حياة ما نريد لها زيالا

حَياةٌ ما نُريدُ لَها زِيالا
وَدُنيا لا نَوَدُّ لَها اِنتِقالا
وَعَيشٌ في أُصولِ المَوتِ سَمٌّ
عُصارَتُهُ وَإِن بَسَطَ الظِلالا
وَأَيّامٌ تَطيرُ بِنا سَحاباً
وَإِن خيلَت تَدِبُّ بِنا نِمالا
نُريها في الضَميرِ هَوىً وَحُبّاً
وَنُسمِعُها التَبرُّمَ وَالمَلالا
قِصارٌ حينَ نَجري اللَهوَ فيها
طِوالٌ حينَ نَقطَعُها فِعالا
وَلَم تَضُقِ الحَياةُ بِنا وَلَكِن
زِحامُ السوءِ ضَيَّقَها مَجالا
وَلَم تَقتُل بِراحَتِها بَنيها
وَلَكِن سابَقوا المَوتَ اِقتِتالا
وَلَو زادَ الحَياةَ الناسُ سَعياً
وَإِخلاصاً لَزادَتهُم جَمالا
كَأنَّ اللَهَ إِذ قَسَمَ المَعالي
لِأَهلِ الواجِبِ اِدَّخَرَ الكَمالا
تَرى جِدّاً وَلَستَ تَرى عَلَيهِم
وُلوعاً بِالصَغائِرِ وَاِشتِغالا
وَلَيسوا أَرغَدَ الأَحياءِ عَيشاً
وَلَكِن أَنعَمَ الأَحياءِ بالا
إِذا فَعَلوا فَخَيرُ الناسِ فِعلاً
وَإِن قالوا فَأَكرَمُهُم مَقالا
وَإِن سَأَلَتهُمو الأَوطانُ أَعطَوا
دَماً حُرّاً وَأَبناءً وَمالا
بَني البَلَدِ الشَقيقِ عَزاءَ جارٍ
أَهابَ بِدَمعِهِ شَجَنٌ فَسالا
قَضى بِالأَمسِ لِلأَبطالِ حَقّاً
وَأَضحى اليَومَ بِالشُهَداءِ غالي
يُعَظِّمُ كُلَّ جُهدٍ عَبقَرِيٍّ
أَكانَ السِلمَ أَم كانَ القِتالا
وَما زِلنا إِذا دَهَتِ الرَزايا
كَأَرحَمِ ما يَكونُ البَيتُ آلا
وَقَد أَنسى الإِساءَةَ مِن حَسودٍ
وَلا أَنسى الصَنيعَةَ وَالفِعالا
ذَكَرتُ المِهرَجانَ وَقَد تَجَلّى
وَوَفدَ المَشرِقَينِ وَقَد تَوالى
وَداري بَينَ أَعراسِ القَوافي
وَقَد جُلِيَت سَماءً لا تُعالى
تَسَلَّلَ في الزِحامِ إِلَيَّ نِضوٌ
مِنَ الأَحرارِ تَحسَبُهُ خَيالا
رَسولُ الصابِرينَ أَلَمَّ وَهناً
وَبَلَّغَني التَحِيَّةَ وَالسُؤالا
دَنا مِنّي فَناوَلَني كِتاباً
أَحَسَّت راحَتايَ لَهُ جَلالا
وَجَدتُ دَمَ الأُسودِ عَلَيهِ مِسكاً
وَكانَ الأَصلُ في المِسكِ الغَزالا
كَأَنَّ أَسامِيَ الأَبطالِ فيهِ
حَوامِمٌ عَلى رِقٍّ تَتالى
رُواةُ قَصائِدي قَد رَتَّلوها
وَغَنَّوها الأَسِنَّةَ وَالنِصالا
إِذا رَكَزوا القَنا اِنتَقَلوا إِلَيها
فَكانَت في الخِيامِ لَهُم نِقالا
بَني سورِيَّةَ اِلتَئِموا كَيَومٍ
خَرَجتُم تَطلُبونَ بِهِ النِزالا
سَلو الحُرِيَّةَ الزَهراءَ عَنّا
وَعَنكُم هَل أَذاقَتنا الوِصالا
وَهَل نِلنا كِلانا اليَومَ إِلّا
عَراقيبَ المَواعِدِ وَالمِطالا
عَرَفتُم مَهرَها فَمَهَرتُموها دَماً
صَبَغَ السَباسِبَ وَالدِغالا
وَقُمتُم دونَها حَتّى خَضَبتُم
هَوادِجَها الشَريفَةَ وَالحِجالا
دَعوا في الناسِ مَفتوناً جَباناً
يَقولُ الحَربُ قَد كانَت وَبالا
أَيُطلَبُ حَقَّهُم بِالروحِ قَومٌ
فَتَسمَعُ قائِلاً رَكِبوا الضَلالا
وَكونوا حائِطاً لا صَدعَ فيهِ
وَصَفّاً لا يُرَقَّعُ بِالكَسالى
وَعيشوا في ظِلالِ السِلمِ كَدّاً
فَلَيسَ السِلمُ عَجزاً وَاِتِّكالا
وَلَكِن أَبَعدَ اليَومَينِ مَرمىً
وَخَيرَهُما لَكُم نُصحاً وَآلا
وَلَيسَ الحَربُ مَركَبَ كُلِّ يَومٍ
وَلا الدَمُ كُلَّ آوِنَةٍ حَلالا
سَأَذكُرُ ما حَيِّتُ جِدارَ قَبرٍ
بِظاهِرِ جِلَّقَ رَكِبَ الرِمالا
مُقيمٌ ما أَقامَت مَيسَلونٌ
يَذكُرُ مَصرَعَ الأُسُدِ الشِبالا
لَقَد أَوحى إِلَيَّ بِما شَجاني
كَما توحي القُبورُ إِلى الثَكالى
تَغَيَّبَ عَظمَةُ العَظَماتِ فيهِ
وَأَوَّلُ سَيِّدٍ لَقِيَ النِبالا
كَأَنَّ بُناتَهُ رَفَعوا مَناراً
مِنَ الإِخلاصِ أَو نَصَبوا مِثالا
سِراجُ الحَقِّ في ثَبَجِ الصَحارى
تَهابُ العاصِفاتُ لَهُ ذُبالا
تَرى نورَ العَقيدَةِ في ثَراهُ
وَتَنشَقُ في جَوانِبِهِ الخِلالا
مَشى وَمَشَت فَيالِقُ مِن فَرَنسا
تَجُرُّ مَطارِفَ الظَفَرِ اِختِيالا
مَلَأنَ الجَوَّ أَسلِحَةً خِفاقاً
وَوَجهَ الأَرضِ أَسلِحَةً ثِقالا
وَأَرسَلنَ الرِياحَ عَلَيهِ ناراً
فَما حَفَلَ الجَنوبُ وَلا الشَمالا
سَلوهُ هَل تَرَجَّلَ في هُبوبٍ
مِنَ النيرانِ أَرجَلَتِ الجِبالا
أَقامَ نَهارَهُ يُلقي وَيَلقى
فَلَمّا زالَ قُرصُ الشَمسِ زالا
وَصاحَ نَرى بِهِ قَيدَ المَنايا
وَلَستَ تَرى الشَكيمَ وَلا الشِكالا
فَكُفِّنَ بِالصَوارِمِ وَالعَوالي
وَغُيِّبَ حَيثُ جالَ وَحَيثُ صالا
إِذا مَرَّت بِهِ الأَجيالُ تَترى
سَمِعتَ لَها أَزيزاً وَاِبتِهالا
تَعَلَّقَ في ضَمائِرِهِم صَليباً
وَحَلَّقَ في سَرائِرِهِم هِلالا

