انا من خمسة وعشرين عاما

أَنا مِن خَمسَةٍ وَعِشرينَ عاما
لَم أُرِح في رِضاكُمُ الأَقداما
أَركَبُ البَحرَ تارَةً وَأَجوبُ ال
بَرَّ طَوراً وَأَقطَعُ الأَيّاما
وَيُوافي النُفوسَ مِنّي رَسولٌ
لَم يَكُن خائِناً وَلا نَمّاما
يَحمِلُ الغِشَّ وَالنَصيحَةَ وَالبَغضا
ءَ وَالحُبَّ وَالرِضى وَالمَلاما
وَيَعي ما تُسِرُّهُ مِن كَلامٍ
وَيُؤَدّي كَما وَعاهُ الكَلاما
وَلَقَد أُضحِكُ العَبوسَ بِيَومٍ
فيهِ أُبكي المُنَعَّمَ البَسّاما
وَأُهَنّي عَلى النَوى وَأُعَزّي
وَأُفيدُ الحِرمانَ وَالإِنعاما
وَجَزائِيَ عَن خِدمَتي وَوَفائي
ثَمَنٌ لا يُكَلِّفُ الأَقواما
رُبَّ عَبدٍ قَدِ اِشتَراني بِمالٍ
وَغُلامٍ قَد ساقَ مِنّي غُلاما
عَرَفَ القَومُ في جِنيفا مَحَلّي
وَجَزَوني عَن خِدمَتي إِكراما
جامَلوني إِذ تَمَّ لي رُبعُ قَرنٍ
مِثلَما جامَلوا المُلوكَ العِظاما
وَيوبيلُ المُلوكِ يَلبَثُ يَوماً
وَيوبيلي يَدومُ في الناسِ عاما

الحيوان خلق له عليك حق

الحَيوانُ خَلقُ
لَهُ عَلَيكَ حَقُّ
سَخَّرَهُ اللَهُ لَكا
وَلِلعِبادِ قَبلَكا
حَمولَةُ الأَثقالِ
وَمُرضِعُ الأَطفالِ
وَمُطعِمُ الجَماعَه
وَخادِمُ الزِراعَه
مِن حَقِّهِ أَن يُرفَقا
بِهِ وَأَلّا يُرهَقا
إِن كَلَّ دَعهُ يَستَرِح
وَداوِهِ إِذا جُرِح
وَلا يَجُع في دارِكا
أَو يَظمَ في جِوارِكا
بَهيمَةٌ مِسكينُ
يَشكو فَلا يُبينُ
لِسانُهُ مَقطوعُ
وَما لَهُ دُموعُ

يا ساكني مصر

يا ساكني مصر إنا لا نزال على
عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينا
هلا بعثتم لنا من ماء نهركم
شيئا نبل به أحشاء صادينا
كل المناهل بعد النيل آسنة
ما أبعد النيل إلا عن أمانينا

يا مكس دنياك عاره

يا مكس دنياك عاره
والموت كأس مداره
والدهر يوما ويوما
والحال طورا وتاره
والعيش زهر ربيع
قصير عمر النضارة
إذا بلغن التراقى
فكل ربح خساره
يا مكس قل لي أحق
قد وسّدوك الحجارة
وغيبوك طويلا
أشمَّ مثل المناره
عن أبيض الهند سلوالـ
ـعريش والجراره
ألم تكن وطنيا
بكل معنى العباره
فكم شهدت قتالا
وكم تورّدت غاره
وكم لبست صليبا
على الجبين وشاره
وكم نقلت جريحا
فمات بالاستشاره
يا مكس عشت نقيا
ومت خِذن طهاره
ما ضج منك زقاق
ولا اشتكت منك حاره
وما عضضت بحار
ولا هممت بجاره
ولا اشتملت جِلالا
على الخنا والدعاره
قد عشت في البيت عمرا
وليس في البيت فاره
في الهند كل فقير
هدّ الصيام فقاره
في الجو تخفى عليه
طريقك المختاره
لما جفاك ابن سينا
وهام بالسيارة
تفر منه وتجرى
كالنحلة الدوّاره
فلا إلى البوق تصغى
ولا إلى الزماره
وقد تهتّك فيها
حتى أضاع وقاره
حملت من ذاك غما
أذاب منك المراره
حتى انتحرت جريئا
والانتحار جساره
أرسلت رأسك يهوى
من ربوة لقراره

