ديوان رامي تحت حاشية الصبا

ديوان رامي تحت حاشية الصبا
عذب عليه من الرواة زحام
بالأمس بل صدى النهى وَسمِيَّه
واليوم للتالى الولىّ سجام
شعر جرى فيه الشباب كأنه
جنبات روض طَلَّهن غمام
في كل بيت مجلس ومدامة
وبكل باب وقفة وغرام
يا راميا غرض الكلام يصيبه
لك منزع في السهل ليس يرام
خذ في مراميك المدى بعد المدى
إن الشباب وراءه الأيام
أما زهير فقد سما هرم به
ولتسمون بشعرك الأهرام
فخذ النبوغ عليه وارق رقيَّه
ولكل بدر مرتقى وتمام

لك ان تلوم ولي من الاعذار

لَكَ أَن تَلومَ وَلي مِنَ الأَعذارِ
أَنَّ الهَوى قَدَرٌ مِنَ الأَقدارِ
ما كُنتُ أَسلَمُ لِلعُيونِ سَلامَتي
وَأُبيحُ حادِثَةَ الغَرامِ وَقاري
وَطَرٌ تَعَلَّقَهُ الفُؤادُ وَيَنقَضي
وَالنَفسُ ماضِيَةٌ مَعَ الأَوطارِ
يا قَلبُ شَأنَكَ لا أَمُدُّكَ في الهَوى
أَبَداً وَلا أَدعوكَ لِلإِقصارِ
أَمري وَأَمرُكَ في الهَوى بِيَدِ الهَوى
لَو أَنَّهُ بِيَدي فَكَكتُ إِساري
جارِ الشَبيبَةَ وَاِنتَفِع بِجِوارِها
قَبلَ المَشيبِ فَما لَهُ مِن جارِ
مَثَلُ الحَياةِ تُحَبُّ في عَهدِ الصِبا
مَثَلُ الرِياضِ تُحَبُّ في آذارِ
أَبَداً فروقُ مِنَ البِلادِ هِيَ المُنى
وَمُنايَ مِنها ظَبيَةٌ بِسِوارِ
مَمنوعَةٌ إِلّا الجَمالَ بِأَسرِهِ
مَحجوبَةٌ إِلّا عَنِ الأَنظارِ
خُطُواتُها التَقوى فَلا مَزهُوَّةٌ
تَمشي الدَلالَ وَلا بِذاتِ نِفارِ
مَرَّت بِنا فَوقَ الخَليجِ فَأَسفَرَت
عَن جَنَّةٍ وَتَلَفَّتَت عَن نارِ
في نِسوَةٍ يورِدنَ مَن شِئنَ الهَوى
نَظَراً وَلا يَنظُرنَ في الإِصدارِ
عارَضتُهُنَّ وَبَينَ قَلبِيَ وَالهَوى
أَمرٌ أُحاوِلُ كَتمَهُ وَأُداري

ليلة الامس قد ذهبت

ليلة الأمس قد ذهبت وما تذ
هب رؤيا أقصها شر رؤيا
ذاك أنى حلمت بالمتنبي
صار في مصر قاضيا أهليا
خيروه فقال طنطا أحب المد
ن في هذه البلاد إليا
فوجدت الصواب في الرأى أنى
أهجر الشعر والقوافي مليا
هو قد بدَّ قائل الشعر ميتا
كيف يلقاه قائل الشعر حيا
وتأملت في مصيبة حفني
يوم للحكم يجلسان سويا
هو عادي كرسيَّ كافور عمرا
هل يصافى لناصف كرسيا
جاءني صاحبي يقول بلاء
كنت والله عن بلاء غنيا
قلت نرجو من ناظر العدل يُص
يه بأسيوط مبعدا منفيا
إن فيها لشاعرا لك حرا
وأراه بالذَّود عنك حرِيا
مُره يمسخ له ولو شطر بيت
قال أخشى انقلاب ذاك عليا
أصبح الصبح زيد صدقي وقالوا
ناصف عاد قاضيا جزئيا

يقولون لم تطري عليا واخته

يقولون لم تطرى عليا وأخته
وتنسى حسينا والحسين كريم
فقلت فؤادى للثلاثة منزل
هما طُنُباه والحسين صميم
ثلاثة أسباب لأُنسى ولذتي
يبارك فيها مانِحِى ويديم
إذا ما بدا لي أن أفاضل بينهم
أبى لي قلب عادل ورحيم
أحبِ صغار العالمين لأجلهم
ويعطف قلبي ذو أب ويتيم
أمينتيَ الدنيا إذا هي أقبلت
على العيش منها نضرة ونعيم
ذكاء تمناه الفتى حلية له
ووجه يسر الناظرين وسيم
فأما علىٌّ فالمسيح حداثة
وقور إذا طاش الصغار حليم
وقبل حسين ما تكلم مرضع
ولا نال علياء البيان فطيم
إذا راح يهذى بالحديث فشاعر
فإن جدّ فيما قاله فحكيم
عصيفير روض رَبِّ صنه وأبِقه
فأنت بقلب قد خَلقت عليم

