علي لو استشرت أباك قبلاً

عَلِيُّ لَوِ اِستَشَرتَ أَباكَ قَبلاً
فَإِنَّ الخَيرَ حَظُّ المُستَشيرِ
إِذاً لَعَلِمتَ أَنّا في غِناءٍ
وَإِن نَكُ مِن لِقائِكَ في سُرورِ
وَما ضِقنا بِمَقدَمِكَ المُفَدّى
وَلَكِن جِئتَ في الزَمَنِ الأَخيرِ

أسائل خاطري عما سباني

أسائلُ خاطري عمّا سباني
أحُسنُ الخلقِ أم حسنُ البيانِ؟
رأيتُ تنافسَ الحُسنَينِ فيها
كأنّهما لميّةُ عاشقانِ
إذا نطقتْ صبا عقلي إليها
وإن بسَمتْ إليّ صبا جناني
وما أدري أتَبسِمُ عن حنينٍ
إليّ بقلبِها أم عن حنانِ
وإنّ شبابَها راثَ لشيبي
وما أوهى زماني من كياني

إلى ابن محمد أهدي كتابي

إلى ابن محمد أهدي كتابي
وقد يُهدَى القليل إلى الكريم
وما أهدى له إلا فؤادي
وما بين الفؤاد من الصميم
وغرس طفولتي وجَنَى شبابي
وما أوعيت من وحي قديم
وما حاولت من عصر عظيم
من الآداب للوطن العظيم
وكان محمد أوفى وأرعى
لهذا الدرّ من واعي اليتيم
وإن الشعر ريحان الموالي
وراحة كل ذى ذوق سليم
وما شرب الملوك ولا استعادوا
كهذى الكأس من هذا النديم

