جلوسك ام سلام العالمينا

جلوسك أم سلام العالمينا
وتاجك أم هلال العز فينا
ملكت فكنت خير المالكينا
وأنت أجلهم دنيا ودينا
سرير لم يكن بالمطمئن
وملك غادروه بغير ركن
نهضت تقيم مائله وتبنى
فكنت الركن والسبب المتينا
وَلِيتَ الأمر أقدرَ من يليه
تخاف الله فيه وترتجيه
وتمحو آية العهد السفيه
وتجمع كلمة المتفرّقينا
بوقت فيه للمك انقلاب
وللعرش اهتزاز وأضطراب
فقمت فقرّ في يدك العباب
وأوشكت العواصف أن تدينا
بوقت فيه للأعدا دبيب
إذا ما راح ذيب جاء ذيب
لكل حزبه وبه يريب
وكنت لربك الحزب الأمينا
عداوات ينشن الملك لدًَّا
وأحزاب من الأتراك أعدى
تخذت البعض ضدا البعض جندا
فغال المفسدون المفسدينا
تغيرت الرجال فلا رجال
وزَيَّنَ للغَرورين الضلال
فراموا والذي راموا محال
ومن يرم المحال فلن يكونا
تمنوا للعدو كما تمنى
ولما يسألوا الأحياء عنا
فلا تتشبهوا يا قوم إنا
عرفنا مصر المتشبهينا
حجابك عند يلدزك الجلال
وأنت لها وللدنيا جمال
تنال الخافقين ولا تُنال
إذا قلبتَ في الأفق الجفونا
يرفِّعك المقام عن أبتذال
وعن عبث الحوادث والرجال
ومن يك ملكه حرب الليالي
يجد لصروفها وله شؤونا
تعالجهنِّ في سلم وحرب
وتلقاهنِّ في شرق وغرب
وتدفعهنّ من بعد وقرب
وتثنيهن حتى ينثنينا
وحيدا تستعان ولا تعان
كأنك في تفرّدك الزمان
ولكن أنت منه لنا أمان
وأكبر أن تخون وأن تمينا
تلذ بما يشقّ على العباد
وتنعم بانفرادك والسهاد
رويدا في جفونك والفؤاد
ومهلا يا أمير المؤمنينا
وقبلك لم يُنم عمرَ الأنام
وقد سهرت رعيته الكرام
وقومك عند مرقدهم نيام
فهل تحصى على القوم السنينا
تردّ على الليالي كل سهم
ولا يرددن سهمك حين ترمى
تجير على حوادثها وتحمى
ولا يحمين منك المحتمينا
وكم كرب كشفت وعظم هول
بفعل منك لم يسبق بقول
وأسطول رددت بغير حول
تشيِّعه الخلائق ساخرينا
جمعت الأمر حين الأمر فوضى
وشرَّفتَ اللواء وكان أرضا
وحصنت القرى طولا وعرضا
بآساد يهيبِّن العرينا
وكم لك من فيالق من طراز
غدوا خير الجنود لخير غاز
إذا زحموا الضياغم في مجاز
أبادوها وكانوا العابرينا
سلاح من سلاح الموت أمضى
إذا الإيمان يوم الروع أنضى
وبأس ينزل الأجبال أرضا
ويركبها إلى الهيجا متونا
نظمت الجيش بالقلم الحميد
كنظمي فيك أبيات النشيد
فإن فتشت عن بيت القصيد
قرأت الفتح والنصر المبينا
وفتح في العدوّ لنا جليل
شفعناه من الصفح الجميل
بأجمل منه من فعل الجميل
فكنا القادرين الصافحينا
بطشت فلم تدع لهمو وجودا
وكان البطش إشفاقا وجودا
صدقت قياصر العصر الوعودا
تريهم كيف عهد الظافرينا
وقائع في الزمان هي الجسام
إذا ذكرت لنا سأل الأنام
أجيش للخليفة أم غمام
أظلَّ تساليا سمحا هتونا
وقبل النصر نصر قد تجلى
عُلاً في العصر آثارا وجلّى
ظهرت على الحوادث وهي جُلى
وأكمدت العدا والشامتينا
تخبط قومه فيك الخطيب
يريبك في المجامع ما يريب
فما سمع الهلال ولا الصليب
بغيرك في عقاب المعتدينا
يزيد سفاهة فتزيد حلما
لأنت أجل أخلاقا وأسمى
فكنت لساكن البلقان سلما
وكان محرّك الشر الكمينا
كفيت الخلق نارا قد أثارا
وللشرف الرفيع أخذت ثارا
وقد يمحو بك الإسلام عارا
إذا الإسلام في يوم أُهينا
بحزم ليس من قال وقيل
وعز ليس بالرجل العليل
وبطش من يدَى سمح منيل
كريم معرق في الأكرمينا
أسود الترك هبى ثم هبى
وهزى الأرض في شرق وغرب
بمن يزجي الجيوش ومن يعبى
ومن يحمى المواقع والحصونا
وحيِّى من أقامك يا قلاع
ومن لك تحت رايته أمتناع
فليس كهذه بشرى تذاع
ولا كجلوس ربك تعلنينا
أشيري يا أرامل للسماء
ويا أيتام ضجوا بالدعاء
ويا شهداء ناجوا بالبقاء
إذا سُمع الملائك هاتفينا
إذا شاقتكم الأوطان يوما
أو أشتقتم بها أهلا وقوما
فناموا في أمان الله نوما
فكل عند خير الكافلينا
أربَّ العيد هذا العيد يُجلَى
وكم لك من دعاء فيه يتلى
ولكن شاعر الإسلام أعلى
وأوقع في نفوس المسلمينا
لقد بيضت للملك الليالي
فليل الملك بالزينات حالي
وكم لك في القلوب من احتفال
يكاد الجسم عنه أن يبينا
وهذى مصر باسطة اليدين
تؤدّى من ولائك خير دين
وتلحظ عيدك الأسنى بعين
تفاجى بالهوى تلك العيونا
فهل عند الإمام لها قبول
وهل نحو الإمام لها وصول
فتشكو من جراح ما تزول
وكيف يزول ما بلغ الوتينا
أتتك تغض من طرف الحياء
تتوب إليك من ماضي الرياء
وتبسط في ثراك يد الرجاء
وتُلقى فيه آمال البنينا
فقابلها بعطفك والنوال
وأنزلها بسوحك والظلال
أدام الله ذاتك للمعالي
وأيَّد تاجها ورعى الجبينا

