ايها القصر اترعي عهدنا

أيها القصر أترعى عهدنا
وتفى إن عز في الناس الوفى
لا تُضع عندك أسرار الهوى
واختزنها في الزوايا والحنِى
واتخذ ختما على أشيائه
إن أشياء الهوى كنز سنى
ذكريات كلما حركتها
ضاع من جدرانك المسك الزكي
قُبَل لم يحصها إلا الهوى
طِبن بالصبح وطيبن العشي
يجد الجسم لها همسا كما
خفق السنبل أو رنَ الحلى
وعناق كالجفون اشتبكت
والغصين التف باللدن الطرى
أيها القصر أنقضى عُرس الهوى
وطوى الإِصباح ليل الأنس طى
وقديما في الليالي لم تدم
بهجة العرس ولم يبق الدوِى

كن في التواضع كالمدا

كن في التواضع كالمدا
مة حين تُجلى في الكؤوس
مشت اتئادا في الصدو
ر فحكّموها في الرؤوس

لم يمت من له اثر

لَم يَمُت مَن لَهُ أَثَر
وَحَياةٌ مِنَ السِيَر
أُدعُهُ غائِباً وَإِن
بَعُدَت غايَةُ السَفَر
آيِبُ الفَضلِ كُلَّما
آبَتِ الشَمسُ وَالقَمَر
رُبَّ نورٍ مُتَمَّمٍ
قَد أَتانا مِنَ الحُفَر
إِنَّما المَيتُ مَن مَشى
مَيتَ الخَيرِ وَالخَبَر
مَن إِذا عاشَ لَم يُفِد
وَإِذا ماتَ لَم يَضِر
لَيسَ في الجاهِ وَالغِنى
مِنهُ ظِلٌّ وَلا ثَمَر
قُبِّحَ العِزُّ في القُصو
رِ إِذا ذَلَّتِ القَصَر
أَعوَزَ الحَقَّ رائِدٌ
وَإِلى مُصطَفى اِفتَقَر
وَتَمَنَّت حِياضُهُ
هَبَّةَ الصارِمِ الذَكَر
الَّذي يُنفِذُ المُدى
وَالَّذي يَركَبُ الخَطَر
أَيُّها القَومُ عَظِّموا
واضِعَ الأُسِّ وَالحَجَر
أُذكُروا الخُطبَةَ الَّتي
هِيَ مِن آيَةِ الكُبَر
لَم يَرَ الناسُ قَبلَها
مِنبَراً تَحتَ مُحتَضَر
لَستُ أَنسى لِواءَهُ
وَهوَ يَمشي إِلى الظَفَر
حَشَرَ الناسَ تَحتَهُ
زُمَراً إِثرَها زُمَر
وَتَرى الحَقَّ حَولَهُ
لا تَرى البيضَ وَالسُمر
وَكُلَّما راحَ أَو غَدا
نَفَخَ الروحَ في الصُوَر
يا أَخا النَفسِ في الصِبا
لَذَّةُ الروحِ في الصِغَر
وَخَليلاً ذَخَرتُهُ
لَم يُقَوَّمَ بِمُدَّخَر
حالَ بَيني وَبَينَهُ
في فُجاءاتِهِ القَدَر
كَيفَ أَجزي مَوَدَّةً
لَم يَشُب صَفوَها كَدَر
غَيرَ دَمعٍ أَقولُهُ
قَلَّ في الشَأنِ أَو كَثُر
وَفُؤادٍ مُعَلَّلٍ
بِالخَيالاتِ وَالذُكَر
لَم يَنَم عَنكَ ساعَةً
في الأَحاديثِ وَالسَمَر
قُم تَرَ القَومَ كُتلَةً
مِثلَ مَلمومَةِ الصَخَر
جَدَّدوا أُلفَةَ الهَوى
وَالإِخاءَ الَّذي شُطِر
لَيسَ لِلخُلفِ بَينَهُم
أَو لِأَسبابِهِ أَثَر
أَلَّفَتهُم رَوائِحٌ
غادِياتٌ مِنَ الغِيَر
وَصَحَوا مِن مُنَوِّمٍ
وَأَفاقوا مِنَ الحَذَر
أَقبَلوا نَحوَ حَقِّهِم
ما لَهُم غَيرَهُ وَطَر
جَعَلوهُ خَلِيَّةً
شَرَعوا دونَها الإِبَر
وَتَواصَوا بِخُطَّةٍ
وَتَداعَوا لِمُؤتَمَر
وَقُصارى أولي النُهى
يَتَلاقونَ في الفِكَر
آذَنونا بِمَوقِفٍ
مِن جَلالٍ وَمِن خَطَر
نَسمَعُ اللَيثَ عِندَهُ
دونَ آجامِهِ زَأَر
قُل لَهُم في نَدِيِّهِم
مِصرُ بِالبابِ تَنتَظِر