أمير المؤمنين رأيت جسرا

أَميرَ المُؤمِنينَ رَأَيتُ جِسراً
أَمُرُّ عَلى الصِراطِ وَلا عَلَيهِ
لَهُ خَشَبٌ يَجوعُ السوسُ فيهِ
وَتَمضي الفَأرُ لا تَأوي إِلَيهِ
وَلا يَتَكَلَّفُ المِنشارُ فيهِ
سِوى مَرِّ الفَطيمِ بِساعِدَيهِ
وَكَم قَد جاهَدَ الحَيوانُ فيهِ
وَخَلَّفَ في الهَزيمَةِ حافِرَيهِ
وَأَسمَجُ مِنهُ في عَيني جُباةٌ
تَراهُم وَسطَهُ وَبِجانِبَيهِ
إِذا لاقَيتَ واحِدَهُم تَصَدّى
كَعِفريتٍ يُشيرُ بِراحَتَيهِ
وَيَمشي الصَدرُ فيهِ كُلَّ يَومٍ
بِمَوكِبِهِ السَنِيِّ وَحارِسَيهِ
وَلَكِن لا يَمُرُّ عَلَيهِ إِلّا
كَما مَرَّت يَداهُ بِعارِضَيهِ
وَمِن عَجَبٍ هُوَ الجِسرُ المُعَلّى
عَلى البُسفورِ يَجمَعُ شاطِئَيهِ
يُفيدُ حُكومَةَ السُلطانِ مالاً
وَيُعطيها الغِنى مِن مَعدِنَيهِ
يَجودُ العالَمونَ عَلَيهِ هَذا
بِعَشرَتِهِ وَذاكَ بِعَشرَتَيهِ
وَغايَةُ أَمرِهِ أَنّا سَمِعنا
لِسانَ الحالِ يُنشِدُنا لَدَيهِ
أَلَيسَ مِنَ العَجائِبِ أَنَّ مِثلي
يَرى ما قَلَّ مُمتَنِعاً عَلَيهِ
وَتُؤخَذُ بِاِسمِهِ الدُنيا جَميعاً
وَما مِن ذاكَ شَيءٌ في يَدَيهِ