بأرض الجيزة اجتاز الغمام

بِأَرضِ الجيزَةِ اِجتازَ الغَمامُ
وَحَلَّ سَماءَها البَدرُ التَمامُ
وَزارَ رِياضَ إِسماعيلَ غَيثٌ
كَوالِدِهِ لَهُ المِنَنُ الجِسامُ
ثَنى عِطفَيهِما الهَرَمانِ تيهاً
وَقالَ الثالِثُ الأَدنى سَلامُ
حَلُمّي مَنفُ هَذا تاجُ خوفو
كَقُرصِ الشَمسِ يَعرِفُهُ الأَنامُ
نَمَتهُ مِن بَني فِرعَونَ هامٌ
وَمِن خُلَفاءِ إِسماعيلَ هامُ
تَأَلَّقَ في سَمائِكِ عَبقَرِيّاً
عَلَيهِ جَلالَةٌ وَلَهُ وِسامُ
تَرَعرَعَتِ الحَضارَةُ في حُلاهُ
وَشَبَّ عَلى جَواهِرِهِ النِظامُ
وَنالَ الفَنُّ في أُولى اللَيالي
وَأُخراهُنَّ عِزّاً لا يُرامُ
مَشى في جيزَةِ الفُسطاطِ ظِلٌّ
كَظِلِّ النيلِ بُلَّ بِهِ الأُوامُ
إِذا ما مَسَّ تُرباً عادَ مِسكاً
وَنافَسَ تَحتَهُ الذَهَبَ الرَغامُ
وَإِن هُوَ حَلَّ أَرضاً قامَ فيها
جِدارٌ لِلحَضارَةِ أَو دِعامُ
فَمَدرَسَةٌ لِحَربِ الجَهلِ تُبنى
وَمُستَشفى يُذادُ بِهِ السَقامُ
وَدارٌ يُستَغاثُ بِها فَيَمضي
إِلى الإِسعافِ أَنجادٌ كِرامُ
أُساةُ جِراحَةٍ حيناً وَحيناً
مَيازيبٌ إِذا اِنفَجَرَ الضِرامُ
وَأَحواضٌ يُراضُ النيلُ فيها
وَكُلُّ نَجيبَةٍ وَلَها لِجامُ
أَبا الفاروقِ أَقبَلنا صُفوفاً
وَأَنتَ مِنَ الصُفوفِ هُوَ الإِمامُ
إِلى البَيتِ الحَرامِ بِكَ اِتَّجَهنا
وَمِصرُ وَحَقَّها البَيتُ الحَرامُ
طَلَعتَ عَلى الصَعيدِ فَهَشَّ حَتّى
عَلا شَفَتَي أَبي الهَولُ اِبتِسامُ
ركابٌ سارَتِ الآمالُ فيهِ
وَطافَ بِهِ التَلَفُّتُ وَالزِحامُ
فَماذا في طَريقِكَ مِن كُفورٍ
أَجَلُّ مِنَ البُيوتِ بِها الرِجامُ
كَأَنَّ الراقِدينَ بِكُلِّ قاعٍ
هُمُ الأَيقاظُ وَاليَقظى النِيامُ
لَقَد أَزَمَ الزَمانُ الناسَ فَاِنظُر
فَعِندَكَ تُفرَجُ الإِزَمُ العِظامُ
وَبَعدَ غَدٍ يُفارِقُ عامُ بُؤسٍ
وَيَخلفُهُ مِنَ النَعماءِ عامُ
يَدورُ بِمِصرَ حالاً بَعدَ حالٍ
زَمانٌ ما لِحالَيهِ دَوامُ
وَمِصرُ بِناءُ جَدِّكَ لَم يُتَمَّم
أَلَيسَ عَلى يَدَيكَ لَهُ تَمامُ
فَلَسنا أُمَّةً قَعَدَت بِشَمسٍ
وَلا بَلَداً بِضاعَتُهُ الكَلامُ
وَلَكِن هِمَّةٌ في كُلِّ حينٍ
يَشُدُّ بِناءَها المَلِكُ الهُمامُ
نَرومُ الغايَةَ القُصوى فَنَمضي
وَأَنتَ عَلى الطَريقِ هُوَ الزِمامُ
وَنَقصرُ خُطوَةً وَنَمُدُّ أُخرى
وَتُلجِئُنا المَسافَةُ وَالمَرامُ
وَنَصبرُ لِلشَدائِدِ في مَقامٍ
وَيَغلِبُنا عَلى صَبرٍ مَقامُ
فَقَوِّ حَضارَةَ الماضي بِأُخرى
لَها زَهوٌ بِعَصرِكَ وَاِتِّسامُ
تَرفُّ صَحائِفُ البَردِيِّ فيها
وَيَنطُقُ في هَياكِلِها الرُخامُ
رَعَتكَ وَوادِياً تَرعاهُ عَنّا
مِنَ الرَحمَنِ عَينٌ لا تَنامُ
فَإِن يَكُ تاجُ مِصرَ لَها قِواماً
فَمِصرُ لِتاجِها العالي قِوامُ
لِتَهنَأ مِصرُ وَليَهنَأ بَنوها
فَبَينَ الرَأسِ وَالجِسمِ اِلتِئامُ

على قدر الهوى يأتي العتاب

عَلى قَدرِ الهَوى يَأتي العِتابُ
وَمَن عاتَبتُ يَفديهِ الصِحابُ
أَلومُ مُعَذِبي فَأَلومُ نَفسي
فَأُغضِبُها وَيُرضيها العَذابُ
وَلَو أَنّي اِستَطَعتُ لَتُبتُ عَنهُ
وَلَكِن كَيفَ عَن روحي المَتابُ
وَلي قَلبٌ بِأَن يَهوى يُجازى
وَمالِكُهُ بِأَن يَجني يُثابُ
وَلَو وُجِدَ العِقابُ فَعَلتُ لَكِن
نِفارُ الظَبيِ لَيسَ لَهُ عِقابُ
يَلومُ اللائِمونَ وَما رَأَوهُ
وَقِدماً ضاعَ في الناسِ الصَوابُ
صَحَوتُ فَأَنكَرَ السُلوانَ قَلبي
عَلَيَّ وَراجَعَ الطَرَبَ الشَبابُ
كَأَنَّ يَدَ الغَرامِ زِمامُ قَلبي
فَلَيسَ عَلَيهِ دونَ هَوىً حِجابُ
كَأَنَّ رِوايَةَ الأَشواقِ عَودٌ
عَلى بَدءٍ وَما كَمُلَ الكِتابُ
كَأَنِّيَ وَالهَوى أَخَوا مُدامٍ
لَنا عَهدٌ بِها وَلَنا اِصطِحابُ
إِذا ما اِعتَضتُ عَن عِشقٍ بِعِشقِ
أُعيدَ العَهدُ وَاِمتَدَّ الشَرابُ

