وفير
وما أنا من ينضو عن النفس شيمة
ولكن سلطان الغرام قدير
خُلقت رحيم القلب آوى إلى الهوى
وأنكر ضيف الحقد حين يزور
وما خذلتني في بلاء سجية
وبعض السجايا خاذل ونصير
ولا رمت إلا النفع للناس مطلبا
ولا ارتاح لي إلا إليه ضمير
ومن يصحِب الأملاك عشرين حجة
يُجَمِّله خُلق في الخلال أمير
سما بي مديح الكابر ابن محمد
إلى حيث لا يبغى المزيد كبير
تجلى على الأبصار والصبح فانثنت
تباهي به شمس الضحى وتغير
وما استقبلت إلا ضياها تعيره
دليل الهوى من نورها ويعير
أغر تحلى بالحياء وبالهدى
فأعلاه نور والغضون نمير
فمتى الهمة الشماء فضلك سابق
وشعبك جاز بالولاء شكور
يروم رعاياك الذي نال غيرهم
وأنت بتحقيق المرام جدير
جمعت الأدانين الشجاعة والحجى
فكل عسير إن عزمت يسير
أتعلو علينا في المشارق أمة
وجدّك دل الشرق كيف يسير
حباه حياة في الحضارة جمة
يشير إليها العصر وهو فخور
وقد ترفع الأوطانَ للنجم همةُ
ويُرجع قوما للحياة شعور
ويبعث نورُ العلم شعبا تضمه
من المجهلات الحالكات قبور
ويمضي على حال ويأتي بضدها
زمان ظروف كله وأمور

