صغار بحلوان تستبشر

صِغارٌ بِحُلوانَ تَستَبشِرُ
وَرُؤيَتُها الفَرَحُ الأَكبَرُ
تَهُزُّ اللِواءَ بِعيدِ المَسيحِ
وَتُحَيّيهِ مِن حَيثُ لا تَشعُرُ
فَهَذا بِلُعبَتِهِ يَزدَهي
وَهَذا بِحُلَّتِهِ يَفخَرُ
وَهَذا كَغُصنِ الرُبا يَنثَني
وَهَذا كَريحِ الصَبا يَخطِرُ
إِذا اِجتَمَعَ الكُلُّ في بُقعَةٍ
حَسِبتَهُمو باقَةً تُزهِرُ
أَوِ اِفتَرَقوا واحِداً واحِداً
حَسِبتَهُمو لُؤلُؤاً يُنثَرُ
وَمِن عَجَبٍ مِنهُمو المُسلِمونَ
أَوِ المُسلِمونَ هُمُ الأَكثَرُ
فَلاسِفَةٌ كُلُّهُم في اِتِّفاقٍ
كَما اِتَّفَقَ الآلُ وَالمَعشَرُ
دَسَمبِرُ شَعبانُ عِندَ الجَميعِ
وَشَعبانُ لِلكُلِّ ديسَمبِرُ
وَلا لُغَةٌ غَيرَ صَوتٍ شَجِيٍّ
كَرَوضٍ بَلابِلُهُ تَصفِرُ
وَلا يَزدَري بِالفَقيرِ الغَنِيُّ
وَلا يُنكِرُ الأَبيَضَ الأَسمَرُ
فَيا لَيتَ شِعري أَضَلَّ الصِغارُ
أَمِ العَقلُ ما عَنهُمو يُؤثَرُ
سُؤالٌ أُقَدِمُهُ لِلكِبارِ
لَعَلَّ الكِبارَ بِهِ أَخبَرُ
وَلي طِفلَةٌ جازَتِ السَنَتَينِ
كَبَعضِ المَلائِكِ أَو أَطهَرُ
بِعَينَينِ في مِثلِ لَونِ السَماءِ
وَسِنَّينِ يا حَبَّذا الجَوهَرُ
أَتَتنِيَ تَسأَلُني لُعبَةً
لِتَكسِرَها ضِمنَ ما تَكسِرُ
فَقُلتُ لَها أَيُّهَذا المَلاكُ
تُحِبُّ السَلامَ وَلا أُنكِرُ
وَلَكِنَّ قَبلَكَ خابَ المَسيحُ
وَباءَ بِمَنشورِهِ القَيصَرُ
فَلا تَرجُ سِلماً مِنَ العالَمينَ
فَإِنَّ السِباعَ كَما تُفطَرُ
وَمَن يَعدَمِ الظُفرَ بَينَ الذِئابِ
فَإِنَّ الذِئابَ بِهِ تَظفَرُ
فَإِن شِئتَ تَحيا حَياةَ الكِبارِ
يُؤَمِّلُكَ الكُلُّ أَو يَحذرُ
فَخُذ هاكَ بُندُقَةً نارُها
سَلامٌ عَلَيكَ إِذا تُسعَرُ
لَعَلَّكَ تَألَفُها في الصِبا
وَتَخلفُها كُلَّما تَكبَرُ
فَفيها الحَياةُ لِمَن حازَها
وَفيها السَعادَةُ وَالمَفخَرُ
وَفيها السَلامُ الوَطيدُ البِناءِ
لِمَن آثَرَ السِلمَ أَو يُؤثِرُ
فَلوبيلُ مُمسِكَةٌ مَوزَراً
وَلوبيلُ تُمسِكُها مَوزَرُ
أَجابَت وَما النُطقُ في وُسعِها
وَلَكِنَّها العَينُ قَد تُخبِرُ
تَقولُ عَجيبٌ كَلامُكَ لي
أَبِالشَرِّ يا والِدي تَأمُرُ
تَزينُ لِبنتِكَ حُبَّ الحُروبِ
وَحُبُّ السَلامِ بِها أَجدَرُ
وَأَنتَ اِمرُؤٌ لا تُحِبُّ الأَذى
وَلا تَبتَغيهِ وَلا تَأمُرُ
فَقُلتُ لِأَمرٍ ضَلَلتُ السَبيلَ
وَرُبَّ أَخي ضَلَّةٍ يُعذَرُ
فَلَو جيءَ بِالرُسلِ في واحِدٍ
وَبِالكُتبِ في صَفحَةٍ تُنشَرُ
وَبِالأَوَّلينَ وَما قَدَّموا
وَبِالآخَرينَ وَما أَخَّروا
لِيَنهَضَ ما بَينَهُم خاطِباً
عَلى العَرشِ نَصَّ لَهُ مِنبَرُ
يَقولُ السَلامُ يُحِبُّ السَلامَ
وَيَأجُرُكُم عَنهُ ما يَأجُرُ
لَصُمَّ العِبادُ فَلَم يَسمَعوا
وَكُفَّ العِبادُ فَلَم يُبصِروا