على أي الجنان بنا تمر

عَلى أَيِّ الجِنانِ بِنا تَمُرُّ
وَفي أَيِّ الحَدائِقِ تَستَقِرُّ
رُوَيداً أَيُّها الفُلكُ الأَبَرُّ
بَلَغتَ بِنا الرُبوعَ فَأَنتَ حُرُّ
سَهِرتَ وَلَم تَنَم لِلرَكبِ عَينُ
كَأَن لَم يُضوِهِم ضَجَرٌ وَأَينُ
يَحُثُّ خُطاكَ لُجٌّ بَل لُجَينُ
بَلِ الإِبريزُ بَل أُفقٌ أَغَرُّ
عَلى شِبهِ السُهولِ مِنَ المِياهِ
تُحيطُ بِكَ الجَزائِرُ كَالشِياهِ
وَأَنتَ لَهُنَّ راعٍ ذو اِنتِباهِ
تَكُرُّ مَعَ الظَلامِ وَلا تَفِرُّ
يُنيفُ البَدرُ فَوقَكَ بِالهَباءِ
رَفيعاً في السُمُوِّ بِلا اِنتِهاءِ
تَخالُكُما العُيونُ إِلى اِلتِقاءِ
وَدونَ المُلتَقى كَونٌ وَدَهرُ
إِلى أَن قيلَ هَذا الدَردَنيلُ
فَسِرتَ إِلَيهِ وَالفَجرُ الدَليلُ
يُجيزُكَ وَالأَمانُ بِهِ سَبيلُ
إِذا هُوَ لَم يُجِز فَالماءُ خَمرُ
تَمُرُّ مِنَ المَعاقِلِ وَالجِبالِ
بِعالٍ فَوقَ عالٍ خَلفَ عالي
إِذا أَومَأنَ وَقَّفَتِ اللَيالي
وَتَحمي الحادِثاتُ فَلا تَمُرُّ
مَدافِعُ بَعضَها مُتَقابِلاتُ
وَمِنها الصاعِداتُ النازِلاتُ
وَمِنها الظاهِراتُ وَأُخرَياتُ
تَوارى في الصُخورِ وَتَستَسِرُّ
فَلَو أَنَّ البِحارَ جَرَت مِئينا
وَكانَ اللُجُّ أَجمَعُهُ سَفينا
لِتَلقى مَنفَذاً لَلَقينَ حَينا
وَلَمّا يَمسَسِ البوغازَ ضُرُّ
وَبَعدَ الأَرخَبيلُ وَما يَليهِ
وَتيهٍ في العَيالِمِ تيهِ
بَدا ضَوءُ الصَباحِ فَسِرتَ فيهِ
إِلى البُسفورِ وَاِقتَرَبَ المَقَرُّ
تُسايِرُكَ المَدائِنُ وَالأَناسي
وَفُلكٌ بَينَ جَوّالٍ وَراسي
وَتَحضُنُكَ الجَزائِرُ وَالرَواسي
وَتَجري رِقَّةً لَكَ وَهيَ صَخرُ
تَسيرُ مِنَ الفَضاءِ إِلى المَضيقِ
فَآناً أَنتَ في بَحرٍ طَليقِ
وَآوِنَةً لَدى مَجرىً سَحيقٍ
كَما الشَلّالُ قامَ لَدَيهِ نَهرُ
وَتَأَتي الأُفقَ تَطويهِ سِجِلّاً
لِآخَرَ كَالسَرابِ إِذا أَضَلّا
إِذا قُلنا المَنازِلُ قيلَ كَلّا
فَدونَ بُلوغِها ظُهرٌ وَعَصرُ
إِلى أَن حَلَّ في الأَوجِ النَهارُ
وَلِلرائي تَبَيَّنَتِ الدِيارُ
فَقُلنا الشَمسُ فيها أَم نُضارُ
وَياقوتٌ وَمُرجانٌ وَدُرُّ
وَدِدنا لَو مَشَيتَ بِنا الهُوَينا