اثن عنان القلب واسلم به

إِثنِ عَنانَ القَلبِ وَاِسلَم بِهِ
مِن رَبرَبِ الرَملِ وَمِن سِربِهِ
وَمِن تَثَنّي الغيدِ عَن بانِهِ
مُرتَجَّةَ الأَردافِ عَن كُثبِهِ
ظِباؤُهُ المُنكَسِراتُ الظُبا
يَغلِبنَ ذا اللُبِّ عَلى لُبِّهِ
بيضٌ رِقاقُ الحُسنِ في لَمحَةٍ
مِن ناعِمِ الدُرِّ وَمِن رَطبِهِ
ذَوابِلُ النَرجِسِ في أَصلِهِ
يَوانِعُ الوَردِ عَلى قُضبِهِ
زِنَّ عَلى الأَرضِ سَماءَ الدُجى
وَزِدنَ في الحُسنِ عَلى شُهبِهِ
يَمشينَ أَسراباً عَلى هينَةٍ
مَشيَ القَطا الآمِنِ في سِربِهِ
مِن كُلِّ وَسنانٍ بِغَيرِ الكَرى
تَنتَبِهُ الآجالُ مِن هُدبِهِ
جَفنٌ تَلَقّى مَلَكا بابِلٍ
غَرائِبَ السِحرِ عَلى غَربِهِ
يا ظَبيَةَ الرَملِ وُقيتِ الهَوى
وَإِن سَمِعَت عَيناكِ في جَلبِهِ
وَلا ذَرَفتِ الدَمعَ يَوماً وَإِن
أَسرَفتِ في الدَمعِ وَفي سَكبِهِ
هَذي الشَواكي النُحلُ صِدنَ اِمرأً
مُلقى الصِبا أَعزَلَ مِن غَربِهِ
صَيّادَ آرامٍ رَماهُ الهَوى
بِشادِنٍ لا بُرءَ مِن حُبِّهِ
شابٌّ وَفي أَضلُعِهِ صاحِبٌ
خِلوٌ مِنَ الشَيبِ وَمِن خَطبِهِ
واهٍ بِجَنبي خافِقٌ كُلَّما
قُلتُ تَناهى لَجَّ في وَثبِهِ
لا تَنثَني الآرامُ عَن قاعِهِ
وَلا بَناتُ الشَوقِ عَن شِعبِهِ
حَمَّلتُهُ في الحُبِّ ما لَم يَكُن
لِيَحمِلَ الحُبُّ عَلى قَلبِهِ
ما خَفَّ إِلّا لِلهَوى وَالعُلا
أَو لِجَلالِ الوَفدِ في رَكبِهِ
أَربَعَةٌ تَجمَعُهُم هِمَّةٌ
يَنقُلُها الجيلُ إِلى عَقبِهِ
قِطارُهُم كَالقَطرِ هَزَّ الثَرى
وَزادَهُ خِصباً عَلى خِصبِهِ
لَولا اِستِلامُ الخَلقِ أَرسانَهُ
شَبَّ فَنالَ الشَمسَ مِن عُجبِهِ
كُلُّهُمُ أَغيَرُ مِن وائِلٍ
عَلى حِماهُ وَعَلى شَعبِهِ
لَو قَدَروا جاؤوكُمُ بِالثَرى
مِن قُطبِهِ مُلكاً إِلى قُطبِهِ
وَما اِعتِراضُ الحَظِّ دونَ المُنى
مِن هَفوَةِ المُحسِنِ أَو ذَنبِهِ
وَلَيسَ بِالفاضِلِ في نَفسِهِ
مَن يُنكِرُ الفَضلَ عَلى رَبِّهِ
ما بالُ قَومي اِختَلَفوا بَينَهُم
في مِدحَةِ المَشروعِ أَو ثَلبِهِ
كَأَنَّهُم أَسرى أَحاديثُهُم
في لَيِّنِ القَيدِ وَفي صُلبِهِ
يا قَومِ هَذا زَمَنٌ قَد رَمى
بِالقَيدِ وَاِستَكبَرَ عَن سَحبِهِ
لَو أَنَّ قَيداً جاءَهُ مِن عَلِ
خَشيتُ أَن يَأتي عَلى رَبِّهِ
وَهَذِهِ الضَجَّةُ مِن ناسِهِ
جَنازَةُ الرِقِّ إِلى تُربِهِ
مَن يَخلَعُ النيرَ يَعِش بُرهَةً
في أَثَرِ النيرِ وَفي نَدبِهِ
يا نَشأَ الحَيِّ شَبابَ الحِمى
سُلالَةَ المَشرِقِ مِن نُجبِهِ
بَني الأُلى أَصبَحَ إِحسانُهُم
دارَت رَحى الفَنِّ عَلى قُطبِهِ
موسى وَعيسى نَشَآ بَينَهُم
في سَعَةِ الفِكرِ وَفي رُحبِهِ
وَعالَجا أَوَّلَ ما عالَجا
مِن عِلَلِ العالَمِ أَو طِبِّهِ
ما نَسِيَت مِصرُ لَكُم بِرَّها
في حازِبِ الأَمرِ وَفي صَعبِهِ
مَزَّقتُمُ الوَهمَ وَأَلِفتُمُ
أَهِلَّةَ اللَهِ عَلى صُلبِهِ
حَتّى بَنَيتُم هَرَماً رابِعاً
مِن فِئَةِ الحَقِّ وَمِن حِزبِهِ
يَومٌ لَكُم يَبقى كَبَدرٍ عَلى
أَنصارِ سَعدٍ وَعَلى صَحبِهِ
قَد صارَتِ الحالُ إِلى جِدِّها
وَاِنتَبَهَ الغافِلُ مِن لُعبِهِ
اللَيثُ وَالعالَمُ مِن شَرقِهِ
في هَيبَةِ اللَيثِ إِلى غَربِهِ
قَضى بِأَن نَبني عَلى نابِهِ
مُلكَ بَنينا وَعَلى خِلبِهِ
وَنَبلُغُ المَجدَ عَلى عَينِهِ
وَنَدخُلُ العَصرَ إِلى جَنبِهِ
وَنَصِلَ النازِلَ في سِلمِهِ
وَنَقطَعَ الداخِلَ في حَربِهِ
وَنَصرِفَ النيلَ إِلى رَأيِهِ
يَقسِمُهُ بِالعَدلِ في شِربِهِ
يُبيحُ أَو يَحمي عَلى قُدرَةٍ
حَقَّ القُرى وَالناسُ في عَذبِهِ
أَمرٌ عَلَيكُم أَو لَكُم في غَدٍ
ما ساءَ أَو ما سَرَّ مِن غَبِّهِ
لا تَستَقِلّوهُ فَما دَهرُكُم
بِحاتِمِ الجودِ وَلا كَعبِهِ
نَسمَعُ بِالحَقِّ وَلَم نَطَّلِع
عَلى قَنا الحَقِّ وَلا قُضبِهِ
يَنالُ بِاللينِ الفَتى بَعضَ ما
يَعجَزُ بِالشِدَّةِ عَن غَصبِهِ
فَإِن أَنِستُم فَليَكُن أُنسُكُم
في الصَبرِ لِلدَهرِ وَفي عَتبِهِ
وَفي اِحتِشامِ الأُسدِ دونَ القَذى
إِذا هِيَ اِضطُرَّت إِلى شُربِهِ
قَد أَسقَطَ الطَفرَةَ في مُلكِهِ
مَن لَيسَ بِالعاجِزِ عَن قَلبِهِ
يا رُبَّ قَيدٍ لا تُحِبّونَهُ
زَمانُكُم لَم يَتَقَيَّد بِهِ
وَمَطلَبٍ في الظَنِّ مُستَبعَدٍ
كَالصُبحِ لِلناظِرِ في قُربِهِ
وَاليَأسُ لا يَجمُلُ مِن مُؤمِنٍ
ما دامَ هَذا الغَيبُ في حُجبِهِ