خلقنا للحياة وللممات

خُلِقنا لِلحَياةِ وَلِلمَماتِ
وَمِن هَذَينِ كُلُّ الحادِثاتِ
وَمَن يولَد يَعِش وَيَمُت كَأَن لَم
يَمُرَّ خَيالُهُ بِالكائِناتِ
وَمَهدُ المَرءِ في أَيدي الرَواقي
كَنَعشِ المَرءِ بَينَ النائِحاتِ
وَما سَلِمَ الوَليدُ مِنِ اِشتِكاءٍ
فَهَل يَخلو المُعَمَّرُ مِن أَذاةِ
هِيَ الدُنيا قِتالٌ نَحنُ فيهِ
مَقاصِدُ لِلحُسامِ وَلِلقَناةِ
وَكُلُّ الناسِ مَدفوعٌ إِلَيهِ
كَما دُفِعَ الجَبانُ إِلى الثَباتِ
نُرَوَّعُ ما نُرَوَّعُ ثُمَّ نُرمى
بِسَهمٍ مِن يَدِ المَقدورِ آتي
صَلاةُ اللَهِ يا تِمزارُ تَجزي
ثَراكِ عَنِ التِلاوَةِ وَالصَلاةِ
وَعَن تِسعينَ عاماً كُنتِ فيها
مِثلَ المُحسِناتِ الفُضلَياتِ
بَرَرتِ المُؤمِناتِ فَقالَ كُلُّ
لَعَلَّكِ أَنتِ أُمُّ المؤمِناتِ
وَكانَت في الفَضائِلِ باقِياتٌ
وَأَنتِ اليَومَ كُلُّ الباقِياتِ
تَبَنّاكِ المُلوكُ وَكُنتِ مِنهُم
بِمَنزِلَةِ البَنينِ أَوِ البَناتِ
يُظِلّونَ المَناقِبَ مِنكِ شَتّى
وَيُؤوُنَ التُقى وَالصالِحاتِ
وَما مَلَكوكِ في سوقٍ وَلَكِن
لَدى ظِلِّ القَنا وَالمُرهَفاتِ
عَنَنتِ لَهُم بِمورَةَ بِنتَ عَشرٍ
وَسَيفُ المَوتِ في هامِ الكُماةِ
فَكُنتِ لَهُم وَلِلرَحمَنِ صَيداً
وَواسِطَةً لِعِقدِ المُسلِماتِ
تَبِعتِ مُحَمَّداً مِن بَعدِ عيسى
لِخَيرِكِ في سِنيكِ الأولَياتِ
فَكانَ الوالِدانِ هُدىً وَتَقوى
وَكانَ الوِلدُ هَذي المُعجِزاتِ
وَلَو لَم تَظهَري في العُربِ إِلّا
بِأَحمَدَ كُنتِ خَيرَ الوالِداتِ
تَجاوَزتِ الوَلائِدَ فاخِراتٍ
إِلى فَخرِ القَبائِلِ وَاللُغاتِ
وَأَحكَمِ مَن تَحَكَّمَ في يَراعٍ
وَأَبلَغِ مَن تَبَلَّغَ مِن دَواةِ
وَأَبرَإِ مَن تَبَرَّأَ مِن عَداءٍ
وَأَنزَهِ مَن تَنَزَّهَ مِن شَماتِ
وَأَصوَنِ صائِنٍ لِأَخيهِ عِرضاً
وَأَحفَظِ حافِظٍ عَهدَ اللِداتِ
وَأَقتَلِ قاتِلٍ لِلدَهرِ خُبراً
وَأَصبَرِ صابِرٍ لِلغاشِياتِ
كَأَنّي وَالزَمانُ عَلى قِتالٍ
مُساجَلَةً بِمَيدانِ الحَياةِ
أَخافُ إِذا تَثاقَلَتِ اللَيالي
وَأُشفِقُ مِن خُفوفِ النائِباتِ
وَلَيسَ بِنافِعي حَذَري وَلَكِن
إِباءً أَن أَراها باغِتاتِ
أَمَأمونٌ مِنَ الفَلَكِ العَوادي
وَبَرجَلُهُ يَخُطُّ الدائِراتِ
تَأَمَّل هَل تَرى إِلّا شِباكاً
مِنَ الأَيّامِ حَولَكَ مُلقَياتِ
وَلَو أَنَّ الجِهاتِ خُلِقنَ سَبعاً
لَكانَ المَوتُ سابِعَةَ الجِهاتِ
لَعاً لِلنَعشِ لا حُبّاً وَلَكِن
لِأَجلِكِ يا سَماءَ المَكرُماتِ
وَلا خانَتهُ أَيدي حامِليهِ
وَإِن ساروا بِصَبرِيَ وَالأَناةِ
فَلَم أَرَ قَبلَهُ المَريخَ مُلقىً
وَلَم أَسمَع بِدَفنِ النَيِّراتِ
هُناكَ وَقَفتُ أَسأَلُكِ اِتِّئاداً
وَأُمسِكُ بِالصِفاتِ وَبِالصَفاةِ
وَأَنظُرُ في تُرابِكِ ثُمَّ أُغضي
كَما يُغضي الأَبِيُّ عَلى القَذاةِ
وَأَذكُرُ مِن حَياتِكِ ما تَقَضّى
فَكانَ مِنَ الغَداةِ إِلى الغَداةِ

