علي قدر الهوي ياتي العتاب

عَلى قَدرِ الهَوى يَأتي العِتابُ
وَمَن عاتَبتُ يَفديهِ الصِحابُ
أَلومُ مُعَذِبي فَأَلومُ نَفسي
فَأُغضِبُها وَيُرضيها العَذابُ
وَلَو أَنّي اِستَطَعتُ لَتُبتُ عَنهُ
وَلَكِن كَيفَ عَن روحي المَتابُ
وَلي قَلبٌ بِأَن يَهوى يُجازى
وَمالِكُهُ بِأَن يَجني يُثابُ
وَلَو وُجِدَ العِقابُ فَعَلتُ لَكِن
نِفارُ الظَبيِ لَيسَ لَهُ عِقابُ
يَلومُ اللائِمونَ وَما رَأَوهُ
وَقِدماً ضاعَ في الناسِ الصَوابُ
صَحَوتُ فَأَنكَرَ السُلوانَ قَلبي
عَلَيَّ وَراجَعَ الطَرَبَ الشَبابُ
كَأَنَّ يَدَ الغَرامِ زِمامُ قَلبي
فَلَيسَ عَلَيهِ دونَ هَوىً حِجابُ
كَأَنَّ رِوايَةَ الأَشواقِ عَودٌ
عَلى بَدءٍ وَما كَمُلَ الكِتابُ
كَأَنِّيَ وَالهَوى أَخَوا مُدامٍ
لَنا عَهدٌ بِها وَلَنا اِصطِحابُ
إِذا ما اِعتَضتُ عَن عِشقٍ بِعِشقِ
أُعيدَ العَهدُ وَاِمتَدَّ الشَرابُ

بارض الجيزة اجتاز الغمام

بِأَرضِ الجيزَةِ اِجتازَ الغَمامُ
وَحَلَّ سَماءَها البَدرُ التَمامُ
وَزارَ رِياضَ إِسماعيلَ غَيثٌ
كَوالِدِهِ لَهُ المِنَنُ الجِسامُ
ثَنى عِطفَيهِما الهَرَمانِ تيهاً
وَقالَ الثالِثُ الأَدنى سَلامُ
حَلُمّي مَنفُ هَذا تاجُ خوفو
كَقُرصِ الشَمسِ يَعرِفُهُ الأَنامُ
نَمَتهُ مِن بَني فِرعَونَ هامٌ
وَمِن خُلَفاءِ إِسماعيلَ هامُ
تَأَلَّقَ في سَمائِكِ عَبقَرِيّاً
عَلَيهِ جَلالَةٌ وَلَهُ وِسامُ
تَرَعرَعَتِ الحَضارَةُ في حُلاهُ
وَشَبَّ عَلى جَواهِرِهِ النِظامُ
وَنالَ الفَنُّ في أُولى اللَيالي
وَأُخراهُنَّ عِزّاً لا يُرامُ
مَشى في جيزَةِ الفُسطاطِ ظِلٌّ
كَظِلِّ النيلِ بُلَّ بِهِ الأُوامُ
إِذا ما مَسَّ تُرباً عادَ مِسكاً
وَنافَسَ تَحتَهُ الذَهَبَ الرَغامُ
وَإِن هُوَ حَلَّ أَرضاً قامَ فيها
جِدارٌ لِلحَضارَةِ أَو دِعامُ
فَمَدرَسَةٌ لِحَربِ الجَهلِ تُبنى
وَمُستَشفى يُذادُ بِهِ السَقامُ
وَدارٌ يُستَغاثُ بِها فَيَمضي
إِلى الإِسعافِ أَنجادٌ كِرامُ
أُساةُ جِراحَةٍ حيناً وَحيناً
مَيازيبٌ إِذا اِنفَجَرَ الضِرامُ
وَأَحواضٌ يُراضُ النيلُ فيها
وَكُلُّ نَجيبَةٍ وَلَها لِجامُ
أَبا الفاروقِ أَقبَلنا صُفوفاً
وَأَنتَ مِنَ الصُفوفِ هُوَ الإِمامُ
إِلى البَيتِ الحَرامِ بِكَ اِتَّجَهنا
وَمِصرُ وَحَقَّها البَيتُ الحَرامُ
طَلَعتَ عَلى الصَعيدِ فَهَشَّ حَتّى
عَلا شَفَتَي أَبي الهَولُ اِبتِسامُ
ركابٌ سارَتِ الآمالُ فيهِ
وَطافَ بِهِ التَلَفُّتُ وَالزِحامُ
فَماذا في طَريقِكَ مِن كُفورٍ
أَجَلُّ مِنَ البُيوتِ بِها الرِجامُ
كَأَنَّ الراقِدينَ بِكُلِّ قاعٍ
هُمُ الأَيقاظُ وَاليَقظى النِيامُ
لَقَد أَزَمَ الزَمانُ الناسَ فَاِنظُر
فَعِندَكَ تُفرَجُ الإِزَمُ العِظامُ
وَبَعدَ غَدٍ يُفارِقُ عامُ بُؤسٍ
وَيَخلفُهُ مِنَ النَعماءِ عامُ
يَدورُ بِمِصرَ حالاً بَعدَ حالٍ
زَمانٌ ما لِحالَيهِ دَوامُ
وَمِصرُ بِناءُ جَدِّكَ لَم يُتَمَّم
أَلَيسَ عَلى يَدَيكَ لَهُ تَمامُ
فَلَسنا أُمَّةً قَعَدَت بِشَمسٍ
وَلا بَلَداً بِضاعَتُهُ الكَلامُ
وَلَكِن هِمَّةٌ في كُلِّ حينٍ
يَشُدُّ بِناءَها المَلِكُ الهُمامُ
نَرومُ الغايَةَ القُصوى فَنَمضي
وَأَنتَ عَلى الطَريقِ هُوَ الزِمامُ
وَنَقصرُ خُطوَةً وَنَمُدُّ أُخرى
وَتُلجِئُنا المَسافَةُ وَالمَرامُ
وَنَصبرُ لِلشَدائِدِ في مَقامٍ
وَيَغلِبُنا عَلى صَبرٍ مَقامُ
فَقَوِّ حَضارَةَ الماضي بِأُخرى
لَها زَهوٌ بِعَصرِكَ وَاِتِّسامُ
تَرفُّ صَحائِفُ البَردِيِّ فيها
وَيَنطُقُ في هَياكِلِها الرُخامُ
رَعَتكَ وَوادِياً تَرعاهُ عَنّا
مِنَ الرَحمَنِ عَينٌ لا تَنامُ
فَإِن يَكُ تاجُ مِصرَ لَها قِواماً
فَمِصرُ لِتاجِها العالي قِوامُ
لِتَهنَأ مِصرُ وَليَهنَأ بَنوها
فَبَينَ الرَأسِ وَالجِسمِ اِلتِئامُ

