بأبي وروحي الناعمات الغيدا

بِأَبي وَروحي الناعِماتِ الغيدا
الباسِماتِ عَنِ اليَتيمِ نَضيدَا
الرانِياتِ بِكُلِّ أَحوَرَ فاتِرٍ
يَذُرُ الخَلِيَّ مِنَ القُلوبِ عَميدا
الراوِياتِ مِنَ السُلافِ مَحاجِراً
الناهِلاتِ سَوالِفاً وَخُدودا
اللاعِباتِ عَلى النَسيمِ غَدائِراً
الراتِعاتِ مَعَ النَسيمِ قُدودا
أَقبَلنَ في ذَهَبِ الأَصيلِ وَوَشيِهِ
مِلءَ الغَلائِلِ لُؤلُؤاً وَفَريدا
يَحدِجنَ بِالحَدقِ الحَواسِدِ دُميَةً
كَظِباءِ وَجرَةَ مُقلَتَينِ وَجيدا
حَوَتِ الجَمالَ فَلَو ذَهَبتَ تَزيدُها
في الوَهمِ حُسناً ما اِستَطَعتَ مَزيدا
لَو مَرَّ بِالوِلدانِ طَيفُ جَمالِها
في الخُلدِ خَرّوا رُكَّعاً وَسُجودا
أَشهى مِنَ العودِ المُرَنَّمِ مَنطِقاً
وَأَلَذُّ مِن أَوتارِهِ تَغريدا
لَو كُنتَ سَعْدًا مُطلِقَ السُجَناءِ لَم
تُطلِق لِساحِرِ طَرفِها مَصفودا
ما قَصَّرَ الرُؤَساءُ عَنهُ سَعى لَهُ
سَعدٌ فَكانَ مُوَفَّقاً وَرَشيدا
يا مِصرُ أَشبالُ العَرينِ تَرَعرَعَت
وَمَشَت إِلَيكِ مِنَ السُجونِ أُسودا
قاضى السِياسَةِ نالَهُم بِعِقابِهِ
خَشِنَ الحُكومَةِ في الشَبابِ عَتيدا
أَتَتِ الحَوادِثُ دون عَقدِ قَضائِهِ
فَاِنهارَ بَيِّنَةً وَدُكَّ شَهيدا
تَقضي السِياسَةُ غَيرَ مالِكَةٍ لِما
حَكَمَت بِهِ نَقضاً وَلا تَوكيدا
قالوا أَتَنظُمُ لِلشَبابِ تَحِيَّةً
تَبقى عَلى جيدِ الزَمانِ قَصيدا
قُلتُ الشَبابُ أَتَمُّ عِقدَ مَآثِرٍ
مِن أَن أَزيدَهُمو الثَناءَ عُقودا
قَبِلَت جُهودَهُمُ البِلادُ وَقَبَّلَت
تاجاً عَلى هاماتِهِم مَعقودا
خَرَجوا فَما مَدّوا حَناجِرَهُم وَلا
مَنّوا عَلى أَوطانِهِم مَجهودا
خَفِيَ الأَساسُ عَنِ العُيونِ تَواضُعاً
مِن بَعدِ ما رَفَعَ البِناءَ مَشيدا
ما كانَ أَفطَنَهُم لِكُلُّ خَديعَةٍ
وَلِكُلِّ شَرٍّ بِالبِلادِ أُريدا
لَمّا بَنى اللَهُ القَضِيَّةَ مِنهُمُ
قامَت عَلى الحَقِّ المُبينِ عَمودا
جادوا بِأَيّامِ الشَبابِ وَأَوشَكوا
يَتَجاوَزونَ إِلى الحَياةِ الجودا
طَلَبوا الجَلاءَ عَلى الجِهادِ مَثوبَةً
لَم يَطلُبوا أَجرَ الجِهادِ زَهيدا
وَاللَهِ ما دونَ الجَلاءِ وَيَومِهِ
يَومٌ تُسَمّيهِ الكِنانَةُ عيدا
وَجَدَ السَجينُ يَداً تُحَطِّمُ قَيدَهُ
مَن ذا يُحَطِّمُ لِلبِلادِ قُيودا
رَبِحَت مِنَ التَصريحِ أَنَّ قُيودَها
قَد صِرنَ مِن ذَهَبٍ وَكُنَّ حَديدا
أَوَ ما تَرونَ عَلى المَنابِعِ عُدَّةً
لا تَنجَلي وَعَلى الضِفافِ عَديدا
يا فِتيَةَ النيلِ السَعيدِ خُذوا المَدى
وَاِستَأنِفوا نَفَسَ الجِهادِ مَديدا
وَتَنَكَّبوا العُدوانَ وَاِجتَنِبوا الأَذى
وَقِفوا بِمِصرَ المَوقِفَ المَحمودا
الأَرضُ أَليَقُ مَنزِلاً بِجَماعَةٍ
يَبغونَ أَسبابَ السَماءِ قُعودا
أَنتُم غَداً أَهلُ الأُمورِ وَإِنَّما
كُنّا عَلَيكُم في الأُمورِ وُفودا
فَاِبنوا عَلى أُسُسِ الزَمانِ وَروحِهِ
رُكنَ الحَضارَةِ باذِخاً وَشَديدا
الهَدمُ أَجمَلُ مِن بِنايَةِ مُصلِحٍ
يَبني عَلى الأُسُسِ العِتاقِ جَديدا
وَجهُ الكِنانَةِ لَيسَ يُغضِبُ رَبَّكُم
أَن تَجعَلوهُ كَوَجهِهِ مَعبودا
وَلّوا إِلَيهِ في الدُروسِ وُجوهَكُم
وَإِذا فَرَغتُمُ وَاِعبُدوهُ هُجودا
إِنَّ الَّذي قَسَمَ البِلادَ حَباكُمُ
بَلَداً كَأَوطانِ النُجومِ مَجيدا
قَد كانَ وَالدُنيا لُحودٌ كُلُّها
لِلعَبقَرِيَّةِ وَالفُنونِ مُهودا
مَجدُ الأُمورِ زَوالُهُ في زَلَّةٍ
لا تَرجُ لِاِسمِكَ بِالأُمورِ خُلودا
الفَردُ بِالشورى وَبِاِسمِ نَدِيِّها
لُفِظَ الخَليفَةُ في الظَلامِ شَريدا
خَلَعَتهُ دونَ المُسلِمينَ عِصابَةٌ
لَم يَجعَلوا لِلمُسلِمينَ وُجودا
يَقضونَ ذَلِكَ عَن سَوادٍ غافِلٍ
خُلِقَ السَوادُ مُضَلَّلاً وَمَسودا
جَعَلوا مَشيئَتَهُ الغَبِيَّةَ سُلَّماً
نَحوَ الأُمورِ لِمَن أَرادَ صُعودا
إِنّي نَظَرتُ إِلى الشُعوبِ فَلَم أَجِد
كَالجَهلِ داءً لِلشُعوبِ مُبيدا
الجَهلُ لا يَلِدُ الحَياةَ مَواتُهُ
إِلّا كَما تَلِدُ الرِمامُ الدودا
لَم يَخلُ مِن صُوَرِ الحَياةِ وَإِنَّما
أَخطاهُ عُنصُرُها فَماتَ وَليدا
وَإِذا سَبى الفَردُ المُسَلَّطُ مَجلِساً
أَلفَيتَ أَحرارَ الرِجالِ عَبيدا
وَرَأَيتَ في صَدرِ النَدِيِّ مُنَوَّماً
في عُصبَةٍ يَتَحَرَّكونَ رُقودا
الحَقُّ سَهمٌ لا تَرِشهُ بِباطِلٍ
ما كانَ سَهمُ المُبطِلينَ سَديدا
وَاِلعَب بِغَيرِ سِلاحِهِ فَلَرُبَّما
قَتَلَ الرِجالَ سِلاحُهُ مَردودا