ممات في المواكب أم حياة

مَماتٌ في المَواكِبِ أَم حَياةُ
وَنَعشٌ في المَناكِبِ أَم عِظاتُ
وَيَومُكَ في البَرِيَّةِ أَم قِيامٌ
وَمَوكِبُكَ الأَدِلَّةُ وَالشِياتُ
وَخَطبُكَ يا رِياضُ أَمِ الدَواهي
عَلى أَنواعِها وَالنازِلاتُ
يُجِلُّ الخَطبُ في رَجُلٍ جَليلٍ
وَتَكبُرُ في الكَبيرِ النائِباتُ
وَلَيسَ المَيتُ تَبكيهِ بِلادٌ
كَمَن تَبكي عَلَيهِ النائِحاتُ
وَهَل تَلقى مَناياها الرَواسي
فَتَهوي ثُمَّ تُضمِرُها فَلاةُ
وَتُكسَرُ في مَراكِزِها العَوالي
وَتُدفَنُ في التُرابِ المُرهَفاتُ
وَيُغشى اللَيثُ في الغاباتِ ظُهراً
وَكانَت لا تَقَرُّ بِها الحَصاةُ
وَيَرمي الدَهرُ نادِيَ عَينِ شَمسٍ
وَلا يَحمي لِوائَهُمُ الرُماةُ
أَجَل حُمِلَت عَلى النَعشِ المَعالي
وَوسِّدَتِ التُرابَ المَكرُماتُ
وَحُمِّلَتِ المَدافِعُ رُكنَ سِلمٍ
يُشَيِّعُهُ الفَوارِسُ والمُشاةُ
وَحَلَّ المَجدُ حُفرَتَهُ وَأَمسى
يُطيفُ بِهِ النَوائِحُ وَالبُكاةُ
هَوى عَن أَوجِ رِفعَتِهِ رِياضٌ
وَحازَتهُ القُرونُ الخالِياتُ
كَأَن لَم يَملَإِ الدُنيا فِعالاً
وَلا هَتَفَت بِدَولَتِهِ الرُواةُ
نَعاهُ البَرقُ مُضطَرِباً فَماجَت
نُجومٌ في السَماءِ مُحَلِّقاتُ
كَأَنَّ الشَمسَ قَد نُعِيَت عِشاءً
إِلَيها فَهيَ حَسرى كاسِفاتُ
صَحيفَةُ غابِرٍ طُوِيَت وَوَلَّت
عَلى آثارِ مَن دَرَجوا وَفاتوا
يَقولُ الآخَرونَ إِذا تَلَوها
كَذَلِكَ فَليَلِدنَ الأُمَّهاتُ
جَزى اللَهُ الرِضا أَبَوَي رِياضٍ
هُما غَرَسا وَلِلوَطَنِ النَباتُ
بَنو الدُنيا عَلى سَفَرٍ عَقيمٍ
وَأَسفارُ النَوابِغِ مُرجَعاتُ
أَرى الأَمواتَ يَجمَعُهُم نُشورٌ
وَكَم بُعِثَ النَوابِغُ يَومَ ماتوا
صَلاحُ الأَرضِ أَحياءٌ وَمَوتى
وَزينَتُها وَأَنجُمُها الهُداةُ
قَرائِحُهُم وَأَيدِيَهِم عَلَيها
هُدىً وَيَسارَةٌ وَمُحَسَّناتُ
فَلَو طُلِبَت لَهُم دِيَةٌ لَقالَت
كُنوزُ الأَرضِ نَحنُ هِيَ الدِياتُ
أَبا الوَطَنِ الأَسيفِ بَكَتكَ مِصرُ
كَما بَكَتِ الأَبَ الكَهفَ البَناتُ
قَضَيتَ لَها الحُقوقَ فَتىً وَكَهلاً
وَيَومَ كَبُرتَ وَاِنحَنَتِ القَناةُ
وَيَومَ النَهيُ لِلأُمَراءِ فيها
وَيَومَ الآمِرونَ بِها العُصاةُ
فَكُنتَ عَلى حُكومَتِها سِراجاً
إِذا بَسَطَت دُجاها المُشكِلاتُ
يَزيدُ الشَيبُ نَفسَكَ مِن حَياةٍ
إِذا نَقَصَت مَعَ الشَيبِ الحَياةُ
وَتَملَأُكَ السُنونَ قِوىً وَعَزماً
إِذا قيلَ السِنونُ مُثَبِّطاتُ
كَسَيفِ الهِندِ أَبلى حينَ فُلَّت
وَرَقَّت صَفحَتاهُ وَالظُباتُ
رَفيعُ القَدرِ بِالأَمصارِ يُرني
كَما نَظَرَت إِلى النَجمِ السُراةُ
كَأَنَّكَ في سَماءِ المُلكِ يَحيى
وَآلُكَ في السَماءِ النَيِّراتِ
تَسوسُ الأَمرَ لا يُعطي نَفاذاً
عَلَيكَ الآمِرونَ وَلا النُهاةُ
إِذا الوُزَراءُ لَم يُعطوا قِياداً
نَبَذتُهُمُ كَأَنَّهُمُ النَواةُ
زَماعٌ في اِنقِباضٍ في اِختِيالٍ
كَذَلِكَ كانَ بِسمَركُ النُباتُ
صِفاتٌ بَلَّغَتكَ ذُرى المعالي
كَذَلِكَ تَرفَعُ الرَجُلَ الصِفاتُ
وَجَدتَ المَجدَ في الدُنيا لِواءً
تَلَقّاهُ المَقاديمُ الأُباةُ
وَيَبقى الناسُ ما داموا رَعايا
وَيَبقى المُقدِمونَ هُمُ الرُعاةُ
رِياضُ طَوَيتَ قَرناً ما طَوَتهُ
مَعَ المَأمونِ دِجلَةُ وَالفُراتُ
تَمَنَّت مِنهُ أَيّاماً تَحَلّى
بِها الدُوَلُ الخَوالي الباذِخاتُ
وَوَدَّ القَيصَرانِ لَوَ أَنَّ روما
عَلَيها مِن حَضارَتِهِ سِماتُ
حَباكَ اللَهُ حاشِيَتيهِ عُمراً
وَأَعمارُ الكِرامِ مُبارَكاتُ
فَقُمتَ عَلَيهِ تَجرِبَةً وَخُبراً
وَمَدرَسَةُ الرِجالِ التَجرِباتُ
تَمُرُّ عَلَيكَ كَالآياتِ تَترى
صَنائِعُ أَهلِهِ وَالمُحدَثاتُ
فَأَدرَكتَ البُخارَ وَكانَ طِفلاً
فَشَبَّ فَبايَعَتهُ الصافِناتُ
تُجابُ عَلى جَناحَيهِ الفَيافي
وَتَحكِمُ في الرِياحِ المُنشَآتُ
وَيُصعِدُ في السَماءِ عَلى بُروجٍ