سالت حبيبي في قبلة

سألت حبيبيَ في قبلة
فما نعنيها بحكم الخجل
فلازمت صبرىَ حتى غفا
وملت على خدّه بالقبل
فنضّى عن الجفن ثوب الكرى
وعما جرى بيننا لا تسل
وقال جرحت بوقع الشفاه
خدودي وذنبك لا يحتمل
فقلت أنت جرحت الحشا
وأدميته بسهام المُقَل
وفي الشرع أن الجروح قصاص
جُرح بجرح حكم عدل
فأبدى الحبيب ابتسام الرضا
ومال كغصن النقا واعتدل
وقال وحق سواد العيو
ن التي علمتك رقيق الغزل
لتستهدفنَّ لنبل اللحاظ
إذا عدت يوما لهذا العمل

فدتك الجوانح من نازل

فَدَتكَ الجَوانِحُ مِن نازِلٍ
وَأَهلاً بِطَيفِكَ مِن واصِلِ
بَذَلتَ لَهُ الجَفنَ دونَ الكَرى
وَمَن بِالكَرى لِلشَجِيِ الباذِلِ
وَقُلتُ أَراكَ بِرُغمِ العَذول
فَنابَ السُهادُ عَنِ العاذِلِ
فَوَيحَ المُتَيَّمِ حَتّى الخَيالُ
إِذا زارَ لَم يَخلُ مِن حائِلِ
يَحِنُّ إِلَيكَ ضُلوعٌ عَفَت
مِنَ البَينِ في جَسَدٍ ناحِلِ
وَقَلبٌ جَوٍ عِندَها خافِقٌ
تَعَلَّقَ بِالسَنَدِ المائِلِ
وَمِن عَبَثِ العِشقِ بِالعاشِقين
حَنينُ القَتيلِ إِلى القاتِلِ
غَفِلتُ عَنِ الكَأسِ حَتّى طَغَت
وَلي أَدَبٌ لَيسَ بِالغافِلِ
وَشَفَّت وَما شَفَّ مِنّي الضَميرُ
وَأَينَ الجَمادُ مِنَ العاقِلِ
يَظَلُّ نَديمي يُسقى بِها
وَيَشرَبُ مِن خُلُقي الفاضِلِ
أُبِدِّدُها كَرَماً كُلَّما
بَدَت لِيَ كَالذَهَبِ السائِلِ