أمس انقضى واليوم مرقاة الغد

أَمسِ اِنقَضى وَاليَومُ مَرقاةُ الغَدِ
إِسكَندَرِيَّةُ آنَ أَن تَتَجَدَّدي
يا غُرَّةَ الوادي وَسُدَّةَ بابِهِ
رُدّي مَكانَكَ في البَرِيَّةِ يُردَدِ
فيضي كَأَمسِ عَلى العُلومِ مِنَ النُهى
وَعَلى الفُنونِ مِنَ الجَمالِ السَرمَدي
وَسِمي النَبالَةَ بِالمَلاحِمِ تَتَّسِم
وَسِمى الصَبابَةَ بِالعَواطِفِ تَخلُدِ
وَضَعي رِواياتِ الخَلاعَةِ وَالهَوى
لِمُمَثِّلينَ مِنَ العُصورِ وَشُهَّدِ
لا تَجعَلي حُبَّ القَديمِ وَذِكرَهُ
حَسَراتِ مِضياعٍ وَدَفعَ مُبَدَّدِ
إِنَّ القَديمَ ذَخيرَةٌ مِن صالِحٍ
تَبني المُقَصِّرَ أَو تَحُثُّ المُقتَدي
لا تَفتِنَنكِ حَضارَةٌ مَجلوبَةٌ
لَم يُبنَ حائِطُها بِمالِكِ وَاليَدِ
لَو مالَ عَنكِ شِراعُها وَبُخارُها
لَم يَبقَ غَيرُ الصَيدِ وَالمُتَصَيِّدِ
وُجِدَت وَكانَ لِغَيرِ أَهلِكِ أَرضُها
وَسَماؤُها وَكَأَنَّها لَم توجَدِ
جاري النَزيلَ وَسابِقيهِ إِلى الغِنى
وَإِلى الحِجا وَإِلى العُلا وَالسُؤدُدِ
وَاِبني كَما يَبنى المَعاهِدَ وَاِشرِعي
لِشَبابِكِ العِرفانَ عَذبَ المَورِدِ
إِنّي حَذِرتُ عَلَيكَ مِن أُمِّيَّةٍ
رَبَضَت كَجُنحِ الغَيهَبِ المُتَلَبِّدِ
أَخِزانَةَ الوادي عَلَيكِ تَحِيَّةٌ
وَعَلى النَدِيِّ وَكُلِّ أَبلَجَ في النَدي
ما أَنتِ إِلّا مِن خَزائِنِ يوسُفٍ
بِالقَصدِ موحِيَةٌ لِمَن لَم يَقصِدِ
قُلِّدتِ مِن مالِ البِلادِ أَمانَةً
يا طالَما اِفتَقَرَت إِلى المُتَقَلِّدِ
وَبَلَغتِ مِن إيمانِها وَرَجائِها
ما يَبلُغُ المِحرابُ مِن مُتَعَبِّدِ
فَلَوَ اَنَّ أَستارَ الجَلالِ سَعَت إِلى
غَيرِ العَتيقِ لَبِستِ مِمّا يَرتَدي
إِنّا نُعَظِّمُ فيكِ أَلوِيَةً عَلى
جَنَباتِها حَشدٌ يَروحُ وَيَغتَدي
وَإِذا طَعِمتَ مِنَ الخَلِيَّةِ شَهدَها
فَاِشهَد لِقائِدِها وَلِلمُتَجَنِّدِ
لا تَمنَحِ المَحبوبَ شُكرَكَ كُلَّهُ
وَاِقرِن بِهِ شُكرَ الأَجيرِ المُجهَدِ
إِسكَندَرِيَّةُ شُرِّفَت بِعِصابَةٍ
بيضِ الأَسِرَّةِ وَالصَحيفَةِ وَاليَدِ
خَدَموا حِمى الوَطَنِ العَزيزِ فَبورِكوا
خَدَماً وَبورِكَ في الحِمى مِن سَيِّدِ
ما بالُ ذاكَ الكوخِ صَرَّحَ وَاِنجَلى
عَن حائِطَي صَرحٍ أَشَمَّ مُمَرَّدِ
مِن كَسرِ بَيتٍ أَو جِدارِ سَقيفَةٍ
رَفَعَ الثَباتُ بِنايَةً كَالفَرقَدِ
فَإِذا طَلَعتَ عَلى جَلالَةِ رُكنِها
قُل تِلكَ إِحدى مُعجِزاتِ مُحَمَّدِ