غَداً هِيَ في العالَمِ بارِجاتُ
وَبَينا الكَهرُباءُ تُعَدُّ خَرقاً
إِذا هِيَ كُلَّ يَومٍ خارِقاتُ
وَدانَ البَحرُ حَتّى خيضَ عُمقاً
وَقيدَت بِالعِنانِ السافِياتِ
وَبُلِّغَتِ الرَسائِلُ لا جَناحٌ
يَجوبُ بِها البِحارَ وَلا أَداةُ
كَأَنَّ القُطرَ حينَ يُجيبُ قُطراً
ضَمائِرُ بَينَها مُتَناجِياتُ
رَهينَ الرَمسِ حَدَّثَني مَلِيّاً
حَديثَ المَوتِ تَبدُ لِيَ العِظاتُ
هُوَ الخَبَرُ اليَقينُ وَما سِواهُ
أَحاديثُ المُنى وَالتُرَّهاتُ
سَأَلتُكَ ما المَنِيَّةُ أَيُّ كَأسٍ
وَكَيفَ مَذاقُها وَمَنِ السُقاةُ
وَماذا يوجِسُ الإِنسانُ مِنها
إِذا غَصَّت بِعَلقَمِها اللَهاةُ
وَأَيُّ المَصرَعَينِ أَشَدُّ مَوتٌ
عَلى عِلمٍ أَمِ المَوتُ الفَواتُ
وَهَل تَقَعُ النُفوسُ عَلى أَمانٍ
كَما وَقَعَت عَلى الحَرَمِ القَطاةُ
وَتَخلُدُ أَم كَزَعمِ القَولِ تَبلى
كَما تَبلى العِظامُ أَوِ الرُفاتُ
تَعالى اللَهُ قابِضُها إِلَيهِ
وَناعِشُها كَما اِنتَعَشَ النَباتُ
وَجازيها النَعيمَ حِمىً أَميناً
وَعَيشاً لا تُكَدِّرُهُ أَذاةُ
أَمِثلُكَ ضائِقٌ بِالحَقِّ ذَرعاً
وَفي بُردَيكَ كانَ لَهُ حُماةُ
أَلَيسَ الحَقُّ أَنَّ العَيشَ فانٍ
وَأَنَّ الحَيَّ غايَتُهُ المَماتُ
فَنَم ما شِئتَ لا توحِشكَ دُنيا
وَلا يَحزُنكَ مِن عَيشٍ فَواتُ
تَصَرَّمَتِ الشَبيبَةُ وَاللَيالي
وَغابَ الأَهلُ وَاِحتَجَّتِ اللِدّاتُ
خَلَت حِلمِيَّةٌ مِمَّن بَناها
فَكَيفَ البَيتُ حَولَكَ وَالبَناتُ
أَفيهِ مِنَ المَحَلَّةِ قوتُ يَومٍ
وَمِن نِعَمٍ مَلَأنَ الطَودَ شاةُ
وَهَل لَكَ مِن حَريرَهُما وِسادٌ
إِذا خَشُنَت لِجَنبَيكَ الصَفاةُ
تَوَلّى الكُلُّ لَم يَنفَعكَ مِنهُ
سِوى ما كانَ يَلتَقِطُ العُفاةُ
عِبادُ اللَهِ أَكرَمُهُم عَلَيهِ
كِرامٌ في بَرِيَّتِهِ أُساةُ
كَمائِدَةِ المَسيحِ يَقومُ بُؤسٌ
حَوالَيها وَتَقعُدُ بائِساتُ
أَخَذتُكَ في الحَياةِ عَلى هَناتٍ
وَأَيُّ الناسِ لَيسَ لَهُ هَناتُ
فَصَفحاً في التُرابِ إِذا اِلتَقَينا
وَلو شِيَتِ العَداوَةُ وَالتَراتُ
خُلِقتُ كَأَنّي عيسى حَرامٌ
عَلى قَلبي الضَغينَةُ وَالشَماتُ
يُساءُ إِلَيَّ أَحياناً فَأَمضي
كَريماً لا أَقوتُ كَما أُقاتُ
وَعِندِيَ لِلرِجالِ وَإِن تَجافوا
مَنازِلُ في الحَفاوَةِ لا تُفاتُ
طَلَعتَ عَلى النَدى بِعَينِ شَمسٍ
فَوافَتها بِشَمسَينِ الغَداةُ
عَلى ما كانَ يَندو القَومُ فيها
تَوافى الجَمعُ وَاِئتَمَرَ السُراةُ
تَمَلَّكَهُم وَقارُكَ في خُشوعٍ
كَما نَظَمَت مُقيميها الصَلاةُ
رَأَيتَ وُجوهَ قَومِكَ كَيفَ جَلَّت
وَكَيفَ تَرَعرَعَت مِصرُ الفَتاةُ
أُجيلَ الرَأيُ بَينَ يَدَيكَ حَتّى
تَبَيَّنَتِ الرَزانَةُ وَالحَصاةُ
وَأَنتَ عَلى أَعِنَّتِهِم قَديرٌ
وَهُم بِكَ في الَّذي تَقضي حُفاةُ
إِذا أَبدى الشَبابُ هَوىً وَزَهواً
أَشارَ إِلَيهِ حِلمُكَ وَالأَناةُ
فَهَلّا قُمتَ في النادي خَطيباً
لَكَ الكَلِمُ الكِبارُ الخالِداتُ
تُفَجِّرُ حِكمَةَ التِسعينِ فيهِ
فَآذانُ الشَبيبَةِ صادِياتُ
تَقولُ مَتى أَرى الجيرانَ عادوا
وَضُمَّ عَلى الإِخاءِ لَهُم شَتاتُ
وَأَينَ أولو النُهى مِنّا وَمِنهُم
عَسى يَأسونَ ما جَرَحَ الغُلاةُ
مَشَت بَينَ العَشيرَةِ رُسلُ شَرٍّ
وَفَرَّقَتِ الظُنونَ السَيِّئاتُ
إِذا الثِقَةُ اِضمَحَلَّت بَينَ قَومٍ
تَمَزَّقَتِ الرَوابِطُ وَالصِلاتُ
فَثِق فَعَسى الَّذينَ اِرتَبتَ فيهِم
عَلى الأَيّامِ إِخوانٌ ثِقاتُ
وَرُبَّ مُحَبَّبٍ لا صَبرَ عَنهُ
بَدَت لَكَ في مَحَبَّتِهِ بَداةُ
وَمَكروهٍ عَلى أَخَذاتِ ظَنٍّ
تُحَبِّبُهُ إِلَيكَ التَجرُباتُ
بَني الأَوطانِ هُبّوا ثُمَّ هُبّوا
فَبَعضُ المَوتِ يَجلِبُهُ السُباتُ
مَشى لِلمَجدِ خَطفَ البَرقِ قَومٌ
وَنَحنُ إِذا مَشَينا السُلحُفاةُ
يُعِدّونَ القُوى بَرّاً وَبَحراً
وَعُدَّتُنا الأَماني الكاذِباتُ