الا حبذا صحبة المكتب

أَلا حَبَّذا صُحبَةَ المَكتَبِ
وَأَحبِب بِأَيّامِهِ أَحبِبِ
وَيا حَبَّذا صِبيَةٌ يَمرَحو
نَ عِنانُ الحَياةِ عَلَيهِم صَبي
كَأَنَّهُمو بَسَماتُ الحَيا
ةِ وَأَنفاسُ رَيحانَها الطَيِّبِ
يُراحُ وَيُغدى بِهِم كَالقَطي
عِ عَلى مَشرِقِ الشَمسِ وَالمَغرِبِ
إِلى مَرتَعٍ أَلِفوا غَيرَهُ
وَراعٍ غَريبِ العَصا أَجنَبي
وَمُستَقبَلٍ مِن قُيودِ الحَيا
ةِ شَديدٍ عَلى النَفسِ مُستَصعَبِ
فِراخٌ بِأَيكٍ فَمِن ناهِضٍ
يَروضُ الجَناحَ وَمِن أَزغَبِ
مَقاعِدُهُم مِن جَناحِ الزَما
نِ وَما عَلِموا خَطَرَ المَركَبِ
عَصافيرُ عِندَ تَهَجّي الدُرو
سِ مِهارٌ عَرابيدُ في المَلعَبِ
خَلِيّونَ مِن تَبِعاتِ الحَيا
ةِ عَلى الأُمِّ يَلقونَها وَالأَبِ
جُنونُ الحَداثَةِ مِن حَولِهِم
تَضيقُ بِهِ سَعَةُ المَذهَبِ
عَدا فَاِستَبَدَّ بِعَقلِ الصَبِيّ
وَأَعدى المُؤَدِّبَ حَتّى صَبى
لَهُم جَرَسٌ مُطرِبٌ في السَرا
حِ وَلَيسَ إِذا جَدَّ بِالمُطرِبِ
تَوارَت بِهِ ساعَةٌ لِلزَما
نِ عَلى الناسِ دائِرَةُ العَقرَبِ
تَشولُ بِإِبرَتِها لِلشَبا
بِ وَتَقذِفُ بِالسُمِّ في الشُيَّبِ
يَدُقُّ بِمِطرَقَتَيها القَضا
ءَ وَتَجري المَقاديرُ في اللَولَبِ
وَتِلكَ الأَواعي بِأَيمانِهِم
حَقائِبُ فيها الغَدُ المُختَبي
فَفيها الَّذي إِن يُقِم لا يُعَدَّ
مِنَ الناسِ أَو يَمضِ لا يُحسَبِ
وَفيها اللِواءُ وَفيها المَنا
رُ وَفيها التَبيعُ وَفيها النَبي
وَفيها المُؤَخَّرُ خَلفَ الزِحا
مِ وَفيها المُقَدَّمُ في المَوكِبِ
جَميلٌ عَلَيهِم قَشيبُ الثِيا
بِ وَما لَم يُجَمَّل وَلَم يَقشِبِ
كَساهُم بَنانُ الصِبا حُلَّةً
أَعَزَّ مِن المِخمَلِ المُذهَبِ
وَأَبهى مِنَ الوَردِ تَحتَ النَدى
إِذا رَفَّ في فَرعِهِ الأَهدَبِ
وَأَطهَرَ مِن ذَيلِها لَم يَلُمّ
مِنَ الناسِ ماشٍ وَلَم يَسحَبِ
قَطيعٌ يُزَجّيهِ راعٍ مِنَ الدَه
رِ لَيسَ بِلَينٍ وَلا صُلَّبِ
أَهابَت هِرواتُهُ بِالرِفا
قِ وَنادَت عَلى الحُيَّدِ الهُرَّبِ
وَصَرَّفَ قُطعانَهُ فَاِستَبَدّ
وَلَم يَخشَ شَيئاً وَلَم يَرهَبِ
أَرادَ لِمَن شاءَ رَعيَ الجَدي
بِ وَأَنزَلَ مَن شاءَ بِالمُخصِبِ
وَرَوّى عَلى رِيِّها الناهلا
تِ وَرَدَّ الظِماءَ فَلَم تَشرَبِ
وَأَلقى رِقاباً إِلى الضارِبي
نَ وَضَنَّ بِأُخرى فَلَم تُضرَبِ
وَلَيسَ يُبالي رِضا المُستَري
حِ وَلا ضَجَرَ الناقِمِ المُتعَبِ
وَلَيسَ بِمُبقٍ عَلى الحاضِري
نَ وَلَيسَ بِباكٍ عَلى الغُيَّبِ
فَيا وَيحَهُم هَل أَحَسّوا الحَيا
ةَ لَقَد لَعِبوا وَهيَ لَم تَلعَبِ
تُجَرِّبُ فيهِم وَما يَعلَمو
نَ كَتَجرُبَةِ الطِبِّ في الأَرنَبِ