امير المؤمنين رايت جسرا

أَميرَ المُؤمِنينَ رَأَيتُ جِسراً
أَمُرُّ عَلى الصِراطِ وَلا عَلَيهِ
لَهُ خَشَبٌ يَجوعُ السوسُ فيهِ
وَتَمضي الفَأرُ لا تَأوي إِلَيهِ
وَلا يَتَكَلَّفُ المِنشارُ فيهِ
سِوى مَرِّ الفَطيمِ بِساعِدَيهِ
وَكَم قَد جاهَدَ الحَيوانُ فيهِ
وَخَلَّفَ في الهَزيمَةِ حافِرَيهِ
وَأَسمَجُ مِنهُ في عَيني جُباةٌ
تَراهُم وَسطَهُ وَبِجانِبَيهِ
إِذا لاقَيتَ واحِدَهُم تَصَدّى
كَعِفريتٍ يُشيرُ بِراحَتَيهِ
وَيَمشي الصَدرُ فيهِ كُلَّ يَومٍ
بِمَوكِبِهِ السَنِيِّ وَحارِسَيهِ
وَلَكِن لا يَمُرُّ عَلَيهِ إِلّا
كَما مَرَّت يَداهُ بِعارِضَيهِ
وَمِن عَجَبٍ هُوَ الجِسرُ المُعَلّى
عَلى البُسفورِ يَجمَعُ شاطِئَيهِ
يُفيدُ حُكومَةَ السُلطانِ مالاً
وَيُعطيها الغِنى مِن مَعدِنَيهِ
يَجودُ العالَمونَ عَلَيهِ هَذا
بِعَشرَتِهِ وَذاكَ بِعَشرَتَيهِ
وَغايَةُ أَمرِهِ أَنّا سَمِعنا
لِسانَ الحالِ يُنشِدُنا لَدَيهِ
أَلَيسَ مِنَ العَجائِبِ أَنَّ مِثلي
يَرى ما قَلَّ مُمتَنِعاً عَلَيهِ
وَتُؤخَذُ بِاِسمِهِ الدُنيا جَميعاً
وَما مِن ذاكَ شَيءٌ في يَدَيهِ

يا كعبة العلم في الاسلام من قدم

يا كعبة العلم في الإسلام من قدم
لا يزعجنّك إعصار الأباطيل
إن كان قومك قد جاروا عليك وقد
جاءوا لهدمك في جيش الزغاليل
فقد مضت سننة العادين إذا حصروا ال
بيت الحرام فردّوا كالهماليل
الله أرسل طيراً بين أرجلها
قنابل الصخر ترمى صاحب الفيل
للدّين والبيت رب لا يقاومه
حمر الثياب ولا سود الأساطيل

