بأبي وروحي الناعمات الغيدا

بِأَبي وَروحي الناعِماتِ الغيدا
الباسِماتِ عَنِ اليَتيمِ نَضيدَا
الرانِياتِ بِكُلِّ أَحوَرَ فاتِرٍ
يَذُرُ الخَلِيَّ مِنَ القُلوبِ عَميدا
الراوِياتِ مِنَ السُلافِ مَحاجِراً
الناهِلاتِ سَوالِفاً وَخُدودا
اللاعِباتِ عَلى النَسيمِ غَدائِراً
الراتِعاتِ مَعَ النَسيمِ قُدودا
أَقبَلنَ في ذَهَبِ الأَصيلِ وَوَشيِهِ
مِلءَ الغَلائِلِ لُؤلُؤاً وَفَريدا
يَحدِجنَ بِالحَدقِ الحَواسِدِ دُميَةً
كَظِباءِ وَجرَةَ مُقلَتَينِ وَجيدا
حَوَتِ الجَمالَ فَلَو ذَهَبتَ تَزيدُها
في الوَهمِ حُسناً ما اِستَطَعتَ مَزيدا
لَو مَرَّ بِالوِلدانِ طَيفُ جَمالِها
في الخُلدِ خَرّوا رُكَّعاً وَسُجودا
أَشهى مِنَ العودِ المُرَنَّمِ مَنطِقاً
وَأَلَذُّ مِن أَوتارِهِ تَغريدا
لَو كُنتَ سَعْدًا مُطلِقَ السُجَناءِ لَم
تُطلِق لِساحِرِ طَرفِها مَصفودا
ما قَصَّرَ الرُؤَساءُ عَنهُ سَعى لَهُ
سَعدٌ فَكانَ مُوَفَّقاً وَرَشيدا
يا مِصرُ أَشبالُ العَرينِ تَرَعرَعَت
وَمَشَت إِلَيكِ مِنَ السُجونِ أُسودا
قاضى السِياسَةِ نالَهُم بِعِقابِهِ
خَشِنَ الحُكومَةِ في الشَبابِ عَتيدا
أَتَتِ الحَوادِثُ دون عَقدِ قَضائِهِ
فَاِنهارَ بَيِّنَةً وَدُكَّ شَهيدا
تَقضي السِياسَةُ غَيرَ مالِكَةٍ لِما
حَكَمَت بِهِ نَقضاً وَلا تَوكيدا
قالوا أَتَنظُمُ لِلشَبابِ تَحِيَّةً
تَبقى عَلى جيدِ الزَمانِ قَصيدا
قُلتُ الشَبابُ أَتَمُّ عِقدَ مَآثِرٍ
مِن أَن أَزيدَهُمو الثَناءَ عُقودا
قَبِلَت جُهودَهُمُ البِلادُ وَقَبَّلَت
تاجاً عَلى هاماتِهِم مَعقودا
خَرَجوا فَما مَدّوا حَناجِرَهُم وَلا
مَنّوا عَلى أَوطانِهِم مَجهودا
خَفِيَ الأَساسُ عَنِ العُيونِ تَواضُعاً
مِن بَعدِ ما رَفَعَ البِناءَ مَشيدا
ما كانَ أَفطَنَهُم لِكُلُّ خَديعَةٍ
وَلِكُلِّ شَرٍّ بِالبِلادِ أُريدا
لَمّا بَنى اللَهُ القَضِيَّةَ مِنهُمُ
قامَت عَلى الحَقِّ المُبينِ عَمودا
جادوا بِأَيّامِ الشَبابِ وَأَوشَكوا
يَتَجاوَزونَ إِلى الحَياةِ الجودا
طَلَبوا الجَلاءَ عَلى الجِهادِ مَثوبَةً
لَم يَطلُبوا أَجرَ الجِهادِ زَهيدا
وَاللَهِ ما دونَ الجَلاءِ وَيَومِهِ
يَومٌ تُسَمّيهِ الكِنانَةُ عيدا
وَجَدَ السَجينُ يَداً تُحَطِّمُ قَيدَهُ
مَن ذا يُحَطِّمُ لِلبِلادِ قُيودا
رَبِحَت مِنَ التَصريحِ أَنَّ قُيودَها
قَد صِرنَ مِن ذَهَبٍ وَكُنَّ حَديدا
أَوَ ما تَرونَ عَلى المَنابِعِ عُدَّةً
لا تَنجَلي وَعَلى الضِفافِ عَديدا
يا فِتيَةَ النيلِ السَعيدِ خُذوا المَدى
وَاِستَأنِفوا نَفَسَ الجِهادِ مَديدا
وَتَنَكَّبوا العُدوانَ وَاِجتَنِبوا الأَذى
وَقِفوا بِمِصرَ المَوقِفَ المَحمودا
الأَرضُ أَليَقُ مَنزِلاً بِجَماعَةٍ
يَبغونَ أَسبابَ السَماءِ قُعودا
أَنتُم غَداً أَهلُ الأُمورِ وَإِنَّما
كُنّا عَلَيكُم في الأُمورِ وُفودا
فَاِبنوا عَلى أُسُسِ الزَمانِ وَروحِهِ
رُكنَ الحَضارَةِ باذِخاً وَشَديدا
الهَدمُ أَجمَلُ مِن بِنايَةِ مُصلِحٍ
يَبني عَلى الأُسُسِ العِتاقِ جَديدا
وَجهُ الكِنانَةِ لَيسَ يُغضِبُ رَبَّكُم
أَن تَجعَلوهُ كَوَجهِهِ مَعبودا
وَلّوا إِلَيهِ في الدُروسِ وُجوهَكُم
وَإِذا فَرَغتُمُ وَاِعبُدوهُ هُجودا
إِنَّ الَّذي قَسَمَ البِلادَ حَباكُمُ
بَلَداً كَأَوطانِ النُجومِ مَجيدا
قَد كانَ وَالدُنيا لُحودٌ كُلُّها
لِلعَبقَرِيَّةِ وَالفُنونِ مُهودا
مَجدُ الأُمورِ زَوالُهُ في زَلَّةٍ
لا تَرجُ لِاِسمِكَ بِالأُمورِ خُلودا
الفَردُ بِالشورى وَبِاِسمِ نَدِيِّها
لُفِظَ الخَليفَةُ في الظَلامِ شَريدا
خَلَعَتهُ دونَ المُسلِمينَ عِصابَةٌ
لَم يَجعَلوا لِلمُسلِمينَ وُجودا
يَقضونَ ذَلِكَ عَن سَوادٍ غافِلٍ
خُلِقَ السَوادُ مُضَلَّلاً وَمَسودا
جَعَلوا مَشيئَتَهُ الغَبِيَّةَ سُلَّماً
نَحوَ الأُمورِ لِمَن أَرادَ صُعودا
إِنّي نَظَرتُ إِلى الشُعوبِ فَلَم أَجِد
كَالجَهلِ داءً لِلشُعوبِ مُبيدا
الجَهلُ لا يَلِدُ الحَياةَ مَواتُهُ
إِلّا كَما تَلِدُ الرِمامُ الدودا
لَم يَخلُ مِن صُوَرِ الحَياةِ وَإِنَّما
أَخطاهُ عُنصُرُها فَماتَ وَليدا
وَإِذا سَبى الفَردُ المُسَلَّطُ مَجلِساً
أَلفَيتَ أَحرارَ الرِجالِ عَبيدا
وَرَأَيتَ في صَدرِ النَدِيِّ مُنَوَّماً
في عُصبَةٍ يَتَحَرَّكونَ رُقودا
الحَقُّ سَهمٌ لا تَرِشهُ بِباطِلٍ
ما كانَ سَهمُ المُبطِلينَ سَديدا
وَاِلعَب بِغَيرِ سِلاحِهِ فَلَرُبَّما
قَتَلَ الرِجالَ سِلاحُهُ مَردودا