سَقَتهُم بِسُمٍّ جَرى في الأُصو
لِ وَرَوّى الفُروعَ وَلَم يَنضُبِ
وَدارَ الزَمانُ فَدالَ الصِبا
وَشَبَّ الصِغارُ عَنِ المَكتَبِ
وَجَدَّ الطِلابُ وَكَدَّ الشَبا
بُ وَأَوغَلَ في الصَعبِ فَالأَصعَبِ
وَعادَت نَواعِمُ أَيّامِهِ
سِنينَ مِنَ الدَأَبِ المُنصِبِ
وَعُذِّبَ بِالعِلمِ طُلّابُهُ
وَغَصّوا بِمَنهَلِهِ الأَعذَبِ
رَمَتهُم بِهِ شَهَواتُ الحَيا
ةِ وَحُبُّ النَباهَةِ وَالمَكسَبِ
وَزَهو الأُبُوَّةِ مِن مُنجِبٍ
يُفاخِرُ مَن لَيسَ بِالمُنجِبِ
وَعَقلٌ بَعيدُ مَرامي الطِما
حِ كَبيرُ اللُبانَةِ وَالمَأرَبِ
وَلوعُ الرَجاءِ بِما لَم تَنَل
عُقولُ الأَوالي وَلَم تَطلُبِ
تَنَقَّلَ كَالنَجمِ مِن غَيهَبٍ
يَجوبُ العُصورَ إِلى عَيهَبِ
قَديمُ الشُعاعِ كَشَمسِ النَها
رِ جَديدٌ كَمِصباحِها المُلهِبِ
أَبُقراطُ مِثلُ اِبنِ سينا الرَئي
سِ وَهوميرُ مِثلُ أَبي الطَيِّبِ
وَكُلُّهُمو حَجَرٌ في البِنا
ءِ وَغَرسٌ مِنَ المُثمِرِ المُعقِبِ
تُؤَلِفُهُم في ظِلالِ الرَخا
ءِ وَفي كَنَفِ النَسَبِ الأَقرَبِ
وَتَكسِرُ فيهِم غُرورَ الثَرا
ءِ وَزَهوَ الوِلادَةِ وَالمَنصِبِ
بُيوتٌ مُنَزَّهَةٌ كَالعَتي
قِ وَإِن لَم تُسَتَّر وَلَم تُحجَبِ
يُداني ثَراها ثَرى مَكَّةٍ
وَيَقرُبُ في الطُهرِ مِن يَثرِبِ
إِذا ما رَأَيتَهُمو عِندَها
يَموجونَ كَالنَحلِ عِندَ الرُبى
رَأَيتَ الحَضارَةَ في حُصنِها
هُناكَ وَفي جُندِها الأَغلَبِ
وَتَعرِضُهُم مَوكِباً مَوكِباً
وَتَسأَلُ عَن عَلَمِ المَوكِبِ
دَعِ الحَظَّ يَطلَع بِهِ في غَدٍ
فَإِنَّكَ لَم تَدرِ مَن يَجتَبي
لَقَد زَيَّنَ الأَرضَ بِالعَبقَرِيِّ
مُحَلّي السَماواتِ بِالكَوكَبِ
وَخَدَّشَ ظُفرُ الزَمانِ الوُجو
هَ وَغَيَّضَ مِن بِشرِها المُعجِبِ
وَغالَ الحَداثَةَ شَرخُ الشَبا
بِ وَلَو شِيَتِ المُردُ في الشُيَّبِ
سَرى الشَيبُ مُتَّئِداً في الرُؤو
سِ سُرى النارِ في المَوضِعِ المُعشِبِ
حَريقٌ أَحاطَ بِخَيطِ الحَيا
ةِ تَعَجَّبتُ كَيفَ عَلَيهِم غَبي
وَمَن تُظهِرِ النارُ في دارِهِ
وَفي زَرعِهِ مِنهُمو يَرعَبِ
قَدِ اِنصَرَفوا بَعدَ عِلمِ الكِتا
بِ لِبابٍ مِنَ العِلمِ لَم يُكتَبِ
حَياةٌ يُغامِرُ فيها اِمرُؤٌ
تَسَلَّحَ بِالنابِ وَالمِخلَبِ
وَصارَ إِلى الفاقَةِ اِبنُ الغَنِيّ
وَلاقى الغِنى وَلَدُ المُترَبِ
وَقَد ذَهَبَ المُمتَلي صِحَّةً
وَصَحَّ السَقيمُ فَلَم يَذهَبِ
وَكَم مُنجِبٍ في تَلَقِّ الدُرو
سِ تَلَقّى الحَياةَ فَلَم يُنجِبِ
وَغابَ الرِفاقُ كَأَن لَم يَكُن
بِهِم لَكَ عَهدٌ وَلَم تَصحَبِ
إِلى أَن فَنوا ثَلَّةً ثَلَّةً
فَناءَ السَرابِ عَلى السَبسَبِ