قد كنت أوثر أن تقول رثائي

قَد كُنتُ أوثِرُ أَن تَقولَ رِثائي
يا مُنصِفَ المَوتى مِنَ الأَحياءِ
لَكِن سَبَقتَ وَكُلُّ طولِ سَلامَةٍ
قَدَرٌ وَكُلُّ مَنِيَّةٍ بِقَضاءِ
الحَقُّ نادى فَاِستَجَبتَ وَلَم تَزَل
بِالحَقِّ تَحفِلُ عِندَ كُلِّ نِداءِ
وَأَتَيتَ صَحراءَ الإِمامِ تَذوبُ مِن
طولِ الحَنينِ لِساكِنِ الصَحراءِ
فَلَقيتُ في الدارِ الإِمامَ مُحَمَّداً
في زُمرَةِ الأَبرارِ وَالحُنَفاءِ
أَثَرُ النَعيمِ عَلى كَريمِ جَبينِهِ
وَمَراشِدُ التَفسيرِ وَالإِفتاءِ
فَشَكَوتُما الشَوقَ القَديمَ وَذُقتُما
طيبَ التَداني بَعدَ طولِ تَنائي
إِن كانَتِ الأُلى مَنازِلَ فِرقَةٍ
فَالسَمحَةُ الأُخرى دِيارُ لِقاءِ
وَدِدتُ لَو أَنّي فِداكَ مِنَ الرَدى
وَالكاذِبونَ المُرجِفونَ فِدائي
الناطِقونَ عَنِ الضَغينَةِ وَالهَوى
الموغِرو المَوتى عَلى الأَحياءِ
مِن كُلِّ هَدّامٍ وَيَبني مَجدَهُ
بِكَرائِمِ الأَنقاضِ وَالأُشَلاءِ
ما حَطَّموكَ وَإِنَّما بِكَ حُطِّموا
مَن ذا يُحَطِّمُ رَفرَفَ الجَوزاءِ
أُنظُرُهُ فَأَنتَ كَأَمسِ شَأنُكَ باذِخٌ
في الشَرقِ وَاِسمُكَ أَرفَعُ الأَسماءِ
بِالأَمسِ قَد حَلَّيتَني بِقَصيدَةٍ
غَرّاءَ تَحفَظُ كَاليَدِ البَيضاءِ
غيظَ الحَسودُ لَها وَقُمتُ بِشُكرِها
وَكَما عَلِمتَ مَوَدَّتي وَوَفائي
في مَحفَلٍ بَشَّرتُ آمالي بِهِ
لَمّا رَفَعتَ إِلى السَماءِ لِوائي
يا مانِحَ السودانِ شَرخَ شَبابِهِ
وَوَلِيَّهُ في السِلمِ وَالهَيجاءِ
لَمّا نَزَلتَ عَلى خَمائِلِهِ ثَوى
نَبعُ البَيانِ وَراءَ نَبعِ الماءِ
قَلَّدتَهُ السَيفَ الحُسامَ وَزُدتَهُ
قَلَماً كَصَدرِ الصَعدَةِ السَمراءِ
قَلَمٌ جَرى الحِقَبَ الطِوالَ فَما جَرى
يَوماً بِفاحِشَةٍ وَلا بِهِجاءِ
يَكسو بِمِدحَتِهِ الكِرامَ جَلالَةً
وَيُشَيِّعُ المَوتى بِحُسنِ ثَناءِ
إِسكَندَرِيَّةُ يا عَروسَ الماءِ
وَخَميلَةَ الحُكَماءِ وَالشُعَراءِ
نَشَأَت بِشاطِئِكَ الفُنونُ جَميلَةً
وَتَرَعرَعَت بِسَمائِكِ الزَهراءِ
جاءَتكِ كَالطَيرِ الكَريمِ غَرائِباً
فَجَمَعتِها كَالرَبوَةِ الغَنّاءِ
قَد جَمَّلوكِ فَصِرتِ زَنبَقَةَ الثَرى
لِلوافِدينَ وَدُرَّةَ الدَأماءِ
غَرَسوا رُباكِ عَلى خَمائِلِ بابِلٍ
وَبَنَوا قُصورَكِ في سَنا الحَمراءِ