وَأَينَ الخُلودُ لَدَيكَ أَينا
لِنَبهَجَ خاطِراً وَنَقَرَّ عَيناً
بِأَحسَنِ ما رَأى في البَحرِ سَفرُ
بِلَوحٍ جامِعِ الصُّوَرِ الغَوالي
وَديوانٍ تَفَرَّدَ بِالخَيالِ
وَمِرآةِ المَناظِرِ وَالمَجالي
تَمُرُّ بِها الطَبيعَةُ ما تَمُرُّ
فَضاءٌ مُثِّلَ الفِردَوسُ فيهِ
وَمَرأَىً في البِحارِ بِلا شَبيهِ
فَإيهٍ يا بَناتِ الشِعرِ إيهِ
فَمالَكِ في عُقوقِ الشِعرِ عُذرُ
لِأَجلِكِ سِرتُ في بَرٍّ وَبَحرِ
وَأَنتِ الدَهرَ أَنتِ بِكُلِّ قُطرِ
حَنَنتِ إِلى الطَبيعَةِ دونَ مِصرِ
وَقُلتِ لَدى الطَبيعَةِ أَينَ مِصرُ
فَهَلّا هَزَّكِ التِبرُ المُذابُ
وَهَذا اللَوحُ وَالقَلَمُ العُجابُ
وَما بَيني وَبَينَهُما حِجابُ
وَلا دوني عَلى الآياتِ سِترُ
جِهاتٌ أَم عَذارى حالِياتُ
وَماءٌ أَم سَماءٌ أَم نَباتُ
وَتِلكَ جَزائِرٌ أَم نَيِّراتُ
وَكَيفَ طُلوعُها وَالوَقتُ ظُهرُ
جَلاها الأُفقُ صُفراً وَهيَ خُضرُ
كَزَهرٍ دونَهُ في الرَوضِ زَهرُ
لَوى نَحرٌ بِها وَاِلتَفَّ بَحرُ
كَما مَلَكَت جِهاتِ الدَوحِ غُدرُ
تَلوحُ بِها المَساجِدُ باذِخاتِ
وَتَتَّصِلُ المَعاقِلُ شامِخاتُ
طِباقاً في العُلى مُتَفاوِتاتِ
سَما بَرٌّ بِها وَاِنحَطَّ بَرُّ
وَكَم أَرضٍ هُنالِكَ فَوقَ أَرضِ
وَرَوضٍ فَوقَ رَوضٍ فَوقَ رَوضِ
وَدورٍ بَعضُها مِن فَوقِ بَعضِ
كَسَطرٍ في الكِتابِ عَلاهُ سَطرِ
سُطورٌ لا يُحيطُ بِهِنَّ رَسمٌ
وَلا يُحصي مَعانيهِنَّ عِلمُ
إِذا قُرِئَت جَميعاً فَهيَ نَظمُ
وَإِن قُرِئَت فُرادى فَهيَ نَثرُ
تَأَرَّجُ كُلَّما اِقتَرَبَت وَتَزكو
وَيَجمَعُها مِنَ الآفاقِ سِلكُ
تُشاكِلُ ما بِهِ فَالقَصرُ فُلكُ
عَلى بُعدٍ لَنا وَالفُلكُ قَصرُ
وَنونٌ دونَها في البَحرِ نونُ
مِنَ البُسفورِ نَقَّطَها السَفينُ
كَأَنَّ السُبلَ فيهِ لَنا عُيونٌ
وَإِنسانُ السَفينَةِ لا يَقِرُّ
هُنالِكَ حَفَّتِ النُعمى خُطانا
وَحاطَتنا السَلامَةُ في حِمانا
فَأَلقَينا المَراسِيَ وَاِحتَوانا
بِناءٌ لِلخِلافَةِ مُشمَخِرُّ
فَيا مَن يَطلُبِ المَرأى البَديعا
وَيَعشَقهُ شَهيداً أَو سَميعا
رَأَيتَ مَحاسِنَ الدُنيا جَميعاً
فَهُنَّ الواوُ وَالبُسفورُ عَمرو