معالي العهد قمت بها فطيما

مَعالي العَهدِ قُمتَ بِها فَطيما
وَكانَ إِلَيكَ مَرجِعُها قَديما
تَنَقَّل مِن يَدٍ لِيَدٍ كَريماً
كَروحِ اللَهِ إِذ خَلَفَ الكَليما
تَنحّى لِاِبنِ مَريَمَ حينَ جاءَ
وَخَلّى النَجمُ لِلقَمَرِ الفَضاءَ
ضِياءٌ لِلعُيونِ تَلا ضِياءً
يَفيضُ مَيامِناً وَهُدىً عَميما
كَذا أَنتُم بَني البَيتِ الكَريمِ
وَهَل مُتَجَزِّئٌ ضَوءُ النُجومِ
وَأَينَ الشُهبُ مِن شَرَفٍ صَميمِ
تَأَلَّقَ عِقدُهُ بِكُمو نَظيما
أَرى مُستَقبَلاً يَبدو عُجابا
وَعُنواناً يُكِنُّ لَنا كِتابا
وَكانَ مُحَمَّدٌ أَمَلاً شِهابا
وَكانَ اليَأسُ شَيطاناً رَجيما
وَأَشرَقَتِ الهَياكِلُ وَالمَباني
كَما كانَت وَأَزيَنَ في الزَمانِ
وَأَصبَحَ ما تُكِنُّ مِنَ المَعاني
عَلى الآفاقِ مَسطوراً رَقيما
سَأَلتُ فَقيلَ لي وَضَعَتهُ طِفلاً
وَهَذا عيدُهُ في مِصرَ يُجلى
فَقُلتُ كَذَلِكُم آنَستُ قَبلا
وَكانَ اللَهُ بِالنَجوى عَليما
بِمُنتَزَهِ الإِمارَةِ هَلَّ فَجرا
هِلالاً في مَنازِلِهِ أَغَرّا
فَباتَت مِصرُ حَولَ المَهدِ ثَغرا
وَباتَ الثَغرُ لِلدُنيا نَديما
لِجيلِكَ في غَدٍ جيلِ المَعالي
وَشَعبِ المَجدِ وَالهِمَمِ العَوالي
أَزُفُ نَوابِغَ الكَلِمِ الغَوالي
وَأَهدي حِكمَتي الشَعبَ الحَكيما
إِذا أَقبَلتَ يا زَمَن البَنينا
وَشَبّوا فيكَ وَاِجتازوا السِنينا
فَدُر مِن بَعدِنا لَهُمو يَمينا
وَكُن لِوُرودِكَ الماءَ الحَميما
وَيا جيلَ الأَميرِ إِذا نَشَأنا
وَشاءَ الجَدُّ أَن تُعطى وَشِئتا
فَخُذ سُبُلاً إِلى العَلياءِ شَتّى
وَخَلِّ دَليلَكَ الدينَ القَويما
وَضِنَّ بِهِ فَإِنَّ الخَيرَ فيهِ
وَخُذهُ مِنَ الكِتابِ وَما يَليهِ
وَلا تَأخُذهُ مِن شَفَتَي فَقيهِ
وَلا تَهجُر مَعَ الدينِ العُلوما
وَثِق بِالنَفسِ في كُلِّ الشُؤونِ
وَكُن مِمّا اِعتَقدتَ عَلى يَقينِ
كَأَنَّكَ مِن ضَميرِكَ عِندَ دينٍ
فَمِن شَرَفِ المَبادِئِ أَن تُقيما
وَإِن تَرُمِ المَظاهِرَ في الحَياةِ
فَرُمها بِاِجتِهادِكَ وَالثَباتِ
وَخُذها بِالمَساعي باهِراتِ
تُنافِسُ في جَلالَتِها النُجوما
وَإِن تَخرُج لِحَربٍ أَو سَلامِ
فَأَقدِم قَبلَ إِقدامِ الأَنامِ
وَكُن كَاللَيثِ يَأتي مِن أَمامِ
فَيَملَأُ كُلَّ ناطِقَةٍ وُجوما
وَكُن شَعبَ الخَصائِصِ وَالمَزايا
وَلا تَكُ ضائِعاً بَينَ البَرايا
وَكُن كَالنَحلِ وَالدُنيا الخَلايا
يَمُرُّ بِها وَلا يَمضي عَقيما
وَلا تَطمَح إِلى طَلَبِ المُحالِ
وَلا تَقنَع إِلى هَجرِ المَعالي
فَإِن أَبطَأنَ فَاِصبِر غَيرَ سالِ
كَصَبرِ الأَنبِياءِ لَها قَديما
وَلا تَقبَل لِغَيرِ اللَهِ حُكماً
وَلا تَحمِل لِغَيرِ الدَهرِ ظُلما
