أقدم فليس على الإقدام ممتنع

أَقدِم فَلَيسَ عَلى الإِقدامِ مُمتَنِعُ
وَاِصنَع بِهِ المَجدَ فَهوَ البارِعُ الصَنَعُ
لِلناسِ في كُلِّ يَومٍ مِن عَجائِبِهِ
ما لَم يَكُن لِاِمرِئٍ في خاطِرٍ يَقَعُ
هَل كانَ في الوَهمِ أَنَّ الطَيرَ يَخلُفُها
عَلى السَماءِ لَطيفُ الصُنعِ مُختَرَعُ
وَأَنَّ أَدراجَها في الجَوِّ يَسلُكُها
جِنٌّ جُنودُ سُلَيمانٍ لَها تَبَعُ
أَعيا العُقابَ مَداهُم في السَماءِ وَما
راموا مِنَ القُبَّةِ الكُبرى وَما فَرَعوا
قُل لِلشَبابِ بِمِصرَ عَصرُكُم بَطَلٌ
بِكُلِّ غايَةِ إِقدامٍ لَهُ وَلَعُ
أُسُّ المَمالِكِ فيهِ هِمَّةٌ وَحِجىً
لا التُرَّهاتُ لَها أُسٌّ وَلا الخِدَعُ
يُعطي الشُعوبَ عَلى مِقدارِ ما نَبَغوا
وَلَيسَ يَبخَسُهُم شَيئاً إِذا بَرَعوا
ماذا تُعِدّونَ بَعدَ البَرلَمانِ لَهُ
إِذا خِيارُكُمُ بِالدَولَةِ اِضطَلَعوا
البَرُّ لَيسَ لَكُم في طولِهِ لُجُمٌ
وَالبَحرُ لَيسَ لَكُم في عَرضِهِ شُرُعُ
هَل تَنهَضونَ عَساكُمُ تَلحَقونَ بِهِ
فَلَيسَ يَلحَقُ أَهلَ السَيرِ مُضطَجِعُ
لا يُعجَبَنَّكُمُ ساعٍ بِتَفرِقَةٍ
إِنَّ المِقَصَّ خَفيفٌ حينَ يَقتَطِعُ
قَد أَشهَدوكُم مِنَ الماضي وَما نَبَشَت
مِنهُ الضَغائِنُ ما لَم تَشهَدِ الضَبُعُ
ما لِلشَبابِ وَلِلماضي تَمُرُّ بِهِم
فيهِ عَلى الجِيَفِ الأَحزابُ وَالشِيَعُ
إِنَّ الشَبابَ غَدٌ فَليَهدِهِم لِغَدٍ
وَلِلمَسالِكِ فيهِ الناصِحُ الوَرِعُ
لا يَمنَعَنَّكُمُ بِرُّ الأُبُوَّةِ أَن
يَكونَ صُنعُكُمُ غَيرَ الَّذي صَنَعوا
لا يُعجِبَنَّكُمُ الجاهُ الَّذي بَلَغوا
مِنَ الوِلايَةِ وَالمالُ الَّذي جَمَعوا
ما الجاهُ وَالمالُ في الدُنيا وَإِن حَسُنا
إِلّا عَوارِيُّ حَظٍّ ثُمَّ تُرتَجَعُ
عَلَيكُمُ بِخَيالِ المَجدِ فَأتَلِفوا
حِيالَهُ وَعَلى تِمثالِهِ اِجتَمَعوا
وَأَجمِلوا الصَبرَ في جِدٍّ وَفي عَمَلٍ