لقد لبى زعيمكم النداء

لَقَد لَبّى زَعيمُكُمُ النِداءَ
عَزاءً أَهلَ دِمياطٍ عَزاءَ
وَإِن كانَ المُعَزّي وَالمُعَزّى
وَكُلُّ الناسِ في البَلوى سَواءَ
فُجِعنا كُلُّنا بِعَلائِلِيٍّ
كَرُكنِ النَجمِ أَو أَسنى عَلاءَ
أَرَقُّ شَبابِ دِمياطٍ عَلَيها
وَأَنشَطُهُم لِحاجَتِها قَضاءَ
وَخَيرُ بُيوتِها كَرَماً وَتَقوى
وَأَصلاً في السِيادَةِ وَاِنتِهاءَ
فَتىً كَالرُمحِ عالِيَةً رُعوداً
وَكَالصَمصامِ إِفرِنداً وَماءَ
وَأَعطى المالَ وَالهِمَمَ العَوالي
وَلَم يُعطِ الكَرامَةَ وَالإِباءَ
شَبابٌ ضارَعَ الرَيحانَ طيباً
وَنازَعَهُ البَشاشَةَ وَالبَهاءَ
وَجُندِيُّ القَضِيَةِ مُنذُ قامَت
تَعَلَّمَ تَحتَ رايَتِها اللِقاءَ
وَرُوِّعَ شَيخُها العالي بِيَومٍ
فَكانَ بِمَنكِبَيهِ لَهُ وِقاءَ
سَعى لِضَميرِهِ وَلَوَجهِ مِصرٍ
وَلَم يَتَوَلَّ يَنتَظِرُ الجَزاءَ
وَنَعشٍ كَالغَمامِ يَرِفُّ ظِلّاً
إِذا ذَهَبَ الزِحامُ بِهِ وَجاءَ
وَلَم تَقَعِ العُيونُ عَلَيهِ إِلّا
أَثارَ الحُزنَ أَو بَعَثَ البُكاءَ
عَجِبنا كَيفَ لَم يَخضَرَّ عوداً
وَقَد حَمَلَ المُروءَةَ والرُفاءَ
مَشَت دِمياطُ فَاِلتَفَّت عَلَيهِ
تُنازِعُهُ الذَخيرَةَ وَالرَجاءَ
بَني دِمياطَ ما شَيءٌ بِباقٍ
سِوى الفَردِ الَّذي اِحتَكَرَ البَقاءَ
تَعالى اللَهُ لا يَبقى سِواهُ
إِذا وَرَدَت بِرِيَّتَهُ الفَناءَ
وَأَنتُم أَهلُ إيمانٍ وَتَقوى
فَهَل تَلقَونَ بِالعَتبِ القَضاءَ
مَلَأتُم مِن بُيوتِ اللَهِ أَرضاً
وَمِن داعي البُكورِ لَها سَماءَ
وَلا تَستَقبِلونَ الفَجرَ إِلّا
عَلى قَدَمِ الصَلاةِ إِذا أَضاءَ
وَتَرتَقِبونَ مَطلَعَهُ صِغاراً
وَتَستَبِقونَ غُرَّتَهُ نِساءَ
وَكَم مِن مَوقِفٍ ماضٍ وَقَفتُم
فَكُنتُم فيهِ لِلوَطَنِ الفِداءَ
دَفَعتُم غارَةً شَعواءَ عَنهُ
وَذُدتُم عَن حَواضِرِهِ البَلاءَ
أَخي عَبدَ الحَليمِ وَلَستُ أَدري
أَأَدعو الصِهرَ أَم أَدعو الإِخاءَ
وَكَم صَحَّ الوِدادُ فَكانَ صِهراً
وَكانَ كَأَقرَبِ القُربى صَفاءَ
عَجيبٌ تَركُكَ الدُنيا سَقيماً
وَكُنتَ النَحلَ تَملَؤُها شِفاءَ
وَكُنّا حينَ يُعضِلُ كُلُّ داءٍ
نَجيءُ إِلَيكَ نَجعَلُكَ الدَواءَ
مَضَت بِكَ آلَةٌ حَدباءُ كانَت
عَلى الزَمَنِ المَطِيَّةَ وَالوِطاءَ
وَسارَت خَلفَكَ الأَحزابُ صَفّاً
وَسِرتَ فَكُنتَ في الصَفِّ اللِواءَ
تُوَلِّفُ بَينَهُم مَيتاً وَتَبني
كَعَهدِكَ في الحَياةِ لَهُم وَلاءَ