تحبك صاحبي منا قلوب

تحبك صاحبي منا قلوب
لغيرك ظهرها ولك الصميم
وترجو أن تعيش لها نفوس
إذا تبقى لها يبقى النعيم
عن اللذات صامت لم تجادل
فإما عن هواك فلا تصوم

علي لو استشرت أباك قبلاً

عَلِيُّ لَوِ اِستَشَرتَ أَباكَ قَبلاً
فَإِنَّ الخَيرَ حَظُّ المُستَشيرِ
إِذاً لَعَلِمتَ أَنّا في غِناءٍ
وَإِن نَكُ مِن لِقائِكَ في سُرورِ
وَما ضِقنا بِمَقدَمِكَ المُفَدّى
وَلَكِن جِئتَ في الزَمَنِ الأَخيرِ

حبيبك من تحب ومن تجل

حبيبك من تحب ومن تجل
ومن أحببت للحالين أهل
ومن يجزيك عن ودّ بودّ
ومالك مهجتي سمح وعدل
إذا ما الحب لم يكسبك عزا
فكل مودّة في الناس ختل
وفضل منك أن ترعى ودادا
وليس لمن تودّ عليك فضل
بلوت الناس خدنا بعد خدن
فما للمرء غير النفس خل
وطالعت الأمور فكل صعب
إذا لزم الرجال الصبر سهل
أدِل على الخطوب إذا أدلت
وأتركها تهون ولا أذل
وألقى النازلات بحدّ عزم
يفل النازلات ولا يفل
وأحقر كل كذاب المعالى
ولو أن السماك له محل
وأعلم أن للدهر اختلافا
وأن الجدّ ينهض أو يزل
وأن النفس للإنسان كل
إذا بقيت عليه وزال كله
عرفت سجية الدنيا فدعها
تمرّ على سجيتها وتحلو
وإن لم تأتك الدنيا بظل
فجاوزها إلى دنيا تظل
إذ المأمول والآمال حيرى
وغيث الناس والأيام محل
عزيز الشرق هل للشرق ذكر
مع الأيام أم طوِى السجل
وهل لبنيه من مسعاك ركن
فركنهم ضعيف مضمحل
أَعِد له النوابغ فهو منهم
ومما يرفع الأوطان عطل
ولم أر كالرجال مع الليالي
إذا كثرت على البلدان قلوا
ولا كالعلم يجمع كل شمل
وليس لأمة في الجهل شمل
ولا كالمجد ميسورا قريبا
لشعب فيه إقدام وعقل

وجنات من الأشعار فيها

وَجَنّاتٍ مِنَ الأَشعارِ فيها
جَنىً لِلمُجتَني مِن كُلِّ ذَوقِ
تَأَمَّل كَم تَمَنّوها وَأَرِّخ
لِشَوقِيّاتِ أَحمَدَ أَيَّ شَوقِ

على قدر الهوى يأتي العتاب

عَلى قَدرِ الهَوى يَأتي العِتابُ
وَمَن عاتَبتُ يَفديهِ الصِحابُ
أَلومُ مُعَذِبي فَأَلومُ نَفسي
فَأُغضِبُها وَيُرضيها العَذابُ
وَلَو أَنّي اِستَطَعتُ لَتُبتُ عَنهُ
وَلَكِن كَيفَ عَن روحي المَتابُ
وَلي قَلبٌ بِأَن يَهوى يُجازى
وَمالِكُهُ بِأَن يَجني يُثابُ
وَلَو وُجِدَ العِقابُ فَعَلتُ لَكِن
نِفارُ الظَبيِ لَيسَ لَهُ عِقابُ
يَلومُ اللائِمونَ وَما رَأَوهُ
وَقِدماً ضاعَ في الناسِ الصَوابُ
صَحَوتُ فَأَنكَرَ السُلوانَ قَلبي
عَلَيَّ وَراجَعَ الطَرَبَ الشَبابُ
كَأَنَّ يَدَ الغَرامِ زِمامُ قَلبي
فَلَيسَ عَلَيهِ دونَ هَوىً حِجابُ
كَأَنَّ رِوايَةَ الأَشواقِ عَودٌ
عَلى بَدءٍ وَما كَمُلَ الكِتابُ
كَأَنِّيَ وَالهَوى أَخَوا مُدامٍ
لَنا عَهدٌ بِها وَلَنا اِصطِحابُ
إِذا ما اِعتَضتُ عَن عِشقٍ بِعِشقِ
أُعيدَ العَهدُ وَاِمتَدَّ الشَرابُ