ممات في المواكب ام حياة

مَماتٌ في المَواكِبِ أَم حَياةُ
وَنَعشٌ في المَناكِبِ أَم عِظاتُ
وَيَومُكَ في البَرِيَّةِ أَم قِيامٌ
وَمَوكِبُكَ الأَدِلَّةُ وَالشِياتُ
وَخَطبُكَ يا رِياضُ أَمِ الدَواهي
عَلى أَنواعِها وَالنازِلاتُ
يُجِلُّ الخَطبُ في رَجُلٍ جَليلٍ
وَتَكبُرُ في الكَبيرِ النائِباتُ
وَلَيسَ المَيتُ تَبكيهِ بِلادٌ
كَمَن تَبكي عَلَيهِ النائِحاتُ
وَهَل تَلقى مَناياها الرَواسي
فَتَهوي ثُمَّ تُضمِرُها فَلاةُ
وَتُكسَرُ في مَراكِزِها العَوالي
وَتُدفَنُ في التُرابِ المُرهَفاتُ
وَيُغشى اللَيثُ في الغاباتِ ظُهراً
وَكانَت لا تَقَرُّ بِها الحَصاةُ
وَيَرمي الدَهرُ نادِيَ عَينِ شَمسٍ
وَلا يَحمي لِوائَهُمُ الرُماةُ
أَجَل حُمِلَت عَلى النَعشِ المَعالي
وَوسِّدَتِ التُرابَ المَكرُماتُ
وَحُمِّلَتِ المَدافِعُ رُكنَ سِلمٍ
يُشَيِّعُهُ الفَوارِسُ والمُشاةُ
وَحَلَّ المَجدُ حُفرَتَهُ وَأَمسى
يُطيفُ بِهِ النَوائِحُ وَالبُكاةُ
هَوى عَن أَوجِ رِفعَتِهِ رِياضٌ
وَحازَتهُ القُرونُ الخالِياتُ
كَأَن لَم يَملَإِ الدُنيا فِعالاً
وَلا هَتَفَت بِدَولَتِهِ الرُواةُ
نَعاهُ البَرقُ مُضطَرِباً فَماجَت
نُجومٌ في السَماءِ مُحَلِّقاتُ
كَأَنَّ الشَمسَ قَد نُعِيَت عِشاءً
إِلَيها فَهيَ حَسرى كاسِفاتُ
صَحيفَةُ غابِرٍ طُوِيَت وَوَلَّت
عَلى آثارِ مَن دَرَجوا وَفاتوا
يَقولُ الآخَرونَ إِذا تَلَوها
كَذَلِكَ فَليَلِدنَ الأُمَّهاتُ
جَزى اللَهُ الرِضا أَبَوَي رِياضٍ
هُما غَرَسا وَلِلوَطَنِ النَباتُ
بَنو الدُنيا عَلى سَفَرٍ عَقيمٍ
وَأَسفارُ النَوابِغِ مُرجَعاتُ
أَرى الأَمواتَ يَجمَعُهُم نُشورٌ
وَكَم بُعِثَ النَوابِغُ يَومَ ماتوا
صَلاحُ الأَرضِ أَحياءٌ وَمَوتى
وَزينَتُها وَأَنجُمُها الهُداةُ
قَرائِحُهُم وَأَيدِيَهِم عَلَيها
هُدىً وَيَسارَةٌ وَمُحَسَّناتُ
فَلَو طُلِبَت لَهُم دِيَةٌ لَقالَت
كُنوزُ الأَرضِ نَحنُ هِيَ الدِياتُ
أَبا الوَطَنِ الأَسيفِ بَكَتكَ مِصرُ
كَما بَكَتِ الأَبَ الكَهفَ البَناتُ
قَضَيتَ لَها الحُقوقَ فَتىً وَكَهلاً
وَيَومَ كَبُرتَ وَاِنحَنَتِ القَناةُ
وَيَومَ النَهيُ لِلأُمَراءِ فيها
وَيَومَ الآمِرونَ بِها العُصاةُ
فَكُنتَ عَلى حُكومَتِها سِراجاً
إِذا بَسَطَت دُجاها المُشكِلاتُ
يَزيدُ الشَيبُ نَفسَكَ مِن حَياةٍ
إِذا نَقَصَت مَعَ الشَيبِ الحَياةُ
وَتَملَأُكَ السُنونَ قِوىً وَعَزماً
إِذا قيلَ السِنونُ مُثَبِّطاتُ
كَسَيفِ الهِندِ أَبلى حينَ فُلَّت
وَرَقَّت صَفحَتاهُ وَالظُباتُ
رَفيعُ القَدرِ بِالأَمصارِ يُرني
