بني مصر مكانكمو تهيا

بَني مِصرٍ مَكانُكُمو تَهَيّا
فَهَيّا مَهِّدوا لِلمُلكِ هَيّا
خُذوا شَمسَ النَهارِ لَهُ حُلِيّاً
أَلَم تَكُ تاجَ أَوَّلِكُم مَلِيّا
عَلى الأَخلاقِ خُطّوا المُلكَ وَاِبنوا
فَلَيسَ وَراءَها لِلعِزِّ رُكنُ
أَلَيسَ لَكُم بِوادي النيلِ عَدنُ
وَكَوثَرُها الَّذي يَجري شَهِيّا
لَنا وَطَنٌ بِأَنفُسِنا نَقيهِ
وَبِالدُنيا العَريضَةِ نَفتَديهِ
إِذا ما سيلَتِ الأَرواحُ فيهِ
بَذَلناها كَأَن لَم نُعطِ شَيّا
لَنا الهَرَمُ الَّذي صَحِبَ الزَمانا
وَمِن حدَثانِهِ أَخَذَ الأَمانا
وَنَحنُ بَنو السَنا العالي نَمانا
أَوائِلُ عَلَّموا الأُمَمَ الرُقِيّا
تَطاوَلَ عَهدُهُم عِزّاً وَفَخرا
فَلَمّا آلَ لِلتاريخِ ذُخرُ
نَشَأنا نَشأَةً في المَجدِ أُخرى
جَعَلنا الحَقَّ مَظهَرَها العَلِيّا
جَعَلنا مِصرَ مِلَّةَ ذي الجَلالِ
وَأَلَفنا الصَليبَ عَلى الهِلالِ
وَأَقبَلنا كَصَفٍّ مِن عَوالِ
يُشَدُّ السَمهَرِيُّ السَمهَرِيّا
نَرومُ لِمِصرَ عِزّاً لا يُرامُ
يَرِفُّ عَلى جَوانِبِه السَلامُ
وَيَنعَمُ فيهِ جيرانٌ كِرامُ
فَلَن تَجِدَ النَزيلَ بِنا شَقِيّا
نَقومُ عَلى البِنايَةِ مُحسِنينا
وَنَعهَدُ بِالتَمامِ إِلى بَنينا
إِلَيكِ نَموتُ مِصرُ كَما حَيينا
وَيَبقى وَجهُكِ المَفدِيُّ حَيّا

سلام الله لا أرضى سلامي

سلام الله لا أرضى سلامي
فكل تحية دون المقام
وعين من رسول الله ترعى
وتحرس حامل الأمر الجُسام
وتنَجد مقلة في الله يقظى
وتخلفها على أمم نيام
تقلَّب في ليال من خطوب
تركن المسلمين بلا سلام
ومن عجبٍ قيامك في الليالي
وأنت الشمس في نظر الأنام
أحب خليفة الرحمن جهدي
وحب الله في حب الإمام
وأجعل عصره عنوان شعري
وحسن العقد يظهر في النظام
فإن نفت الموانع فيه حظى
فليس بفائت حظ الكلام
وقد يُرعى الغمام الأرض أذنا
وأين الأرض من سمع الغمام

أفي هذا الشباب تعف نفس

أفي هذا الشباب تعف نفس
ولا يلهى الفتى هذا النعيم
ألا يدعوك للذات صفو
وأكثرنا على كدر يحوم
كأن مكارم الأخلاق روض
وأنت الزهر فيه والنسيم
فهلا أختار هذا النهج قوم
خلالُ الدين بينهم رسوم
وما جهلوا فوائد ما أضاعوا
ولكن ربما نسى العليم
تَغَيَّرنا فلا ظن جميل
بخالقنا ولا قلب سليم
كأنا في التلون قوم موسى
وأنت بنا كما شقى الكليم
فإن لم نرض أخلاقا فعذرا
لعل ضلالنا هذا قديم