وَلا تَرضَ القَليلَ الدونَ قِسما
إِذا لَم تَقدِرِ الأَمرَ المَروما
وَلا تَيأَس وَلا تَكُ بِالضَجورِ
وَلا تَثِقَنَّ مِن مَجرى الأُمورِ
فَلَيسَ مَعَ الحَوادِثِ مِن قَديرِ
وَلا أَحَدٌ بِما تَأتي عَليما
وَفي الجُهّالِ لا تَضَعِ الرَجاءَ
كَوَضعِ الشَمسِ في الوَحَلِ الضِياءَ
يَضيعُ شُعاعُها فيهِ هَباءَ
وَكانَ الجَهلُ مَمقوتاً ذَميما
وَبالِغ في التَدَبُّرِ وَالتَحَرّي
وَلا تَعجَل وَثِق مِن كُلِّ أَمرِ
وَكُن كَالأُسدِ عِندَ الماءِ تَجري
وَلَيسَت وُرَّداً حَتّى تَحوما
وَما الدُنيا بِمَثوىً لِلعِبادِ
فَكُن ضَيفَ الرِعايَةِ وَالوِدادِ
وَلا تَستَكثِرَنَّ مِنَ الأَعادي
فَشَرُّ الناسِ أَكثَرُهُم خُصوما
وَلا تَجعَل تَوَدُّدُكَ اِبتِذالاً
وَلا تَسمَح بِحِلمِكَ أَن يُذالا
وَكُن ما بَينَ ذاكَ وَذاكَ حالا
فَلَن تُرضي العَدُوَّ وَلا الحَميما
وَصَلِّ صَلاةَ مَن يَرجو وَيَخشى
وَقَبلَ الصَومِ صُم عَن كُلِّ فَحشا
وَلا تَحسَب بِأَنَّ اللَهَ يُرشى
وَأَنَّ مُزَكّياً أَمِنَ الجَحيما
لِكُلِّ جَنىً زَكاةً في الحَياةِ
وَمَعنى البِرِّ في لَفظِ الزَكاةِ
وَما لِلَّهُ فينا مِن جُباةِ
وَلا هُوَ لِاِمرِئٍ زَكّى غَريما
فَإِن تَكُ عالِماً فَاِعمَل وَفَطِّن
وَإِن تَكُ حاكِماً فَاِعدِل وَأَحسِن
وَإِن تَكُ صانِعاً شَيئاً فَأَتقِن
وَكُن لِلفَرضِ بَعدَئِذٍ مُقيما
وَصُن لُغَةً يَحُقُّ لَها الصِيانُ
فَخَيرُ مَظاهِرِ الأُمِّ البَيانُ
وَكانَ الشَعبُ لَيسَ لَهُ لِسانُ
غَريباً في مَواطِنِهِ مَضيما
أَلَم تَرَها تُنالُ بِكُلِّ ضَيرٍ
وَكانَ الخَيرُ إِذ كانَت بِخَيرِ
أَيَنطِقُ في المَشارِقِ كُلُّ طَيرِ
وَيَبقى أَهلُها رَخَماً وَبوما
فَعَلِّمها صَغيرَكَ قَبلَ كُلِّ
وَدَع دَعوى تَمَدُّنِهِم وَخَلِّ
فَما بِالعِيِّ في الدُنيا التَحَلّي
وَلا خَرَسُ الفَتى فَضلاً عَظيما
وَخُذ لُغَةَ المُعاصِرِ فَهيَ دُنيا
وَلا تَجعَل لِسانَ الأَصلِ نَسيا
كَما نَقَلَ الغُرابُ فَضَلَّ مَشياً
وَما بَلَغَ الجَديدَ وَلا القَديما
لِجيلِكَ يَومَ نَشأَتِهِ مَقالي
فَأَمّا أَنتَ يا نَجلَ المَعالي
فَتَنظُرُ مِن أَبيكَ إِلى مِثالٍ
يُحَيِّرُ في الكَمالاتِ الفُهوما
نَصائِحُ ما أَرَدتُ بِها لِأَهدي
وَلا أَبغي بِها جَدواكَ بَعدي
وَلَكِنّي أُحِبُّ النَفعَ جَهدي
وَكانَ النَفعُ في الدُنيا لُزوما
فَإِن أُقرِئتَ يا مَولايَ شِعري
فَإِنَّ أَباكَ يَعرِفُهُ وَيَدري
وَجَدُّكَ كانَ شَأوي حينَ أَجري
فَأَصرَعُ في سَوابِقِها تَميما
بَنونا أَنتَ صُبحُهُمُ الأَجَلُّ
وَعَهدُكَ عِصمَةٌ لَهُمو وَظِلُّ
فَلِم لا نَرتَجيكَ لَهُم وَكُلٌّ
يَعيشُ بِأَن تَعيشَ وَأَن تَدوما