فَالصَبرُ يَنفَعُ ما لا يَنفَعُ الجَزَعُ
وَإِن نَبَغتُم فَفي عِلمٍ وَفي أَدَبٍ
وَفي صِناعاتِ عَصرٍ ناسُهُ صُنُعُ
وَكُلُّ بُنيانِ قَومٍ لا يَقومُ عَلى
دَعائِمَ العَصرِ مِن رُكنَيهِ مُنصَدِعُ
شَريفُ مَكَّةَ حُرٌّ في مَمالِكِهِ
فَهَل تُرى القَومُ بِالحُرِيَّةِ اِنتَفَعوا
كَم في الحَياةِ مِنَ الصَحراءِ مِن شَبَهٍ
كِلتاهُما في مُفاجاةِ الفَنى شَرَعُ
وَراءَ كُلِّ سَبيلٍ فيهِما قَدَرٌ
لا تَعلَمُ النَفسُ ما يَأتي وَما يَدَعُ
فَلَستَ تَدري وَإِن كُنتَ الحَريصَ مَتى
تَهُبُّ ريحاهُما أَو يَطلُعُ السَبَعُ
وَلَستَ تَأمَنُ عِندَ الصَحوِ فاجِئَةً
مِنَ العَواصِفِ فيها الخَوفُ وَالهَلَعُ
وَلَستَ تَدري وَإِن قَدَّرتَ مُجتَهِداً
مَتى تَحُطُّ رِحالاً أَو مَتى تَضَعُ
وَلَستَ تَملُكُ مِن أَمرِ الدَليلِ سِوى
أَنَّ الدَليلَ وَإِن أَرداكَ مُتَّبَعُ
وَما الحَياةُ إِذا أَظمَت وَإِن خَدَعَت
إِلّا سَرابٌ عَلى صَحراءَ يَلتَمِعُ
أَكبَرتُ مِن حَسَنَينٍ هِمَّةً طَمَحَت
تَروُم ما لا يَرومُ الفِتيَةُ القُنُعُ
وَما البُطولَةُ إِلّا النَفسُ تَدفَعُها
فيما يُبَلِغُها حَمداً فَتَندَفِعُ
وَلا يُبالي لَها أَهلٌ إِذا وَصَلوا
طاحوا عَلى جَنَباتِ الحَمدِ أَم رَجَعوا
رَحّالَةَ الشَرقِ إِنَّ البيدَ قَد عَلِمَت
بِأَنَّكَ اللَيثُ لَم يُخلَق لَهُ الفَزَعُ
ماذا لَقيتَ مِنَ الدَوِّ السَحيقِ وَمِن
قَفرٍ يَضيقُ عَلى الساري وَيَتَّسِعُ
وَهَل مَرَرتَ بِأَقوامٍ كَفِطرَتِهِم
مِن عَهدِ آدَمَ لا خُبثٌ وَلا طَبَعُ
وَمِن عَجيبٍ لِغَيرِ اللَهِ ما سَجَدوا
عَلى الفَلا وَلِغَيرِ اللَهِ ما رَكَعوا
كَيفَ اِهتَدى لَهُمُ الإِسلامُ وَاِنتَقَلَت
إِلَيهُمُ الصَلَواتُ الخَمسُ وَالجُمَعُ
جَزَتكَ مِصرُ ثَناءً أَنتَ مَوضِعُهُ
فَلا تَذُب مِن حَياءٍ حينَ تَستَمِعُ
وَلَو جَزَتكَ الصَحارى جِئتَنا مَلِكاً
مِنَ المُلوكِ عَلَيكَ الريشُ وَالوَدَعُ