سلام من صبا بردى أرق

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ
وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي
جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
وَذِكرى عَن خَواطِرِها لِقَلبي
إِلَيكِ تَلَفُّتٌ أَبَداً وَخَفقُ
وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي
جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ
دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ
وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ
وَتَحتَ جِنانِكِ الأَنهارُ تَجري
وَمِلءُ رُباكِ أَوراقٌ وَوُرقُ
وَحَولي فِتيَةٌ غُرٌّ صِباحٌ
لَهُم في الفَضلِ غاياتٌ وَسَبقُ
عَلى لَهَواتِهِم شُعَراءُ لُسنٌ
وَفي أَعطافِهِم خُطَباءُ شُدقُ
رُواةُ قَصائِدي فَاِعجَب لِشِعرٍ
بِكُلِّ مَحَلَّةٍ يَرويهِ خَلقُ
غَمَزتُ إِباءَهُم حَتّى تَلَظَّت
أُنوفُ الأُسدِ وَاِضطَرَمَ المَدَقُّ
وَضَجَّ مِنَ الشَكيمَةِ كُلُّ حُرٍّ
أَبِيٍّ مِن أُمَيَّةَ فيهِ عِتقُ
لَحاها اللَهُ أَنباءً تَوالَت
عَلى سَمعِ الوَلِيِّ بِما يَشُقُّ
يُفَصِّلُها إِلى الدُنيا بَريدٌ
وَيُجمِلُها إِلى الآفاقِ بَرقُ
تَكادُ لِرَوعَةِ الأَحداثِ فيها
تُخالُ مِنَ الخُرافَةِ وَهيَ صِدقُ
وَقيلَ مَعالِمُ التاريخِ دُكَّت
وَقيلَ أَصابَها تَلَفٌ وَحَرقُ
أَلَستِ دِمَشقُ لِلإِسلامِ ظِئراً
وَمُرضِعَةُ الأُبُوَّةِ لا تُعَقُّ
صَلاحُ الدينِ تاجُكَ لَم يُجَمَّل
وَلَم يوسَمَ بِأَزيَنَ مِنهُ فَرقُ
وَكُلُّ حَضارَةٍ في الأَرضِ طالَت
لَها مِن سَرحِكِ العُلوِيِّ عِرقُ
سَماؤُكِ مِن حُلى الماضي كِتابٌ
وَأَرضُكِ مِن حُلى التاريخِ رِقُّ
بَنَيتِ الدَولَةَ الكُبرى وَمُلكاً
غُبارُ حَضارَتَيهِ لا يُشَقُّ
لَهُ بِالشامِ أَعلامٌ وَعُرسٌ
بَشائِرُهُ بِأَندَلُسٍ تَدُقُّ
رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها
أَحَقٌّ أَنَّها دَرَسَت أَحَقُّ
وَهَل غُرَفُ الجِنانِ مُنَضَّداتٌ
وَهَل لِنَعيمِهِنَّ كَأَمسِ نَسقُ
وَأَينَ دُمى المَقاصِرِ مِن حِجالٍ
مُهَتَّكَةٍ وَأَستارٍ تُشَقُّ
بَرَزنَ وَفي نَواحي الأَيكِ نارٌ
وَخَلفَ الأَيكِ أَفراخٌ تُزَقُّ
إِذا رُمنَ السَلامَةَ مِن طَريقٍ
أَتَت مِن دونِهِ لِلمَوتِ طُرقُ
بِلَيلٍ لِلقَذائِفِ وَالمَنايا
وَراءَ سَمائِهِ خَطفٌ وَصَعقُ
إِذا عَصَفَ الحَديدُ اِحمَرَّ أُفقٌ
عَلى جَنَباتِهِ وَاِسوَدَّ أُفقُ
سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ
أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ
وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانو
قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ
رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا
أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ
إِذا ماجاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ
يَقولُ عِصابَةٌ خَرَجوا وَشَقّوا
دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا
وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ
جَرى في أَرضِها فيهِ حَياةٌ
كَمُنهَلِّ السَماءِ وَفيهِ رِزقُ
بِلادٌ ماتَ فِتيَتُها لِتَحيا
وَزالوا دونَ قَومِهِمُ لِيَبقوا
وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها
فَكَيفَ عَلى قَناها تُستَرَقُّ
بَني سورِيَّةَ اِطَّرِحوا الأَماني
وَأَلقوا عَنكُمُ الأَحلامَ أَلقوا
فَمِن خِدَعِ السِياسَةِ أَن تُغَرّوا
بِأَلقابِ الإِمارَةِ وَهيَ رِقُّ
وَكَم صَيَدٍ بَدا لَكَ مِن ذَليلٍ
كَما مالَت مِنَ المَصلوبِ عُنقُ
فُتوقُ المُلكِ تَحدُثُ ثُمَّ تَمضي
وَلا يَمضي لِمُختَلِفينَ فَتقُ
نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ داراً
وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ
وَيَجمَعُنا إِذا اِختَلَفَت بِلادٌ
بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ
وَقَفتُم بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ
فَإِن رُمتُم نَعيمَ الدَهرِ فَاِشقوا
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ
يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا
إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا
وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا
وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ
فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ
وَفي الأَسرى فِدىً لَهُمو وَعِتقُ
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ
بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ
جَزاكُم ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ
وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ
نَصَرتُم يَومَ مِحنَتِهِ أَخاكُم
وَكُلُّ أَخٍ بِنَصرِ أَخيهِ حَقُّ
وَما كانَ الدُروزُ قَبيلَ شَرٍّ
وَإِن أُخِذوا بِما لَم يَستَحِقّوا
وَلَكِن ذادَةٌ وَقُراةُ ضَيفٍ
كَيَنبوعِ الصَفا خَشُنوا وَرَقّوا
لَهُم جَبَلٌ أَشَمُّ لَهُ شَعافٌ
مَوارِدُ في السَحابِ الجونِ بُلقُ
لِكُلِّ لَبوءَةٍ وَلِكُلِّ شِبلٍ
نِضالٌ دونَ غايَتِهِ وَرَشقُ
كَأَنَّ مِنَ السَمَوأَلِ فيهِ شَيئاً
فَكُلُّ جِهاتِهِ شَرَفٌ وَخَلقُ