وَاِستَحدَثوا طُرقاً مُنَوَّرَةَ الهُدى
كَسَبيلِ عيسى في فِجاجِ الماءِ
فَخُذي كَأَمسِ مِنَ الثَقافَةِ زينَةً
وَتَجَمَّلي بِشَبابِكِ النُجَباءِ
وَتَقَلَّدي لُغَةَ الكِتابِ فَإِنَّها
حَجَرُ البِناءِ وَعُدَّةُ الإِنشاءِ
بَنَتِ الحَضارَةَ مَرَّتَينِ وَمَهَّدَت
لِلمُلكِ في بَغدادَ وَالفَيحاءِ
وَسَمَت بِقُرطُبَةَ وَمِصرَ فَحَلَّتا
بَينَ المَمالِكِ ذِروَةَ العَلياءِ
ماذا حَشَدتِ مِنَ الدُموع لِحافِظٍ
وَذَخَرتِ مِن حُزنٍ لَهُ وَبُكاءِ
وَوَجدتِ مِن وَقعِ البَلاءِ بِفَقدِهِ
إِنَّ البَلاءَ مَصارِعُ العُظَماءِ
اللَهُ يَشهَدُ قَد وَفيتِ سَخِيَّةً
بِالدَمعِ غَيرَ بَخيلَةِ الخُطَباءِ
وَأَخَذتِ قِسطاً مِن مَناحَةِ ماجِدٍ
جَمِّ المَآثِرِ طَيِّبِ الأَنباءِ
هَتَفَ الرُواةُ الحاضِرونَ بِشِعرِهِ
وَحَذا بِهِ البادونَ في البَيداءِ
لُبنانُ يَبكيهِ وَتَبكي الضادُ مِن
حَلَبٍ إِلى الفَيحاءِ إِلى صَنعاءِ
عَرَبُ الوَفاءِ وَفَوا بِذِمَّةِ شاعِرٍ
باني الصُفوفِ مُؤَلَّفِ الأَجزاءِ
يا حافِظَ الفُصحى وَحارِسَ مَجدِها
وَإِمامَ مَن نَجَلَت مِنَ البُلَغاءِ
ما زِلتَ تَهتِفُ بِالقَديمِ وَفَضلِهِ
حَتّى حَمَيتَ أَمانَةَ القُدَماءِ
جَدَّدتَ أُسلوبَ الوَليدِ وَلَفظِهِ
وَأَتَيتَ لِلدُنيا بِسِحرِ الطاءِ
وَجَرَيتَ في طَلَبِ الجَديدِ إِلى المَدى
حَتّى اِقتَرَنتَ بِصاحِبِ البُؤَساءِ
ماذا وَراءَ المَوتِ مِن سَلوى وَمِن
دَعَةٍ وَمِن كَرَمٍ وَمِن إِغضاءِ
اِشرَح حَقائِقَ ما رَأَيتَ وَلَم تَزَل
أَهلاً لِشَرحِ حَقائِقِ الأَشياءِ
رُتَبُ الشَجاعَةِ في الرِجالِ جَلائِلٌ
وَأَجَلُّهُنَّ شَجاعَةُ الآراءِ
كَم ضِقتَ ذَرعاً بِالحَياةِ وَكَيدِها
وَهَتفتَ بِالشَكوى مِنَ الضَرّاءِ
فَهَلُمَّ فارِق يَأسَ نَفسِكَ ساعَةً
وَاِطلُع عَلى الوادي شُعاعَ رَجاءِ
وَأَشِر إِلى الدُنيا بِوَجهٍ ضاحِكٍ
خُلِقَت أَسِرَّتُهُ مِنَ السَرّاءِ
يا طالَما مَلَأَ النَدِيَّ بَشاشَةً
وَهَدى إِلَيكَ حَوائِجَ الفُقَراءِ
اليَومَ هادَنتَ الحَوادِثَ فَاِطَّرِح
عِبءَ السِنينِ وَأَلقِ عِبءَ الداءِ
خَلَّفتَ في الدُنيا بَياناً خالِداً
وَتَرَكتَ أَجيالاً مِنَ الأَبناءِ
وَغَداً سَيَذكُرُكَ الزَمانُ وَلَم يَزَل
لِلدَهرِ إِنصافٌ وَحُسنُ جَزاءِ