خلقنا للحياة وللممات

خُلِقنا لِلحَياةِ وَلِلمَماتِ
وَمِن هَذَينِ كُلُّ الحادِثاتِ
وَمَن يولَد يَعِش وَيَمُت كَأَن لَم
يَمُرَّ خَيالُهُ بِالكائِناتِ
وَمَهدُ المَرءِ في أَيدي الرَواقي
كَنَعشِ المَرءِ بَينَ النائِحاتِ
وَما سَلِمَ الوَليدُ مِنِ اِشتِكاءٍ
فَهَل يَخلو المُعَمَّرُ مِن أَذاةِ
هِيَ الدُنيا قِتالٌ نَحنُ فيهِ
مَقاصِدُ لِلحُسامِ وَلِلقَناةِ
وَكُلُّ الناسِ مَدفوعٌ إِلَيهِ
كَما دُفِعَ الجَبانُ إِلى الثَباتِ
نُرَوَّعُ ما نُرَوَّعُ ثُمَّ نُرمى
بِسَهمٍ مِن يَدِ المَقدورِ آتي
صَلاةُ اللَهِ يا تِمزارُ تَجزي
ثَراكِ عَنِ التِلاوَةِ وَالصَلاةِ
وَعَن تِسعينَ عاماً كُنتِ فيها
مِثلَ المُحسِناتِ الفُضلَياتِ
بَرَرتِ المُؤمِناتِ فَقالَ كُلُّ
لَعَلَّكِ أَنتِ أُمُّ المؤمِناتِ
وَكانَت في الفَضائِلِ باقِياتٌ
وَأَنتِ اليَومَ كُلُّ الباقِياتِ
تَبَنّاكِ المُلوكُ وَكُنتِ مِنهُم
بِمَنزِلَةِ البَنينِ أَوِ البَناتِ
يُظِلّونَ المَناقِبَ مِنكِ شَتّى
وَيُؤوُنَ التُقى وَالصالِحاتِ
وَما مَلَكوكِ في سوقٍ وَلَكِن
لَدى ظِلِّ القَنا وَالمُرهَفاتِ
عَنَنتِ لَهُم بِمورَةَ بِنتَ عَشرٍ
وَسَيفُ المَوتِ في هامِ الكُماةِ
فَكُنتِ لَهُم وَلِلرَحمَنِ صَيداً
وَواسِطَةً لِعِقدِ المُسلِماتِ
تَبِعتِ مُحَمَّداً مِن بَعدِ عيسى
لِخَيرِكِ في سِنيكِ الأولَياتِ
فَكانَ الوالِدانِ هُدىً وَتَقوى
وَكانَ الوِلدُ هَذي المُعجِزاتِ
وَلَو لَم تَظهَري في العُربِ إِلّا
بِأَحمَدَ كُنتِ خَيرَ الوالِداتِ
تَجاوَزتِ الوَلائِدَ فاخِراتٍ
إِلى فَخرِ القَبائِلِ وَاللُغاتِ
وَأَحكَمِ مَن تَحَكَّمَ في يَراعٍ
وَأَبلَغِ مَن تَبَلَّغَ مِن دَواةِ
وَأَبرَإِ مَن تَبَرَّأَ مِن عَداءٍ
وَأَنزَهِ مَن تَنَزَّهَ مِن شَماتِ
وَأَصوَنِ صائِنٍ لِأَخيهِ عِرضاً
وَأَحفَظِ حافِظٍ عَهدَ اللِداتِ
وَأَقتَلِ قاتِلٍ لِلدَهرِ خُبراً
وَأَصبَرِ صابِرٍ لِلغاشِياتِ
كَأَنّي وَالزَمانُ عَلى قِتالٍ
مُساجَلَةً بِمَيدانِ الحَياةِ
أَخافُ إِذا تَثاقَلَتِ اللَيالي
وَأُشفِقُ مِن خُفوفِ النائِباتِ
وَلَيسَ بِنافِعي حَذَري وَلَكِن
إِباءً أَن أَراها باغِتاتِ
أَمَأمونٌ مِنَ الفَلَكِ العَوادي
وَبَرجَلُهُ يَخُطُّ الدائِراتِ
تَأَمَّل هَل تَرى إِلّا شِباكاً
مِنَ الأَيّامِ حَولَكَ مُلقَياتِ
وَلَو أَنَّ الجِهاتِ خُلِقنَ سَبعاً
لَكانَ المَوتُ سابِعَةَ الجِهاتِ
لَعاً لِلنَعشِ لا حُبّاً وَلَكِن
لِأَجلِكِ يا سَماءَ المَكرُماتِ
وَلا خانَتهُ أَيدي حامِليهِ
وَإِن ساروا بِصَبرِيَ وَالأَناةِ
فَلَم أَرَ قَبلَهُ المَريخَ مُلقىً
وَلَم أَسمَع بِدَفنِ النَيِّراتِ
هُناكَ وَقَفتُ أَسأَلُكِ اِتِّئاداً
وَأُمسِكُ بِالصِفاتِ وَبِالصَفاةِ
وَأَنظُرُ في تُرابِكِ ثُمَّ أُغضي
كَما يُغضي الأَبِيُّ عَلى القَذاةِ
وَأَذكُرُ مِن حَياتِكِ ما تَقَضّى
فَكانَ مِنَ الغَداةِ إِلى الغَداةِ