كبير السابقين من الكرام

كَبيرُ السابِقينَ مِنَ الكِرامِ
بِرُغمي أَن أَنالَكَ بِالمَلامِ
مَقامُكَ فَوقَ ما زَعَموا وَلَكِن
رَأَيتُ الحَقَّ فَوقَكَ وَالمَقامِ
لَقَد وَجَدوكَ مَفتوناً فَقالوا
خَرَجتَ مِنَ الوَقارِ وَالاِحتِشامِ
وَقالَ البَعضُ كَيدُكَ غَيرُ خافٍ
وَقالوا رَميَةٌ مِن غَيرِ رامِ
وَقيلَ شَطَطتَ في الكُفرانِ حَتّى
أَرَدتَ المُنعِمينَ بِالاِنتِقامِ
غَمَرتَ القَومَ إِطراءً وَحَمداً
وَهُم غَمَروكَ بِالنِعَمِ الجسامِ
رَأَوا بِالأَمسِ أَنفَكَ في الثُرَيّا
فَكَيفَ اليَومَ أَصبَحَ في الرِغامِ
أَما وَاللَهِ ما عَلِموكَ إِلّا
صَغيراً في وَلائِكَ وَالخِصامِ
إِذا ما لَم تَكُن لِلقَولِ أَهلاً
فَما لَكَ في المَواقِفِ وَالكَلامِ
خَطَبتَ فَكُنتَ خَطباً لا خَطيباً
أُضيفَ إِلى مَصائِبِنا العِظامِ
لُهِجتَ باِلاِحتِلالِ وَما أَتاهُ
وَجُرحُكَ مِنهُ لَو أَحسَستَ دامي
وَما أَغناهُ عَمَّن قالَ فيهِ
وَما أَغناكَ عَن هَذا التَرامي
أَحَبَّتكَ البِلادُ طَويلَ دَهرٍ
وَذا ثَمَنُ الوَلاءِ وَالاِحتِرامِ
حَقَرتَ لَها زِماماً كُنتَ فيهِ
لَعوباً بِالحُكومَةِ وَالذِمامِ
مَحاسِنُهُ غِراسُكَ وَالمَساوي
لَكَ الثَمَرانِ مِن حَمدٍ وَذامِ
فَهَلّا قُلتَ لِلشانِ قَولاً
يَليقُ بِحاِلِ الماضِيَ الهُمامِ
يَبُثُّ تَجارِبَ الأَيّامِ فيهِم
وَيَدعو الرابِضينَ إِلى القِيامِ
خَطَبتَ عَلى الشَبيبَةِ غَيرَ دارٍ
بِأَنَّكَ مِن مَشيبِكَ في مَنامِ
وَلَولا أَنَّ لِلأَوطانِ حُبّاً
يُصِمُّ عَنِ الوِشايَةِ كَالغَرامِ
جَنَيتَ عَلى قُلوبِ الجَمعِ يَأساً
كَأَنَّكَ بَينَهُم داعي الحِمامِ
أَراعَكَ مَقتَلٌ مِن مِصرَ باقٍ
فَقُمتَ تَزيدُ سَهماً في السِهامِ
وَهَل تَرَكَت لَكَ السَبعونَ عَقلاً
لِعِرفانِ الحَلالِ مِنَ الحَرامِ
أَلا أُنبيكَ عَن زَمَنٍ تَوَلّى
فَتَذكُرَهُ وَدَمعُكَ في اِنسِجامِ
سَلِ الحِلمِيَّةَ الفَيحاءَ عَنهُ
وَسَل داراً عَلى نورِ الظَلامِ
وَسَل مَن كانَ حَولَكَ عَبدَ جاهٍ
يُريكَ الحُبَّ أَو باغي حُطامِ
رَأَوا إِرثاً سَيَذهَبُ بَعدَ حينٍ
فَكانوا عُصبَةً في الاِقتِسامِ
وَنالوا السَمعَ مِن أُذُنٍ كَريمٍ
فَنالوا مِنهُ أَنواعَ المَرامِ
هُمُ حِزبٌ وَسائِرُ مِصرَ حِزبٌ
وَأَنتَ أَصَمُّ عَن داعي الوِئامِ
وَكَيفَ يَنالُ عَونَ اللَهِ قَومٌ
سَراتُهُمُ عَوامِلُ الاِنقِسامِ
إِذا الأَحلامُ في قَومٍ تَوَلَّت
أَتى الكُبَراءُ أَفعالَ الطَغامِ
فَيا تِلكَ اللَيالي لا تَعودي
وَيا زَمَنَ النِفاقِ بِلا سَلامِ
أُحِبُّكِ مِصرُ مِن أَعماقِ قَلبي
وَحُبُّكِ في صَميمِ القَلبِ نامي
سَيَجمَعُني بِكِ التاريخُ يَوماً
إِذا ظَهَرَ الكِرامُ عَلى اللِئامِ
لِأَجلِكِ رُحتُ بِالدُنيا شَقِيّاً
أَصُدُّ الوَجهَ وَالدُنيا أَمامي
وَأَنظُرُ جَنَّةً جَمَعَت ذِئاباً
فَيَصرُفُني الإِباءُ عَنِ الزِحامِ
وَهَبتُكِ غَيرَ هَيّابٍ يَراعاً
أَشَدَّ عَلى العَدُوِّ مِنَ الحُسامِ
سَيَكتُبُ عَنكِ فَوقَ ثَرى رِياضٍ
وَفي التاريخِ صَفحَةَ الاِتِّهامِ
أَفي السَبعينَ وَالدُنيا تَوَلَّت
وَلا يُرجى سِوى حُسنِ الخِتامِ
تَكونُ وَأَنتَ رِياضُ مِصرٍ
عُرابي اليَومَ في نَظَرِ الأَنامِ