سلام الله لا أرضى سلامي

سلام الله لا أرضى سلامي
فكل تحية دون المقام
وعين من رسول الله ترعى
وتحرس حامل الأمر الجُسام
وتنَجد مقلة في الله يقظى
وتخلفها على أمم نيام
تقلَّب في ليال من خطوب
تركن المسلمين بلا سلام
ومن عجبٍ قيامك في الليالي
وأنت الشمس في نظر الأنام
أحب خليفة الرحمن جهدي
وحب الله في حب الإمام
وأجعل عصره عنوان شعري
وحسن العقد يظهر في النظام
فإن نفت الموانع فيه حظى
فليس بفائت حظ الكلام
وقد يُرعى الغمام الأرض أذنا
وأين الأرض من سمع الغمام

نراوح بالحوادث أو نغادى

نُراوِحُ بِالحَوادِثِ أَو نُغادى
وَنُنكِرُها وَنُعطيها القِيادا
وَنَحمِدُها وَما رَعَتِ الضَحايا
وَلا جَزَتِ المَواقِفَ وَالجِهادا
لَحاها اللَهُ باعَتنا خَيالاً
مِنَ الأَحلامِ وَاِشتَرَتِ اِتِّحادا
مَشَينا أَمسِ نَلقاها جَميعاً
وَنَحنُ اليَومَ نَلقاها فُرادى
أَظَلَّتنا عَنِ الإِصلاحِ حَتّى
عَجَزنا أَن نُناقِشها الفَسادا
تُلاقينا فَلا نَجِدُ الصَياصي
وَنَلقاها فَلا نَجِدُ العَتادا
وَمَن لَقِيَ السِباعَ بِغَيرِ ظَفرٍ
وَلا نابٍ تَمَزَّقَ أَو تَفادى
خَفَضنا مِن عُلُوِّ الحَقِّ حَتّى
تَوَهَّمنا السِيادَةَ أَن نُسادا
وَلَمّا لَم نَنل لِلسَيفِ رَدّاً
تَنازَعنا الحَمائِلَ وَالنِجادا
وَأَقبَلنا عَلى أَقوالِ زورٍ
تَجيءُ الغَيَّ تَقلِبُهُ رَشادا
وَلَو عُدنا إِلَيها بَعدَ قَرنٍ
رَحَمنا الطِرسَ مِنها وَالمِدادا
وَكَم سِحرٍ سَمِعنا مُنذُ حينٍ
تَضاءَلَ بَينَ أَعيُنِنا وَنادى
هَنيئاً لِلعَدُوِّ بِكُلِّ أَرضٍ
إِذا هُوَ حَلَّ في بَلَدٍ تَعادى
وَبُعداً لِلسِيادَةِ وَالمَعالي
إِذا قَطَعَ القَرابَةَ وَالوِدادا
وَرُبَّ حَقيقَةٍ لا بُدَّ مِنها
خَدَعنا النَشءَ عَنها وَالسَوادا
وَلَو طَلَعوا عَلَيها عالَجوها
بِهِمَّةِ أَنفُسٍ عَظُمَت مُرادا
تُعِدُّ لِحادِثِ الأَيّامِ صَبراً
وَآوِنَةً تُعِدُّ لَهُ عِنادا
وَتُخلِفُ بِالنَهيِ البيضَ المَواضي
وَبِالخُلقِ المُثَقَّفَةِ الصِعادا
لَمَحنا الحَظَّ ناحِيَةً فَلَمّا
بَلَغناها أَحَسَّ بِنا فَحادا
وَلَيسَ الحَظُّ إِلّا عَبقَرِيّاً
يُحِبُّ الأَريَحِيَّةَ وَالسَدادا
وَنَحنُ بَنو زَمانٍ حُوَّلِيٍّ
تَنَقَّلَ تاجِراً وَمَشى وَرادا
إِذا قَعَدَ العِبادُ لَهُ بِسوقٍ
شَرى في السوقِ أَو باعَ العِبادا