يا راحلا عنا وذكرك خالد

يا راحلا عنا وذكرك خالد
أبدا ليحيى بيننا الآلاما
سر بالسلامة حاملا زفراتنا
واذكر مقامك بيننا الأعواما
واذكر حكاية دنشواى فإنها
كم خلّفت بين الربوع يتامى
واعلم بأنك قد أهنت ديانة
كم أخضعت لنبيها الأفهاما
هل ينكر الأقوام أن محمدا
ملأ الوجود وسلاما
إن كنت تجهل أمره فسل الورى
وسل الورجود بل اسأل الأياما
كم كان قبلك من دعىّ يرتجى
طمس الضياء فما أصاب مراما
مدنيةً الدينا أجيبي جاهلا
أَوليس واضع أسك الإسلاما
لكنما الأغراض تعمى أهلها
حتى يروا ضوء النهار ظلاما
هذا ختامك بين قوم أحسنوا
لك صنعهم أحسِن بذاك ختاما

بيني وبين أبي العلاء قضية

بَيني وَبَينَ أَبي العَلاءِ قَضِيَّةٌ
في البِرِّ أَستَرعي لَها الحُكَماءَ
هُوَ قَد رَأى نُعمى أَبيهِ جِنايَةً
وَأَرى الجِنايَةَ مِن أَبي نَعماءَ

قصر الأعزة ما أعز حماكا

قَصرَ الأَعِزَّةِ ما أَعَزَّ حِماكا
وَأَجَلَّ في العَلياءِ بَدرَ سَماكا
تَتَساءَلُ العربُ المُقَدَّسُ بَيتُها
أَأُعيدَ باني رُكنِهِ فَبَناكا
وَتَقولُ إِذ تَأتيكَ تَلتَمِسُ الهُدى
سِيّانِ هَذا في الجَلالِ وَذاكا
يا مُلتَقى القَمَرَينِ ما أَبهاكَ بَل
يا مَجمَعَ البَحرَينِ ما أَصفاكا
إِنَّ الأَمانَةَ وَالجَلالَةَ وَالعُلا
في هالَةٍ دارَت عَلى مَغناكا
ما العِزُّ إِلّا في ثَرى القَدَمِ الَّتي
حَسَدَت عَلَيها النَيِّراتُ ثَراكا
يا سادِسَ الأُمَراءِ مِن آبائِهِ
ما لِلإِمارَةِ مَن يُعَدُّ سِواكا
التُركُ تَقرَأُ بِاِسمِ جَدِّكَ في الوَغى
وَالعُربُ تَذكُرُ في الكِتابِ أَباكا
نَسَبٌ لَوِ اِنتَمَتِ النُجومُ لِعِقدِهِ
لَتَرَفَّعَت أَن تَسكُنَ الأَفلاكا
شَرَفاً عَزيزَ العَصرِ فُتَّ مُلوكَهُ
فَضلاً وَفاتَ بَنيهمُ نَجلاكا
لَكَ جَنَّةُ الدُنيا وَكَوثَرُها الَّذي
يَجري بِهِ في المُلكِ شَرطُ غِناكا
وَلَكَ المَدائِنُ وَالثُغورُ مَنيعَةً
في مَجمَعِ البَحرَينِ تَحتَ لِواكا
مُلكٌ رَعَيتَ اللَهَ فيهِ مُؤَيَّداً
بِاِسمِ النَبِيِّ مُوَفَّقاً مَسعاكا
فَأَقَمتَ أَمراً يا أَبا العَبّاسِ مَأ
مونَ السَبيلِ عَلى رَشيدِ نُهاكا
إِن يَعرِضوهُ عَلى الجِبالِ تَهُن لَهُ
وَهِيَ الجِبالُ فَما أَشَدَّ قُواكا
بِسِياسَةٍ تَقِفُ العُقولُ كَليلَةً
لا تَستَطيعُ لِكُنهِها إِدراكا
وَبِحِكمَةٍ في الحُكمِ تَوفيقِيَّةٍ
لَكَ يَقتَفي فيها الرِجالُ خُطاكا
مَولايَ عيدُ الفِطرِ صُبحُ سُعودِهِ
في مِصرَ أَسفَرَ عَن سَنا بُشراكا
فَاِستَقبِلِ الآمالَ فيهِ بَشائِراً
وَأَشائِراً تُجلى عَلى عَلياكا
وَتَلَقَّ أَعيادَ الزَمانِ مُنيرَةً
فَهَناؤُهُ ما كانَ فيهِ هَناكا
أَيّامُكَ الغُرُّ السَعيدَةُ كُلُّها
عيدٌ فَعيدُ العالَمينَ بَقاكا
فَليَبقَ بَيتُكَ وَليَدُم ديوانُهُ
وَليَحيَ جُندُكَ وَلتَعِش شوراكا
وَليَهنِني بِكَ كُلُّ يَومٍ أَنَّني
في أَلفِ عيدٍ مِن سُعودِ رِضاكا
ياأَيُّها المَلِكُ الأَريبُ إِلَيكَها
عَذراءَ هامَت في صِفاتِ عُلاكا
فَطَوَت إِلَيكَ البَحرَ أَبيَضَ نِسبَةً
لِنَظيرِهِ المَورودِ مِن يُمناكا
قَدِمَت عَلى عيدٍ لِبابِكَ بَعدَما
قَدِمَت عَلَيَّ جَديدَةً نُعماكا
أَوَ كُلَّما جادَت نَداكَ رَوِيَّتي
سَبَقَت ثَنايَ بِالارتِجالِ يَداكا
أَنتَ الغَنِيُّ عَنِ الثَناءِ فَإِن تُرِد
ما يُطرِبُ المَلِكَ الأَديبَ فَهاكا