أنادي الرسم لو ملك الجوابا

أُنادي الرَسمَ لَو مَلَكَ الجَوابا
وَأُجزيهِ بِدَمعِيَ لَو أَثابا
وَقَلَّ لِحَقِّهِ العَبَراتُ تَجري
وَإِن كانَت سَوادَ القَلبِ ذابا
سَبَقنَ مُقَبِّلاتِ التُربِ عَنّي
وَأَدَّينَ التَحِيَّةَ وَالخِطابا
فَنَثري الدَمعَ في الدِمَنِ البَوالي
كَنَظمي في كَواعِبِها الشَبابا
وَقَفتُ بِها كَما شاءَت وَشاؤوا
وُقوفاً عَلَّمَ الصَبرَ الذِهابا
لَها حَقٌّ وَلِلأَحبابِ حَقٌّ
رَشَفتُ وِصالَهُم فيها حَبابا
وَمَن شَكَرَ المَناجِمَ مُحسِناتٍ
إِذا التِبرُ اِنجَلى شَكَرَ التُرابا
وَبَينَ جَوانِحي وافٍ أُلوفٌ
إِذا لَمَحَ الدِيارَ مَضى وَثابا
رَأى مَيلَ الزَمانِ بِها فَكانَت
عَلى الأَيّامِ صُحبَتُهُ عِتابا
وَداعاً أَرضَ أَندَلُسٍ وَهَذا
ثَنائي إِن رَضيتِ بِهِ ثَوابا
وَما أَثنَيتُ إِلّا بَعدَ عِلمٍ
وَكَم مِن جاهِلٍ أَثنى فَعابا
تَخِذتُكِ مَوئِلاً فَحَلَلتُ أَندى
ذُراً مِن وائِلٍ وَأَعَزَّ غابا
مُغَرِّبُ آدَمٍ مِن دارِ عَدنٍ
قَضاها في حِماكِ لِيَ اِغتِرابا
شَكَرتُ الفُلكَ يَومَ حَوَيتِ رَحلي
فَيا لِمُفارِقٍ شَكَرَ الغُرابا
فَأَنتِ أَرَحتِني مِن كُلِّ أَنفٍ
كَأَنفِ المَيتِ في النَزعِ اِنتِصابا
وَمَنظَرِ كُلِّ خَوّانٍ يَراني
بِوَجهٍ كَالبَغِيِّ رَمى النِقابا
وَلَيسَ بِعامِرٍ بُنيانُ قَومٍ
إِذا أَخلاقُهُم كانَت خَرابا
أَحَقٌّ كُنتِ لِلزَهراءِ ساحاً
وَكُنتِ لِساكِنِ الزاهي رِحابا
وَلَم تَكُ جَورُ أَبهى مِنكِ وَرداً
وَلَم تَكُ بابِلٌ أَشهى شَرابا
وَأَنَّ المَجدَ في الدُنيا رَحيقٌ
إِذا طالَ الزَمانُ عَلَيهِ طابا
أولَئِكَ أُمَّةٌ ضَرَبوا المَعالي
بِمَشرِقِها وَمَغرِبِها قِبابا
جَرى كَدَراً لَهُم صَفوُ اللَيالي
وَغايَةُ كُلِّ صَفوٍ أَن يُشابا
مَشَيِّبَةُ القُرونِ أُديلَ مِنها
أَلَم تَرَ قَرنَها في الجَوِّ شابا
مُعَلَّقَةٌ تَنَظَّرُ صَولَجاناً
يَخُرُّ عَنِ السَماءِ بِها لِعابا
تُعَدُّ بِها عَلى الأُمَمِ اللَيالي
وَما تَدري السِنينَ وَلا الحِسابا
وَيا وَطَني لَقَيتُكَ بَعدَ يَأسٍ
كَأَنّي قَد لَقيتُ بِكَ الشَبابا
وَكُلُّ مُسافِرٍ سَيَئوبُ يَوماً
إِذا رُزِقَ السَلامَةَ وَالإِيابا
وَلَو أَنّي دُعيتُ لَكُنتَ ديني
عَلَيهِ أُقابِلُ الحَتمَ المُجابا
أُديرُ إِلَيكَ قَبلَ البَيتِ وَجهي
إِذا فُهتُ الشَهادَةَ وَالمَتابا
وَقَد سَبَقَت رَكائِبِيَ القَوافي
مُقَلَّدَةً أَزِمَّتَها طِرابا