يمينا بالطلاق وبالعتاق

يمينا بالطلاق وبالعتاق
من الدنيا المعلقمة المذاق
وكل فقارة من ظهر مكسى
بصحراء الإمام وعظم ساق
وتربته وكل الخير فيها
ونسبته الشريفة للبراق
وبالخُطَب الطوال وما حوته
وإن لم يبق في الأذهان باق
وكَسرى الشعر إن أنشدت شعرا
ونطقي القاف واسعة النطاق
وما لوَّنت للدُّولات وجهي
ولم ألبس لها ثوب الرياق
بوقت ضاعت الأخلاق فيه
وأصبحت السلامة في النفاق
أيشتمني سليمان بن فوزي
و بيبي في دي ومعي تَباق
وتحت يدى من العمال جمع
يُشمِّر ذيله عند التلاقى
ولسنا في البيان إذا جرينا
لأبعدِ غاية فرسَي سباق
تُقاقي ذقنه من غير بيض
ولي ذقن تبيض ولا تقاقي
وتحلاق اللحى ما كان رأيى
ولا قصّ الشوارب من خلاقي
أنا الطيار رجل في دمشق
إذا اشتدّت ورجل في العراق
أنا الأسد الغضنفر بيد أني
تسيرني الجآذر في الرباق
ألا طز على العيهور طز
وإن أبدى مجاملة الرفاق
بقارعة الطريق ينال مني
ويوسعني عناقا في الزقاق
وليس من الغريب سواد حظي
وبالسودان قد طال التصاقي
نُحست فلو دعيت لأجل فتق
وجدت قليطة تحت الفتاق
ألم تر أنني أعرضت عنه
وصار لغير طلعته اشتياقي
أذم القبعات ولابسيها
وتعجبني الشوادن في الطواقي
وأوعز بالعقال إلى شباب
رجعت بهم إلى عصر النياق
فسبحان المفرِّق حظ قومٍ
قناطيرا وأقوامٍ أواقي
وقوم يرتقون إلى المعالي
وقوم ما لهم فيها مراقى
وأصحاب المقارف والمرازي
وأصحاب المزارع والسواقي
وأيد لا تكاد تصيب خبزا
وايد لا تُسل من الرقاق
وعيش كالزواج على غرام
وعيش مثل كارثة الطلاق
أمور يضحك السعداء منها
ويبكى البلشفيّ والاشتراقي