كَما نَظَرَت إِلى النَجمِ السُراةُ
كَأَنَّكَ في سَماءِ المُلكِ يَحيى
وَآلُكَ في السَماءِ النَيِّراتِ
تَسوسُ الأَمرَ لا يُعطي نَفاذاً
عَلَيكَ الآمِرونَ وَلا النُهاةُ
إِذا الوُزَراءُ لَم يُعطوا قِياداً
نَبَذتُهُمُ كَأَنَّهُمُ النَواةُ
زَماعٌ في اِنقِباضٍ في اِختِيالٍ
كَذَلِكَ كانَ بِسمَركُ النُباتُ
صِفاتٌ بَلَّغَتكَ ذُرى المعالي
كَذَلِكَ تَرفَعُ الرَجُلَ الصِفاتُ
وَجَدتَ المَجدَ في الدُنيا لِواءً
تَلَقّاهُ المَقاديمُ الأُباةُ
وَيَبقى الناسُ ما داموا رَعايا
وَيَبقى المُقدِمونَ هُمُ الرُعاةُ
رِياضُ طَوَيتَ قَرناً ما طَوَتهُ
مَعَ المَأمونِ دِجلَةُ وَالفُراتُ
تَمَنَّت مِنهُ أَيّاماً تَحَلّى
بِها الدُوَلُ الخَوالي الباذِخاتُ
وَوَدَّ القَيصَرانِ لَوَ أَنَّ روما
عَلَيها مِن حَضارَتِهِ سِماتُ
حَباكَ اللَهُ حاشِيَتيهِ عُمراً
وَأَعمارُ الكِرامِ مُبارَكاتُ
فَقُمتَ عَلَيهِ تَجرِبَةً وَخُبراً
وَمَدرَسَةُ الرِجالِ التَجرِباتُ
تَمُرُّ عَلَيكَ كَالآياتِ تَترى
صَنائِعُ أَهلِهِ وَالمُحدَثاتُ
فَأَدرَكتَ البُخارَ وَكانَ طِفلاً
فَشَبَّ فَبايَعَتهُ الصافِناتُ
تُجابُ عَلى جَناحَيهِ الفَيافي
وَتَحكِمُ في الرِياحِ المُنشَآتُ
وَيُصعِدُ في السَماءِ عَلى بُروجٍ
غَداً هِيَ في العالَمِ بارِجاتُ
وَبَينا الكَهرُباءُ تُعَدُّ خَرقاً
إِذا هِيَ كُلَّ يَومٍ خارِقاتُ
وَدانَ البَحرُ حَتّى خيضَ عُمقاً
وَقيدَت بِالعِنانِ السافِياتِ
وَبُلِّغَتِ الرَسائِلُ لا جَناحٌ
يَجوبُ بِها البِحارَ وَلا أَداةُ
كَأَنَّ القُطرَ حينَ يُجيبُ قُطراً
ضَمائِرُ بَينَها مُتَناجِياتُ
رَهينَ الرَمسِ حَدَّثَني مَلِيّاً
حَديثَ المَوتِ تَبدُ لِيَ العِظاتُ
هُوَ الخَبَرُ اليَقينُ وَما سِواهُ
أَحاديثُ المُنى وَالتُرَّهاتُ
سَأَلتُكَ ما المَنِيَّةُ أَيُّ كَأسٍ
وَكَيفَ مَذاقُها وَمَنِ السُقاةُ
وَماذا يوجِسُ الإِنسانُ مِنها
إِذا غَصَّت بِعَلقَمِها اللَهاةُ
وَأَيُّ المَصرَعَينِ أَشَدُّ مَوتٌ
عَلى عِلمٍ أَمِ المَوتُ الفَواتُ
وَهَل تَقَعُ النُفوسُ عَلى أَمانٍ
كَما وَقَعَت عَلى الحَرَمِ القَطاةُ
وَتَخلُدُ أَم كَزَعمِ القَولِ تَبلى
كَما تَبلى العِظامُ أَوِ الرُفاتُ
تَعالى اللَهُ قابِضُها إِلَيهِ
وَناعِشُها كَما اِنتَعَشَ النَباتُ
وَجازيها النَعيمَ حِمىً أَميناً
وَعَيشاً لا تُكَدِّرُهُ أَذاةُ
أَمِثلُكَ ضائِقٌ بِالحَقِّ ذَرعاً
وَفي بُردَيكَ كانَ لَهُ حُماةُ
أَلَيسَ الحَقُّ أَنَّ العَيشَ فانٍ
وَأَنَّ الحَيَّ غايَتُهُ المَماتُ
فَنَم ما شِئتَ لا توحِشكَ دُنيا