تَجوبُ الدَهرَ نَحوَكَ وَالفَيافي
وَتَقتَحِمُ اللَيالِيَ لا العُبابا
وَتُهديكَ الثَناءَ الحُرَّ تاجاً
عَلى تاجَيكَ مُؤتَلِقاً عُجابا
هَدانا ضَوءُ ثَغرِكَ مِن ثَلاثٍ
كَما تَهدي المُنَوَّرَةُ الرِكابا
وَقَد غَشِي المَنارُ البَحرَ نوراً
كَنارِ الطورِ جَلَّلَتِ الشِعابا
وَقيلَ الثَغرُ فَاِتَّأَدَت فَأَرسَت
فَكانَت مِن ثَراكَ الطُهرِ قابا
فَصَفحاً لِلزَمانِ لِصُبحِ يَومٍ
بِهِ أَضحى الزَمانُ إِلَيَّ ثابا
وَحَيّا اللَهُ فِتياناً سِماحاً
كَسَوا عِطفَيَّ مِن فَخرٍ ثِيابا
مَلائِكَةٌ إِذا حَفّوكَ يَوماً
أَحَبَّكَ كُلُّ مَن تَلقى وَهابا
وَإِن حَمَلَتكَ أَيديهِم بُحوراً
بَلَغتَ عَلى أَكُفِّهِمُ السَحابا
تَلَقَّوني بِكُلِّ أَغَرَّ زاهٍ
كَأَنَّ عَلى أَسِرَّتِهِ شَهابا
تَرى الإيمانَ مُؤتَلِقاً عَلَيهِ
وَنورَ العِلمِ وَالكَرَمَ اللُبابا
وَتَلمَحُ مِن وَضاءَةِ صَفحَتَيهِ
مُحَيّا مِصرَ رائِعَةً كَعابا
وَما أَدَبي لِما أَسدَوهُ أَهلٌ
وَلَكِن مَن أَحَبَّ الشَيءَ حابى
شَبابَ النيلِ إِنَّ لَكُم لَصَوتاً
مُلَبّى حينَ يُرفَعُ مُستَجابا
فَهُزّوا العَرشَ بِالدَعَواتِ حَتّى
يُخَفِّفَ عَن كِنانَتِهِ العَذابا
أَمِن حَربِ البَسوسِ إِلى غَلاءٍ
يَكادُ يُعيدُها سَبعاً صِعابا
وَهَل في القَومِ يوسُفُ يَتَّقيها
وَيُحسِنُ حِسبَةً وَيَرى صَوابا
عِبادَكَ رَبِّ قَد جاعوا بِمِصرٍ
أَنيلاً سُقتَ فيهِمُ أَم سَرابا
حَنانَكَ وَاِهدِ لِلحُسنى تِجاراً
بِها مَلَكوا المَرافِقَ وَالرِقابا
وَرَقِّق لِلفَقيرِ بِها قُلوباً
مُحَجَّرَةً وَأَكباداً صِلابا
أَمَن أَكَلَ اليَتيمَ لَهُ عِقابٌ
وَمَن أَكَلَ الفَقيرَ فَلا عِقابا
أُصيبَ مِنَ التُجارِ بِكُلِّ ضارٍ
أَشَدَّ مِنَ الزَمانِ عَلَيهِ نابا
يَكادُ إِذا غَذاهُ أَو كَساهُ
يُنازِعُهُ الحَشاشَةَ وَالإِهابا
وَتَسمَعُ رَحمَةً في كُلِّ نادٍ
وَلَستَ تُحِسُّ لِلبِرِّ اِنتِدابا
أَكُلٌّ في كِتابِ اللَهِ إِلّا
زَكاةَ المالِ لَيسَت فيهِ بابا
إِذا ما الطامِعونَ شَكَوا وَضَجّوا
فَدَعهُم وَاِسمَعِ الغَرثى السِغابا
فَما يَبكونُ مِن ثُكلٍ وَلَكِن
كَما تَصِفُ المُعَدِّدَةُ المُصابا
وَلَم أَرَ مِثلَ شَوقِ الخَيرِ كَسباً
وَلا كَتِجارَةِ السوءِ اِكتِسابا
وَلا كَأُولَئِكَ البُؤَساءِ شاءً
إِذا جَوَّعتَها اِنتَشَرَت ذِئابا
وَلَولا البِرُّ لَم يُبعَث رَسولٌ
وَلَم يَحمِل إِلى قَومٍ كِتابا