كل حي علي المنية غادي

كُلُّ حَيٍّ عَلى المَنِيَّةِ غادي
تَتَوالى الرِكابُ وَالمَوتُ حادي
ذَهَب الأَوَّلونَ قَرناً فَقَرنا
لَم يَدُم حاضِرٌ وَلَم يَبقَ بادي
هَل تَرى مِنهُمُ وَتَسمَعُ عَنهُمُ
غَيرَ باقي مَآثِرٍ وَأَيادي
كُرَةُ الأَرضِ رَمَت صَولَجانا
وَطَوَت مِن مَلاعِبٍ وَجِيادِ
وَالغُبارُ الَّذي عَلى صَفحَتَيها
دَوَرانُ الرَحى عَلى الأَجسادِ
كُلُّ قَبرٍ مِن جانِبِ القَفرِ يَبدو
عَلَمَ الحَقِّ أَو مَنارَ المَعادِ
وَزِمامُ الرِكابِ مِن كُلِّ فَجٍّ
وَمَحَطُّ الرِحالِ مِن كُلِّ وادي
تَطلَعُ الشَمسُ حَيثُ تَطلَعُ نَضخاً
وَتَنَحّى كَمِنجَلِ الحَصّادِ
تِلكَ حَمراءُ في السَماءِ وَهَذا
أَعوَجُ النَصلِ مِن مِراسِ الجِلادِ
لَيتَ شِعري تَعَمَّدا وَأَصَرّا
أَم أَعانا جِنايَةَ البِلادِ
كَذَبَ الأَزهَرانِ ما الأَمرُ إِلّا
قَدَرٌ رائِحٌ بِما شاءَ غادي
يا حَماماً تَرَنَّمَت مُسعِداتٍ
وَبِها فاقَةٌ إِلى الإِسعادِ
ضاقَ عَن ثُكلِها البُكا فَتَغَنَّت
رُبَّ ثُكلٍ سَمِعتَهُ مِن شادي
الأَناةَ الأَناةَ كُلُّ أَليفٍ
سابِقُ الإِلفِ أَو مُلاقي اِنفِرادِ
هَل رَجَعتُنَّ في الحَياةِ لِفَهمٍ
إِنَّ فَهمَ الأُمورِ نِصفُ السَدادِ
سَقَمٌ مِن سَلامَةٍ وَعَزاءٌ
مِن هَناءٍ وَفُرقَةٌ مِن وِدادِ
يُجتَنى شَهدُها عَلى إِبَرِ النَح
لِ وَيُمشى لِوِردِها في القَتادِ
وَعَلى نائِمٍ وَسَهرانَ فيها
أَجَلٌ لا يَنامُ بِالمِرصادِ
لُبَدٌ صادَهُ الرَدى وَأَظُنُّ ال
نَسرَ مِن سَهمِهِ عَلى ميعادِ
ساقَةَ النَعشِ بِالرَئيسِ رُوَيداً
مَوكِبُ المَوتِ مَوضِعُ الإِتِّئادِ
كُلُّ أَعوادِ مِنبَرٍ وَسَريرٍ
باطِلٌ غَيرَ هَذِهِ الأَعوادِ
تَستَريحُ المَطِيُّ يَوماً وَهَذي
تَنقُلُ العالَمينَ مِن عَهدِ عادِ
لا وَراءَ الجِيادِ زيدَت جَلالاً
مُنذُ كانَت وَلا عَلى الأَجيادِ
أَسَأَلتُم حَقيبَةَ المَوتِ ماذا
تَحتَها مِن ذَخيرَةٍ وَعَتادِ
إِنَّ في طَيِّها إِمامَ صُفوفٍ
وَحَوارِيَّ نِيَّةٍ وَاِعتِقادِ
لَو تَرَكتُم لَها الزِمامَ لَجاءَت
وَحدَها بِالشَهيدِ دارَ الرَشادِ
اِنظُروا هَل تَرَونَ في الجَمعِ مِصراً
حاسِراً قَد تَجَلَّلَت بِسَوادِ
تاجُ أَحرارِها غُلاماً وَكَهلاً
راعَها أَن تَراهُ في الأَصفادِ