وَتُعجِبُهُ العَواطِفُ في كِتابٍ
وَفي دَمعِ المُشَخِّصِ ما أَجادا
يُؤَمِّنُنا عَلى الدُستورِ أَنّا
نَرى مِن خَلفِ حَوزَتِهِ فُؤادا
أَبو الفاروقِ نَرجوهُ لِفَضلٍ
وَلا نَخشى لِما وَهَبَ اِرتِدادا
مَلَأنا بِاِسمِهِ الأَفواهَ فَخراً
وَلَقَّبناهُ بِالأَمسِ المَكادا
نُناجيهِ فَنَستَرعي حَكيماً
وَنَسأَلُهُ فَنَستَجدي جَوادا
وَلَم يَزَلِ المُحَبَّبَ وَالمُفَدّى
وَمَرهَمَ كُلِّ جُرحٍ وَالضِمادا
تَدَفَّقَ مَصرِفُ الوادي فَرَوّى
وَصابَ غَمامُهُ فَسقى وَجادا
دَعا فَتَنافَسَت فيهِ نُفوسٌ
بِمِصرَ لِكُلِّ صالِحَةٍ تُنادى
تُقَدِّمُ عَونَها ثِقَةً وَمالاً
وَأَحياناً تُقَدِّمُهُ اِجتِهادا
وَأَقبَلَ مِن شَبابِ القَومِ جَمعٌ
كَما بَنَتِ الكُهولُ بَنى وَشادا
كَأَنَّ جَوانِبَ الدارِ الخَلايا
وَهُم كَالنَحلِ في الدارِ اِحتِشادا
فَيا داراً مِن الهِمَمِ العَوالي
سُقيتِ التِبرَ لا أَرضى العِهادا
تَأَنّى حينَ أَسَّسَكِ اِبنُ حَربٍ
وَحينَ بَنى دَعائِمَكِ الشِدادا
وَلا تُرجى المَتانَةُ في بِناءٍ
إِذا البَنّاءُ لَم يُعطَ اِتِّئادا
بَنى الدارَ الَّتي كُنّا نَراها
أَمانِيَّ المُخَيَّلِ أَو رُقادا
وَلَم يَبعُد عَلى نَفسٍ مَرامٌ
إِذا رَكِبَت لَهُ الهِمَمُ البِعادا
وَلَم أَرَ بَعدَ قُدرَتِهِ تَعالى
كَمَقدِرَةِ اِبنِ آدَمَ إِن أَرادا
جَرى وَالناسُ في رَيبٍ وَشَكٍّ
يَرومُ السَبقَ فَاِختَرَقَ الجِيادا
وَعودِيَ دونَها حَتّى بَناها
وَمِن شَأنِ المُجَدِّدِ أَن يُعادى
يَهونُ الكَيدُ مِن أَعدى عَدُوٍّ
عَلَيكَ إِذا الوَلِيُّ سَعى وَكادا
فَجاءَت كَالنَهارِ إِذا تَجَلى
عُلُوّاً في المَشارِقِ وَاِنطِيادا
نَصونُ كَرائِمَ الأَموالِ فيها
وَنُنزِلُها الخَزائِنَ وَالنِضادا
وَنُخرِجُها فَتَكسِبُ ثُمَّ تَأوي
رُجوعَ النَحلِ قَد حُمِّلنَ زادا
وَلَم أَرَ مِثلَها أَرضاً أَغَلَّت
وَما سُقِيَت وَلا طَعَمَت سَمادا
وَلا مُستَودَعاً مالاً لِقَومٍ
إِذا رَجَعوا لَهُ أَدّى وَزادا
وَمِن عَجَبٍ نُثَبِّتُها أُصولاً
وَتِلكَ فُروعُها تَغَشى البِلادا
كَأَنَّ القُطرَ مِن شَوقٍ إِلَيها
سَما قَبلَ الأَساسِ بِها عِمادا
وَلَو مَلَكَت كُنوزَ الأَرضِ كَفّي
جَعَلتُ أَساسَها ماساً وَرادا
وَلَو أَنَّ النُجومَ عَنَت لِحُكمي
فَرَشتُ النَيِّراتِ لَها مِهادا