يمينا بالطلاق وبالعتاق

يمينا بالطلاق وبالعتاق
من الدنيا المعلقمة المذاق
وكل فقارة من ظهر مكسى
بصحراء الإمام وعظم ساق
وتربته وكل الخير فيها
ونسبته الشريفة للبراق
وبالخُطَب الطوال وما حوته
وإن لم يبق في الأذهان باق
وكَسرى الشعر إن أنشدت شعرا
ونطقي القاف واسعة النطاق
وما لوَّنت للدُّولات وجهي
ولم ألبس لها ثوب الرياق
بوقت ضاعت الأخلاق فيه
وأصبحت السلامة في النفاق
أيشتمني سليمان بن فوزي
و بيبي في دي ومعي تَباق
وتحت يدى من العمال جمع
يُشمِّر ذيله عند التلاقى
ولسنا في البيان إذا جرينا
لأبعدِ غاية فرسَي سباق
تُقاقي ذقنه من غير بيض
ولي ذقن تبيض ولا تقاقي
وتحلاق اللحى ما كان رأيى
ولا قصّ الشوارب من خلاقي
أنا الطيار رجل في دمشق
إذا اشتدّت ورجل في العراق
أنا الأسد الغضنفر بيد أني
تسيرني الجآذر في الرباق
ألا طز على العيهور طز
وإن أبدى مجاملة الرفاق
بقارعة الطريق ينال مني
ويوسعني عناقا في الزقاق
وليس من الغريب سواد حظي
وبالسودان قد طال التصاقي
نُحست فلو دعيت لأجل فتق
وجدت قليطة تحت الفتاق
ألم تر أنني أعرضت عنه
وصار لغير طلعته اشتياقي
أذم القبعات ولابسيها
وتعجبني الشوادن في الطواقي
وأوعز بالعقال إلى شباب
رجعت بهم إلى عصر النياق
فسبحان المفرِّق حظ قومٍ
قناطيرا وأقوامٍ أواقي
وقوم يرتقون إلى المعالي
وقوم ما لهم فيها مراقى
وأصحاب المقارف والمرازي
وأصحاب المزارع والسواقي
وأيد لا تكاد تصيب خبزا
وايد لا تُسل من الرقاق
وعيش كالزواج على غرام
وعيش مثل كارثة الطلاق
أمور يضحك السعداء منها
ويبكى البلشفيّ والاشتراقي

تحية شاعر يا ماء جكسو

تَحِيَّةُ شاعِرٍ يا ماءَ جَكسو
فَلَيسَ سِواكَ لِلأَرواحِ أُنسُ
فَدَتكَ مِياهُ دِجلَةَ وَهيَ سَعدٌ
وَلا جُعِلَت فِداءَكَ وَهيَ نَحسُ
وَجاءَكَ ماءُ زَمزَمَ وَهوَ طُهرٌ
وَأَمواهٌ عَلى الأَردُنِّ قُدسُ
وَكانَ النيلُ يَعرِسُ كُلَّ عامٍ
وَأَنتَ عَلى المَدى فَرحٌ وَعُرسُ
وَقَد زَعَموهُ لِلغاداتِ رَمساً
وَأَنتَ لِهَمِّهِنَّ الدَهرَ رَمسُ