وَسِّدوهُ التُرابَ نِضوَ سِفارٍ
في سَبيلِ الحُقوقِ نِضوَ سُهادِ
وَاِركُزوهُ إِلى القِيامَةِ رُمحاً
كانَ لِلحَشدِ وَالنَدى وَالطِرادِ
وَأَقِرّوهُ في الصَفائِحِ عَضباً
لَم يَدِن بِالقَرارِ في الأَغمادِ
نازِحَ الدارِ أَقصَرَ اليَومَ بَينٌ
وَاِنتَهَت مِحنَةٌ وَكَفَّت عَوادي
وَكَفى المَوتُ ما تَخافُ وَتَرجو
وَشَفى مِن أَصادِقٍ وَأَعادي
مَن دَنا أَو نَأى فَإِنَّ المَنايا
غايَةُ القُربِ أَو قُصارى البِعادِ
سِر مَعَ العُمرِ حَيثُ شِئتَ تَأوبا
وَاِفقُدِ العُمرَ لا تَأُب مِن رُقادِ
ذَلِكَ الحَقُّ لا الَّذي زَعَموهُ
في قَديمٍ مِنَ الحَديثِ مُعادِ
وَجَرى لَفظُهُ عَلى أَلسُنِ النا
سِ وَمَعناهُ في صُدورِ الصِعادِ
يَتَحَلّى بِهِ القَوِيُّ وَلَكِن
كَتَحَلّي القِتالِ بِاِسمِ الجِهادِ
هَل تَرى كَالتُرابِ أَحسَنَ عَدلاً
وَقِياماً عَلى حُقوقِ العِبادِ
نَزَلَ الأَقوِياءُ فيهِ عَلى الضَع
فى وَحَلَّ المُلوكُ بِالزُهّادِ
صَفَحاتٌ نَقِيَّةٌ كَقُلوبِ ال
رُسلِ مَغسولَةٌ مِنَ الأَحقادِ
قُم إِنِ اِسطَعتَ مِن سَريرِكَ وَاِنظُر
سِرَّ ذاكَ اللِواءِ وَالأَجنادِ
هَل تَراهُم وَأَنتَ موفٍ عَلَيهِم
غَيرَ بُنيانِ أُلفَةٍ وَاِتِّحادِ
أُمَّةٌ هُيِّأَت وَقَومٌ لِخَيرِ ال
دَهرِ أَو شَرِّهِ عَلى اِستِعدادِ
مِصرُ تَبكي عَلَيكَ في كُلِّ خِدرٍ
وَتَصوغُ الرِثاءَ في كُلِّ نادي
لَو تَأَمَّلتَها لَراعَكَ مِنها
غُرَّةُ البِرِّ في سَوادِ الحِدادِ
مُنتَهى ما بِهِ البِلادُ تُعَزّى
رَجُلٌ ماتَ في سَبيلِ البِلادِ
أُمَّهاتٌ لا تَحمِلُ الثُكلَ إِلّا
لِلنَجيبِ الجَريءِ في الأَولادِ
كَفَريدٍ وَأَينَ ثاني فَريدٍ
أَيُّ ثانٍ لِواحِدِ الآحادِ
الرَئيسِ الجَوادِ فيما عَلِمنا
وَبَلَونا وَاِبنِ الرَئيسِ الجَوادِ
أَكَلَت مالَهُ الحُقوقُ وَأَبلى
جِسمَهُ عائِدٌ مِنَ الهَمِّ عادي
لَكَ في ذَلِكَ الضَنى رِقَّةُ الرو
حِ وَخَفقُ الفُؤادِ في العُوّادِ
عِلَّةٌ لَم تَصِل فِراشَكَ حَتّى
وَطِئَت في القُلوبِ وَالأَكبادِ
صادَفَت قُرحَةً يُلائِمُها الصَب
رُ وَتَأبى عَلَيهِ غَيرَ الفَسادِ
وَعَدَ الدَهرُ أَن يَكونَ ضِماداً
لَكَ فيها فَكانَ شَرَّ ضِمادِ
وَإِذا الروحُ لَم تُنَفِّس عَنِ الجِس
مِ فَبُقراطُ نافِخٌ في رَمادِ