فديناه من زائر مرتقب

فَدَيناهُ مِن زائِرٍ مُرتَقَب
بَدا لِلوُجودِ بِمَرأىً عَجَب
تَهُزُّ الجِبالَ تَباشيرُهُ
كَما هَزَّ عِطفَ الطَروبِ الطَرَب
وَيُحلي البِحارَ بِلَألائِهِ
فَمِنّا الكُؤوسُ وَمِنهُ الحَبَب
مَنارُ الحُزونِ إِذا ما اِعتَلى
مَنارُ السُهولِ إِذا ما اِنقَلَب
أَتانا مِنَ البَحرِ في زَورَقٍ
لُجَيناً مَجاذيفُهُ مِن ذَهَب
فَقُلنا سُلَيمانُ لَو لَم يَمُت
وَفِرعَونُ لَو حَمَلَتهُ الشُهُب
وَكِسرى وَما خَمَدَت نارهُ
وَيوسُفُ لَو أَنَّهُ لَم يَشِب
وَهَيهاتَ ما تُوِّجوا بِالسَنا
وَلا عَرشُهُم كانَ فَوقَ السُحُب
أَنافَ عَلى الماءِ ما بَينَها
وَبَينَ الجِبالِ وَشُمَّ الهُضَب
فَلا هُوَ خافٍ وَلا ظاهِرٌ
وَلا سافِرٌ لا وَلا مُنتَقِب
وَلَيسَ بِثاوٍ وَلا راحِلٍ
وَلا بِالبَعيدِ وَلا المُقتَرِب
تَوارى بِنِصفٍ خِلالَ السُحُب
وَنِصفٌ عَلى جَبَلٍ لَم يَغِب
يُجَدِّدُها آيَةً قَد خَلَت
وَيَذكُرُ ميلادَ خَيرِ العَرَب

سنون تعاد ودهر يعيد

سُنونٌ تُعادُ وَدَهرٌ يُعيد
لَعَمرُكَ ما في اللَيالي جَديد
أَضاءَ لِآدَمَ هَذا الهِلالُ
فَكَيفَ تَقولُ الهِلالُ الوَليد
نَعُدُّ عَلَيهِ الزَمانَ القَريبَ
وَيُحصي عَلَينا الزَمانَ البَعيد
عَلى صَفحَتَيهِ حَديثُ القُرى
وَأَيّامُ عادٍ وَدُنيا ثَمود
وَطيبَةُ آهِلَةٌ بِالمُلوكِ
وَطيبَةُ مُقفِرَةٌ بِالصَعيد
يَزولُ بِبَعضِ سَناهُ الصَفا
وَيَفنى بِبَعضِ سَناهُ الحَديد
وَمِن عَجَبٍ وَهوَ جَدُّ اللَيالي
يُبيدُ اللَيالِيَ فيما يُبيد
يَقولونَ يا عامُ قَد عُدتَ لي
فَيالَيتَ شِعري بِماذا تَعود
لَقَد كُنتَ لي أَمسِ ما لَم أُرِد
فَهَل أَنتَ لي اليَومَ ما لا أُريد
وَمَن صابَرَ الدَهرَ صَبري لَهُ
شَكا في الثَلاثينَ شَكوى لَبيد
ظَمِئتُ وَمِثلي بَرِيٍّ أَحَقُّ
كَأَنّي حُسَينٌ وَدَهري يَزيد
تَغابَيتُ حَتّى صَحِبتُ الجَهولَ
وَدارَيتُ حَتّى صَبِحتُ الحَسود

تحية عمرو لك بل عمر

تحية عمرو لك بل عمر
وأهلا بكم أيهذا القمر
تجرّ البحيرة أذيالها
وتسبق بين يديك الزمر
وتمشى مجمَّلة بالحلىّ
وقد تتجلى ذوات الخفر
وتزهو بزينتها كالعروس
وأنت الخطيب الحبيب الأغر
وما زينت لك بين القلوب
أجل وأجمل مما ظهر
وتبعث من ملحها حفنة
لعين الحسود إذا ما نظر
تجلّى الصباح على أفقها
فألقى بغرّته وانتظر
وبشرها بك خفق الريا
ح وبعد الرياح يكون المطر
تهب على الريح من شوقها
كأن سليمان بالريف مر