لك ان تلوم ولي من الاعذار

لَكَ أَن تَلومَ وَلي مِنَ الأَعذارِ
أَنَّ الهَوى قَدَرٌ مِنَ الأَقدارِ
ما كُنتُ أَسلَمُ لِلعُيونِ سَلامَتي
وَأُبيحُ حادِثَةَ الغَرامِ وَقاري
وَطَرٌ تَعَلَّقَهُ الفُؤادُ وَيَنقَضي
وَالنَفسُ ماضِيَةٌ مَعَ الأَوطارِ
يا قَلبُ شَأنَكَ لا أَمُدُّكَ في الهَوى
أَبَداً وَلا أَدعوكَ لِلإِقصارِ
أَمري وَأَمرُكَ في الهَوى بِيَدِ الهَوى
لَو أَنَّهُ بِيَدي فَكَكتُ إِساري
جارِ الشَبيبَةَ وَاِنتَفِع بِجِوارِها
قَبلَ المَشيبِ فَما لَهُ مِن جارِ
مَثَلُ الحَياةِ تُحَبُّ في عَهدِ الصِبا
مَثَلُ الرِياضِ تُحَبُّ في آذارِ
أَبَداً فروقُ مِنَ البِلادِ هِيَ المُنى
وَمُنايَ مِنها ظَبيَةٌ بِسِوارِ
مَمنوعَةٌ إِلّا الجَمالَ بِأَسرِهِ
مَحجوبَةٌ إِلّا عَنِ الأَنظارِ
خُطُواتُها التَقوى فَلا مَزهُوَّةٌ
تَمشي الدَلالَ وَلا بِذاتِ نِفارِ
مَرَّت بِنا فَوقَ الخَليجِ فَأَسفَرَت
عَن جَنَّةٍ وَتَلَفَّتَت عَن نارِ
في نِسوَةٍ يورِدنَ مَن شِئنَ الهَوى
نَظَراً وَلا يَنظُرنَ في الإِصدارِ
عارَضتُهُنَّ وَبَينَ قَلبِيَ وَالهَوى
أَمرٌ أُحاوِلُ كَتمَهُ وَأُداري

ذاد الكري عن مقلتيك حمام

ذادَ الكَرى عَن مُقلَتَيكَ حِمامُ
لَبّاهُ شَوقٌ ساهِرٌ وَغَرامُ
حَيرانُ مَشبوبُ المَضاجِعِ لَيلُهُ
حَربٌ وَلَيلُ النائِمينَ سَلامُ
بَينَ الدُجى لَكُما وَعادِيَةِ الدُجى
مُهَجٌ تُؤَلِّفُ بينَها الأَسقامُ
تَتَعاوَنانِ وَلِلتَعاوُنِ أُمَّةٌ
لا الدَهرُ يَخذُلُها وَلا الأَيّامُ
يا أَيُّها الطَيرُ الكَثيرُ سَميرُهُ
هَل ريشَةٌ لِجَناحيهِ فَيُقامُ
عانَقتَ أَغصاناً وَعانَقتُ الجَوى
وَشَكَوتَ وَالشَكوى عَلَيَّ حَرامُ
أَمُحَرِّمَ الأَجفانِ إِدناءَ الكَرى
يَهنيكَ ما حَرَّمَت حينَ تَنامُ
حاوَلنَ إِلى خَيالِكَ سُلَّماً
لَو سامَحَت بِخَيالِكَ الأَحلامُ
فَأذَن لِطَيفِكَ أَن يُلِمَّ مُجامِلاً
وَمُؤَمَلٌ مِن طَيفِكَ الإِلمامُ

يا مذنبا كل يوم نحو مغرمه

يا مذنبا كل يوم نحو مغرمه
أذنب كما شئت قلبي عنك معتذر
ذهبت من عاذل قاس بداهية
فلست تعلم ما تأتي وما تذر