معالي العهد قمت بها فطيما

مَعالي العَهدِ قُمتَ بِها فَطيما
وَكانَ إِلَيكَ مَرجِعُها قَديما
تَنَقَّل مِن يَدٍ لِيَدٍ كَريماً
كَروحِ اللَهِ إِذ خَلَفَ الكَليما
تَنحّى لِاِبنِ مَريَمَ حينَ جاءَ
وَخَلّى النَجمُ لِلقَمَرِ الفَضاءَ
ضِياءٌ لِلعُيونِ تَلا ضِياءً
يَفيضُ مَيامِناً وَهُدىً عَميما
كَذا أَنتُم بَني البَيتِ الكَريمِ
وَهَل مُتَجَزِّئٌ ضَوءُ النُجومِ
وَأَينَ الشُهبُ مِن شَرَفٍ صَميمِ
تَأَلَّقَ عِقدُهُ بِكُمو نَظيما
أَرى مُستَقبَلاً يَبدو عُجابا
وَعُنواناً يُكِنُّ لَنا كِتابا
وَكانَ مُحَمَّدٌ أَمَلاً شِهابا
وَكانَ اليَأسُ شَيطاناً رَجيما
وَأَشرَقَتِ الهَياكِلُ وَالمَباني
كَما كانَت وَأَزيَنَ في الزَمانِ
وَأَصبَحَ ما تُكِنُّ مِنَ المَعاني
عَلى الآفاقِ مَسطوراً رَقيما
سَأَلتُ فَقيلَ لي وَضَعَتهُ طِفلاً
وَهَذا عيدُهُ في مِصرَ يُجلى
فَقُلتُ كَذَلِكُم آنَستُ قَبلا
وَكانَ اللَهُ بِالنَجوى عَليما
بِمُنتَزَهِ الإِمارَةِ هَلَّ فَجرا
هِلالاً في مَنازِلِهِ أَغَرّا
فَباتَت مِصرُ حَولَ المَهدِ ثَغرا
وَباتَ الثَغرُ لِلدُنيا نَديما
لِجيلِكَ في غَدٍ جيلِ المَعالي
وَشَعبِ المَجدِ وَالهِمَمِ العَوالي
أَزُفُ نَوابِغَ الكَلِمِ الغَوالي
وَأَهدي حِكمَتي الشَعبَ الحَكيما
إِذا أَقبَلتَ يا زَمَن البَنينا
وَشَبّوا فيكَ وَاِجتازوا السِنينا
فَدُر مِن بَعدِنا لَهُمو يَمينا
وَكُن لِوُرودِكَ الماءَ الحَميما
وَيا جيلَ الأَميرِ إِذا نَشَأنا
وَشاءَ الجَدُّ أَن تُعطى وَشِئتا
فَخُذ سُبُلاً إِلى العَلياءِ شَتّى
وَخَلِّ دَليلَكَ الدينَ القَويما
وَضِنَّ بِهِ فَإِنَّ الخَيرَ فيهِ
وَخُذهُ مِنَ الكِتابِ وَما يَليهِ
وَلا تَأخُذهُ مِن شَفَتَي فَقيهِ
وَلا تَهجُر مَعَ الدينِ العُلوما
وَثِق بِالنَفسِ في كُلِّ الشُؤونِ
وَكُن مِمّا اِعتَقدتَ عَلى يَقينِ
كَأَنَّكَ مِن ضَميرِكَ عِندَ دينٍ
فَمِن شَرَفِ المَبادِئِ أَن تُقيما
وَإِن تَرُمِ المَظاهِرَ في الحَياةِ
فَرُمها بِاِجتِهادِكَ وَالثَباتِ
وَخُذها بِالمَساعي باهِراتِ
تُنافِسُ في جَلالَتِها النُجوما
وَإِن تَخرُج لِحَربٍ أَو سَلامِ
فَأَقدِم قَبلَ إِقدامِ الأَنامِ
وَكُن كَاللَيثِ يَأتي مِن أَمامِ
فَيَملَأُ كُلَّ ناطِقَةٍ وُجوما
وَكُن شَعبَ الخَصائِصِ وَالمَزايا
وَلا تَكُ ضائِعاً بَينَ البَرايا
وَكُن كَالنَحلِ وَالدُنيا الخَلايا
يَمُرُّ بِها وَلا يَمضي عَقيما
وَلا تَطمَح إِلى طَلَبِ المُحالِ
وَلا تَقنَع إِلى هَجرِ المَعالي
فَإِن أَبطَأنَ فَاِصبِر غَيرَ سالِ
كَصَبرِ الأَنبِياءِ لَها قَديما
وَلا تَقبَل لِغَيرِ اللَهِ حُكماً
وَلا تَحمِل لِغَيرِ الدَهرِ ظُلما