وَرَدنَكَ كَوثَراً وَسَفَرنَ حوراً
وَهَل بِالحورِ إِن أَسفَرنَ بَأسُ
فَقُل لِلجانِحينَ إِلى حِجابٍ
أَتُحجَبُ عَن صَنيعِ اللَهِ نَفسُ
إِذا لَم يَستُرِ الأَدَبُ الغَواني
فَلا يُغني الحَريرُ وَلا الدِمَقسُ
تَأَمَّل هَل تَرى إِلّا جَلالاً
تُحِسُّ النَفسُ مِنهُ ما تُحِسُّ
كَأَنَّ الخودُ مَريَمُ في سُفورٍ
وَرائيها حَوارِيٌّ وَقِسُّ
تَهَيَّبَها الرِجالُ فَلا ضَميرٌ
يَهِم بِها وَلا عَينٌ تُحِسُّ
غَشيتُكَ وَالأَصيلُ يَفيضُ تِبراً
وَيَنسُجُ لِلرُبى حُلَلاً وَيَكسو
وَتَذهَبُ في الخَليجِ لَهُ وَتَأتي
أَنامِلُ تَنثُرُ العِقيانَ خَمسُ
وَفي جيدِ الخَميلَةِ مِنهُ عِقدٌ
وَفي آذانِها قُرطٌ وَسَلسُ
وَلَألَأَتِ الجِبالُ فَضاءَ سَفحٍ
يَسُرُّ الناظِرينَ وَنارَ رَأسُ
عَلى فُلكٍ تَسيرُ بِنا الهَوُينى
وَمِن شِعري نَديمٌ لي وَجِلسُ
تُنازِعُنا المَذاهِبَ حَيثُ مِلنا
زَوارِقُ حَولَنا تَجري وَتَرسو
لَها في الماءِ مُنسابٌ كَطَيرٍ
تُسِفُّ عَلَيهِ أَحياناً وَتَحسو
صِغارِ الحَجمِ مُرهَفَةِ الحَواشي
لَها عُرفٌ إِذا خَطَرَت وَجَرسُ
إِذا المِجدافُ حَرَّكَها اِطمَأَنَّت
وَإِن هُوَ لَم يُحَرِّك فَهيَ رُعسُ
وَإِن هُوَ جَدَّ في الماءِ اِنسِياباً
فَكُلُّ طَريقِهِ وَتَرٌ وَقَوسُ
حَمَلنَ اللُؤلُؤَ المَنثورَ عَيناً
كَما حَمَلَت حَبابَ الراحِ كَأسُ
كَأَنَّ سَوافِرَ الغاداتِ فيها
مَلائِكُ هَمُّها نَظَرٌ وَهَمسُ
كَأَنَّ بِرافِعَ الغاداتِ تَهفو
عَلى وَجَناتِها غَيمٌ وَشَمسُ
كَأَنَّ مَآزِرَ العينِ اِنتِساباً
زُهورٌ لا تُشَمُّ وَلا تُمَسُّ
إِذا نُشِرَت فَرَيحانٌ وَوَردٌ
وَإِن طُوِيَت فَنَسرينٌ وَوَرسُ
عَجِبتُ لَهُنَّ يُجَمِّعُهُنَّ حُسنٌ
وَلَكِن لَيسَ يُجَمِّعُهُنَّ لُبسُ
فَكانَ لَنا بِظِلِّكَ خَيرُ وَقتٍ
وَخَيرُ الوَقتِ ما لَكَ فيهِ أُنسُ
نُمَتِّعُ مِنكَ يا جَكسو نُفوساً
بِها مِن دَهرِها هَمٌّ وَبُؤسُ
إِلى أَن بانَ سِرُّكَ فَاِنثَنَينا
وَقَد طُوِيَ النَهارُ وَماتَ أَمسُ