بابي وروحي الناعمات الغيدا

بِأَبي وروحي الناعمات الغيدا
الباسِماتِ عنِ اليتيمِ نضيدا
الرانِياتِ بكلِّ أحورَ فاترٍ
يَذُرُ الخليَّ من القلوبِ عميدا
الراوياتِ من السُلافِ محاجِرًا
الناهلاتِ سوالفًا وخدودا
اللاعباتِ على النسيمِ غدائرًا
الراتعاتِ مع النسيمِ قدودا
أَقبلنَ في ذهبِ الأصيلِ ووشيهِ
ملءَ الغلائلِ لؤلؤًا وفريدا
يَحدجنَ بالحدقِ الحواسدِ دميةً
كظباءِ وجرَةَ مقلتَينِ وجيدا
حوتِ الجمالَ فلو ذهبتَ تزيدُها
في الوهمِ حسنًا ما استطعتَ مزيدا
لو مرَّ بالولدانِ طيفُ جمالِها
في الخُلدِ خرّوا رُكّعًا وسجودا
أشهى منَ العودِ المرنَّمِ منطقًا
وألذُّ من أوتارِهِ تغريدا
لو كنتَ مطلقَ السجناءِ لم
تُطلق لساحرِ طرفِها مصفودا
ما قصَّر الرؤساءُ عنهُ سعى لهُ
سعدٌ فكانَ موفقًا ورشيدا
يا مصرُ أشبالُ العرينِ ترعرعت
ومشت إليكِ منَ السجونِ أُسودا
قاضى السياسةِ نالَهم بعقابهِ
خشنَ الحكومةِ في الشبابِ عتيدا
أتتِ الحوادثُ دون عقدِ قضائِهِ
فانهارَ بيِّنةً ودُكَّ شهيدا
تقضي السياسةُ غيرَ مالكةٍ لما
حكمت بهِ نقضًا ولا توكيدا
قالوا أتنظمُ للشبابِ تحيّةً
تبقى على جيدِ الزمانِ قصيدا
قلتُ الشبابُ أتمُّ عقدَ مآثرٍ
من أن أزيدَهمُ الثناءَ عقودا
قَبِلت جهودَهُمُ البلادُ وقبّلت
تاجًا على هاماتِهم معقودا
خرجوا فما مدّوا حناجرَهم ولا
منّوا على أوطانِهم مجهودا
خفيَ الأساسُ عن العيونِ تواضعًا
من بعدِ ما رفعَ البناءَ مشيدا
ما كانَ أفطنَهم لكلُّ خديعةٍ
ولكلِّ شرٍّ بالبلادِ أُريدا
لمّا بنى اللهُ القضيّةَ منهُمُ
قامت على الحقِّ المبينِ عمودا
جادوا بأَيّامِ الشبابِ وأوشكوا
يتجاوزونَ إلى الحياةِ الجودا
طلبوا الجلاءَ على الجهادِ مثوبةً
لم يطلبوا أجرَ الجهادِ زهيدا
واللهِ ما دونَ الجلاءِ ويومِهِ
يومٌ تسميهِ الكنانةُ عيدا
وجدَ السجينُ يدًا تُحطِّمُ قيدَهُ
مَن ذا يُحطِّمُ للبلادِ قيودا
ربحت منَ التصريحِ أنَّ قيودَها
قد صرنَ من ذهبٍ وكُنَّ حديدا
أوَ ما ترونَ على المنابعِ عدّةً
لا تنجلي وعلى الضفافِ عديدا
يا فِتيَةَ النيلِ السعيدِ خذوا المدى
واستأنفوا نفسَ الجهادِ مديدا
وتنكّبوا العدوانَ واجتنبوا الأذى
وقفوا بمصرَ الموقفَ المحمودا
الأرضُ أليقُ منزلًا بجماعةٍ
يبغونَ أسبابَ السماءِ قعودا
أنتم غدًا أهلُ الأمورِ وإنّما
كُنّا عليكم في الأمورِ وفودا
فابنوا على أُسسِ الزمانِ وروحِهِ
ركنَ الحضارةِ باذخًا وشديدا
الهدمُ أجملُ من بنايةِ مصلحٍ
يبني على الأُسسِ العتاقِ جديدا
وجهُ الكنانةِ ليسَ يُغضِبُ ربَّكم
أن تجعلوهُ كوجههِ معبودا
ولّوا إليهِ في الدروسِ وجوهَكم
وإذا فرغتُم واعبدوهُ هجودا
إنَّ الذي قسمَ البلادَ حباكمُ
بلدًا كأوطانِ النجومِ مجيدا
قد كانَ والدنيا لحودٌ كلُّها
للعبقريةِ والفنونِ مهودا
مجدُ الأمورِ زوالُهُ في زلّةٍ
لا ترجُ لاسمِكَ بالأمورِ خلودا
الفردُ بالشورى وباسمِ نديِّها
لُفِظَ الخليفةُ في الظلامِ شريدا
خلعتْهُ دونَ المسلمينَ عصابةٌ
لم يجعلوا للمسلمينَ وجودا
يقضونَ ذلكَ عن سوادٍ غافلٍ
خُلِقَ السوادُ مضلَّلًا ومسودا
جعلوا مشيئتَهُ الغبيّةَ سُلّمًا
نحوَ الأمورِ لمن أرادَ صعودا
إنّي نظرتُ إلى الشعوبِ فلم أجد
كالجهلِ داءً للشعوبِ مُبيدا
الجهلُ لا يلدُ الحياةَ مواتُهُ
إلّا كما تلدُ الرمامُ الدودا
لم يخلُ من صورِ الحياةِ وإنّما
أخطاهُ عنصرُها فماتَ وليدا
وإذا سبى الفردُ المسلَّطُ مجلسًا
ألفيتَ أحرارَ الرجالِ عبيدا
ورأيتَ في صدرِ النديِّ منوّمًا
في عصبةٍ يتحرّكونَ رقودا
الحقُّ سهمٌ لا ترشهُ بباطلٍ
ما كانَ سهمُ المبطلينَ سديدا
والعبْ بغيرِ سلاحِهِ فلربّما
قتلَ الرجالَ سلاحُهُ مردودا