وَلا تَرضَ القَليلَ الدونَ قِسما
إِذا لَم تَقدِرِ الأَمرَ المَروما
وَلا تَيأَس وَلا تَكُ بِالضَجورِ
وَلا تَثِقَنَّ مِن مَجرى الأُمورِ
فَلَيسَ مَعَ الحَوادِثِ مِن قَديرِ
وَلا أَحَدٌ بِما تَأتي عَليما
وَفي الجُهّالِ لا تَضَعِ الرَجاءَ
كَوَضعِ الشَمسِ في الوَحَلِ الضِياءَ
يَضيعُ شُعاعُها فيهِ هَباءَ
وَكانَ الجَهلُ مَمقوتاً ذَميما
وَبالِغ في التَدَبُّرِ وَالتَحَرّي
وَلا تَعجَل وَثِق مِن كُلِّ أَمرِ
وَكُن كَالأُسدِ عِندَ الماءِ تَجري
وَلَيسَت وُرَّداً حَتّى تَحوما
وَما الدُنيا بِمَثوىً لِلعِبادِ
فَكُن ضَيفَ الرِعايَةِ وَالوِدادِ
وَلا تَستَكثِرَنَّ مِنَ الأَعادي
فَشَرُّ الناسِ أَكثَرُهُم خُصوما
وَلا تَجعَل تَوَدُّدُكَ اِبتِذالاً
وَلا تَسمَح بِحِلمِكَ أَن يُذالا
وَكُن ما بَينَ ذاكَ وَذاكَ حالا
فَلَن تُرضي العَدُوَّ وَلا الحَميما
وَصَلِّ صَلاةَ مَن يَرجو وَيَخشى
وَقَبلَ الصَومِ صُم عَن كُلِّ فَحشا
وَلا تَحسَب بِأَنَّ اللَهَ يُرشى
وَأَنَّ مُزَكّياً أَمِنَ الجَحيما
لِكُلِّ جَنىً زَكاةً في الحَياةِ
وَمَعنى البِرِّ في لَفظِ الزَكاةِ
وَما لِلَّهُ فينا مِن جُباةِ
وَلا هُوَ لِاِمرِئٍ زَكّى غَريما
فَإِن تَكُ عالِماً فَاِعمَل وَفَطِّن
وَإِن تَكُ حاكِماً فَاِعدِل وَأَحسِن
وَإِن تَكُ صانِعاً شَيئاً فَأَتقِن
وَكُن لِلفَرضِ بَعدَئِذٍ مُقيما
وَصُن لُغَةً يَحُقُّ لَها الصِيانُ
فَخَيرُ مَظاهِرِ الأُمِّ البَيانُ
وَكانَ الشَعبُ لَيسَ لَهُ لِسانُ
غَريباً في مَواطِنِهِ مَضيما
أَلَم تَرَها تُنالُ بِكُلِّ ضَيرٍ
وَكانَ الخَيرُ إِذ كانَت بِخَيرِ
أَيَنطِقُ في المَشارِقِ كُلُّ طَيرِ
وَيَبقى أَهلُها رَخَماً وَبوما
فَعَلِّمها صَغيرَكَ قَبلَ كُلِّ
وَدَع دَعوى تَمَدُّنِهِم وَخَلِّ
فَما بِالعِيِّ في الدُنيا التَحَلّي
وَلا خَرَسُ الفَتى فَضلاً عَظيما
وَخُذ لُغَةَ المُعاصِرِ فَهيَ دُنيا
وَلا تَجعَل لِسانَ الأَصلِ نَسيا
كَما نَقَلَ الغُرابُ فَضَلَّ مَشياً
وَما بَلَغَ الجَديدَ وَلا القَديما
لِجيلِكَ يَومَ نَشأَتِهِ مَقالي
فَأَمّا أَنتَ يا نَجلَ المَعالي
فَتَنظُرُ مِن أَبيكَ إِلى مِثالٍ
يُحَيِّرُ في الكَمالاتِ الفُهوما
نَصائِحُ ما أَرَدتُ بِها لِأَهدي
وَلا أَبغي بِها جَدواكَ بَعدي
وَلَكِنّي أُحِبُّ النَفعَ جَهدي
وَكانَ النَفعُ في الدُنيا لُزوما
فَإِن أُقرِئتَ يا مَولايَ شِعري
فَإِنَّ أَباكَ يَعرِفُهُ وَيَدري
وَجَدُّكَ كانَ شَأوي حينَ أَجري
فَأَصرَعُ في سَوابِقِها تَميما
بَنونا أَنتَ صُبحُهُمُ الأَجَلُّ
وَعَهدُكَ عِصمَةٌ لَهُمو وَظِلُّ
فَلِم لا نَرتَجيكَ لَهُم وَكُلٌّ
يَعيشُ بِأَن تَعيشَ وَأَن تَدوما