وَلا يَحزُنكَ مِن عَيشٍ فَواتُ
تَصَرَّمَتِ الشَبيبَةُ وَاللَيالي
وَغابَ الأَهلُ وَاِحتَجَّتِ اللِدّاتُ
خَلَت حِلمِيَّةٌ مِمَّن بَناها
فَكَيفَ البَيتُ حَولَكَ وَالبَناتُ
أَفيهِ مِنَ المَحَلَّةِ قوتُ يَومٍ
وَمِن نِعَمٍ مَلَأنَ الطَودَ شاةُ
وَهَل لَكَ مِن حَريرَهُما وِسادٌ
إِذا خَشُنَت لِجَنبَيكَ الصَفاةُ
تَوَلّى الكُلُّ لَم يَنفَعكَ مِنهُ
سِوى ما كانَ يَلتَقِطُ العُفاةُ
عِبادُ اللَهِ أَكرَمُهُم عَلَيهِ
كِرامٌ في بَرِيَّتِهِ أُساةُ
كَمائِدَةِ المَسيحِ يَقومُ بُؤسٌ
حَوالَيها وَتَقعُدُ بائِساتُ
أَخَذتُكَ في الحَياةِ عَلى هَناتٍ
وَأَيُّ الناسِ لَيسَ لَهُ هَناتُ
فَصَفحاً في التُرابِ إِذا اِلتَقَينا
وَلو شِيَتِ العَداوَةُ وَالتَراتُ
خُلِقتُ كَأَنّي عيسى حَرامٌ
عَلى قَلبي الضَغينَةُ وَالشَماتُ
يُساءُ إِلَيَّ أَحياناً فَأَمضي
كَريماً لا أَقوتُ كَما أُقاتُ
وَعِندِيَ لِلرِجالِ وَإِن تَجافوا
مَنازِلُ في الحَفاوَةِ لا تُفاتُ
طَلَعتَ عَلى النَدى بِعَينِ شَمسٍ
فَوافَتها بِشَمسَينِ الغَداةُ
عَلى ما كانَ يَندو القَومُ فيها
تَوافى الجَمعُ وَاِئتَمَرَ السُراةُ
تَمَلَّكَهُم وَقارُكَ في خُشوعٍ
كَما نَظَمَت مُقيميها الصَلاةُ
رَأَيتَ وُجوهَ قَومِكَ كَيفَ جَلَّت
وَكَيفَ تَرَعرَعَت مِصرُ الفَتاةُ
أُجيلَ الرَأيُ بَينَ يَدَيكَ حَتّى
تَبَيَّنَتِ الرَزانَةُ وَالحَصاةُ
وَأَنتَ عَلى أَعِنَّتِهِم قَديرٌ
وَهُم بِكَ في الَّذي تَقضي حُفاةُ
إِذا أَبدى الشَبابُ هَوىً وَزَهواً
أَشارَ إِلَيهِ حِلمُكَ وَالأَناةُ
فَهَلّا قُمتَ في النادي خَطيباً
لَكَ الكَلِمُ الكِبارُ الخالِداتُ
تُفَجِّرُ حِكمَةَ التِسعينِ فيهِ
فَآذانُ الشَبيبَةِ صادِياتُ
تَقولُ مَتى أَرى الجيرانَ عادوا
وَضُمَّ عَلى الإِخاءِ لَهُم شَتاتُ
وَأَينَ أولو النُهى مِنّا وَمِنهُم
عَسى يَأسونَ ما جَرَحَ الغُلاةُ
مَشَت بَينَ العَشيرَةِ رُسلُ شَرٍّ
وَفَرَّقَتِ الظُنونَ السَيِّئاتُ
إِذا الثِقَةُ اِضمَحَلَّت بَينَ قَومٍ
تَمَزَّقَتِ الرَوابِطُ وَالصِلاتُ
فَثِق فَعَسى الَّذينَ اِرتَبتَ فيهِم
عَلى الأَيّامِ إِخوانٌ ثِقاتُ
وَرُبَّ مُحَبَّبٍ لا صَبرَ عَنهُ
بَدَت لَكَ في مَحَبَّتِهِ بَداةُ
وَمَكروهٍ عَلى أَخَذاتِ ظَنٍّ
تُحَبِّبُهُ إِلَيكَ التَجرُباتُ
بَني الأَوطانِ هُبّوا ثُمَّ هُبّوا
فَبَعضُ المَوتِ يَجلِبُهُ السُباتُ
مَشى لِلمَجدِ خَطفَ البَرقِ قَومٌ
وَنَحنُ إِذا مَشَينا السُلحُفاةُ
يُعِدّونَ القُوى بَرّاً وَبَحراً
وَعُدَّتُنا الأَماني الكاذِباتُ