قم في فم الدنيا وحي الازهرا

قُم في فَمِ الدُنيا وَحَيِّ الأَزهَرا
وَاِنثُر عَلى سَمعِ الزَمانِ الجَوهَرا
وَاِجعَل مَكانَ الدُرِّ إِن فَصَّلتَهُ
في مَدحِهِ خَرَزَ السَماءِ النَيِّرا
وَاِذكُرهُ بَعدَ المَسجِدَينِ مُعَظِّماً
لِمَساجِدِ اللَهِ الثَلاثَةِ مُكبِرا
وَاِخشَع مَلِيّاً وَاِقضِ حَقَّ أَئِمَّةٍ
طَلَعوا بِهِ زُهراً وَماجوا أَبحُرا
كانوا أَجَلَّ مِنَ المُلوكِ جَلالَةً
وَأَعَزَّ سُلطاناً وَأَفخَمَ مَظهَرا
زَمَنُ المَخاوِفِ كانَ فيهِ جَنابُهُم
حَرَمَ الأَمانِ وَكانَ ظِلُّهُمُ الذَرا
مِن كُلِّ بَحرٍ في الشَريعَةِ زاخِرٍ
وَيُريكَهُ الخُلُقُ العَظيمُ غَضَنفَرا
لا تَحذُ حَذوَ عِصابَةٍ مَفتونَةٍ
يَجِدونَ كُلَّ قَديمِ شَيءٍ مُنكَرا
وَلَوِ اِستَطاعوا في المَجامِعِ أَنكَروا
مَن ماتَ مِن آبائِهِم أَو عُمِّرا
مِن كُلِّ ماضٍ في القَديمِ وَهَدمِهِ
وَإِذا تَقَدَّمَ لِلبِنايَةِ قَصَّرا
وَأَتى الحَضارَةَ بِالصِناعَةِ رَثَّةً
وَالعِلمِ نَزراً وَالبَيانِ مُثَرثِرا
يا مَعهَداً أَفنى القُرونَ جِدارُهُ
وَطَوى اللَيالِيَ رَكنُهُ وَالأَعصُرا
وَمَشى عَلى يَبَسِ المَشارِقِ نورُهُ
وَأَضاءَ أَبيَضَ لُجِّها وَالأَحمَرا
وَأَتى الزَمانُ عَلَيهِ يَحمي سُنَّةً
وَيَذودُ عَن نُسُكٍ وَيَمنَعُ مَشعَرا
في الفاطِمِيّينَ اِنتَمى يَنبوعُهُ
عَذبَ الأُصولِ كَجَدِّهِم مُتَفَجِّرا
عَينٌ مِنَ الفُرقانِ فاضَ نَميرُها
وَحياً مِنَ الفُصحى جَرى وَتَحَدَّرا
ما ضَرَّني أَن لَيسَ أُفقُكَ مَطلَعي
وَعَلى كَواكِبِهِ تَعَلَّمتُ السُرى
لا وَالَّذي وَكَلَ البَيانَ إِلَيكَ لَم
أَكُ دونَ غاياتِ البَيانِ مُقَصِّرا
لَمّا جَرى الإِصلاحُ قُمتَ مُهَنِّئاً
بِاِسمِ الحَنيفَةِ بِالمَزيدِ مُبَشِّرا
نَبَأٌ سَرى فَكَسا المَنارَةَ حَبرَةً
وَزَها المُصَلّى وَاِستَخَفَّ المِنبَرا
وَسَما بِأَروِقَةِ الهُدى فَأَحَلَّها
فَرعَ الثُرَيّا وَهيَ في أَصلِ الثَرى
وَمَشى إِلى الحَلَقاتِ فَاِنفَجَرَت لَهُ
حَلقاً كَهالاتِ السَماءِ مُنَوِّرا
حَتّى ظَنَنّا الشافِعِيَّ وَمالِكاً
وَأَبا حَنيفَةِ وَاِبنَ حَنبَلِ حُضَّرا
إِنَّ الَّذي جَعَلَ العَتيقَ مَثابَةً