أريد سلوكم والقلب يأبى

أَريدُ سُلُوَّكُم وَالقَلبُ يَأبى
وَأَعتِبُكُم وَمِلءُ النَفسِ عُتبى
وَأَهجُرُكُم فَيَهجُرُني رُقادي
وَيُضويني الظَلامُ أَسىً وَكَربا
وَأَذكُرُكُم بِرُؤيَةِ كُلِّ حُسنٍ
فَيَصبو ناظِري وَالقَلبُ أَصبى
وَأَشكو مِن عَذابي في هَواكُم
وَأَجزيكُم عَنِ التَعذيبِ حُبّا
وَأَعلَمُ أَنَّ دَأبَكُمُ جَفائي
فَما بالي جَعَلتُ الحُبَّ دَأبا
وَرُبَّ مُعاتَبٍ كَالعَيشِ يُشكى
وَمِلءُ النَفسِ مِنهُ هَوىً وَعُتبى
أَتَجزيني عَنِ الزُلفى نِفاراً
عَتَبتكَ بِالهَوى وَكَفاكَ عَتبا
فَكُلُّ مَلاحَةٍ في الناسِ ذَنبٌ
إِذا عُدَّ النِفارُ عَلَيكَ ذَنبا
أَخَذتُ هَواكَ عَن عَيني وَقَلبي
فَعَيني قَد دَعَت وَالقَلبُ لَبّى
وَأَنتَ مِنَ المَحاسِنِ في مِثالٍ
فَدَيتُكَ قالَباً فيهِ وَقَلبا
أُحِبُّكَ حينَ تَثني الجيدَ تيهاً
وَأَخشى أَن يَصيرَ التيهُ دَأبا
وَقالوا في البَديلِ رِضاً وَرَوحٌ
لَقَد رُمتُ البَديلَ فَرُمتُ صَعبا
وَراجَعتُ الرَشادَ عَسايَ أَسلو
فَما بالي مَعَ السُلوانِ أَصبى
إِذا ما الكَأسُ لَم تُذهِب هُمومي
فَقَد تَبَّت يَدُ الساقي وَتَبّا
عَلى أَنّي أَعَفُّ مَنِ اِحتَساها
وَأَكرَمُ مِن عَذارى الدَيرِ شربا
وَلي نَفسٌ أُرَوّيها فَتَزكو
كَزَهرِ الوَردِ نَدَّوهُ فَهَبّا