انادي الرسم لو ملك الجوابا

أُنادي الرَسمَ لَو مَلَكَ الجَوابا
وَأُجزيهِ بِدَمعِيَ لَو أَثابا
وَقَلَّ لِحَقِّهِ العَبَراتُ تَجري
وَإِن كانَت سَوادَ القَلبِ ذابا
سَبَقنَ مُقَبِّلاتِ التُربِ عَنّي
وَأَدَّينَ التَحِيَّةَ وَالخِطابا
فَنَثري الدَمعَ في الدِمَنِ البَوالي
كَنَظمي في كَواعِبِها الشَبابا
وَقَفتُ بِها كَما شاءَت وَشاؤوا
وُقوفاً عَلَّمَ الصَبرَ الذِهابا
لَها حَقٌّ وَلِلأَحبابِ حَقٌّ
رَشَفتُ وِصالَهُم فيها حَبابا
وَمَن شَكَرَ المَناجِمَ مُحسِناتٍ
إِذا التِبرُ اِنجَلى شَكَرَ التُرابا
وَبَينَ جَوانِحي وافٍ أُلوفٌ
إِذا لَمَحَ الدِيارَ مَضى وَثابا
رَأى مَيلَ الزَمانِ بِها فَكانَت
عَلى الأَيّامِ صُحبَتُهُ عِتابا
وَداعاً أَرضَ أَندَلُسٍ وَهَذا
ثَنائي إِن رَضيتِ بِهِ ثَوابا
وَما أَثنَيتُ إِلّا بَعدَ عِلمٍ
وَكَم مِن جاهِلٍ أَثنى فَعابا
تَخِذتُكِ مَوئِلاً فَحَلَلتُ أَندى
ذُراً مِن وائِلٍ وَأَعَزَّ غابا
مُغَرِّبُ آدَمٍ مِن دارِ عَدنٍ
قَضاها في حِماكِ لِيَ اِغتِرابا
شَكَرتُ الفُلكَ يَومَ حَوَيتِ رَحلي
فَيا لِمُفارِقٍ شَكَرَ الغُرابا
فَأَنتِ أَرَحتِني مِن كُلِّ أَنفٍ
كَأَنفِ المَيتِ في النَزعِ اِنتِصابا
وَمَنظَرِ كُلِّ خَوّانٍ يَراني
بِوَجهٍ كَالبَغِيِّ رَمى النِقابا
وَلَيسَ بِعامِرٍ بُنيانُ قَومٍ
إِذا أَخلاقُهُم كانَت خَرابا
أَحَقٌّ كُنتِ لِلزَهراءِ ساحاً
وَكُنتِ لِساكِنِ الزاهي رِحابا
وَلَم تَكُ جَورُ أَبهى مِنكِ وَرداً
وَلَم تَكُ بابِلٌ أَشهى شَرابا
وَأَنَّ المَجدَ في الدُنيا رَحيقٌ
إِذا طالَ الزَمانُ عَلَيهِ طابا
أولَئِكَ أُمَّةٌ ضَرَبوا المَعالي
بِمَشرِقِها وَمَغرِبِها قِبابا
جَرى كَدَراً لَهُم صَفوُ اللَيالي
وَغايَةُ كُلِّ صَفوٍ أَن يُشابا
مَشَيِّبَةُ القُرونِ أُديلَ مِنها
أَلَم تَرَ قَرنَها في الجَوِّ شابا
مُعَلَّقَةٌ تَنَظَّرُ صَولَجاناً
يَخُرُّ عَنِ السَماءِ بِها لِعابا
تُعَدُّ بِها عَلى الأُمَمِ اللَيالي
وَما تَدري السِنينَ وَلا الحِسابا
وَيا وَطَني لَقَيتُكَ بَعدَ يَأسٍ
كَأَنّي قَد لَقيتُ بِكَ الشَبابا
وَكُلُّ مُسافِرٍ سَيَئوبُ يَوماً
إِذا رُزِقَ السَلامَةَ وَالإِيابا
وَلَو أَنّي دُعيتُ لَكُنتَ ديني
عَلَيهِ أُقابِلُ الحَتمَ المُجابا
أُديرُ إِلَيكَ قَبلَ البَيتِ وَجهي
إِذا فُهتُ الشَهادَةَ وَالمَتابا
وَقَد سَبَقَت رَكائِبِيَ القَوافي
مُقَلَّدَةً أَزِمَّتَها طِرابا
تَجوبُ الدَهرَ نَحوَكَ وَالفَيافي
وَتَقتَحِمُ اللَيالِيَ لا العُبابا
وَتُهديكَ الثَناءَ الحُرَّ تاجاً
عَلى تاجَيكَ مُؤتَلِقاً عُجابا
هَدانا ضَوءُ ثَغرِكَ مِن ثَلاثٍ
كَما تَهدي المُنَوَّرَةُ الرِكابا
وَقَد غَشِي المَنارُ البَحرَ نوراً
كَنارِ الطورِ جَلَّلَتِ الشِعابا
وَقيلَ الثَغرُ فَاِتَّأَدَت فَأَرسَت
فَكانَت مِن ثَراكَ الطُهرِ قابا
فَصَفحاً لِلزَمانِ لِصُبحِ يَومٍ
بِهِ أَضحى الزَمانُ إِلَيَّ ثابا
وَحَيّا اللَهُ فِتياناً سِماحاً
كَسَوا عِطفَيَّ مِن فَخرٍ ثِيابا
مَلائِكَةٌ إِذا حَفّوكَ يَوماً
أَحَبَّكَ كُلُّ مَن تَلقى وَهابا
وَإِن حَمَلَتكَ أَيديهِم بُحوراً
بَلَغتَ عَلى أَكُفِّهِمُ السَحابا
تَلَقَّوني بِكُلِّ أَغَرَّ زاهٍ
كَأَنَّ عَلى أَسِرَّتِهِ شَهابا
تَرى الإيمانَ مُؤتَلِقاً عَلَيهِ
وَنورَ العِلمِ وَالكَرَمَ اللُبابا
وَتَلمَحُ مِن وَضاءَةِ صَفحَتَيهِ
مُحَيّا مِصرَ رائِعَةً كَعابا
وَما أَدَبي لِما أَسدَوهُ أَهلٌ
وَلَكِن مَن أَحَبَّ الشَيءَ حابى
شَبابَ النيلِ إِنَّ لَكُم لَصَوتاً
مُلَبّى حينَ يُرفَعُ مُستَجابا
فَهُزّوا العَرشَ بِالدَعَواتِ حَتّى
يُخَفِّفَ عَن كِنانَتِهِ العَذابا
أَمِن حَربِ البَسوسِ إِلى غَلاءٍ
يَكادُ يُعيدُها سَبعاً صِعابا
وَهَل في القَومِ يوسُفُ يَتَّقيها
وَيُحسِنُ حِسبَةً وَيَرى صَوابا
عِبادَكَ رَبِّ قَد جاعوا بِمِصرٍ
أَنيلاً سُقتَ فيهِمُ أَم سَرابا
حَنانَكَ وَاِهدِ لِلحُسنى تِجاراً
بِها مَلَكوا المَرافِقَ وَالرِقابا
وَرَقِّق لِلفَقيرِ بِها قُلوباً
مُحَجَّرَةً وَأَكباداً صِلابا
أَمَن أَكَلَ اليَتيمَ لَهُ عِقابٌ
وَمَن أَكَلَ الفَقيرَ فَلا عِقابا
أُصيبَ مِنَ التُجارِ بِكُلِّ ضارٍ
أَشَدَّ مِنَ الزَمانِ عَلَيهِ نابا
يَكادُ إِذا غَذاهُ أَو كَساهُ
يُنازِعُهُ الحَشاشَةَ وَالإِهابا
وَتَسمَعُ رَحمَةً في كُلِّ نادٍ
وَلَستَ تُحِسُّ لِلبِرِّ اِنتِدابا
أَكُلٌّ في كِتابِ اللَهِ إِلّا
زَكاةَ المالِ لَيسَت فيهِ بابا
إِذا ما الطامِعونَ شَكَوا وَضَجّوا
فَدَعهُم وَاِسمَعِ الغَرثى السِغابا
فَما يَبكونُ مِن ثُكلٍ وَلَكِن
كَما تَصِفُ المُعَدِّدَةُ المُصابا
وَلَم أَرَ مِثلَ شَوقِ الخَيرِ كَسباً
وَلا كَتِجارَةِ السوءِ اِكتِسابا
وَلا كَأُولَئِكَ البُؤَساءِ شاءً
إِذا جَوَّعتَها اِنتَشَرَت ذِئابا
وَلَولا البِرُّ لَم يُبعَث رَسولٌ
وَلَم يَحمِل إِلى قَومٍ كِتابا