ابا الهول طال عليك العصر

أَبا الهَولِ طالَ عَلَيكَ العُصُر
وَبُلِّغتَ في الأَرضِ أَقصى العُمُر
فَيالِدَةَ الدَهرِ لا الدَهرُ شَبَّ
وَلا أَنتَ جاوَزتَ حَدَّ الصِغَر
إِلامَ رُكوبُكَ مَتنَ الرِمالِ
لِطَيِّ الأَصيلِ وَجَوبِ السَحَر
تُسافِرُ مُنتَقِلاً في القُرونِ
فَأَيّانَ تُلقي غُبارَ السَفَر
أَبَينَكَ عَهدٌ وَبَينَ الجِبالِ
تَزولانِ في المَوعِدِ المُنتَظَر
أَبا الهَولِ ماذا وَراءَ البَقاءِ
إِذا ما تَطاوَلَ غَيرُ الضَجَر
عَجِبتُ لِلُقمانَ في حِرصِهِ
عَلى لُبَدٍ وَالنُسورِ الأُخَر
وَشَكوى لَبيدٍ لِطولِ الحَياةِ
وَلَو لَم تَطُل لَتَشَكّى القِصَر
وَلَو وُجِدَت فيكَ يا بنَ الصَفاةِ
لَحَقتَ بِصانِعِكَ المُقتَدِر
فَإِنَّ الحَياةَ تَفُلُّ الحَديدَ
إِذا لَبِسَتهُ وَتُبلى الحَجَر
أَبا الهَولِ ما أَنتَ في المُعضِلاتِ
لَقَد ضَلَّتِ السُبلَ فيكَ الفِكَر
تَحَيَّرَتِ البَدوُ ماذا تَكونُ
وَضَلَّت بِوادي الظُنونِ الحَضَر
فَكُنتَ لَهُم صورَةَ العُنفُوانُ
وَكُنتَ مِثالَ الحِجى وَالبَصَر
وَسِرُّكَ في حُجبِهِ كُلَّما
أَطَلَّت عَلَيهِ الظُنونُ اِستَتَر
وَما راعَهُم غَيرُ رَأسِ الرِجالِ
عَلى هَيكَلٍ مِن ذَواتِ الظُفُر
وَلَو صُوِّروا مِن نَواحي الطِباعِ
تَوالَوا عَلَيكَ سِباغَ الصُوَر
فَيا رُبَّ وَجهٍ كَصافي النَميرِ
تَشابَهَ حامِلُهُ وَالنَمِر
أَبا الهَولِ وَيحَكَ لا يُستَقَلُّ
مَعَ الدَهرِ شَيءٌ وَلا يُحتَقَر
تَهَزَّأتَ دَهراً بِديكِ الصَباحِ
فَنَقَّرَ عَينَيكَ فيما نَقَر
أَسالَ البَياضَ وَسَلَّ السَوادَ
وَأَوغَلَ مِنقارُهُ في الحُفَر
فَعُدتَ كَأَنَّكَ ذو المَحبِسَينِ
قَطيعَ القِيامِ سَليبَ البَصَر
كَأَنَّ الرِمالَ عَلى جانِبَيكَ
وَبَينَ يَدَيكَ ذُنوبُ البَشَر
كَأَنَّكَ فيها لِواءُ الفَضاءِ
عَلى الأَرضِ أَو دَيدَبانُ القَدَر
كَأَنَّكَ صاحِبُ رَملٍ يَرى
خَبايا الغُيوبِ خِلالَ السَطَر
أَبا الهَولِ أَنتَ نَديمُ الزَمانِ
نَجِيُّ الأَوانِ سَميرُ العُصُر
بَسَطتَ ذِراعَيكَ مِن آدَمٍ
وَوَلَّيتَ وَجهَكَ شَطرَ الزُمَر
تُطِلُّ عَلى عالَمٍ يَستَهِلُّ
وَتوفي عَلى عالَمٍ يُحتَضَر
فَعَينٌ إِلى مَن بَدا لِلوُجودِ
وَأُخرى مُشَيِّعَةٌ مِن غَبَر
فَحَدِّث فَقَد يُهتَدى بِالحَديثِ