رضي المسلمون والإسلام

رَضِيَ المُسلِمونَ وَالإِسلامُ
فَرعَ عُثمانَ دُم فِداكَ الدَوامُ
كَيفَ نَحصي عَلى عُلاكَ ثَناءُ
لَكَ مِنكَ الثَناءُ وَالإِكرامُ
هَل كَلامُ العِبادِ في الشَمسِ إِلّا
أَنَّها الشَمسُ لَيسَ فيها كَلامُ
وَمَكانُ الإِمامِ أَعلى وَلَكِن
بِأَحاديثِهِ يَتيهُ الأَنامُ
إيهِ عَبدَ الحَميدِ جَلَّ زَمانٌ
أَنتَ فيهِ خَليفَةٌ وَإِمامُ
ما رَأَت مِثلَ ذا الَّذي تَبتَني ال
أَقوامُ مَجداً وَلَن يَرى الأَقوامُ
دَولَةٌ شادَ رُكنَها أَلفُ عامٍ
وَمِئاتٌ تُعيدُها أَعوامُ
وَأَساسٌ مِن عَهدِ عُثمانَ يُبنى
في ثَمانٍ وَمِثلُهُنَّ يُقامُ
حِكمَةٌ حالَ كُلُّ هَذا التَجَلّي
دونَها أَن تَنالَها الأَفهامُ
يَسأَلُ الناسُ عِندَها الناسَ هَل في الن
ناسِ ذو المُقلَةِ الَّتي لا تَنامُ
أَم مِنَ الناسِ بَعدُ مَن قَولُهُ وَح
يٌ كَريمٌ وَفِعلُهُ إِلهامُ
صَدَقَ الخَلقُ أَنتَ هَذا وَهَذا
يا عَظيماً ما جازَهُ إِعظامُ
شَرَفٌ باذِخٌ وَمُلكٌ كَبيرٌ
وَيَمينٌ بُسطٌ وَأَمرٌ جِسامُ
عُمَرٌ أَنتَ بَيدَ أَنَّكَ ظِلٌّ
لِلبَرايا وَعِصمَةٌ وَسَلامُ
ما تَتَوَّجتَ بِالخِلافَةِ حَتّى
تُوِّجَ البائِسونَ وَالأَيتامُ
وَسَرى الخِصبُ وَالنَماءُ وَوافى ال
بِشرُ وَالظِلُّ وَالجَنى وَالغَمامُ
وَتَلَقّى الهِلالَ مِنكَ جَبينٌ
فيهِ حُسنٌ وَبِالعُفاةِ غَرامُ
فَسَلامٌ عَلَيهُمُ وَعَلَيهِ
يَومَ حَيَّتهُمُ بِهِ الأَيّامُ
وَبَدا المُلكُ مُلكُ عُثمانَ مِن عَل
ياكَ في الذِروَةِ الَّتي لا تُرامُ
يَهرَعُ العَرشُ وَالمُلوكُ إِلَيهِ
وَبَنو العَصرِ وَالوُلاةُ الفِخامُ
هَكَذا الدَهرُ حالَةٌ ثُمَّ ضِدٌّ
ما لِحالٍ مَعَ الزَمانِ دَوامُ
وَلَأَنتَ الَّذي رَعَّيتُهُ الأُس
دُ وَمَسرى ظِلالِها الآجامُ
أُمَّةُ التُركِ وَالعِراقُ وَأَهلو
هُ وَلُبنانُ وَالرُبى وَالخِيامُ
عالَمٌ لَم يَكُن لِيُنظَم لَولا
أَنَّكَ السِلمُ وَسطَهُ وَالوِئامُ
هَذَّبَتهُ السُيوفُ في الدَهرِ وَاليَو
مَ أَتَمَّت تَهذيبَهُ الأَقلامُ
أَيَقولونَ سَكرَةٌ لَن تَجَلّى
وَقُعودٌ مَعَ الهَوى وَقِيامُ
لَيَذوقُنَّ لِلمُهَلهِلِ صَحواً
تَشرُفُ الكَأسُ عِندَهُ وَالمُدامُ
وَضَعَ الشَرقُ في يَدَيكَ يَدَيهِ
وَأَتَت مِن حُماتِهِ الأَقسامُ
بِالوَلاءِ الَّذي تُريدُ الأَيادي
وَالوَلاءِ الَّذي يُريدُ المُقامُ
غَيرَ غاوٍ أَو خائِنٍ أَو حَسودٍ
بَرِئَت مِن أولَئِكَ الأَحلامُ