الا بديارهم جن الكرام

ألا بديارهم جن الكرام
وشفهم بليلاها الغرام
بلاد أسفر الميلاد عنها
وصرحت الرضاعة والفطام
وخالط تربها وارفضّ فيه
رفات من حبيب أو عظام
بناء من أبوتنا الأوالي
يتمم بالبنين ويستدام
توالى المحسنون فشيدوه
وأيدى المحسنون هي الدعام
وأبلج في عنان الجود فرد
كمنزلة السموال لا يرام
يبيت النجم يقبس من ضياه
ويلمسها فيرتجل الجهام
له في الأعصر الأولى سمىٌّ
إذا ذكر اسمه ابتسم الذمام
كلا الجبلين حر عبقري
لدى محرابه ملك همام
أُزيلوا عن معاقلهم فأمسي
لهم في معقل الصخر اعتصام

سالتك بالوداد ابا حسين

سَأَلتُكَ بِالوِدادِ أَبا حُسَينٍ
وَبِالذِمَمِ السَوالِفِ وَالعُهودِ
وَحُبٍّ كامِنٍ لَكَ في فُؤادي
وَآخَرَ في فُؤادِكَ لي أَكيدِ
أَحَقٌّ أَنَّ مَطوِيَّ اللَيالي
سَيُنشَرُ بَينَ أَحمَدَ وَالوَليدِ
وَأَنَّ مَناهِلاً كُنّا لَدَيها
سَتَدنو لِلتَأَنُّسِ وَالوُرودِ
قُدومُكَ في رُقِيِّكَ في نَصيبي
سُعودٌ في سُعودٍ في سُعودِ
وَفَدتَ عَلى رُبوعِكَ غِبَّ نَأيٍ
وَكُنتَ البَدرَ مَأمولَ الوُفودِ
لَئِن رَفَعوكَ مَنزِلَةً فَأَعلى
لَقَد خُلِقَ الأَهِلَّةُ لِلصُعودِ
وَأَقسِمُ ما لِرِفعَتِكَ اِنتِهاءُ
وَلا فيها اِحتِمالٌ لِلمَزيدِ