اجل وان طال الزمان موافي

أَجَلٌ وَإِن طالَ الزَمانُ مُوافي
أَخلى يَدَيكَ مِنَ الخَليلِ الوافي
داعٍ إِلى حَقٍّ أَهابَ بِخاشِعٍ
لَبِسَ النَذيرَ عَلى هُدىً وَعَفافِ
ذَهَبَ الشَبابُ فَلَم يَكُن رُزئي بِهِ
دونَ المُصابِ بِصَفوَةِ الأُلّافِ
جَلَلٌ مِنَ الأَرزاءِ في أَمثالِهِ
هِمَمُ العَزاءِ قَليلَةُ الإِسعافِ
خَفَّت لَهُ العَبَراتُ وَهيَ أَبِيَّةٌ
في حادِثاتِ الدَهرِ غَيرُ خِفافِ
وَلِكُلِّ ما أَتلَفتَ مِن مُستَكرَمٍ
إِلّا مَوَدّاتِ الرِجالِ تَلافِ
ما أَنتِ يا دُنيا أَرُؤيا نائِمٍ
أَم لَيلُ عُرسٍ أَم بِساطُ سُلافِ
نَعماؤُكِ الرَيحانُ إِلّا أَنَّهُ
مَسَّت حَواشيهِ نَقيعَ زُعافِ
ما زِلتُ أَصحَبُ فيكِ خُلقاً ثابِتاً
حَتّى ظَفِرتُ بِخُلقِكِ المُتَنافي
ذَهَبَ الذَبيحُ السَمحُ مِثلَ سَمِيِّهِ
طُهرَ المُكَفَّنِ طَيِّبَ الأَلفافِ
كَم باتَ يَذبَحُ صَدرَهُ لِشَكاتِهِ
أَتُراهُ يَحسَبُها مِنَ الأَضيافِ
نَزَلَت عَلى سَحرِ السَماحِ وَنَحرِهِ
وَتَقَلَّبَت في أَكرَمِ الأَكنافِ
لَجَّت عَلى الصَدرِ الرَحيبِ وَبَرَّحَت
بِالكاظِمِ الغَيظَ الصَفوحِ العافي
ما كانَ أَقسى قَلبَها مِن عِلَّةٍ
عَلِقَت بِأَرحَمِ حَبَّةٍ وَشَغافِ
قَلبٌ لَوِ اِنتَظَمَ القُلوبَ حَنانُهُ
لَم يَبقَ قاسٍ في الجَوانِحِ جافي
حَتّى رَماهُ بِالمَنِيَّةِ فَاِنجَلَت
مَن يَبتَلي بِقَضائِهِ وَيُعافي
أَخَنتَ عَلى الفَلَكِ المُدارِ فَلَم يَدُرِ
وَعَلى العُبابِ فَقَرَّ في الرَجّافِ
وَمَضَت بِنارِ العَبقَرِيَّةِ لَم تَدَع
غَيرَ الرَمادِ وَدارِساتِ أَثافي
حَمَلوا عَلى الأَكتافِ نورَ جَلالَةٍ
يَذَرُ العُيونَ حَواسِدَ الأَكتافِ
وَتَقَلَّدوا النَعشَ الكَريمَ يَتيمَةً
وَلَكَم نُعوشٍ في الرِقابِ زِيافِ
مُتَمايِلَ الأَعوادِ مِمّا مَسَّ مِن
كَرَمٍ وَمِمّا ضَمَّ مِن أَعطافِ
وَإِذا جَلالُ المَوتِ وافٍ سابِغٌ
وَإِذا جَلالُ العَبقَرِيَّةِ ضافي
وَيحَ الشَبابِ وَقَد تَخَطَّرَ بَينَهُم
هَل مُتِّعوا بِتَمَسُّحٍ وَطَوافِ
لَو عاشَ قُدوَتُهُمُ وَرَبُّ لِوائِهِم
نَكَسَ اللِواءَ لِثابِتٍ وَقّافِ
فَلَكَم سَقاهُ الوُدَّ حينَ وِدادُهُ
حَربٌ لِأَهلِ الحُكمِ وَالإِشرافِ
لا يَومَ لِلأَقوامِ حَتّى يَنهَضوا
بِقَوادِمٍ مِن أَمسِهِم وَخَوافي
لا يُعجِبَنَّكَ ما تَرى مِن قُبَّةٍ
ضَرَبوا عَلى مَوتاهُمُ وَطِرافِ
هَجَموا عَلى الحَقِّ المُبينِ بِباطِلٍ
وَعَلى سَبيلِ القَصدِ بِالإِسرافِ
يَبنونَ دارَ اللَهِ كَيفَ بَدا لَهُم
غُرُفاتِ مُثرٍ أَو سَقيفَةَ عافي
وَيُزَوِّرونَ قُبورَهُم كَقُصورِهُم
وَالأَرضُ تَضحَكُ وَالرُفاتُ السافي
فُجِعَت رُبى الوادي بِواحِدِ أَيكِها
وَتَجَرَّعَت ثُكلَ الغَديرِ الصافي
فَقَدَت بَناناً كَالرَبيعِ مُجيدَةً
وَشيَ الرِياضِ وَصَنعَةَ الأَفوافِ
إِن فاتَهُ نَسَبُ الرَضِيِّ فَرُبَّما
جَرَيا لِغايَةِ سُؤدُدٍ وَطِرافِ
أَو كانَ دونَ أَبي الرَضِيِّ أُبُوَّةً
فَلَقَد أَعادَ بَيانَ عَبدِ مَنافِ
شَرَفُ العِصامِيّينَ صُنعُ نُفوسِهِم
مَن ذا يَقيسُ بِهِم بَني الأَشرافِ
قُل لِلمُشيرِ إِلى أَبيهِ وَجَدِّهِ
أَعَلِمتَ لِلقَمَرَينِ مِن أَسلافِ
لَو أَنَّ عُمراناً نِجارُكَ لَم تَسُد