بني عبد السلام علي ابيكم

بنى عبد السلام على أبيكم
من الرضوان غادية وظل
لكم بيت لواء العلم فيه
دعائم عزه شرف ونبل
بنوه بنو النبوّة قبل عاد
زكا أصل لكم فيه وفضل
رمى الدهر المكارم والمعالى
فركنهما ضعيف مضمحل
وخطب الدين والدنيا جليل
ولكن قدر من فَقدا أجل
يحج لقبره بؤس عفاة
ورب القبر بالفردوس حِل
بِعلِّيين لا بالأرض أمسى
وشأن النجم عن أرض يجل
وصافح بعضنا في العيد بعضا
وصافحه وملائكة ورسل
وعند الله ينشر بعد طى
حياة كلها في الخير فعل
لقاء الموت غاية كل حى
ولكن للحياة هوى مضل
فإن تسمع بزهد القوم فيها
فإن الحب يكثر أو يقل
وعند الموت تَحسَر كل نفس
لها في العيش أو طار وأهل
مضى المعطى وما تدرى يداه
ومن يأسو الجراح ومن يَبُل
ومن وزن الزمان فتى وشيخا
إذا الفتيان قبل الشيب ضلوا
وقور في الحوادث لا يبالى
سيوف البغى تغمد أو تسل
وأقطع من سيوف الهند حدا
لسان لا يهاب ولا يزل
كبير في المواقف لا جهول
بآداب الخطاب ولا مخل
يسيل فصاحة ويفيض علما
وخطبة بعضهم عِى وجهل
فسر عبدالسلام إلى كريم
يلوذ به الكريم ويستظل
بكاك الناس أحبابا وأهلا
بأحسن ما وفي للخل خل
وذاقت فقد خادمها بلاد
له في جيدها منن وفضل
تعقَّلَ في محبتها فتيا
وأخلص في المحبة وهو كهل
وليس يؤثِّر الإخلاص شيئا
إذا لم يصحب الإخلاص عقل

كاني بالحمام اصاب ركني

كأني بالحمام أصاب ركنى
فمال وأى ركن لا يميل
وأدركني ونجم صباى عال
فخَّر النجم وازدوج الأفوال
فلا يغرركما ولدىَّ بعدى
زُها الدنيا ومنظرها الجميل

تجلد للرحيل فما استطاعا

تَجَلَّدَ لِلرَحيلِ فَما اِستَطاعا
وَداعاً جَنَّةَ الدُنيا وَداعا
عَسى الأَيّامُ تَجمَعُني فَإِنّي
أَرى العَيشَ اِفتِراقاً وَاِجتِماعا
أَلا لَيتَ البِلادَ لَها قُلوبُ
كَما لِلناسِ تَنفَطِرُ اِلتِياعا
وَلَيتَ لَدى فُروقٍ بَعضَ بَثّي
وَما فَعَلَ الفُراقُ غَداةَ راعا
أَما وَاللَهِ لَو عَلِمَت مَكاني
لَأَنطَقَتِ المَآذِنَ وَالقِلاعا
حَوَت رِقَّ القَواضِبِ وَالعَوالي
فَلَمّا ضُفتُها حَوَتِ اليَراعا
سَأَلتُ القَلبَ عَن تِلكَ اللَيالي
أَكُنُّ لَيالِياً أَم كُنَّ ساعا
فَقالَ القَلبُ بَل مَرَّت عِجالاً
كَدَقّاتي لِذِكراها سِراعا
أَدارَ مُحَمَّدٍ وَتُراثُ عيسى
لَقَد رَضِياكِ بينَهُما مَشاعا
فَهَل نَبَذَ التَعصُّبُ فيكِ قَومٌ
يَمُدُّ الجَهلُ بَينَهُمُ النِزاعا
أَرى الرَحمَنَ حَصَّنَ مَسجِدَيهِ
بِأَطوَلِ حائِطٍ مِنكِ اِمتِناعا
فَكُنتِ لِبَيتِهِ المَحجوجِ رُكناً
وَكُنتِ لِبَيتِهِ الأَقصى سِطاعا
هَواؤُكِ وَالعُيونُ مُفَجَّراتٌ
كَفى بِهِما مِنَ الدُنيا مَتاعا
وَشَمسُكِ كُلَّما طَلَعَت بِأُفقٍ
تَخَطَّرَتِ الحَياةُ بِهِ شُعاعا
وَغيدُكِ هُنَّ فَوقَ الأَرضِ حورٌ
أَوانِسُ لا نِقابَ وَلا قِناعا
حَوالى لُجَّةٍ مِن لازَوَردٍ
تَعالى اللَهُ خَلقاً وَاِبتِداعا
يَروحُ لُجَينُها الجاري وَيَغدو
عَلى الفِردَوسِ آكاماً وَقاعا