كَيفَ تُهدى لِما تُشيدُ عُيونٌ
في الثَرى مِلؤُها حَصىً وَرُغامُ
مُقَلٌ عانَتِ الظَلامَ طَويلاً
فَعَماها في أَن يَزولَ الظَلامُ
قَد تَعيشُ النُفوسُ في الضَيمِ حَتّى
لَتُري الضَيمَ أَنَّها لا تُضامُ
أَيُّها النافِرونَ عودوا إِلَينا
وَلِجوا البابَ إِنَّهُ الإِسلامُ
غَرَضٌ أَنتُمُ وَفي الدَهرِ سَهمٌ
يَومَ لا تَدفَعُ السِهامَ السِهامُ
نِمتُمُ ثُمَّ تَطلُبونَ المَعالي
وَالمَعالي عَلى النِيامِ حَرامُ
شَرُّ عَيشِ الرِجالِ ما كانَ حُلماً
قَد تُسيغُ المَنِيَّةَ الأَحلامُ
وَيَبيتُ الزَمانُ أَندَلُسِيّاً
ثُمَّ يُضحي وَناسُهُ أَعجامُ
عالِيَ البابِ هَزَّ بابُكَ مِنّا
فَسَعَينا وَفي النُفوسِ مَرامُ
وَتَجَلَّيتَ فَاِستَلَمنا كَما لِلنا
سِ بِالرُكنِ ذي الجَلالِ اِستِلامُ
نَستَميحُ الإِمامَ نَصراً لِمِصرٍ
مِثلَما يَنصُرُ الحُسامَ الحُسامُ
فَلِمِصرٍ وَأَنتَ بِالحُبِّ أَدرى
بِكَ ياحامِيَ الحِمى اِستِعصامُ
يَشهَدُ اللَهُ لِلنُفوسِ بِهَذا
وَكَفانا أَن يَشهَدَ العَلّامُ
وَإِلى السَيِّدِ الخَليفَةِ نَشكو
جَورَ دَهرٍ أَحرارُهُ ظُلّامُ
وَعَدوها لَنا وُعوداً كِباراً
هَل رَأَيتَ القُرى عَلاها الجَهامُ
فَمَلَلنا وَلَم يَكُ الداءُ يَحمي
أَن تَمَلَّ الأَرواحُ وَالأَجسامُ
يَمنَعُ القَيدُ أَن تَقومَ فَهَل تا
جٌ فَبِالتاجِ لِلبِلادِ قِيامُ
فَاِرفَعِ الصَوتَ إِنَّها هِيَ مِصرٌ
وَاِرفَعِ الصَوتَ إِنَّها الأَهرامُ
وَاِرعَ مِصراً وَلَم تَزَل خَيرَ راعٍ
فَلَها بِالَّذي أَرَتكَ زِمامُ
إِنَّ جُهدَ الوَفاءِ ما أَنتَ آتٍ
فَليَقُم في وَقائِكَ الخُدّامُ
وَليَصولوا بِمَن لَهُ الدَهرُ عَبدٌ
وَلَهُ السَعدُ تابِعٌ وَغُلامُ
فَاللِواءُ الَّذي تَلَقَّوا رَفيعٌ
وَالأُمورُ الَّتي تَوَلَّوا عِظامُ
مَن يُرِد حَقَّهُ فَلِلحَقِّ أَنصا
رٌ كَثيرٌ وَفي الزَمانِ كِرامُ
لا تَروقَنَّ نَومَةُ الحَقِّ لِلبا
غي فَلِلحَقِّ هَبَّةٌ وَاِنتِقامُ
إِنَّ لِلوَحشِ وَالعِظامُ مُناها
لَمَنايا أَسبابُهُنَّ العِظامُ
رافِعَ الضادِ لِلسُها هَل قَبولٌ
فَيُباهي النُجومَ هَذا النِظامُ
قامَتِ الضادُ في فَمي لَكَ حُبّاً
فَهيَ فيهِ تَحِيَّةٌ وَاِبتِسامُ
إِنَّ في يَلدِزِ الهَوى لَخِلالا
أَنا صَبٌّ بِلُطفِها مُستَهامُ
قَد تَجَلَّت لِخَيرِ بَدرٍ أَقَلَّت
في كَمالٍ بَدَت لَهُ أَعلامُ
فَاِلزَمِ التَمَّ أَيُّها البَدرُ دَوماً
وَاِلزَمِ البَدرَ أَيُّهَذا التَمامُ