حَتّى يُشارَ إِلَيكَ في الأَعرافِ
قاضي القُضاةِ جَرَت عَلَيهِ قَضِيَّةٌ
لِلمَوتِ لَيسَ لَها مِنِ اِستِئنافِ
وَمُصَرِّفُ الأَحكامِ مَوكولٌ إِلى
حُكمِ المَنِيَّةِ ما لَهُ مِن كافي
وَمُنادِمُ الأَملاكِ تَحتَ قِبابِهِم
أَمسى تُنادِمُهُ ذِئابُ فَيافي
في مَنزِلٍ دارَت عَلى الصيدِ العُلا
فيهِ الرَحى وَمَشَت عَلى الأَردافِ
وَأُزيلَ مِن حُسنِ الوُجوهِ وَعِزِّها
ماكانَ يُعبَدُ مِن وَراءِ سِجافِ
مِن كُلِّ لَمّاحِ النَعيمِ تَقَلَّبَت
ديباجَتاهُ عَلى بِلىً وَجَفافِ
وَتَرى الجَماجِمَ في التُرابِ تَماثَلَت
بَعدَ العُقولِ تَماثُلَ الأَصدافِ
وَتَرى العُيونَ القاتِلاتِ بِنَظرَةٍ
مَنهوبَةَ الأَجفانِ وَالأَسيافِ
وَتُراعُ مِن ضَحِكِ الثُغورِ وَطالَما
فَتَنَت بِحُلوِ تَبَسُّمٍ وَهُتافِ
غَزَتِ القُرونَ الذاهِبينَ غَزالَةٌ
دَمُهُم بِذِمَّةِ قَرنِها الرَعّافِ
يَجري القَضاءُ بِها وَيَجري الدَهرُ عَن
يَدِها فَيا لِثَلاثَةٍ أَحلافِ
تَرمي البَرِيَّةَ بِالحُبولِ وَتارَةً
بِحَبائِلٍ مِن خَيطِها وَكَفافِ
نَسَجَت ثَلاثَ عَمائِمٍ وَاِستَحدَثَت
أَكفانَ مَوتى مِن ثِيابِ زَفافِ
أَأَبا الحُسَينِ تَحِيَّةً لِثَراكَ مِن
روحٍ وَرَيحانٍ وَعَذبِ نِطافِ
وَسَلامُ أَهلٍ وُلَّهٍ وَصَحابَةٍ
حَسرى عَلى تِلكَ الخِلالِ لِهافِ
هَل في يَدَيَّ سِوى قَريضٍ خالِدٍ
أُزجيهِ بَينَ يَدَيكَ لِلإِتحافِ
ما كانَ أَكرَمَهُ عَلَيكَ فَهَل تَرى
أَنّي بَعَثتُ بِأَكرَمِ الأَلطافِ
هَذا هُوَ الرَيحانُ إِلّا أَنَّهُ
نَفَحاتُ تِلكَ الرَوضَةِ المِئنافِ
وَالدُرُّ إِلّا أَنَّ مَهدَ يَتيمِهِ
بِالأَمسِ لُجَّةُ بَحرِكِ القَذّافِ
أَيّامَ أَمرَحُ في غُبارِكَ ناشِئاً
نَهجَ المِهارِ عَلى غُبارِ خِصافِ
أَتَعَلَّمُ الغاياتِ كَيفَ تُرامُ في
مِضمارِ فَضلٍ أَو مَجالِ قَوافي
يا راكِبَ الحَدباءِ خَلِّ زِمامَها
لَيسَ السَبيلُ عَلى الدَليلِ بِخافي
دانَ المَطِيَّ الناسُ غَيرَ مَطِيَّةٍ
لِلحَقِّ لا عَجلى وَلا ميجافِ
لا في الجِيادِ وَلا النِياقِ وَإِنَّما
خُلِقَت بِغَيرِ حَوافِرٍ وَخِفافِ
تَنتابُ بِالرُكبانِ مَنزِلَةَ الهُدى
وَتَؤُمُّ دارَ الحَقِّ وَالإِنصافِ
قَد بَلَّغَت رَبَّ المَدائِنِ وَاِنتَهَت
حَيثُ اِنتَهَيتَ بِصاحِبِ الأَحقافِ
نَم مِلءَ جَفنِكَ فَالغُدُوُّ غَوافِلٌ
عَمّا يَروعُكَ وَالعَشِيُّ غَوافي
في مَضجَعٍ يَكفيكَ مِن حَسَناتِهِ
أَن لَيسَ جَنبُكَ عَنهُ بِالمُتَجافي
وَاِضحَك مِنَ الأَقدارِ غَيرَ مُعَجَّزٍ
فَاليَومَ لَستَ لَها مِنَ الأَهدافِ
وَالمَوتُ كُنتَ تَخافُهُ بِكَ ظافِراً
حَتّى ظَفِرتَ بِهِ فَدعهُ كَفافِ
قُل لي بِسابِقَةِ الوِدادِ أَقاتِلٌ
هُوَ حينَ يَنزِلُ بِالفَتى أَم شافي
في الأَرضِ من أَبَوَيكَ كِنزا رَحمَةٍ
وَهَوىً وَذَلِكَ مِن جِوارٍ كافي
وَبِها شَبابُكَ وَاللِداتُ بَكَيتُهُ
وَبَكَيتُهُم بِالمَدمَعِ الذَرّافِ
فَاِذهَب كَمِصباحِ السَماءِ كِلاكُما
مالَ النَهارُ بِهِ وَلَيسَ بِطافي
الشَمسُ تُخلَفُ بِالنُجومِ وَأَنتَ بِال
آثارِ وَالأَخبارِ وَالأَوصافِ
غَلَبَ الحَياةَ فَتىً يَسُدُّ مَكانَها
بِالذِكرِ فَهوَ لَها بَديلٌ وافي