وَخَبِّر فَقَد يُؤتَسى بِالخَبَر
أَلَم تَبلُ فِرعَونَ في عِزِّهِ
إِلى الشَمسِ مُعتَزِياً وَالقَمَر
ظَليلَ الحَضارَةِ في الأَوَّلينَ
رَفيعَ البِناءِ جَليلَ الأَثَر
يُؤَسِّسُ في الأَرضِ لِلغابِرينَ
وَيَغرِسُ لِلآخَرينَ الثَمَر
وَراعَكَ ما راعَ مِن خَيلِ قَمبي
زَ تَرمي سَنابِكَها بِالشَرَر
جَوارِفُ بِالنارِ تَغزو البِلادَ
وَآوِنَةً بِالقَنا المُشتَجِر
وَأَبصَرتَ إِسكَندَراً في المَلا
قَشيبَ العُلا في الشَبابِ النَضِر
تَبَلَّجَ في مِصرَ إِكليلُهُ
فَلَم يَعدُ في المُلكِ عُمرَ الزَهَر
وَشاهَدتَ قَيصَرَ كَيفَ اِستَبَدَّ
وَكَيفَ أَذَلَّ بِمِصرَ القَصَر
وَكَيفَ تَجَبَّرَ أَعوانُهُ
وَساقوا الخَلائِقَ سَوقَ الحُمُر
وَكَيفَ اِبتُلوا بِقَليلِ العَديدِ
مِنَ الفاتِحينَ كَريمِ النَفَر
رَمى تاجَ قَيصَرَ رَميَ الزُجاجِ
وَفَلَّ الجُموعَ وَثَلَّ السُرَر
فَدَع كُلَّ طاغِيَةٍ لِلزَمانِ
فَإِنَّ الزَمانَ يُقيمُ الصَعَر
رَأَيتَ الدِياناتِ في نَظمِها
وَحينَ وَهى سِلكُها وَاِنتَثَر
تُشادُ البُيوتُ لَها كَالبُروجِ
إِذا أَخَذَ الطَرفُ فيها اِنحَسَر
تَلاقى أَساساً وَشُمَّ الجِبالِ
كَما تَتَلاقى أُصولُ الشَجَر
وَإيزيسُ خَلفَ مَقاصيرِها
تَخَطّى المُلوكُ إِلَيها السُتُر
تُضيءُ عَلى صَفَحاتِ السَماءِ
وَتُشرِقُ في الأَرضِ مِنها الحُجَر
وَآبيسُ في نيرِهِ العالِمونَ
وَبَعضُ العَقائِدِ نيرٌ عَسِر
تُساسُ بِهِ مُعضِلاتُ الأُمورِ
وَيُرجى النَعيمُ وَتُخشى سَقَر
وَلا يَشعُرِ القَومُ إِلّا بِهِ
وَلَو أَخَذَتهُ المُدى ما شَعَر
يَقِلُّ أَبو المِسكِ عَبداً لَهُ
وَإِن صاغَ أَحمَدُ فيهِ الدُرَر
وَآنَستَ موسى وَتابوتَهُ
وَنورَ العَصا وَالوَصايا الغُرَر
وَعيسى يَلُمُّ رِداءَ الحَياءِ
وَمَريَمُ تَجمَعُ ذَيلَ الخَفَر
وَعَمرو يَسوقُ بِمِصرَ الصِحابَ
وَيُزجي الكِتابَ وَيَحدو السُوَر
فَكَيفَ رَأَيتَ الهُدى وَالضَلالَ
وَدُنيا المُلوكِ وَأُخرى عُمَر
وَنَبذَ المُقَوقِسِ عَهدَ الفُجورِ
وَأَخذَ المُقَوقِسِ عَهدَ الفَجِر
وَتَبديلَهُ ظُلُماتِ الضَلالِ
بِصُبحِ الهِدايَةِ لَمّا سَفَر
وَتَأليفَهُ القِبطَ وَالمُسلِمين
كَما أُلِّفَت بِالوَلاءِ الأُسَر
أَبا الهَولِ لَو لَم تَكُن آيَةً
لَكانَ وَفاؤُكَ إِحدى العِبَر