جَعَلَ الكِنانِيَّ المُبارَكَ كَوثَرا
العِلمُ فيهِ مَناهِلاً وَمَجانِياً
يَأتي لَهُ النُزّاعُ يَبغونَ القِرى
يا فِتيَةَ المَعمورِ سارَ حَديثُكُم
نَدّاً بِأَفواهِ الرِكابِ وَعَنبَرا
المَعهَدُ القُدسِيُّ كانَ نَدِيُّهُ
قُطباً لِدائِرَةِ البِلادِ وَمِحوَرا
وُلِدَت قَضِيَّتُها عَلى مِحرابِهِ
وَحَبَت بِهِ طِفلاً وَشَبَّت مُعصِرا
وَتَقَدَّمَت تُزجي الصُفوفَ كَأَنَّها
جاندَركُ في يَدِها اللِواءُ مُظَفَّرا
هُزّوا القُرى مِن كَهفِها وَرَقيمِها
أَنتُم لَعَمرُ اللَهِ أَعصابُ القُرى
الغافِلُ الأُمِّيُّ يَنطُقُ عِندَكُم
كَالبَبَّغاءِ مُرَدِّداً وَمُكَرِّرا
يُمسي وَيُصبِحُ في أَوامِرِ دينِهِ
وَأُمورِ دُنياهُ بِكُم مُستَبصِرا
لَو قُلتُمُ اِختَر لِلنِيابَةِ جاهِلاً
أَو لِلخَطابَةِ باقِلاً لَتَخَيَّرا
ذُكِرَ الرِجالُ لَهُ فَأَلَّهَ عُصبَةً
مِنهُم وَفَسَّقَ آخَرينَ وَكَفَّرا
آباؤُكُم قَرَأوا عَلَيهِ وَرَتَّلوا
بِالأَمسِ تاريخَ الرِجالِ مُزَوَّرا
حَتّى تَلَفَّتَ عَن مَحاجِرِ رَومَةٍ
فَرَأى عُرابي في المَواكِبِ قَيصَرا
وَدَعا لِمَخلوقٍ وَأَلَّهَ زائِلاً
وَاِرتَدَّ في ظُلَمِ العُصورِ القَهقَرى
وَتَفَيَّئوا الدُستورَ تَحتَ ظِلالِهِ
كَنَفاً أَهَشَّ مِنَ الرِياضِ وَأَنضَرا
لا تَجعَلوهُ هَوىً وَخُلقاً بَينَكُم
وَمَجَرَّ دُنيا لِلنُفوسِ وَمَتجَرا
اليَومَ صَرَّحَتِ الأُمورُ فَأَظهَرَت
ما كانَ مِن خُدَعِ السِياسَةِ مُضمَرا
قَد كانَ وَجهُ الرَأيِ أَن نَبقى يَداً
وَنَرى وَراءَ جُنودِها إِنكِلتِرا
فَإِذا أَتَتنا بِالصُفوفِ كَثيرَةً
جِئنا بِصَفٍّ واحِدٍ لَن يُكسَرا
غَضِبَت فَغَضَّ الطَرفَ كُلُّ مُكابِرٍ
يَلقاكَ بِالخَدِّ اللَطيمِ مُصَعَّرا
لَم تَلقَ إِصلاحاً يُهابُ وَلَم تَجِد
مِن كُتلَةٍ ما كانَ أَعيا مِلنَرا
حَظٌّ رَجَونا الخَيرَ مِن إِقبالِهِ
عاثَ المُفَرِّقُ فيهِ حَتّى أَدبَرا
دارُ النِيابَةِ هَيَّأَت دَرَجاتُها
فَليَرقَ في الدَرَجِ الذَوائِبُ وَالذُرا
الصارِخونَ إِذا أُسيءَ إِلى الحِمى
وَالزائِرونَ إِذا أُغيرَ عَلى الشَرى
لا الجاهِلونَ العاجِزونَ وَلا الأُلى
يَمشونَ في ذَهَبِ القُيودِ تَبَختُرا