بي مثل ما بك يا قمرية الوادي

بي مثل ما بك يا قمرية الوادى
ناديت ليلى فقومي في الدجى نادي
وأرسلي الشجو أسجاعا مفصلة
أو ردّدي من وراء الأيك إنشادي
تلفت الروض لما صحت هاتفة
كما تلفتت الركبان بالحادي
كم هاج مبكاك من مجروح أفئدة
تحت الظلامِ ومن مقروح أكباد
لا تكتمي الوجد فالجرحان من شجن
ولا الصبابةَ فالدمعان من واد
يا حلوة الوعد ما نسّاك ميعادي
عن الهوى أم كلام الشامت العادي
كيف انخدعت بحسادي وما نقلوا
أنت التي خلقت عيناك حسادي
طرفي وطرفك كانا في الهوى سببا
عند اللقاء ولكن طرفك البادي
تذكرى هل تلاقينا على ظمأ
وكيل بَّل الصدى ذو الغُلة الصادي
وأنت في مجلس الريحان لاهية
ما سِرت من سامر إلا إلى نادي
تذكري منظر الوادي ومجلسنا
على الغدير كعصفورين في الوادي
والغصن يحلو علينا رقة وجوى
والماء في قدمينا رايح غاد
تذكري نغمات ههنا وهنا
من لحن شادية في الدوح أو شادي
تذكرى قبلة في الشعر حائرة
أضلها فمشت في فرقك الهادي
وقبلة فوق خد ناعم عطِر
أبهى من الورد في ظل الندى الغادي
تذكري قبلة من فيك أجعلها
من اللقاء إلى أمثاله زَادي
تذكري موعدا جاد الزمان به
هل طرتُ شوقا وهل سابقت ميعادي
فنلتُ ما نلت من سؤل ومن أمل
ورحت لم أحص أفراحي وأعيادي