ورثت الحلم عن فحل كريم

ورثت الحلم عن فحل كريم
ففيك الحلم عند الصفع عادة
وشأنك بيننا في أرض مصر
كشأن أبيك في دار السعادة

جلوسك أم سلام العالمينا

جلوسك أم سلام العالمينا
وتاجك أم هلال العز فينا
ملكت فكنت خير المالكينا
وأنت أجلهم دنيا ودينا
سرير لم يكن بالمطمئن
وملك غادروه بغير ركن
نهضت تقيم مائله وتبنى
فكنت الركن والسبب المتينا
وَلِيتَ الأمر أقدرَ من يليه
تخاف الله فيه وترتجيه
وتمحو آية العهد السفيه
وتجمع كلمة المتفرّقينا
بوقت فيه للمك انقلاب
وللعرش اهتزاز وأضطراب
فقمت فقرّ في يدك العباب
وأوشكت العواصف أن تدينا
بوقت فيه للأعدا دبيب
إذا ما راح ذيب جاء ذيب
لكل حزبه وبه يريب
وكنت لربك الحزب الأمينا
عداوات ينشن الملك لدًَّا
وأحزاب من الأتراك أعدى
تخذت البعض ضدا البعض جندا
فغال المفسدون المفسدينا
تغيرت الرجال فلا رجال
وزَيَّنَ للغَرورين الضلال
فراموا والذي راموا محال
ومن يرم المحال فلن يكونا
تمنوا للعدو كما تمنى
ولما يسألوا الأحياء عنا
فلا تتشبهوا يا قوم إنا
عرفنا مصر المتشبهينا
حجابك عند يلدزك الجلال
وأنت لها وللدنيا جمال
تنال الخافقين ولا تُنال
إذا قلبتَ في الأفق الجفونا
يرفِّعك المقام عن أبتذال
وعن عبث الحوادث والرجال
ومن يك ملكه حرب الليالي
يجد لصروفها وله شؤونا
تعالجهنِّ في سلم وحرب
وتلقاهنِّ في شرق وغرب
وتدفعهنّ من بعد وقرب
وتثنيهن حتى ينثنينا
وحيدا تستعان ولا تعان
كأنك في تفرّدك الزمان
ولكن أنت منه لنا أمان
وأكبر أن تخون وأن تمينا
تلذ بما يشقّ على العباد
وتنعم بانفرادك والسهاد
رويدا في جفونك والفؤاد
ومهلا يا أمير المؤمنينا
وقبلك لم يُنم عمرَ الأنام
وقد سهرت رعيته الكرام
وقومك عند مرقدهم نيام
فهل تحصى على القوم السنينا
تردّ على الليالي كل سهم
ولا يرددن سهمك حين ترمى
تجير على حوادثها وتحمى
ولا يحمين منك المحتمينا
وكم كرب كشفت وعظم هول
بفعل منك لم يسبق بقول
وأسطول رددت بغير حول
تشيِّعه الخلائق ساخرينا
جمعت الأمر حين الأمر فوضى
وشرَّفتَ اللواء وكان أرضا
وحصنت القرى طولا وعرضا
بآساد يهيبِّن العرينا
وكم لك من فيالق من طراز
غدوا خير الجنود لخير غاز
إذا زحموا الضياغم في مجاز
أبادوها وكانوا العابرينا
سلاح من سلاح الموت أمضى
إذا الإيمان يوم الروع أنضى
وبأس ينزل الأجبال أرضا
ويركبها إلى الهيجا متونا
نظمت الجيش بالقلم الحميد
كنظمي فيك أبيات النشيد
فإن فتشت عن بيت القصيد
قرأت الفتح والنصر المبينا
وفتح في العدوّ لنا جليل
شفعناه من الصفح الجميل
بأجمل منه من فعل الجميل
فكنا القادرين الصافحينا
بطشت فلم تدع لهمو وجودا
وكان البطش إشفاقا وجودا
صدقت قياصر العصر الوعودا
تريهم كيف عهد الظافرينا
وقائع في الزمان هي الجسام
إذا ذكرت لنا سأل الأنام
أجيش للخليفة أم غمام
أظلَّ تساليا سمحا هتونا
وقبل النصر نصر قد تجلى
عُلاً في العصر آثارا وجلّى
ظهرت على الحوادث وهي جُلى
وأكمدت العدا والشامتينا
تخبط قومه فيك الخطيب
يريبك في المجامع ما يريب
فما سمع الهلال ولا الصليب
بغيرك في عقاب المعتدينا
يزيد سفاهة فتزيد حلما
لأنت أجل أخلاقا وأسمى
فكنت لساكن البلقان سلما
وكان محرّك الشر الكمينا
كفيت الخلق نارا قد أثارا
وللشرف الرفيع أخذت ثارا
وقد يمحو بك الإسلام عارا
إذا الإسلام في يوم أُهينا
بحزم ليس من قال وقيل
وعز ليس بالرجل العليل
وبطش من يدَى سمح منيل
كريم معرق في الأكرمينا
أسود الترك هبى ثم هبى
وهزى الأرض في شرق وغرب
بمن يزجي الجيوش ومن يعبى
ومن يحمى المواقع والحصونا
وحيِّى من أقامك يا قلاع
ومن لك تحت رايته أمتناع
فليس كهذه بشرى تذاع
ولا كجلوس ربك تعلنينا
أشيري يا أرامل للسماء
ويا أيتام ضجوا بالدعاء
ويا شهداء ناجوا بالبقاء
إذا سُمع الملائك هاتفينا
إذا شاقتكم الأوطان يوما
أو أشتقتم بها أهلا وقوما
فناموا في أمان الله نوما
فكل عند خير الكافلينا
أربَّ العيد هذا العيد يُجلَى
وكم لك من دعاء فيه يتلى
ولكن شاعر الإسلام أعلى
وأوقع في نفوس المسلمينا
لقد بيضت للملك الليالي
فليل الملك بالزينات حالي
وكم لك في القلوب من احتفال
يكاد الجسم عنه أن يبينا
وهذى مصر باسطة اليدين
تؤدّى من ولائك خير دين
وتلحظ عيدك الأسنى بعين
تفاجى بالهوى تلك العيونا
فهل عند الإمام لها قبول
وهل نحو الإمام لها وصول
فتشكو من جراح ما تزول
وكيف يزول ما بلغ الوتينا
أتتك تغض من طرف الحياء
تتوب إليك من ماضي الرياء
وتبسط في ثراك يد الرجاء
وتُلقى فيه آمال البنينا
فقابلها بعطفك والنوال
وأنزلها بسوحك والظلال
أدام الله ذاتك للمعالي
وأيَّد تاجها ورعى الجبينا