سر يا صليب الرفق في ساح الوغي

سِر يا صَليبَ الرِفقِ في ساحِ الوَغى
وَاِنشُر عَلَيها رَحمَةً وَحَنانا
وَاِدخِل عَلى المَوتِ الصُفوفَ مُواسِياً
وَأَعِن عَلى آلامِهِ الإِنسانا
وَاِلمُس جِراحاتِ البَرِيَّةِ شافِياً
ما كُنتَ إِلّا لِلمَسيحِ بَنانا
وَإِذا الوَطيسُ رَمى الشَبابَ بِنارِهِ
خُض كَالخَليلِ إِلَيهُمُ النيرانا
وَاِجعَل وَسيلَتَكَ المَسيحَ وَأُمَّهُ
وَاِضرَع وَسَل في خَلقِهِ الرَحمانا
اللَهُ جارُكَ في عَوانٍ لَم تَهَب
لِلَّهِ لا بِيَعاً وَلا صُلبانا
وَسَلِمتَ يا حَرَمَ المَعارِكِ مِن يَدٍ
هَدَمَت لِسِلمِ العالَمينَ كَيانا
يا أَهلَ مِصرَ رَمى القَضاءُ بِلُطفِهِ
وَأَرادَ أَمراً بِالبِلادِ فَكانا
إِنَّ الَّذي أَمرُ المَمالِكِ كُلِّها
بِيَدَيهِ أَحدَثَ في الكِنانَةِ شانا
أَبقى عَلَيها عَرشَها في بُرهَةٍ
تَرمي العُروشَ وَتَنثُرُ التيجانا
وَكَسا البِلادَ سَكينَةً مِن أَهلِها
وَوَقى مِنَ الفِتَنِ العِبادَ وَصانا
أَوَما تَرَونَ الأَرضَ خُرِّبَ نِصفُها
وَدِيارُ مِصرٍ لا تَزالُ جِنانا
يَرعى كَرامَتَها وَيَمنَعُ حَوضَها
جَيشٌ يَعافُ البَغيَ وَالعُدوانا
كَجُنودِ عَمروٍ أَينَما رَكَزوا القَنا
عَفّوا يَداً وَمُهَنَّداً وَسِنانا
إِنَّ الشُجاعَ هُوَ الجَبانُ عَنِ الأَذى
وَأَرى الجَريءَ عَلى الشُرورِ جَبانا
أُمَمُ الحَضارَةِ أَنتُمُ آباؤُنا
مِنكُم أَخَذنا العِلمَ وَالعِرفانا
رَقَّت لَكُم مِنّا القُلوبُ كَأَنَّما
جَرحاكُمُ يَومَ الوَغى جَرحانا
وَمِنَ المُروءَةِ وَهيَ حائِطُ دينِنا
أَن نَذكُرَ الإِصلاحَ وَالإِحسانا
وَلَئِن غَزاكُم مِن ذَوينا مَعشَرٌ
فَلَرُبَّ إِخوانٍ عَزَوا إِخوانا
حَتّى إِذا الشَحناءُ نامَت بَينَهُم
لَم يَعرِفوا الأَحقادَ وَالأَضغانا