سنون تعاد ودهر يعيد

سُنونٌ تُعادُ وَدَهرٌ يُعيد
لَعَمرُكَ ما في اللَيالي جَديد
أَضاءَ لِآدَمَ هَذا الهِلالُ
فَكَيفَ تَقولُ الهِلالُ الوَليد
نَعُدُّ عَلَيهِ الزَمانَ القَريبَ
وَيُحصي عَلَينا الزَمانَ البَعيد
عَلى صَفحَتَيهِ حَديثُ القُرى
وَأَيّامُ عادٍ وَدُنيا ثَمود
وَطيبَةُ آهِلَةٌ بِالمُلوكِ
وَطيبَةُ مُقفِرَةٌ بِالصَعيد
يَزولُ بِبَعضِ سَناهُ الصَفا
وَيَفنى بِبَعضِ سَناهُ الحَديد
وَمِن عَجَبٍ وَهوَ جَدُّ اللَيالي
يُبيدُ اللَيالِيَ فيما يُبيد
يَقولونَ يا عامُ قَد عُدتَ لي
فَيالَيتَ شِعري بِماذا تَعود
لَقَد كُنتَ لي أَمسِ ما لَم أُرِد
فَهَل أَنتَ لي اليَومَ ما لا أُريد
وَمَن صابَرَ الدَهرَ صَبري لَهُ
شَكا في الثَلاثينَ شَكوى لَبيد
ظَمِئتُ وَمِثلي بَرِيٍّ أَحَقُّ
كَأَنّي حُسَينٌ وَدَهري يَزيد
تَغابَيتُ حَتّى صَحِبتُ الجَهولَ
وَدارَيتُ حَتّى صَبِحتُ الحَسود

قال السلوقي مرة للجواد

قالَ السَلوقي مَرَّةً لِلجَواد
وَهوَ إِلى الصَيدِ مَسوقُ القِياد
بِاللَهِ قُل لي يا رَفيقَ الهَنا
فَأَنتَ تَدري لي الوَفا في الوِداد
أَلَستَ أَهلَ البيدِ أَهلَ الفَلا
أَهلَ السُرى وَالسَيرِ أَهلَ الجِهاد
أَلَم تَكُن رَبَّ الصِفاتِ الَّتي
هامَ بِها الشاعِرُ في كُلِّ واد
قالَ بَلى كُلَّ الَّذي قُلتهُ
أَنا بِهِ المَشهورُ بَينَ العِباد
قالَ فَما بالُكَ يا صاحِبي
إِذا دَعا الصَيدُ وَجَدَّ الطِراد
تَشكو فَتُشكيكَ عَصا سَيِّدي
إِنَّ العَصا ما خُلِقَت لِلجَواد
وَتَنثَني في عَرَقٍ سائِلٍ
مُنَكَّسَ الرَأسِ ضَئيلَ الفُؤاد
وَذا السَلوقي أَبَداً صابِرٌ
يَنقادُ لِلمالِكِ أَيَّ اِنقِياد
فَقالَ مَهلاً يا كَبيرَ النُهى
ما هَكَذا أَنظارُ أَهلِ الرَشاد
السِرُّ في الطَيرِ وَفي الوَحشِ لا
في عَظمِ سيقانِكَ يا ذا السَداد
ما الرِجلُ إِلّا حَيثُ كانَ الهَوى
إِنَّ البُطونَ قادِراتٌ شِداد
أَما تَرى الطَيرَ عَلى ضَعفِها
تَطوي إِلى الحَبِّ مِئاتَ البِلاد