كل يوم مهرجان كللوا

كُلَّ يَومٍ مِهرَجانٌ كَلَّلوا
فيهِ مَيتاً بِرَياحينَ الثَناء
لَم يُعَلِّم قَومَهُ حَرفاً وَلَم
يُضِىءِ الأَرضَ بِنورِ الكَهرُباء
جومِلَ الأَحياءُ فيهِ وَقَضى
شَهَواتَ أَهلِهِ وَالأَصدِقاء
ما أَضَلَّ الناسَ حَتّى المَوتُ لَم
يَخلُ مِن زورٍ لَهُم أَو مِن رِياء
إِنَّما يُبكى شُعاعٌ نابِغٌ
كُلَّما مَرَ بِهِ الدَهرُ أَضاء
مَلَأَ الأَفواهَ وَالأَسماعَ في
ضَجَّةِ المَحيا وَفي صَمتِ الفَناء
حائِطُ الفَنِّ وَباني رُكنِهِ
مَعبَدُ الأَلحانِ إِسحَقُ الغِناء
مِن أُناسٍ كَالدَراري جُدُدٍ
في سَمَواتِ اللَيالي قُدَماء
غَرَسَ الناسُ قَديماً وَبَنَوا
لَم يَدُم غَرسٌ وَلَم يَخلُد بِناء
غَيرَ غَرسٍ نابِغٍ أَو حَجَرٍ
عَبقَرِيٍّ فيهُما سِرُّ البَقاء
مِن يَدٍ مَوهوبَةٍ مُلهَمَةٍ
تَغرِسُ الإِحسانَ أَو تَبني العَلاء
بُلبُلٌ إِسكَندَرِيٌّ أَيكُهُ
لَيسَ في الأَرضِ وَلَكِن في السَماء
هَبَطَ الشاطِئَ مِن رابِيَةٍ
ذاتِ ظِلٍّ وَرَياحينَ وَماء
يَحمِلُ الفَنَّ نَميراً صافِياً
غَدَقَ النَبعِ إِلى جيلٍ ظِماء
حَلَّ في وادٍ عَلى فُسحَتِهِ
عَزَّتِ الطَيرُ بِهِ إِلّا الحِداء
يَملَأُ الأَسحارَ تَغريداً إِذا
صَرَفَ الطَيرَ إِلى الأَيكِ العِشاء
رُبَّما اِستَلهَمَ ظَلماءَ الدُجى
وَأَتى الكَوكَبَ فَاِستَوحى الضِياء
وَرَمى أُذَنيهِ في ناحِيَةٍ
يَخلِسُ الأَصواتَ خَلسَ البَبَّغاء
فَتَلَقّى فيهِما ما راعَهُ
مِن خَفِيِّ الهَمسِ أَو جَهرِ النِداء
أَيُّها الدَرويشُ قُم بُثَّ الجَوى
وَاِشرَحِ الحُبَّ وَناجِ الشُهَداء
اِضرِبِ العودَ تَفُه أَوتارُهُ
بِالَّذي تَهوى وَتَنطِقُ ما تَشاء
حَرِّكِ النايَ وَنُح في غابِهِ
وَتَنَفَّس في الثُقوبِ الصُعَداء
وَاِسكُبِ العَبرَةَ في آماقِهِ
مِن تَباريحَ وَشَجوٍ وَعَزاء
وَاِسمُ بِالأَرواحِ وَاِدفَعها إِلى
عالَمِ اللُطفِ وَأَقطارِ الصَفاء
لا تُرِق دَمَعاً عَلى الفَنِّ فَلَن
يَعدِمَ الفَنُّ الرُعاةَ الأُمَناء
هُوَ طَيرُ اللَهِ في رَبوَتِهِ
يَبعَثُ الماءَ إِلَيهِ وَالغِذاء
رَوَّحَ اللهُ عَلى الدُنيا بِهِ
فَهيَ مِثلُ الدارِ وَالفَنُّ الفِناء
تَكتَسي مِنهُ وَمِن آذارِهِ
نَفحَةَ الطيبِ وَإِشراقِ البَهاء
وَإِذا ما حُرِمَت رِقَّتَهُ
فَشَتِ القَسوَةُ فيها وَالجَفاء
وَإِذا ما سَئِمَت أَو سَقِمَت
طافَ كَالشَمسِ عَلَيها وَالهَواء
وَإِذا الفَنُّ عَلى المُلكِ مَشى
ظَهَرَ الحُسنُ عَلَيهِ وَالرُواء
قَد كَسا الكَرنَكُ مِصراً ما كَسا
مِن سَنىً أَبلى اللَيالي وَسَناء
يُرسِلُ اللَهُ بِهِ الرُسلَ عَلى
فَتَراتٍ مِن ظُهورٍ وَخَفاء
كُلَّما أَدّى رَسولٌ وَمَضى
جاءَ مَن يوفي الرِسالاتِ الأَداء
سَيِّدَ الفَنِّ اِستَرِح مِن عالَمٍ
آخِرُ العَهدِ بِنُعماهُ البَلاء
رُبَّما ضِقتَ فَلَم تَنعَم بِهِ
وَسَرى الوَحيُ فَنَسّاكَ الشَقاء
لَقَدِ اِستَخلَفتَ فَنّاً نابِغاً
دَفَعَ الفَنُّ إِلَيهِ بِاللِواء
إِنَّ في مُلكِ فُؤادٍ بُلبُلاً
لَم يُتَح أَمثالُهُ لِلخُلَفاء
ناحِلٌ كَالكُرَةِ الصُغرى سَرى
صَوتُهُ في كُرَةِ الأَرضِ الفَضاء
يَستَحي أَن يَهتِفَ الفَنُ بِهِ
وَجَمالُ العَبقَرِيّاتِ الحَياء

تلك الطبيعة قف بنا يا ساري

تلك الطبيعة ُ، قِف بنا يا ساري
حتى أُريكَ بديعَ صُنْعِ الباري
الأَرضُ حولك والسماءُ اهتزَّت
لروائع الآياتِ والآثار
من كلّ ناطقة ِ الجلال، كأَنه
أُمُّ الكتاب على لسان القاري