تحية شاعر يا ماء جكسو

تَحِيَّةُ شاعِرٍ يا ماءَ جَكسو
فَلَيسَ سِواكَ لِلأَرواحِ أُنسُ
فَدَتكَ مِياهُ دِجلَةَ وَهيَ سَعدٌ
وَلا جُعِلَت فِداءَكَ وَهيَ نَحسُ
وَجاءَكَ ماءُ زَمزَمَ وَهوَ طُهرٌ
وَأَمواهٌ عَلى الأَردُنِّ قُدسُ
وَكانَ النيلُ يَعرِسُ كُلَّ عامٍ
وَأَنتَ عَلى المَدى فَرحٌ وَعُرسُ
وَقَد زَعَموهُ لِلغاداتِ رَمساً
وَأَنتَ لِهَمِّهِنَّ الدَهرَ رَمسُ
وَرَدنَكَ كَوثَراً وَسَفَرنَ حوراً
وَهَل بِالحورِ إِن أَسفَرنَ بَأسُ
فَقُل لِلجانِحينَ إِلى حِجابٍ
أَتُحجَبُ عَن صَنيعِ اللَهِ نَفسُ
إِذا لَم يَستُرِ الأَدَبُ الغَواني
فَلا يُغني الحَريرُ وَلا الدِمَقسُ
تَأَمَّل هَل تَرى إِلّا جَلالاً
تُحِسُّ النَفسُ مِنهُ ما تُحِسُّ
كَأَنَّ الخودُ مَريَمُ في سُفورٍ
وَرائيها حَوارِيٌّ وَقِسُّ
تَهَيَّبَها الرِجالُ فَلا ضَميرٌ
يَهِم بِها وَلا عَينٌ تُحِسُّ
غَشيتُكَ وَالأَصيلُ يَفيضُ تِبراً
وَيَنسُجُ لِلرُبى حُلَلاً وَيَكسو
وَتَذهَبُ في الخَليجِ لَهُ وَتَأتي
أَنامِلُ تَنثُرُ العِقيانَ خَمسُ
وَفي جيدِ الخَميلَةِ مِنهُ عِقدٌ
وَفي آذانِها قُرطٌ وَسَلسُ
وَلَألَأَتِ الجِبالُ فَضاءَ سَفحٍ
يَسُرُّ الناظِرينَ وَنارَ رَأسُ
عَلى فُلكٍ تَسيرُ بِنا الهَوُينى
وَمِن شِعري نَديمٌ لي وَجِلسُ
تُنازِعُنا المَذاهِبَ حَيثُ مِلنا
زَوارِقُ حَولَنا تَجري وَتَرسو
لَها في الماءِ مُنسابٌ كَطَيرٍ
تُسِفُّ عَلَيهِ أَحياناً وَتَحسو
صِغارِ الحَجمِ مُرهَفَةِ الحَواشي
لَها عُرفٌ إِذا خَطَرَت وَجَرسُ
إِذا المِجدافُ حَرَّكَها اِطمَأَنَّت
وَإِن هُوَ لَم يُحَرِّك فَهيَ رُعسُ
وَإِن هُوَ جَدَّ في الماءِ اِنسِياباً
فَكُلُّ طَريقِهِ وَتَرٌ وَقَوسُ
حَمَلنَ اللُؤلُؤَ المَنثورَ عَيناً
كَما حَمَلَت حَبابَ الراحِ كَأسُ
كَأَنَّ سَوافِرَ الغاداتِ فيها
مَلائِكُ هَمُّها نَظَرٌ وَهَمسُ
كَأَنَّ بِرافِعَ الغاداتِ تَهفو
عَلى وَجَناتِها غَيمٌ وَشَمسُ
كَأَنَّ مَآزِرَ العينِ اِنتِساباً
زُهورٌ لا تُشَمُّ وَلا تُمَسُّ
إِذا نُشِرَت فَرَيحانٌ وَوَردٌ
وَإِن طُوِيَت فَنَسرينٌ وَوَرسُ
عَجِبتُ لَهُنَّ يُجَمِّعُهُنَّ حُسنٌ
وَلَكِن لَيسَ يُجَمِّعُهُنَّ لُبسُ
فَكانَ لَنا بِظِلِّكَ خَيرُ وَقتٍ
وَخَيرُ الوَقتِ ما لَكَ فيهِ أُنسُ
نُمَتِّعُ مِنكَ يا جَكسو نُفوساً
بِها مِن دَهرِها هَمٌّ وَبُؤسُ
إِلى أَن بانَ سِرُّكَ فَاِنثَنَينا
وَقَد طُوِيَ النَهارُ وَماتَ أَمسُ