بثثت شكواي فذاب الجليد

بَثَثتُ شَكوايَ فَذابَ الجَليدُ
وَأَشفَقَ الصَخرُ وَلانَ الحَديد
وَقَلبُكَ القاسي عَلى حالِهِ
هَيهاتَ بَل قَسوَتُهُ لي تَزيد

من جعل المغرب مطلع الضحي

مَن جَعَل المَغربَ مَطلَعَ الضُحى
وَسَخَّر البَربر جُنداً لِلهُدى
وَصَرّف الأَيّامَ حَتّى أَحدَثَت
ما كانَ في الأَحلامِ أَحلامَ الكَرى
وَأَظفَر الصابر بِالنُجح فَيا
هَزيمة اليَأس وَيا فَوز الرَجا
وَنقّلَ الدَولةَ في بَيت الهُدى
فَلَم تزُل عَن طُنُبِ إِلّا إِلى
سُبحانَهُ المُلكُ إِلَيهِ وَلَه
يُؤتيهِ أَو يَنزِعهُ مِمَن يَشا
قامَ إِمامٌ مِن بَني فاطِمَةٍ
خَليفة ثُم تَلاه مَن تَلا
ما عَجبي لِمُلكِهم كَيفَ بُنى
بَل عَجبي كَيفَ تَأَخّر البنا
جدّهمو لا دِين دُون حُبِّهِ
وَأُمُّهُم بِالأُمَهاتِ تُفتَدى
وَمُذ مَضى مُضطَهدا وَالدُهم
أَصبَحَ بِالمُضطَهد اِهتم المَلا
أَجلَّهم عِليَةُ كُلِّ حِقبَةٍ
وَخَصَّهُم فيها السَوادُ بِالهَوى
وَالفُرسُ وَالتُركُ جَميعاً شِيعَةٌ
لَهُم يَرونَ حُبَّهُم رَأس التُقى
فَشَهِدَ اللَهُ لَهُم ما قَصَّروا
القَتل صَبراً تارَة وَفي اللُقا
كَم ثارَ مِنهُم في القُرون ثائِرٌ
بِالأَمويين وَبِالآل الرِضى
هَذا الحسينُ دَمُهُ بكربلا
رَوّى الثَرى لَما جَرى عَلى ظَما
وَاِستَشهد الأَقمارُ أَهلُ بَيتِهِ
يَهوُون في التُرب فرادى وَثُنا
بن زِياد وَيَزيدُ بغيا
وَاللَهُ وَالأَيامُ حَربُ مَن بَغى
لَولا يَزيدُ بادئِاً ما شَرِبَت
مَروانُ بِالكَأس الَّتي بِها سَقى
وَثار لِلثارات زَيدُ بِن عَلي
بِن الحُسين بِن الوَصيِّ المُرتَضى
يَطلُبُ بِالحُجة حَقَّ بَيتِهِ
وَالحَقُّ لا يُطلَبُ إِلّا بِالقَنا
فَتى بِلا رَأيٍ وَلا تَجرِبَةٍ
جَرى عَلَيهِ مِن هِشامٍ ما جَرى
اِتَخَذ الكُوفَةَ درعا وَقَنا
وَالأَعزلُ الأَكشَفُ مَن فيها اِحتَمى
مَن تَكفِهِ الكُوفَةُ يَعلَم أَنَّها
لا نَصر عِندَ أَهلِها وَلا غَنا
سائل عَليّا فَهُوَ ذُو علمٍ بِها
وَاِستَخبرِ الحسينَ تعلمِ النبا
فَماتَ مَقتولاً وَطالَ صَلبُهُ
وَأُحرِقَت جِثَتُه بَعدَ البَلى
عَلى أَبي جَعفَرَ ثارَت فتيَةٌ
ما أَنصَفوا وَاللَه في شَق العَصا
هُم أَهلُ بَيتَ الحُسن الطاهر أَو
مِن شَبَّ مِن بَيت الحُسين وَنَما
أَيطلُبون الأَمرَ وَالأَمرُ لَهُم
قَد قَرَّ في بَيت النَبيِّ وَرَسا
يَحمِلُ عَنهُم همَّهُ وَغَمَّهُ
أَبناءُ عَمٍّ نُجُبٌ أُولو نُهى
فَلَيتَ شِعري كانَ ذا عَن حَسَدِ
أَم بُخلِهِ بلَّغهم إِلى القَلى
مُحَمدٌ رَأسهمو في البَصرة قَد
زادَ وَكُوفانُ كَمِرجَلٍ غَلا
مُلمّةٌ لَو لَم تُصادف هِمّةً
لَأَودَت الدَولَةُ في شَرخ الصِبا
قامَ إِلَيها مَلِكٌ مُشَمِّر
في النائِبات غَيرُ خَوّار القُوى
ساقَ إِلى الدار خَميساً حازَها
وَقَتل المَهديَّ عِندَ المُلتَقى
وَكانَ بَينَ جَيشِهِ بِأَخمرا
وَبَينَ إِبراهيم يَومٌ ذُو لَظى
لَم يَصدُقِ اِبنَ الحَسَنِ النصرُ بِهِ
أَصبَحَ ضاحِكاً وَأَمسى قَد بَكى
ماتَ بِسَهمٍ عاشرٍ لَم يَرمِهِ
رامٍ وَلَكنّ القَضاءَ قَد رَمى
فَلا تَسل عَن جَيشِهِ أَينَ مَضى
وَلا تَسَل عَن بيتِهِ ماذا التُقى
هاربُهم لَيسَ يَرى وَجهَ الثَرى
وَلا يَرى مَسجُونُهُم غَير الدُجى
وَما خَلا خَليفَةٌ مُسوّدُ
مِن طالِبيٍّ يَطلُبُ الأَمرَ سُدى
يُقتَلُ أَو يُزجُّ في السجن بِهِ
أَو يَتَوارى أَو يُبيده الفَلا
يَرجون بِالزُهد قِيامَ أَمرِهم
وَالزُهدُ مِن بَعد أَبيهم قَد عَفا
لَو دامَتِ الدُنيا عَلى نُبوةٍ
لَكانَ لِلناسِ عَن الأُخرى غِنى
تَخلَّقوا نَبذَ المَشورات فَلا
يَنزِلُ مِنهُم أَحَدٌ عَما يَرى
مَن لا يَرى بِغَيرِهِ وَإِن رَأى
بِعَيني الزَرقاءَ كانَ ذا عَمى
وَقَلما تَخَيروا رِجالهم
إِن الرِجال كَالفُصوص تُنتَقى
قَد خالَفَ المَأمونُ أَهل بَيتِهِ
حُبّاً بِأَبناءِ الوَصيِّ وَحِبا
مِن أَجلِهم نَضا السَوادَ ساعَةً
فَقالَ قَومٌ خَلع الوالي الحَيا
وَلَو سَها قَوادهُ وَآلُهُ
لَقَلَّدَ العَهدَ عَليّ بِن الرِضا
فَما خلت دَولَته مِن ثائِرٍ
قَد قَطَع الطرقَ وَعاثَ في الحِمى
جيءَ بِشَيخٍ عَلويٍّ زاهِدٍ
فَقَبِل البَيعة بَعدَما أَبى
تَأمرُ بِأَسمِهِ وَتَنهى فِتيَةٌ
لِحيتُهُ بَينَهُم لِمَن لَها
مِن أَهل بِيتِهِ وَلَكن فَزِعَت
مِن جَورِهم وَفِسقِهم أُمُّ القُرى
وَرُبَّ غادٍ مُنِيَ الحجُّ بِهِ
وَخُوّف الخَيف وَلَم يَأمَن مِني
وَكانَ زَيدُ النار في أَيامهم
وَالآخرُ الجَزّار عاث وَعَتا
فَظَهر الجُندُ عَلَيهُم وَاِنتَهى
تائبهم إِلى الإِمام فَعَفا