علي قدر الهوي ياتي العتاب

عَلى قَدرِ الهَوى يَأتي العِتابُ
وَمَن عاتَبتُ يَفديهِ الصِحابُ
أَلومُ مُعَذِبي فَأَلومُ نَفسي
فَأُغضِبُها وَيُرضيها العَذابُ
وَلَو أَنّي اِستَطَعتُ لَتُبتُ عَنهُ
وَلَكِن كَيفَ عَن روحي المَتابُ
وَلي قَلبٌ بِأَن يَهوى يُجازى
وَمالِكُهُ بِأَن يَجني يُثابُ
وَلَو وُجِدَ العِقابُ فَعَلتُ لَكِن
نِفارُ الظَبيِ لَيسَ لَهُ عِقابُ
يَلومُ اللائِمونَ وَما رَأَوهُ
وَقِدماً ضاعَ في الناسِ الصَوابُ
صَحَوتُ فَأَنكَرَ السُلوانَ قَلبي
عَلَيَّ وَراجَعَ الطَرَبَ الشَبابُ
كَأَنَّ يَدَ الغَرامِ زِمامُ قَلبي
فَلَيسَ عَلَيهِ دونَ هَوىً حِجابُ
كَأَنَّ رِوايَةَ الأَشواقِ عَودٌ
عَلى بَدءٍ وَما كَمُلَ الكِتابُ
كَأَنِّيَ وَالهَوى أَخَوا مُدامٍ
لَنا عَهدٌ بِها وَلَنا اِصطِحابُ
إِذا ما اِعتَضتُ عَن عِشقٍ بِعِشقِ
أُعيدَ العَهدُ وَاِمتَدَّ الشَرابُ

يحكون ان امة الارانب

يَحكونَ أَنَّ أُمَّةَ الأَرانِبِ
قَد أَخَذَت مِنَ الثَرى بِجانِبِ
وَاِبتَهَجَت بِالوَطَنِ الكَريمِ
وَمَوئِلِ العِيالِ وَالحَريمِ
فَاِختارَهُ الفيلُ لَهُ طَريقا
مُمَزِّقاً أَصحابَنا تَمزيقا
وَكانَ فيهِم أَرنَبٌ لَبيبُ
أَذهَبَ جُلَّ صوفِهِ التَجريبُ
نادى بِهِم يا مَعشَرَ الأَرانِبِ
مِن عالِمٍ وَشاعِرٍ وَكاتِبِ
اِتَّحِدوا ضِدَّ العَدُوِّ الجافي
فَالاتِّحادُ قُوَّةُ الضِعافِ
فَأَقبَلوا مُستَصوِبينَ رايَه
وَعَقَدوا لِلاجتِماعِ رايَه
وَاِنتَخَبوا مِن بَينِهِم ثَلاثَه
لا هَرَماً راعَوا وَلا حَداثَه
بَل نَظَروا إِلى كَمالِ العَقلِ
وَاِعتَبَروا في ذاكَ سِنَّ الفَضلِ
فَنَهَضَ الأَوَّلُ لِلخِطابِ
فَقالَ إِنَّ الرَأيَ ذا الصَوابِ
أَن تُترَكَ الأَرضُ لِذي الخُرطومِ
كَي نَستَريحَ مِن أَذى الغَشومِ
فَصاحَتِ الأَرانِبُ الغَوالي
هَذا أَضَرُّ مِن أَبي الأَهوالِ
وَوَثَبَ الثاني فَقالَ إِنّي
أَعهَدُ في الثَعلَبِ شَيخَ الفَنِّ
فَلنَدعُهُ يُمِدُّنا بِحِكمَتِهِ
وَيَأخُذُ اِثنَينِ جَزاءَ خِدمَتِهِ
فَقيلَ لا ياصاحِبَ السُمُوِّ
لا يُدفَعُ العَدُوُّ بِالعَدُوِّ
وَاِنتَدَبَ الثالِثُ لِلكَلامِ
فَقالَ يا مَعاشِرَ الأَقوامِ
اِجتَمِعوا فَالاِجتِماعُ قُوَّه
ثُمَّ احفِروا عَلى الطَريقِ هُوَّه
يَهوي إِلَيها الفيلُ في مُرورِهِ
فَنَستَريحُ الدَهرَ مِن شُرورِهِ
ثُمَّ يَقولُ الجيلُ بَعدَ الجيلِ
قَد أَكَلَ الأَرنَبُ عَقلَ الفيلِ
فَاِستَصوَبوا مَقالَهُ وَاِستَحسَنوا
وَعَمِلوا مِن فَورِهِم فَأَحسَنوا
وَهَلَكَ الفيلُ الرَفيعُ الشانِ
فَأَمسَتِ الأُمَّةُ في أَمانِ
وَأَقبَلَت لِصاحِبِ التَدبيرِ
ساعِيَةً بِالتاجِ وَالسَريرِ
فَقالَ مَهلاً يا بَني الأَوطانِ
إِنَّ مَحَلّي لَلمَحَلُّ الثاني
فَصاحِبُ الصَوتِ القَوِيِّ الغالِبِ
مَن قَد دَعا يا مَعشَرَ الأَرانِبِ