خطونا في الجهاد خطى فساحا

خطونا في الجهاد خطى فساحا
وهادنّا ولم نلق السلاحا
رضينا في هوى الوطن المفدّى
دم الشهداء والمال المطاحا
ولما سلّت البيض المواضي
تقلدنا لها الحق الصراحا
فحطمنا الشكيم سوى بقايا
إذا عضت أريناها الجماحا
وقمنا في شِراع الحق نلقى
وندفع عن جوانبه الرياحا
نعالج شدة ونروض أخرى
ونسعى السعى مشروعا مباحا
وأيام كأجواف اللَّيَالى
فقدن النجم والقمر اللَّياحا
قضيناها حيال الحرب تخشى
بقاء الرق أو نرجو السراحا
تركن الناس بالوادى قعودا
من الإعياء كالإبل الرزاحي
جنود السلم لاظفَر جزاهم
بما صبرواولا موت أراحا
فلا تلقى سوى حيّ كميت
ومنزوف وإن لم يسق راحا
ترى أسرى وما شهدوا قتالا
ولا اعتقلوا الأسنة والصفاحا
وجرحى السوط لا جرحى المواضى
بما عمل الجواسيس اجتراحا
صباحك كان إقبالا وسعدا
فيا يوم الرسالة عم صباحا
وما نألو نهارك ذكريات
ولا برهان غرتك التماحا
تكاد حلاك في صفحات مصر
بها التاريخ يفتتح افتتاحا
جلالك عن سنى الأضحى تجلى
ونورك عن هلال الفطر لاحا
هما حق وأنت ملَّئت حقا
ومثَّلت الضحية والسماحا
بعثنا فيك هارونا وموسى
إلى فرعون فابتدآ الكفاحا
وكان أعز من روما سيوفا
وأطغى من قياصرها رماحا
يكاد من الفتوح وما سقته
يخال وراء هيكله فتاحا
ورُد المرسلون فقيل خابوا
فيالك خيبة عادت نجاحا
أثارت واديا من غابتيه
ولأمت فرقة وأست جراحا
وشدّت من قوى قوم مراض
عزائمهم فردّتها صحاحا
كأن بلال نودى قم فأذّن
فرجّ شعاب مكة والبطاحا
كأن الناس في دين جديد
على جنباته استبقوا الصلاحا
وقد هانت حياتهم عليهم
وكانوا بالحياة هم الشحاحا
فتسمع في مآتمهم غناء
وتسمع في ولائمهم نواحا
حواريين أوفدنا ثقاةً
إذا ترك البلاغ لهم فصاحا
فكانوا الحق منقبضا حيِيّا
تحدى السيف منصلتا وقاحا
لهم منا براءة أهل بدر
فلا إثما تُعد ولا جُناحا
نرى الشحناء بينهم عتابا
ونحسب جدهم فيها مزاحا
جعلنا الخلد منزلهم وزدنا
على الخلد الثناء والامتداحا
يمينا بالتي يسعى غليها
غدوَّا بالندامة أو رواحا
وتعبِق في أنوف الحج ركنا
وتحت جباههم رَحَبا وساحا
وبالدستور وهو لنا حياة
نرى فيه السلامة والفلاحا
أخذناه على المهج الغوالي
ولم نأخذه نيلا مستماحا
بنينا فيه من دمع رُواقا
ومن دم كل نابتة جناحا
وما ملا الشباب كروح سعد
ولا جعل الحياة لهم طماحا
سلوا عنه القضية هل حماها
وكان حمى القضية مستباحا
وهل نظم الكهول الصِّيد صفا
وألف من تجاربهم رداحا
هو الشيخ الفتىّ لو استراحت
من الدأب الكواكب ما استراحا
وليس بذائق النوم اغتباقا
إذا دار الرقاد ولا اصطباها
فيالك ضيغما سهر الليالي
وناضل دون غايته ولاحى
ولا حطَمت لك الأيام نابا
ولا غضّت لك الدنيا صباحا