نراوح بالحوادث أو نغادى

نُراوِحُ بِالحَوادِثِ أَو نُغادى
وَنُنكِرُها وَنُعطيها القِيادا
وَنَحمِدُها وَما رَعَتِ الضَحايا
وَلا جَزَتِ المَواقِفَ وَالجِهادا
لَحاها اللَهُ باعَتنا خَيالاً
مِنَ الأَحلامِ وَاِشتَرَتِ اِتِّحادا
مَشَينا أَمسِ نَلقاها جَميعاً
وَنَحنُ اليَومَ نَلقاها فُرادى
أَظَلَّتنا عَنِ الإِصلاحِ حَتّى
عَجَزنا أَن نُناقِشها الفَسادا
تُلاقينا فَلا نَجِدُ الصَياصي
وَنَلقاها فَلا نَجِدُ العَتادا
وَمَن لَقِيَ السِباعَ بِغَيرِ ظَفرٍ
وَلا نابٍ تَمَزَّقَ أَو تَفادى
خَفَضنا مِن عُلُوِّ الحَقِّ حَتّى
تَوَهَّمنا السِيادَةَ أَن نُسادا
وَلَمّا لَم نَنل لِلسَيفِ رَدّاً
تَنازَعنا الحَمائِلَ وَالنِجادا
وَأَقبَلنا عَلى أَقوالِ زورٍ
تَجيءُ الغَيَّ تَقلِبُهُ رَشادا
وَلَو عُدنا إِلَيها بَعدَ قَرنٍ
رَحَمنا الطِرسَ مِنها وَالمِدادا
وَكَم سِحرٍ سَمِعنا مُنذُ حينٍ
تَضاءَلَ بَينَ أَعيُنِنا وَنادى
هَنيئاً لِلعَدُوِّ بِكُلِّ أَرضٍ
إِذا هُوَ حَلَّ في بَلَدٍ تَعادى
وَبُعداً لِلسِيادَةِ وَالمَعالي
إِذا قَطَعَ القَرابَةَ وَالوِدادا
وَرُبَّ حَقيقَةٍ لا بُدَّ مِنها
خَدَعنا النَشءَ عَنها وَالسَوادا
وَلَو طَلَعوا عَلَيها عالَجوها
بِهِمَّةِ أَنفُسٍ عَظُمَت مُرادا
تُعِدُّ لِحادِثِ الأَيّامِ صَبراً
وَآوِنَةً تُعِدُّ لَهُ عِنادا
وَتُخلِفُ بِالنَهيِ البيضَ المَواضي
وَبِالخُلقِ المُثَقَّفَةِ الصِعادا
لَمَحنا الحَظَّ ناحِيَةً فَلَمّا
بَلَغناها أَحَسَّ بِنا فَحادا
وَلَيسَ الحَظُّ إِلّا عَبقَرِيّاً
يُحِبُّ الأَريَحِيَّةَ وَالسَدادا
وَنَحنُ بَنو زَمانٍ حُوَّلِيٍّ
تَنَقَّلَ تاجِراً وَمَشى وَرادا
إِذا قَعَدَ العِبادُ لَهُ بِسوقٍ
شَرى في السوقِ أَو باعَ العِبادا
وَتُعجِبُهُ العَواطِفُ في كِتابٍ
وَفي دَمعِ المُشَخِّصِ ما أَجادا
يُؤَمِّنُنا عَلى الدُستورِ أَنّا
نَرى مِن خَلفِ حَوزَتِهِ فُؤادا
أَبو الفاروقِ نَرجوهُ لِفَضلٍ
وَلا نَخشى لِما وَهَبَ اِرتِدادا
مَلَأنا بِاِسمِهِ الأَفواهَ فَخراً