أَطَلتَ عَلى الهَرَمَينِ الوُقوفَ
كَثاكِلَةٍ لا تَريمُ الحُفَر
تُرَجّي لِبانيهِما عَودَةً
وَكَيفَ يَعودُ الرَميمُ النَخِر
تَجوسُ بِعَينٍ خِلالَ الدِيارِ
وَتَرمي بِأُخرى فَضاءَ النَهَر
تَرومُ بِمَنفيسَ بيضَ الظُبا
وَسُمرَ القَنا وَالخَميسَ الدُثَر
وَمَهدَ العُلومِ الخَطيرَ الجَلالِ
وَعَهدِ الفُنونِ الجَليلَ الخَطَر
فَلا تَستَبينُ سِوى قَريَةٍ
أَجَدَّ مَحاسِنَها ما اِندَثَر
تَكادُ لِإِغراقِها في الجُمودِ
إِذا الأَرضُ دارَت بِها لَم تَدُر
فَهَل مَن يُبَلِّغُ عَنّا الأُصولَ
بِأَنَّ الفُروعَ اِقتَدَت بِالسِيَر
وَأَنّا خَطَبنا حِسانَ العُلا
وَسُقنا لَها الغالِيَ المُدَّخَر
وَأَنّا رَكِبنا غِمارَ الأُمورِ
وَأَنّا نَزَلنا إِلى المُؤتَمَر
بِكُلِّ مُبينٍ شَديدِ اللِدادِ
وَكُلِّ أَريبٍ بَعيدِ النَظَر
تُطالِبُ بِالحَقِّ في أُمَّةٍ
جَرى دَمُها دونَهُ وَاِنتَشَر
وَلَم تَفتَخِر بِأَساطيلِها
وَلَكِن بِدُستورِها تَفتَخِر
فَلَم يَبقَ غَيرُكَ مَن لَم يَحِف
وَلَم يَبقَ غَيرُكَ مَن لَم يَطِر
تَحَرَّك أَبا الهَولِ هَذا الزَمانُ
تَحَرَّكَ ما فيهِ حَتّى الحَجَر
نَجِيَّ أَبي الهَولِ آنَ الأَوانُ
وَدانَ الزَمانُ وَلانَ القَدَر
خَبَأتُ لِقَومِكَ ما يَستَقونَ
وَلا يَخبَأُ العَذبَ مِثلُ الحَجَر
فَعِندي المُلوكُ بِأَعيانِها
وَعِندَ التَوابيتِ مِنها الأَثَر
مَحا ظُلمَةَ اليَأسِ صُبحُ الرَجاءِ
وَهَذا هُوَ الفَلَقُ المُنتَظَر
اليَومُ نَسودُ بِوادينا
وَنُعيدُ مَحاسِنَ ماضينا
وَيُشيدُ العِزُّ بَأَيدينا
وَطَنٌ نَفديهِ وَيَفدينا
وَطَنٌ بِالحَقِّ نُؤَيِّدُهُ
وَبِعَينِ اللَهِ نُشَيِّدُهُ
وَنُحَسِّنُهُ وَنُزَيِّنُهُ
بِمَآثِرِنا وَمَساعينا
سِرُّ التاريخِ وَعُنصُرُهُ
وَسَريرُ الدَهرِ وَمِنبَرُهُ
وَجِنانُ الخُلدِ وَكَوثَرُهُ
وَكَفى الآباءُ رَياحينا
نَتَّخِذُ الشَمسَ لَهُ تاجاً
وَضُحاها عَرشاً وَهّاجا
وَسَماءَ السُؤدَدِ أَبراجاً
وَكَذلِكَ كانَ أَوالينا
العَصرُ يَراكُم وَالأُمَمُ
وَالكَرنَكُ يَلحَظُ وَالهَرَمُ
أَبني الأَوطانَ أَلا هِمَمُ
كَبِناءِ الأَوَّلِ يَبنينا
سَعياً أَبَداً سَعياً سَعياً
لِأَثيلِ المَجدِ وَلِلعَليا
وَلنَجعَل مِصرَ هِيَ الدُنيا
وَلنَجعَل مِصرَ هِيَ الدُنيا