فَهَؤلاءِ لِم يَشين غَيرُهُم
سمعَ بَني حَيدَرةٍ وَلا زَرى
مِن حَظِّهم أَن صادَفوا خَليفَةً
في قَلبِهِ لَهُم وَلِلعَفو هَوى
وَلَم تَزَل تَمضي القُرونُ بِالَّذي
أَمضى مُصَرِّمُ القُرون وَقَضى
حَتّى حَبا اللَه بَني فاطِمَةٍ
ما ماتَ دُونَهُ الأُبُوّةُ العُلا
ماطلهم دَهرهمو بِحَقِّهم
حَتّى إِذا ما قيل لَن يَفي وَفى
ما لِأَوانٍ لَم يَئن مُقدِّمٌ
وَلا يُؤخَّر الأَوان إِن أَتى
سارَ إِلى المَغربِ مِن شِيعَتِهم
فَتى غَزيرُ الفَضل مَوفورُ الحجى
تَشيَّعت مِن قَبلِهِ آباؤُهُ
فَرضع النية فيهُم وَاِغتَدى
مِن أَهل صَنعاءَ وَدُونَ عَزمِهِ
ما صَنَعت مِن كُلِّ ماضٍ يُنتَضى
وَأَينَ داعٍ بِسُيوف قَومِهِ
وَآخِرٌ أَعزَلُ شَطَّته النَوى
يُصبحُ مَطلوباً وَيُمسي طالِباً
ما قَعدت طُلّابُه وَلا وَنى
يُبَشِّرُ الناسَ بِهادٍ جاءَهُم
وَأَن مَهدِيَّ الزَمان قَد أَتى
حَتّى تَملَّك العُقول سِحرُهُ
إِن البَيانَ نَفثاتٌ وَرُقى
وَلَم يَزل مُتَّبَعاً حَيث دَعا
لِلفاطِميِّ ظافِراً حَيث غَزا
مَهما رَمى بِخَيلِهِ وَرَجلِهِ
في بَلَدٍ أَذعَن أَو حصنٍ عَنا
فَلم يَدَع مِن عَرَبٍ وَبَربَرٍ
وَلَم يُغادر مِن صَحارى وَرُبى
أَجلى بَني الأَغلَبِ عَن أَفريقيا
عَن الجِنانِ وَالقُصورِ وَالدُمى
لابس أَقواماً تَحلّى بِالتُقى
بِينَهُمو وَبِالفَضيلة اِرتَدى
قُدوَةُ أَهل الدِين إِلّا أَنَّهُ
في أَدب الدُنيا المِثالُ لِمُحتَدى
ثُم رَمى المَغربَ فَاِهتَزَ لَهُ
وَحَث نَحو سجلماسةَ الخُطا
قاتَلَها نَهارَهُ حَتّى بَدا
لِأَهلِها فَلاذوا بِالنَجا
فَجاءَ فَاِستَخرَج مِن سُجونِها
تبرَ خِلالٍ كانَ في التُرب لَقا
أَتى بِهِ العَسكَرَ يَمشي خاشِعاً
مكفكفاً مِن السُرور ما جَرى
وَقالَ يا قَوم اِتَبِعوا واليكُم
هَذا الخَليفَةُ اِبنُ بِنت المُصطَفى
وَتَرك المُلكَ لَهُ مِن فَورِهِ
وَسارَ في رِكابِهِ فيمَن مَشى
أَنظر إِلى النيةِ ما تَأَتي بِهِ
وَالدِينِ ما وَراءَهُ مِن الوَفا
وَلا تَقُل لا خَيرَ في الناسِ فَكَم
في الناسِ مِن خَيرٍ عَلى طُولِ المَدى
أَضطَلع المَهدِيُّ بِالأَمرِ فَما
قَصّر في أَمر العِباد عَن هُدى
وَحَمل الناسَ عَلى الدِين وَما
يَأمُرُ مِن رُشدٍ وَيَنهى مِن عَمى
اِنتَظَمت دَولَتُهُ أَفريقيا
وارِفَةَ الظلِّ خَصيبَةَ الذَرا
وَأَصبَحَت مَصرُ وَأَمرُ فَتحَها
أَقصى وَأَعصى ما تَمَنّى وَاِشتَهى
كَم ساقَ مِن جَيشٍ إِلَيها فَثَنى
عَسكَرَهُ القَحطُ وَردّه الوَبا
وَفِتَنة مِن الغُيوب أَومَضَت
قَلَّبتِ المَغرِبَ في جَمرِ الغَضا
صاحِبُها أَبو يَزيدٍ فاسِقٌ
يُريد أَمرَ الناس مَحلولَ العُرا
وَكُل مالٍ أَو دَمٍ أَو حُرَّةٍ
لِناهِبٍ وَسافِكِ وَمَن سَبى
يا حَبَذا المَذهَبُ لا يَرفضُهُ
مِن قَعد الكسب بِهِ وَمَن غَوى
ماتَ عُبيدُ اللَهِ في دُخانِها
وَتَعِبَ القائِمُ بِالنارِ صِلى
فُضَّت ثُغورٌ وَخلت حَواضِرُ
وَأَمرَ الطاغي عَلَيها وَنَهى
بِالمالِ وَالزَرع وِبِالأَنفُسِ ما
أَنسى الوَباءَ وَالذِئابَ وَالدَبا
ثُمَ قَضى مُحَمدٌ بِغَمِّهِ
وَالشَرُّ باقٍ وَالبَلاءُ ما اِنقَضى
فَلَم تَنَل أَبا يَزيدٍ خَيلُهُ
وَلا قَنا لَهُ الكَنانَةَ القَنا
اِرتَدَ عَن مَصرَ هَزيماً جُندُهُ
يَشكو مِن الإِخشيدِ مُرَّ المُشتَكى
وَاِستَقبَلَ المَنصورُ أَمراً بَدَدا
وَدَولَةً رَثَّت وَسُلطاناً وَهى
نارُ الزَناتِيِّ مَشَت عَلى القَرى
وَغَيّرَ السَيفُ الدِيارَ وَمَحى
فَكانَ في هَوج الخُطوبِ صَخرَةً
وَفي طَريق السَيلِ شَمّاءَ الرُبا
مُكافِحاً مُقاتِلا بِنَفسِهِ
إِن خابَ لَم يَرجَع وَإِن فازَ مَضى
لَم يَألُ صاحِبَ الحِمار مَطلَبا
في السَهلِ وَالوَعر وَسَيراً وَسُرى
فَأَنقذَ المُدنَ وَخَلَّص القرى
وَطَهَّرَ الأَرضَ مِن الَّذي طَغى
وَتَرَكَ المُلكَ سَلاماً لِابنِهِ
وَالأَمرَ صَفواً وَالأَقاليم رضى
فَتى كَما شاءَت مَعالي بَيتِهِ
عِلماً وَآداباً وَبَأساً وَنَدى
تَقيّل الأَقيالَ مِن آبائِهِ
وَزَيدَ إِقبالَ الجُدود وَالحُظا
قَد حسّنَ المُلكَ المُعِزُّ وَغَدت
أَيامُهُ لِلدين وَالدُنيا حُلى
أَحاطَ بِالمَغرب مِن أَطرافِهِ
وَدانَ مِنهُ ما دَنا وَما قَصا
جاءَت مِن البَحر المُحيطِ خَيلُهُ
تَحمل مِنهُ الصَيد حَيّاً ذا طَرا
حَتّى ربت وَكَثُرت جُموعُهُ
وَوَفر المالُ لَدَيهِ وَنَما
فَاِستَحوَذَت مَصرُ عَلى فُؤادِهِ
وَقَبلَهُ كَم تَيّمت لَهُ أَبا
فَاِختارَ لِلفَتح فَتى مُختَبَراً
معدِنُه فَكانَ جَوهَرُ الفَتى
سَيّره في جَحفَلٍ مُستَكمِلٍ