وَلَقَّبناهُ بِالأَمسِ المَكادا
نُناجيهِ فَنَستَرعي حَكيماً
وَنَسأَلُهُ فَنَستَجدي جَوادا
وَلَم يَزَلِ المُحَبَّبَ وَالمُفَدّى
وَمَرهَمَ كُلِّ جُرحٍ وَالضِمادا
تَدَفَّقَ مَصرِفُ الوادي فَرَوّى
وَصابَ غَمامُهُ فَسقى وَجادا
دَعا فَتَنافَسَت فيهِ نُفوسٌ
بِمِصرَ لِكُلِّ صالِحَةٍ تُنادى
تُقَدِّمُ عَونَها ثِقَةً وَمالاً
وَأَحياناً تُقَدِّمُهُ اِجتِهادا
وَأَقبَلَ مِن شَبابِ القَومِ جَمعٌ
كَما بَنَتِ الكُهولُ بَنى وَشادا
كَأَنَّ جَوانِبَ الدارِ الخَلايا
وَهُم كَالنَحلِ في الدارِ اِحتِشادا
فَيا داراً مِن الهِمَمِ العَوالي
سُقيتِ التِبرَ لا أَرضى العِهادا
تَأَنّى حينَ أَسَّسَكِ اِبنُ حَربٍ
وَحينَ بَنى دَعائِمَكِ الشِدادا
وَلا تُرجى المَتانَةُ في بِناءٍ
إِذا البَنّاءُ لَم يُعطَ اِتِّئادا
بَنى الدارَ الَّتي كُنّا نَراها
أَمانِيَّ المُخَيَّلِ أَو رُقادا
وَلَم يَبعُد عَلى نَفسٍ مَرامٌ
إِذا رَكِبَت لَهُ الهِمَمُ البِعادا
وَلَم أَرَ بَعدَ قُدرَتِهِ تَعالى
كَمَقدِرَةِ اِبنِ آدَمَ إِن أَرادا
جَرى وَالناسُ في رَيبٍ وَشَكٍّ
يَرومُ السَبقَ فَاِختَرَقَ الجِيادا
وَعودِيَ دونَها حَتّى بَناها
وَمِن شَأنِ المُجَدِّدِ أَن يُعادى
يَهونُ الكَيدُ مِن أَعدى عَدُوٍّ
عَلَيكَ إِذا الوَلِيُّ سَعى وَكادا
فَجاءَت كَالنَهارِ إِذا تَجَلى
عُلُوّاً في المَشارِقِ وَاِنطِيادا
نَصونُ كَرائِمَ الأَموالِ فيها
وَنُنزِلُها الخَزائِنَ وَالنِضادا
وَنُخرِجُها فَتَكسِبُ ثُمَّ تَأوي
رُجوعَ النَحلِ قَد حُمِّلنَ زادا
وَلَم أَرَ مِثلَها أَرضاً أَغَلَّت
وَما سُقِيَت وَلا طَعَمَت سَمادا
وَلا مُستَودَعاً مالاً لِقَومٍ
إِذا رَجَعوا لَهُ أَدّى وَزادا
وَمِن عَجَبٍ نُثَبِّتُها أُصولاً
وَتِلكَ فُروعُها تَغَشى البِلادا
كَأَنَّ القُطرَ مِن شَوقٍ إِلَيها
سَما قَبلَ الأَساسِ بِها عِمادا
وَلَو مَلَكَت كُنوزَ الأَرضِ كَفّي
جَعَلتُ أَساسَها ماساً وَرادا
وَلَو أَنَّ النُجومَ عَنَت لِحُكمي
فَرَشتُ النَيِّراتِ لَها مِهادا