منتزه العباس للمجتلي

مُنتَزَهُ العَبّاسِ لِلمُجتَلى
آمَنتُ بِاللَهِ وَجَنّاتِهِ
العَيشُ فيهِ لَيسَ في غَيرِهِ
يا طالِبَ العَيشِ وَلَذّاتِهِ
قُصورُ عِزٍّ باذِخاتُ الذُرى
يَوَدُّها كِسرى مَشيداتِهِ
مِن كُلِّ راسي الأَصلِ تَحتَ الثَرى
مُحيرَ النَجمِ بِذِرواتِهِ
دارَت عَلى البَحرِ سَلاليمُهُ
فَبِتنَ أَطواقاً لِلَبّاتِهِ
مُنتَظِماتٌ مائِجاتٌ بِهِ
مُنَمَّقاتٌ مِثلَ لُجّاتِهِ
مِنَ الرُخامِ الندرِ لَكِنَّها
تُنازِعُ الجَوهَرَ قيماتِهِ
مِن عَمَلِ الإِنسِ سِوى أَنَّها
تُنسي سُلَيمانَ وَجِنّاتِهِ
وَالريحُ في أَبوابِهِ وَالجَوا
ري مائِلاتٌ دونَ ساحاتِهِ
وَغابُهُ مَن سارَ في ظِلِّها
يَأتي عَلى البُسفورِ غاباتِهِ
بِالطولِ وَالعَرضِ تُباهي فَذا
وافٍ وَهَذا عِندَ غاياتِهِ
وَالرَملُ حالٍ بِالضُحى مَذهَبٌ
يُصَدِّئُ الظِلُّ سَبيكاتِهِ
وَتُرعَةٌ لَو لَم تَكُن حُلوَةً
أَنسَت لِمَرتينَ بُحَيراتِهِ
أَو لَم تَكُن ثَمَّ حَياةَ الثَرى
لَم تُبقِ في الوَصفِ لِحَيّاتِهِ
وَفي فَمِ البَحرِ لِمَن جاءَهُ
لِسانُ أَرضٍ فاقَ فُرضاتِهِ
تَنحَشِدُ الطَيرُ بِأَكنافِهِ
وَيَجمَعُ الوَحشُ جَماعاتِهِ
مِن مِعزٍ وَحشِيَّةٍ إِن جَرَت
أَرَت مِنَ الجَريِ نِهاياتِهِ
أَو وَثَبَت فَالنَجمُ مِن تَحتِها
وَالسورُ في أَسرِ أَسيراتِهِ
وَأَرنَبٌ كَالنَملِ إِن أُحصِيَت
تَنبُتُ في الرَملِ وَأَبياتِهِ
يَعلو بِها الصَيدُ وَيَعلو إِذا
ما قَيصَرٌ أَلقى حِبالاتِهِ
وَمِن ظِباءٍ في كِناساتِها
تَهيجُ لِلعاشِقِ لَوعاتِهِ
وَالخَيلُ في الحَيِّ عِراقِيَّةٌ
تَحمي وَتُحمى في بُيوتاتِهِ
غُرٌّ كَأَيّامِ عَزيزِ الوَرى
مُحَجَّلاتٌ مِثلَ أَوقاتِهِ

انما المبلغ الذي قلت عنه

إنما المبلغ الذي قلت عنه
لك لم يبق منه غير القليل
أخذ البيك نصف ذلك مني
لاصطناع الرفاق عند الرحيل
وأتاني محمد أخذ الرب
ع ببأس حلو وعنف جميل
وصرفنا ثلاثة وبما يبق
قى نرجِّى قضاء دين ثقيل
وأنا اليوم قد كبرت فمالي
في الوكالات فابحثي عن وكيل

لقد وافتني البشري

لَقَد وافَتنِيَ البُشرى
وَأُنبِئتُ بِما سَرّا
وَقالوا عَنكَ لي أَمسِ
رَبِحتَ النِمرَةَ الكُبرى
فَيا مُطرانُ ما أَولى
وَيا مُطرانُ ما أَحرى
لَقَد أَقبَلَتِ الدُنيا
فَلا تَجزَع عَلى الأُخرى
أَخَذتَ الصِفرَ بِاليُمنى
وَكانَ الصِفرُ بِاليُسرى
وَكانَت فِضَّةً بيضاً
فَصارَت ذَهَباً صُفرا
وَقالَ البَعضُ أَلفَينِ
وَقالوا فَوقَ ذا قَدرا