رمضان ولى هاتها يا ساقي

رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي
مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ
ما كانَ أَكثَرَهُ عَلى أُلّافِها
وَأَقَلَّهُ في طاعَةِ الخَلّاقِ
اللَهُ غَفّارُ الذُنوبِ جَميعِها
إِن كانَ ثَمَّ مِنَ الذُنوبِ بَواقي
بِالأَمسِ قَد كُنّا سَجينَي طاعَةٍ
وَاليَومَ مَنَّ العيدُ بِالإِطلاقِ
ضَحِكَت إِلَيَّ مِنَ السُرورِ وَلَم تَزَل
بِنتُ الكُرومِ كَريمَةَ الأَعراقِ
هاتِ اِسقِنيها غَيرَ ذاتِ عَواقِبٍ
حَتّى نُراعَ لِصَيحَةِ الصَفّاقِ
صِرفاً مُسَلَّطَةَ الشُعاعِ كَأَنَّما
مِن وَجنَتَيكَ تُدارُ وَالأَحداقِ
حَمراءَ أَو صَفراءَ إِنَّ كَريمَها
كَالغيدِ كُلُّ مَليحَةٍ بِمَذاقِ
وَحَذارِ مِن دَمِها الزَكِيِّ تُريقُهُ
يَكفيكَ يا قاسي دَمُ العُشّاقِ
لا تَسقِني إِلّا دِهاقاً إِنَّني
أُسقى بِكَأسٍ في الهُمومِ دِهاقِ
فَلَعَلَّ سُلطانَ المُدامَةِ مُخرِجي
مِن عالَمٍ لَم يَحوِ غَيرَ نِفاقِ
وَطَني أَسِفتُ عَلَيكَ في عيدِ المَلا
وَبَكَيتُ مِن وَجدٍ وَمِن إِشفاقِ
لا عيدَ لي حَتّى أَراكَ بِأُمَّةٍ
شَمّاءَ راوِيَةٍ مِنَ الأَخلاقِ
ذَهَبَ الكِرامُ الجامِعونَ لِأَمرِهِم
وَبَقيتُ في خَلَفٍ بِغَيرِ خَلاقِ
أَيَظَلُّ بَعضُهُمُ لِبَعضٍ خاذِلاً
وَيُقالُ شَعبٌ في الحَضارَةِ راقي
وَإِذا أَرادَ اللَهُ إِشقاءَ القُرى
جَعَلَ الهُداةَ بِها دُعاةَ شِقاقِ
العيدُ بَينَ يَدَيكَ يا اِبنَ مُحَمَّدٍ
نَثَرَ السُعودَ حُلىً عَلى الآفاقِ
وَأَتى يُقَبِّلُ راحَتَيكَ وَيَرتَجي
أَن لايَفوتَكُما الزَمانَ تَلاقِ
قابَلتُهُ بِسُعودِ وَجهِكَ وَالسَنا
فَاِزدادَ مِن يُمنٍ وَمِن إِشراقِ
فَاِهنَأ بِطالِعِهِ السَعيدِ يَزينُهُ
عيدُ الفَقيرِ وَلَيلَةُ الأَرزاقِ
يَتَنَزَّلُ الأَجرانِ في صُبحَيهِما
جَزلَينِ عَن صَومٍ وَعَن إِنفاقِ
إِنّي أُجِلُّ عَنِ القِتالِ سَرائِري
إِلّا قِتالَ البُؤسِ وَالإِملاقِ
وَأَرى سُمومَ العالَمينَ كَثيرَةً
وَأَرى التَعاوُنَ أَنجَعَ التِرياقِ
قَسَمَت بَنيها وَاِستَبَدَّت فَوقَهُم
دُنيا تَعُقُّ لَئيمَةُ الميثاقِ
وَاللَهُ أَتعَبَها وَضَلَّلَ كَيدَها
مِن راحَتَيكَ بِوابِلٍ غَيداقِ
يَأسو جِراحَ اليائِسينَ مِنَ الوَرى
وَيُساعِدُ الأَنفاسَ في الأَرماقِ
بَلَغَ الكِرامُ المَجدَ حينَ جَرَوا لَهُ
بِسَوابِقٍ وَبَلَغتَهُ بِبُراقِ
وَرَأَوا غُبارَكَ في السُها وَتَراكَضوا
مَن لِلنُجومِ وَمَن لَهُم بِلَحاقِ
مَولايَ طِلبَةُ مِصرَ أَن تَبقى لَها
فَإِذا بَقيتَ فَكُلُّ خَيرٍ باقِ
سَبَقَ القَريضُ إِلَيكَ كُلَّ مُهَنِّئٍ
مِن شاعِرٍ مُتَفَرِّدٍ سَبّاقِ
لَم يَدَّخِر إِلّا رِضاكَ وَلا اِقتَنى
إِلّا وَلاءَكَ أَنفَسَ الأَعلاقِ
إِنَّ القُلوبَ وَأَنتَ مِلءُ صَميمِها
بَعَثَت تَهانيها مِنَ الأَعماقِ
وَأَنا الفَتى الطائِيُّ فيكَ وَهَذِهِ
كَلِمي هَزَزتُ بِها أَبا إِسحاقِ