عرابي كيف أوفيك الملاما

عرابي كيف أوفيك الملاما
جمعت على ملامتك الأناما
فقف بالتل واستمع العظاما
فإن لها كما لهمو كلاما
سمعت من الورى جدا وهزلا
فانصت إذ تقول القول فصلا
كانك قاتل والحكم يتلى
عليك وانت تنتظر الحماما
ولا تامل من الأموات عفوا
وإن كان الحسين اباك دعوى
ارقت دماءهم لعبا ولهوا
ولم تعرف لغاليها مقاما
دماء قد فدتك ولم تصنها
نفضت يديك يوم التل منها
فكيف تنام عين الله عنها
إذا غفل الملا عنها وناما
لقد سفكت بجهلك شر سفك
لغير شهادة او رفع ملك
وانت على قديم العز تبكى
وتندب رتبة لك او وساما
تقول لك العظام مقال صدق
ورب مقالة من غير نطق
قتلت المسلمين بغير حق
وضيّعتَ الأمانة والذماما
تقول لقد بقيت وما بقينا
ثبتنا للعدا حتى فنينا
فما حكم الليالي في بنينا
وما صنع الأرامل واليتامى
وتقول وصوتها رعد قوىّ
ونحل في الضمير لها دوى
لقد مات الكرام وأنت حىّ
حياة تنقضى عارا وذاما
تقول وصوتها ملأ الدهورا
وأنت أصم من حجر شعورا
عرابي هل تركت لنا قبورا
يقول الطائفون بها سلاما
تقول وصورتها بلغ السماء
وأسمع خير من سمع النداء
إله العالمين أجب دماء
تصيح الانتقاما الانتقاما
تقول جبنت حين الظلم ينمو
وثر ولم يكن في مصر ظلم
وغرك من أبي العباس حلم
ولما يكتمل في الحكم عاما
وقفت له وما ظلم الأمير
ولم يكن آطمأن به السرير
فجل الخطب واضطربت أمور
عييت بأن تكون لها نظاما
تقول مقالة فيها اعتبار
عشية حال بينكما الفرار
أموتٌ يا عرابي ثم عار
يلازمنا بقائدنا لزاما
رمانا بالجبانة كل شعب
وسبتنا الخلائق أى سب
لأجلك حين تخرج لحرب
ولا جردت في الهيجا حساما
وقيل زعيمهم ولى الفرارا
وفي بلبيس قد ساق القطارا
وخلف جيشه فوضى حيارى
وقد بلغ العِدى فيهم مراما
نسائل عن عرابي لا نراه
وننشد حاميا خلّى حماه
ركبنا الموت لم نركب سواه
ونت ركبت للعار الظلاما
رويدا يا شعوب الأرض مهلا
فما كنا لهذا اللوم أهلا
أراكم واحد جبنا وجهلا
فأنساكم مواقفنا العظاما
سلوا تاريخنا وسلوا عليا
ألم يملأ بنا الدنيا دويا
لقد عاش الأمير بنا قويا
وعشنا تحت رايته كراما
يَعزّبنا ويقهر من يشاء
كأنا تحت رايته القضاء
لنا في ظلها وله علاء
ومجد يملأ الدنيا ابتساما
ألم نكف الحجاز عوان حرب
وأنقذناه من حرب وكرب
فكنا للمهيمن خير حزب
أجرنا الدين والبيت الحراما
سلوه وأهله أيام ثاروا
ألم نقبض عليه وهو نار
وكان الدين ليس له قرار
فثبتناه يومئذ دعاما
ألم نك خلف إبراهيم لما
رمى بجواده الأبراج شما
وكبرّ يوم مورة ثم سمى
فكنا الصف إذ كان الإماما
ترانا في مواقفه نليه
كما جمع الأب الوافي بنيه
وليس الجيش إلا قائديه
إذا ما قوموا الجيش استقاما
نلبى إن أشار براحتيه
إلى حصن فيسبقنا إليه
كأن سميّه في بردتيه
يخوض النار في الهيجا سلاما
وفي اليونان أحسنا البلاء
وهز المسلمون بنا اللواء
وقدّمنا بوارجنا فداء
على الأمواج تضطرم اضطراما
وفي البلغار صلنا ثم صلنا
وطاولنا الجبال بها فطلنا
وأنزلنا العدوّ وما نزلنا
وكنا للرواسى الشم هاما
وسل بأسنا سودان ومصرا
فبعد الله والمهدىّ أدرى
بأنا الأسد إقداما وأجرا
إذا اصدم الفريقان اصطداما
وفي المسكوف شدنا ذكرا مصرا
على قتلى بها منا وأسرى
بلغنا نحن والأتراك عذرا
وأرضينا المهيمن والإماما
وكان لنا بلاء في كريد
بيوم ثائر الهيجا شديد
أذبناها وكانت من حديد
وأطفأنا لثورتها ضِراما
رفعنا الملك بالمهج الغوالي
تسيل على القواضب والعوالي
وبالأذكار لم نحيى الليالي
ولا بتنا على ضيم نياما
تقول لك العظام دع الأماني
ولا تحِفل بسيف غير قاني
وليس بذى الفقار ولا اليماني
ولا المقهور دفعا واستلاما
أراح الله منك حدِيدَتَيه
وأنسى الناس ما علموا عليه
وأنت تنبه الدنيا إليه
وتفتأ تذكر العار الجُساما
تحنّ له كأنك لم تضعه
فسعه بجبنك المأثور سعه
ودعه في ظلام الغمد دعه
لعل مع الظلام له احتراما
أما والله ما لُعَب الصغار
ولا خُشُب يقلدن الجوارى
ولا الأوتار في ايدى الجوارى
بأحسن منه في الهيجا قياما
وهذا الصدر أضيق أن يحلَّى
وأن يسترجع الشأن الأجلا
فلم يك للقنا يوما محلا
ولا لقى الرصاص ولا السهاما
لقد ضاع الفخار على الخفير
وضاعت عنده نعم الأمير
أمن تحت السلاح إلى وزير
يسمى السيد البطل الهماما
عمَّى في الشرق كان ولا يزال
فما برحت معاليه تنال
ويبلغ شاوها الأقصى رجال
لهم في الجهل قدر لا يسامى
فخذ رتب المعالي أو فدعها
وإن شئت اشِرها أو شئت بعها
فإنك إن تنلها لا تضعها
وحاشا ترفع الرتب الطغاما
تقول كل العظام وأنت لاه
تمنى النفس من مال وجاه
وتكذب بالصلاة على إله
ولما بتلغ الروح التراقي
سنأخذ منك يوما بالخناق
ولما تبلغ الروح التراقي
تلاقى يوم ذلك ما تلاقى
دماء الخلق والموت الزؤاما
نجيئك يوم يحضُرك الحمام
يسل حسامه ولنا حسام
وتسبق سهمه منا سهام
لها بالحق رام لا يرامى
نجيئك يوم تحضُرك المنون
ويأتى العقل إذ يمضى الجنون
نقول لنا على الجاني ديون
فياربَّ الدم احتكم احتكاما
ونُسأل ما جنى ماذا أساء
ليلقى عن جنايته الجزاء
فنرفعها إلى البارى دماء
ونعرضها له جثثا وهاما
نقول جنى ومنَّ بما جناه
وحاول أن تُردّ له علاه
وضيع أنفسنا ذهبت فداه
وأنت الله فانتقم انتقاما
هناك ترى جهنم وهي تُحمَى
وتذكر ما مضى جرما فجرما
فَتُشرقَ بالدم المسفوك ظلما
وبالوطن العثور ولا قياما