لِلزاد وَالعُدّةِ وَالمال الرَوى
فَوَجد الدار خلت وَاِستَهدَفَت
بِمَوت كافور الَّذي كانَ وَقى
فَلا أَبو المِسكِ بِها يَمنَعُها
وَلا بَنو العَباسِ يَحمونَ الحِمى
قَد هَيئت فَتحاً لَهُ لَم يدّعِم
عَلى دَم الفِتيان أَو دَمع الأَسى
فَإِن يَفُت جَوهَرَ يَومُ وَقعَةٍ
فَكَم لَهُ يَوماً بِمَصر يُرتَضى
اِعتَدل الأَمرُ عَلى مقدمِهِ
وَكانَ رُكنُ المُلكِ مَيلاً فَاِستَوى
وَجَرَت الأَحكامُ مَجرى عَدلِها
وَعرَف الناسُ الأَمانَ وَالغِنى
كَم أَثَرٍ لِجَوهَرٍ نَفيسُهُ
إِلى المُعزِّ ذي المَآثر اِعتَزى
الجامِعُ الأَزهرُ باقٍ عامِرٌ
وَهَذِهِ القاهِرَةُ الَّتي بَنى
وَقُل إِذا ذَكَرتَ قَصريهِ بِها
عَلى السَدير وَالخَوَرنقِ العَفا
وَدانَ أَعلى النيل وَالنَوبُ بِهِ
لِلفاطِميين وَقَدَّموا الجَزى
وَخَضَع الشامُ وَمِن حِيالَهُ
مِن آل حَمدانَ فَوارِسِ اللُقا
إِلّا دِمَشق اِغتُصِبَت وَلَم تَزَل
دِمَشقُ لِلشِيعَةِ تُضمرُ القِلى
وَأَتتِ الدارُ بَني فاطِمَةٍ
وَاِنتَقَلَ البَيتُ إِلَيهُم وَسَعى
فَصارَت الخطبةُ فِيهما لَهُم
وَالذكرُ في طُهرِ البِقاعِ وَالدُعا
حَتّى إِذا المُلكُ بَدا اِتِساقُهُ
وَنَظَمَ السَعدُ لِجَوهَرَ المُنى
أَتى المعزُّ مصرَ في مَواكِبٍ
باهِرَة العزِّ تكاثرُ الضُحى
وَاِستَقبَلَ القَصران يَوماً مِثلُهُ
ما سَمع الوادي بِهِ وَلا رَأى
خَزائِنُ المَغرِبِ في رِكابِهِ
تَبارَكَت خَزائِنُ اللَهِ المِلا
فَاِجتَمع النيلُ عَلى مُشبِهِهِ
وَغَمَرَ الناسَ سَخاءً وَرَخا
وَاِبنُ رَسولِ اللَهِ أَندى راحَةً
وَجُودُه إِن جَرَحَ النيلُ أَسا
الأَرضُ في أَكنافِ هَذا أَجدَبَت
وَذا أَزاحَ الجَدب عَنها وَكَفى
وَلَم يَزَل أَبو تَميم يَشتَهي
بَغدادَ وَالأَقدارُ دُونَ ما اِشتَهى
حَتّى قَضى عِندَ مَدى آمالِهِ
لَو تَعرِفُ الآمالُ بِالنَفس مَدى
اِنتَقل المُلكُ فَكانَت نُقلَةً
مِن ذِروة العزِّ إِلى أَوجِ العُلا
جَرى نِزارٌ كَمَعَدٍّ لِلسُدى
كَما جَرَت عَلى العُصيَّةِ العَصا
إِن يَكُ في مِصرَ العَزيزَ إِنَّهُ
مِن المُحيط مُلكُهُ إِلى سَبا
المُسرجُ الخَيلُ نُضاراً خالِصاً
وَالمُنعِلُ الخَيلَ يَواقيت الوَغى
لَم يَخلُ مِن جَدٍّ بِها أَو لَعبٍ
مِن المَيادين إِلى حَرِّ الرَحى
مُلكٌ جَرى الدَهرُ بِهِ زَهواً وَما
أَقصَرَهُ مُلاوةً إِذا رَها
مَضى كَأَيام الصِبا نَهارُهُ
وَكَليالي الوَصل لَيلُهُ اِنقَضى
كانَ العَزيزُ سَدّة الفَضل الَّتي
اِنقَلَب الراجُون مِنها بِالحِبى
لِآل عيسى مِن نَدى راحَتِهِ
وَآل مُوسى قَبَسٌ وَمُنتَشى
وَكانَ مَأمونَ بَني فاطِمَةٍ
كَم كَظم الغَيظ وَأَغضى وَعَفا
أَودى فَغابَ الرفقُ وَاِختَفى النَدى
وَحُجِبَ الحِلمُ وَغُيِّب الذَكا
وَحَكَم الحاكِمُ مَصرَ وَيحَها
قَد لَقيت مِن حُكمِهِ جَهدَ البَلا
أَتعبَها مُختَلَطٌ مختَبَلٌ
يَهدِمُ إِن ثارَ وَيَبني إِن هَذا
وَلَم تَزَل مِن حَدَثٍ مُسَيَّرٍ
إِلى فَئيل العَزم واهِنِ المَضا
حَتّى خَبا ضِياءُ ذاكَ المُنتَدى
وَعَطِلَ القَصران مِن ذاكَ السَنا
عَفا بَنو أَيوبَ رَسمَ مُلكِهم
وَغادَروا السُلطانَ طامِسَ الصَدى
وَجَمَعوا الناسَ عَلى خَليفَةٍ
مِن وَلَد العَباسِ لا أَمرَ وَلا
سُبحانَ مَن في يَدِهِ المُلكُ وَمَن
لَيسَ بِجارٍ فيهِ إِلّا ما قَضى
فَيا جَزى اللَه بَني فاطِمَةٍ
عَن مَصرَ خَيرَ ما أَثابَ وَجَزى
وَأَخَذَ اللَهُ لَهُم مِن حاسِدٍ
في النَسَبِ الطاهِرِ قالَ وَلَغا
خَلائِفُ النيلِ إِلَيهُم يُنتَمى
إِذا الفُراتُ لِبَني الساقي اِنتَمى
تِلكَ أَيادِيهم عَلى لَبّاتِهِ
مفصلاتٍ بِالثَناءِ تُجتَلى
كَم مُدُنٍ بَنوا وَدورٍ شَيَّدوا
لِلصالِحاتِ هَهُنا وَهَهُنا
هُم رَفَعوا الإِصلاحَ مِصباحاً فَما
مِن مُصلِحٍ إِلّا بِنورهم مَشى
وَالكرمُ المَصريُّ مِما رَسَموا
بِمَصرَ مِن بِرٍّ وَسَنُّوا مِن قِرى
وَكُلُّ نَيروزٍ بِمَصرٍ رائِعٍ
أَو مِهرَجانٍ ذائِعٍ هُمُ الأَلى
هُم مَزّقوا دُروعَهُم بِراحِهم
وَكَسَروا بِها الرِماحَ وَالظُبى
لا العَربَ اِستَبَقوا وَهُم قَومهمو
وَلا رَعوا لِلمغرِبيّينَ الوَلا
قَد مَلَّكوا الأَبعَدَ أَمرَ بَيتِهم
وَحَكَّموه في العَشائر الدُنى
وَأَنزَلوا السُنَّةَ عَن رُتبتها
وَرَفَعوا شِيعَتهم وَمَن غَلا
وَصَيَّروا المُلكَ إِلى صِبيانهم
فَوَجَد الفَرصة مَن لَهُ صَبا
إِزدادَ بَغيُ الوُزَراء بَينَهُم
وَأصبَحوا هُمُ المُلوكَ في المَلا
خَليفُةُ الرَحمَنِ في زاويَةٍ
مِن الخُمول وَالوَزيرُ اِبنُ جَلا