ما زلت أنزل بالحدائق والربى

ما زلت أنزل بالحدائق والربى
حتى نزلت حديقة الإنشاء
فسلوت بالفردوس كل أنيقة
أُنُف وكلَّ مجوده غناء
العلم في ظل البيان حَيالها
مثل الأزاهر في ظلال الماء
بوركتما من صاحبين تعاونا
إن التعاون أس كل بناء
لولا التعاون في الحضارة لم تطر
بِعِنان ارض أو جَناح سماء
ما أنتما للنشء إلا صورة
من ألفة وتعاون وإخاء
وخلائق الكتاب يظهر حسنها
ولربما انتقلت إلى القرّاء

الملك بين يديك في إقباله

المُلكُ بَينَ يَدَيكَ في إِقبالِهِ
عَوَّذتُ مُلكَكَ بِالنَبِيِّ وَآلِهِ
حُرٌّ وَأَنتَ الحُرُّ في تاريخِهِ
سَمحٌ وَأَنتَ السَمحُ في أَقيالِهِ
فيضا عَلى الأَوطانِ مِن حُرِيَّةٍ
فَكِلاكُما المُفتَكُّ مِن أَغلالِهِ
سَعِدَت بِعَهدِكُما المُبارَكِ أُمَّةٌ
رَقَّت لِحالِكِ حِقبَةً وَلِحالِهِ
يَفديكَ نَصرانِيُّهُ بِصَليبِهِ
وَالمُنتَمي لِمُحَمَّدٍ بِهِلالِهِ
وَفَتى الدُروزِ عَلى الحُزونِ بِشَيخِهِ
وَالمَوسَوِيُّ عَلى السُهولِ بِمالِهِ
صَدَقوا الخَليفَةَ طاعَةً وَمَحَبَّةً
وَتَمَسَّكوا بِالطُهرِ مِن أَذيالِهِ
يَجِدونَ دَولَتَكَ الَّتي سَعِدوا بِها
مِن رَحمَةِ المَولى وَمِن أَفضالِهِ
جَدَّدتَ عَهدَ الراشِدينَ بِسيرَةٍ
نَسَجَ الرَشادُ لَها عَلى مِنوالِهِ
بُنِيَت عَلى الشورى كَصالِحِ حُكمِهِم
وَعَلى حَياةِ الرَأيِ وَاِستِقلالِهِ
حَقٌّ أَعَزَّ بِكَ المُهَيمِنُ نَصرَهُ
وَالحَقُّ مَنصورٌ عَلى خُذّالِهِ
شَرُّ الحُكومَةِ أَن يُساسَ بِواحِدٍ
في المُلكِ أَقوامٌ عِدادُ رِمالِهِ
مُلكٌ تُشاطِرُهُ مَيامِنَ حالِهِ
وَتَرى بِإِذنِ اللَهِ حُسنَ مَآلِهِ
أَخَذَت حُكومَتُكَ الأَمانَ لِظَبيَهِ
في مُقفِراتِ البيدِ مِن رِئبالِهِ
مَكَّنتَ لِلدُستورِ فيهِ وَحُزتَهُ
تاجاً لِوَجهِكَ فَوقَ تاجِ جَلالِهِ
فَكَأَنَّكَ الفاروقُ في كُرسِيِّهِ
نَعِمَت شُعوبُ الأَرضِ تَحتَ ظِلالِهِ
أَو أَنتَ مِثلُ أَبي تُرابٍ يُتَّقى
وَيَهابُهُ الأَملاكُ في أَسمالِهِ
عَهدُ النَبِيِّ هُوَ السَماحَةُ وَالرِضى
بِمُحَمَّدٍ أَولى وَسَمحِ خِلالِهِ
بِالحَقِّ يَحمِلُهُ الإِمامُ وَبِالهُدى
في حاضِرِ الدُستورِ وَاِستِقبالِهِ
يابنَ الخَواقينِ الثَلاثينَ الأُلى
قَد جَمَّلوا الإِسلامَ فَوقَ جَمالِهِ
المُبلِغينَ الدينَ ذُروَةَ سَعدِهِ
الرافِعينَ المُلكَ أَوجَ كَمالِهِ
الموطِئينَ مِنَ المَمالِكِ خَيلَهُم
ما لَم يَفُز إِسكَندَرٌ بِوِصالِهِ
في عَدلِ فاتِحِهِم وَقانونِيِّهِم
ما يَحتَذي الخُلَفاءُ حَذوَ مِثالِهِ
أَمّا الخِلافَةُ فَهيَ حائِطُ بَيتِكُم
حَتّى يُبينَ الحَشرُ عَن أَهوالِهِ
أُخِذَت بِحَدِّ المَشرَفِيِّ وَحازَها
لَكُمُ القَنا بِقِصارِهِ وَطِوالِهِ
لا تَسمَعوا لِلمُرجِفينَ وَجَهلِهِم