الي ابن محمد اهدي كتابي

إلى ابن محمد أهدي كتابي
وقد يُهدَى القليل إلى الكريم
وما أهدى له إلا فؤادي
وما بين الفؤاد من الصميم
وغرس طفولتي وجَنَى شبابي
وما أوعيت من وحي قديم
وما حاولت من عصر عظيم
من الآداب للوطن العظيم
وكان محمد أوفى وأرعى
لهذا الدرّ من واعي اليتيم
وإن الشعر ريحان الموالي
وراحة كل ذى ذوق سليم
وما شرب الملوك ولا استعادوا
كهذى الكأس من هذا النديم

ابولو مرحبا بك يا ابولو

أَبولّو مَرحَباً بِكِ يا أَبولّو
فَإِنَّكِ مِن عُكاظِ الشِعرِ ظِلُّ
عُكاظُ وَأَنتِ لِلبُلَغاءِ سوقٌ
عَلى جَنَباتِها رَحَلوا وَحَلّوا
وَيَنبوعٌ مِنَ الإِنشادِ صافِ
صَدى المُتَأَدِّبينَ بِهِ يُقَلُّ
وَمِضمارٌ يَسوقُ إِلى القَوافي
سَوابِقُها إِذا الشُعَراءُ قَلّوا
يَقولُ الشِعرَ قائِلُهُم رَصيناً
وَيُحسِنُ حينَ يُكثِرُ أَو يُقِلُّ
وَلَولا المُحسِنونَ بِكُلِّ أَرضِ
لَما سادَ الشُعوبُ وَلا اِستَقَلّوا
عَسى تَأتينَنا بِمُعَلَّقاتٍ
نَروحُ عَلى القَديمِ بِها نُدِلُّ
لَعَلَّ مَواهِباً خَفِيَت وَضاعَت
تُذاعُ عَلى يَدَيكِ وَتُستَغَلُّ
صَحائِفُكِ المُدَبَّجَةُ الحَواشي
رُبى الوَردِ المُفَتَّحِ أَو أَجَلُّ
رَياحينُ الرِياضِ يُمَلُّ مِنها
وَرَيحانُ القَرائِحِ لا يُمَلُّ
يُمَهِّدُ عَبقَرِيُّ الشِعرِ فيها
لِكُلِّ ذَخيرَةٍ فيها مَحَلُّ
وَلَيسَ الحَقُّ بِالمَنقوصِ فيها
وَلا الأَعراضُ فيها تُستَحَلُّ
وَلَيسَت بِالمَجالِ لِنَقدِ باغٍ
وَراءَ يَراعِهِ حَسَدٌ وَغِلُّ

بني عبد السلام علي ابيكم

بنى عبد السلام على أبيكم
من الرضوان غادية وظل
لكم بيت لواء العلم فيه
دعائم عزه شرف ونبل
بنوه بنو النبوّة قبل عاد
زكا أصل لكم فيه وفضل
رمى الدهر المكارم والمعالى
فركنهما ضعيف مضمحل
وخطب الدين والدنيا جليل
ولكن قدر من فَقدا أجل
يحج لقبره بؤس عفاة
ورب القبر بالفردوس حِل
بِعلِّيين لا بالأرض أمسى
وشأن النجم عن أرض يجل
وصافح بعضنا في العيد بعضا
وصافحه وملائكة ورسل
وعند الله ينشر بعد طى
حياة كلها في الخير فعل
لقاء الموت غاية كل حى
ولكن للحياة هوى مضل
فإن تسمع بزهد القوم فيها
فإن الحب يكثر أو يقل
وعند الموت تَحسَر كل نفس
لها في العيش أو طار وأهل
مضى المعطى وما تدرى يداه
ومن يأسو الجراح ومن يَبُل
ومن وزن الزمان فتى وشيخا
إذا الفتيان قبل الشيب ضلوا
وقور في الحوادث لا يبالى
سيوف البغى تغمد أو تسل
وأقطع من سيوف الهند حدا
لسان لا يهاب ولا يزل
كبير في المواقف لا جهول
بآداب الخطاب ولا مخل
يسيل فصاحة ويفيض علما
وخطبة بعضهم عِى وجهل
فسر عبدالسلام إلى كريم
يلوذ به الكريم ويستظل
بكاك الناس أحبابا وأهلا
بأحسن ما وفي للخل خل
وذاقت فقد خادمها بلاد
له في جيدها منن وفضل
تعقَّلَ في محبتها فتيا
وأخلص في المحبة وهو كهل
وليس يؤثِّر الإخلاص شيئا
إذا لم يصحب الإخلاص عقل