قام من علته الشاكي الوصب

قامَ مِن عِلَّتِهِ الشاكي الوَصِب
وَتَلَقّى راحَةَ الدَهرِ التَعِب
أَيُّها النَفسُ اِصبِري وَاِستَرجِعي
هَتفَ الناعي بِعَبدِ المُطَّلِب
نَزَلَ التُربَ عَلى مَن قَبلَهُ
كُلُّ حَيٍّ مُنتَهاهُ في التُرُب
ذَهَبَ اللينُ في إِرشادِهِ
كَالأَبِ المُشفِقِ وَالحَدِّ الحَدِب
القَريبُ العَتبِ مِن مَعنى الرِضا
وَالقَريبُ الجِدِّ مِن مَعنى اللَعِب
وَالأَخُ الصادِقُ في الوُدِّ إِذا
ظَهَرَ الإِخوانُ بِالوُدِّ الكَذِب
خاشِعٌ في دَرسِهِ مُحتَشِمٌ
فَكِهٌ في مَجلِسِ الصَفوِ طَرِب
قَلَّدَ الأَوطانَ نَشءً صالِحاً
وَشَباباً أَهلَ دينٍ وَحَسَب
رُبَّما صالَت بِهِم في غَدِها
صَولَةَ الدَولَةِ بِالجَيشِ اللَجِب
جَعَلوا الأَقلامَ أَرماحَهُمُ
وَأَقاموها مَقاماتِ القُضُب
لا يَميلونَ إِلى البَغيِ بِها
كَيفَ يَبغي مَن إِلى العِلمِ اِنتَسَب
شاعِرَ البَدوِ وَمِنهُم جاءَنا
كُلُّ مَعنىً رَقَّ أَو لَفظٍ عَذُب
قَد جَرَت أَلسُنُهُم صافِيَةً
جَرَيانَ الماءِ في أَصلِ العُشُب
سَلِمَت مِن عَنَتِ الطَبعِ وَمِن
كُلفَةِ الأَقلامِ أَو حَشوِ الكُتُب
قَد نَزَلتَ اليَومَ في باديَةٍ
عَمَرَت فيها اِمرَأَ القَيسِ الحِقَب
وَمَشى المَجنونُ فيها سالِياً
نَفَضَ اللَوعَةَ عَنهُ وَالوَصَب
أَعِرِ الناسَ لِساناً يَنظُموا
لَكَ فيهِ الشِعرَ أَو يُنشوا الخُطَب
قُم صِفِ الخُلدَ لَنا في مُلكِهِ
مِن جَلالِ الخُلقِ وَالصُنعِ العَجَب
وَثِمارٍ في يَواقيتِ الرُبى
وَسُلافٍ في أَباريقِ الذَهَب
وَاِنثُرِ الشِعرَ عَلى الأَبرارِ في
قُدُسِ الساحِ وَعُلوِيِّ الرَحِب
وَاِستَعِر رُضوانَ عودَي قَصَبٍ
وَتَرَنَّم بِالقَوافي في القَصَب
وَاِسقِ بِالمَعنى إِلَهِيّاً كَما
تَتَساقَونَ الرَحيقَ المُنسَكِب
كُلَّما سَبَّحتَ لِلعَرشِ بِهِ
رَفَعَ الرَحمَنُ وَالرُسُلُ الحُجُب
قُم تَأَمَّل هَذِهِ الدارُ وَفى
لَكَ مِن طُلّابِها الجَمعُ الأَرِب
وَفَتِ الدارُ لِباني رُكنِها
وَقَضى الحَقَّ بَنو الدارِ النُجُب
طَلَبوا العِلمَ عَلى شَيخِهِمُ
زَمَناً ثُمَّ إِذا الشَيخُ طُلِب
غابَ عَن أَعيُنِهِم لَكِنَّهُ
ماثِلٌ في كُلِّ قَلبٍ لَم يَغِب
صورَةٌ مُحسَنَةٌ ما تَختَفي
وَمِثالٌ طَيِّبٌ ما يَحتَجِب
رَجُلُ الواجِبِ في الدُنيا مَضى
يُنصِفُ الأُخرى وَيَقضي ما وَجَب
عاشَ عَيشَ الناسِ في دُنياهُمُ
وَكَما قَد ذَهَبَ الناسُ ذَهَب
أَخَذَ الدَرسَ الَّذي لُقِّنَهُ
عَجَمُ الناسِ قَديماً وَالعَرَب