فلوس الشغل ما تاخير

فلوس الشغل ما تأخيـ
ـر شغل اليوم من عاداتي
أين الحساب حساب بيت البيك هل
أحضرته لنراه في نظرات
هي ذي الدفاتر ناطقات في يدي
بكمال ضبط الدخل والنفقات
لخصتها لأميرتي وأتيت أعـ
ـرضها على الأعتاب مختصرات
ذا صادر ذا وارد ذا ساير
هذا حسابات أبو البركات
من بعد إنعامات جمكيات يو
ميات صرفيات توريدات
هذا جفالك ذا عمارات كما
هذا مطابخ ثم يا مولاتي
لا رأي لي في ثمُ يا حنا اختصر
يا ضيعة الأيام والساعات
هذا الخلاصة يا أميرة فاسمعي
لي بالقراريط وبالحبات
قد كان عند البيك من عام مضى
عشرون الفا حلوة الطلعات
ألفان منها مال ذاك العام والـ
ـباقي ضرائب تسعة لم تات
لم تأت كيف رأيتمو تحصيلها
هذا لعمري البغي في الغايات
حنا لقد أقعدتني وأقمتني
أكذاك يفعل سائر البيكات
لا إذ من العادات ما لا يستوى
فيه البكات لكونهم درجات
وبأيما كيفية تحصيلها
ومن الجباة فهنّ شر جباة
هل في دم الفلاح سر الكيميا
أم هل يدين لكل باغٍ عاتي
تحصيلها سهل مع القرصات والر
كيات والجلدات والشنقات
والضرب فوق الظهر وهو مطاوع
والضرب فوق البطن وهو مواتي
وأمرّ من ذا بيع واحدة النعا
ج أو التي بقيت من البقرات
الآن بان لي الرشاد بوجهه
وعرفت مصدر هذه الظلمات
وقنطت من مرجوّ عودك يا علي
ورجوع بيتك ظافر الرايات

سل الليل عن افلاكه هل جرت سدي

سل الليل عن أفلاكه هل جرت سدى
وهيهات ما يجرين إلا إلى مدى
تنظَّمن في هام الفضاء وصدره
وحلينه فرقا وزنّ المقلدا
ولحنٌ به للقارئين قصيدة
من الحكمة العلياء لم ترض منشدا
تسيل بها نورا خلال كتابه
وتجرى حواشيه لجينا وعسجدا
سماءَ الدجى حركت ساكن خاطري
فهيجي بنات الشعر فيه لتسعِدا
تبدّدت الظلماء والشهب قبلها
وشمل همومي ما يريد تبدّدا
فيا ندمائي الظلماء والشهب قبلها
أرى الجام مهتزا بها متوقدا
ولا تشفقوا بي من ضلال فإنما
إلى ضِلتي في شربها ينتهى الهدى
لقد نهلت كفى وعلت بكأسها
مرارا وصدرى لا يُبلّ له صدى
وما قصِّرت بنت الكروم وإنما
مددتم بها الأيدي ومدّ الأسى يدا
ولست امرأ ترقى الهموم لصدره
ولكنها نفس تحاول مقصدا
أضيق بها حينا وطورا تضيق بي
كما عالج الغمد الحسام المهندا
وأشقى بها هما وأعيا مطالبا
وأتعب فيها بالمحبين حسدا
ومن يك قد ذم الأعادي فإنني
لدائي من الأحباب لا أظلم العدى
وما كنت من يرجوهم لمهمة
ولكنما استقضيت حقا مؤكدا
وما مال ذو حق وإن جل حقه
إلى الحقد إلا ضيع الحق واعتدى
ولو شئت جاءتني المعالي مطيعة
ولكن وجدت الصبر أعذب موردا
أرى الصدق ملكا والرياء عبودة
وإن كان ملكا للكثير وسؤددا
وأعلم أن اليوم بالأمس لاحق
وأن لعباس وللأمة الغدا