فَمُصيبَةُ الإِسلامِ مِن جُهّالِهِ
طَمَعُ القَريبِ أَوِ البَعيدِ بِنَيلِها
طَمَعُ الفَتى مِن دَهرِهِ بِمَحالِهِ
ما الذِئبُ مُجتَرِئاً عَلى لَيثِ الشَرى
في الغالِبِ مُعتَدِياً عَلى أَشبالِهِ
بِأَضَلَّ عَقلاً وَهيَ في أَيمانِكُم
مِمَّن يُحاوِلُ أَخذَها بِشِمالِهِ
رَضِيَ المُهَيمِنُ وَالمَسيحُ وَأَحمَدٌ
عَن جَيشِكَ الفادي وَعَن أَبطالِهِ
الهازِئينَ مِنَ الثَرى بِسُهولِهِ
الدائِسينَ عَلى رُؤوسِ جِبالِهِ
القاتِلينَ عَدُوَّهَم في حِصنِهِ
بِالرَأيِ وَالتَدبيرِ قَبلَ قِتالِهِ
الآخِذينَ الحُصنَ عَزَّ سَبيلُهُ
مِثلَ السُها أَو في اِمتِناعِ مَنالِهِ
المُعرِضينَ وَلَو بِساحَةِ يَلدِزٍ
في الحَربِ عَن عِرضِ العَدُوِّ وَمالِهِ
القارِئينَ عَلى عَلِيٍّ عِلمُها
وَعَلى الغُزاةِ المُتَّقينَ رِجالِهِ
المُلكُ زُلزِلَ في فُروقٍ ساعَةً
كانوا لَهُ الأَوتادَ في زِلزالِهِ
لَولا اِنتِظامُ قُلوبِهِم كَكُفوفِهِم
لَنَثَرتُ دَمعي اليَومَ في أَطلالِهِ
وَالمَرءُ لَيسَ بِصادِقٍ في قَولِهِ
حَتّى يُؤَيِّدَ قَولَهُ بِفِعالِهِ
وَالشَعبُ إِن رامَ الحَياةَ كَبيرَةً
خاضَ الغِمارَ دَماً إِلى آمالِهِ
شُكرُ المَمالِكِ لِلسَخِيِّ بِروحِهِ
لا لِلسَخِيِّ بِقيلِهِ أَو قالِهِ
إيهٍ فُروقُ الحُسنِ نَجوى هائِمٍ
يَسمو إِلَيكَ بِجَدِّهِ وَبِخالِهِ
أَخرَجتِ لِلعُربِ الفِصاحِ بَيانَهُ
قَبَساً يُضيءُ الشَرقَ مِثلَ كَمالِهِ
لَم تُكثِرِ الحَمراءُ مِن نُظَرائِهِ
نَسلاً وَلا بَغدادُ مِن أَمثالِهِ
جَعَلَ الإِلَهُ خَيالَهُ قَيسَ الهَوى
وَجُعِلتِ لَيلى فِتنَةً لِخَيالِهِ
في كُلِّ عامٍ أَنتِ نُزهَةُ روحِهِ
وَنَعيمُ مُهجَتِهِ وَراحَةُ بالِهِ
يَغشاكِ قَد حَنَّت إِلَيكِ مَطِيُّهُ
وَيَؤوبُ وَالأَشواقُ مِلءُ رِحالِهِ
أَفراحُهُ لَمّا رَآكِ طَليقَةً
أَفراحُ يوسُفَ يَومَ حَلِّ عِقالِهِ
وَسُرورُهُ بِكِ مِن قُيودِكِ حُرَّةً
كَسُرورِ قَيسٍ بِاِنفِلاتِ غَزالِهِ
اللَهُ صاغَكِ جَنَّتَينِ لِخَلقِهِ
مَحفوفَتَينِ بِأَنعُمٍ لِعِيالِهِ
لَو أَنَّ لِلَّهِ اِتِّخاذَ خَميلَةٍ
ما اِختارَ غَيرَكَ رَوضَةً لِجَلالِهِ
فَكَأَنَّما الصِفَتانِ في حُسنَيهِما
ديباجَتا خَدٍّ يَتيهُ بِخالِهِ
وَكَأَنَّما البُوسفورُ حَوضُ مُحَمَّدٍ
وَسَطَ الجِنانِ وَهُنَّ في إِجلالِهِ
وَكَأَنَّ شاهِقَةَ القُصورِ حِيالَهُ
حُجُراتُ طَهَ في الجِنانِ وَآلِهِ
وَكَأَنَّ عيدَكِ عيدُها لَمّا مَشى
فيها البَشيرُ بِبِشرِهِ وَجَمالِهِ
تيهي بِعيدِكِ في المَمالِكِ وَاِسلَمي
في السِلمِ لِلآلافِ مِن أَمثالِهِ
وَاِستَقبِلي عَهدَ الرَشادِ مُجَمَّلاً
بِمَحاسِنِ الدُستورِ في اِستِهلالِهِ
دارُ السَعادَةِ أَنتِ ذَلِكَ بابُها
شُلَّت يَدٌ مُدَّت إِلى إِقفالِهِ