فأر رأى القط على الجدار

فَأرٌ رَأى القِطَّ عَلى الجِدارِ
مُعَذَّباً في أَضيَقِ الحِصارِ
وَالكَلبُ في حالَتِهِ المَعهودَه
مُستَجمِعاً لِلوَثبَةِ المَوعودَه
فَحاوَلَ الفَأرُ اِغتِنامَ الفُرصَه
وَقالَ أَكفي القِطَّ هَذي الغُصَّه
لَعَلَّهُ يَكتُبُ بِالأَمانِ
لي وَلِأَصحابي مِنَ الجيرانِ
فَسارَ لِلكَلبِ عَلى يَدَيهِ
وَمَكَّنَ التُرابَ مِن عَينَيهِ
فَاِشتَغَلَ الراعي عَنِ الجِدارِ
وَنَزَلَ القِطُّ عَلى بِدارِ
مُبتَهِجاً يُفَكِّرُ في وَليمَه
وَفي فَريسَةٍ لَها كَريمَه
يَجعَلُها لِخَطبِهِ عَلامَه
يَذكُرُها فَيَذكُرُ السَلامَه
فَجاءَ ذاكَ الفَأرُ في الأَثناءِ
وَقالَ عاشَ القِطُّ في هَناءِ
رَأَيتَ في الشِدَّةِ مِن إِخلاصي
ما كانَ مِنها سَبَبَ الخَلاصِ
وَقَد أَتَيتُ أَطلُبُ الأَمانا
فَاِمنُن بِهِ لِمَعشَري إِحسانا
فَقالَ حَقّاً هَذِهِ كَرامَه
غَنيمَةٌ وَقَبلَها سَلامَه
يَكفيكَ فَخراً يا كَريمَ الشيمَه
أَنَّكَ فَأرُ الخَطبِ وَالوَليمَه
وَاِنقَضَّ في الحالِ عَلى الضَعيفِ
يَأكُلُهُ بِالمِلحِ وَالرَغيفِ
فَقُلتُ في المَقامِ قَولاً شاعا
مَن حَفِظَ الأَعداءَ يَوماً ضاعا

يحمى فرنسا فتية

يحمى فرنسا فتية
ما منهمو إلا أسامه
حاطوا الحمى الغالي كما
حاطوا من الحق الدعامه
لما أصاروا النوط في
يوم الفخار هو العلامه
كانوا الحمائم قل أن
تحلو من الطوق الحمامه
يا من يذود عن الحمى
نلت العلامة والسلامه

أسائل خاطري عما سباني

أسائلُ خاطري عمّا سباني
أحُسنُ الخلقِ أم حسنُ البيانِ؟
رأيتُ تنافسَ الحُسنَينِ فيها
كأنّهما لميّةُ عاشقانِ
إذا نطقتْ صبا عقلي إليها
وإن بسَمتْ إليّ صبا جناني
وما أدري أتَبسِمُ عن حنينٍ
إليّ بقلبِها أم عن حنانِ
وإنّ شبابَها راثَ لشيبي
وما أوهى زماني من كياني

أشرق عباس على شعبه

أشرق عباس على شعبه
كأنه المأمون في ركبه
زار رعاياه فأغناهم
عن زورة الغيث وعن خصبه
واستبشر القطر فأهلوه في
أمنٍ مِن العام ومِن جدبه
مرّبهم والأرض في جنة
ربيعها يختال من عجبه
فزادها طيبا على طيبها
وزادهم يسرا فأهلا به
ماجت دمنهو بسكانها
وهزها الشوق إلى قربه
فأقبلت تسعى إلى حضرة
ما إن لها في البر من مشبه
ترجو قبولا علها ترتوى
من مورد تهفو إلى عذبه
يا لابس التاجين عش سالما
ترعاك عين الله من حجبه