ذاد الكرى عن مقلتيك حمام

ذادَ الكَرى عَن مُقلَتَيكَ حِمامُ
لَبّاهُ شَوقٌ ساهِرٌ وَغَرامُ
حَيرانُ مَشبوبُ المَضاجِعِ لَيلُهُ
حَربٌ وَلَيلُ النائِمينَ سَلامُ
بَينَ الدُجى لَكُما وَعادِيَةِ الدُجى
مُهَجٌ تُؤَلِّفُ بينَها الأَسقامُ
تَتَعاوَنانِ وَلِلتَعاوُنِ أُمَّةٌ
لا الدَهرُ يَخذُلُها وَلا الأَيّامُ
يا أَيُّها الطَيرُ الكَثيرُ سَميرُهُ
هَل ريشَةٌ لِجَناحيهِ فَيُقامُ
عانَقتَ أَغصاناً وَعانَقتُ الجَوى
وَشَكَوتَ وَالشَكوى عَلَيَّ حَرامُ
أَمُحَرِّمَ الأَجفانِ إِدناءَ الكَرى
يَهنيكَ ما حَرَّمَت حينَ تَنامُ
حاوَلنَ إِلى خَيالِكَ سُلَّماً
لَو سامَحَت بِخَيالِكَ الأَحلامُ
فَأذَن لِطَيفِكَ أَن يُلِمَّ مُجامِلاً
وَمُؤَمَلٌ مِن طَيفِكَ الإِلمامُ

من ظن بعدك أن يقول رثاء

مَن ظَنَّ بَعدَكَ أَن يَقولَ رِثاءَ
فَليَرثِ مِن هَذا الوَرى مَن شاءَ
فَجَعَ المَكارِمَ فاجِعٌ في رَبِّها
وَالمَجدَ في بانيهِ وَالعَلياءَ
وَنَعى النُعاةُ إِلى المُروءَةِ كَنزَها
وَإِلى الفَضائِلِ نَجمَها الوَضّاءَ
أَأَبا مُحَمَّدٍ اِتَّئِد في ذا النَوى
وَاِرفُق بِآلِكَ وَاِرحَمِ الأَبناءَ
وَاِستَبقِ عِزَهُم بِطَهراءَ الَّتي
كانوا النُجومَ بِها وَكُنتَ سَماءَ
أَدجى بِها لَيلُ الخُطوبِ وَطالَما
مُلِأَت مَنازِلُها سَنىً وَسَناءَ
وَإِذا سُلَيمانَ اِستَقَلَّ مَحَلَّةً
كانَت بِساطاً لِلنَدى وَرَجاءَ
فَاِنظُر مِنَ الأَعوادِ حَولَكَ هَل تَرى
مِن بَعدِ طِبِّكَ لِلعُفاةِ دَواءَ
سارَت جَنازَةُ كُلِّ فَضلٍ في الوَرى
لَمّا رَكِبتَ الآلَةَ الحَدباءَ
وَتَيَتَّمَ الأَيتامُ أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَرَمى الزَمانُ بِصَرفِهِ الفُقَراءَ
وَلَقَد عَهِدتُكَ لا تُضَيِّعُ راجِياً
وَاليَومَ ضاعَ الكُلُّ فيكَ رَجاءَ
وَعَلِمتُ أَنَّكَ مَن يَوَدُّ وَمَن يَفي
فَقِفِ الغَداةَ لَوِ اِستَطَعتَ وَفاءَ
وَذَكَرتُ سَعيَكَ لي مَريضاً فانِياً
فَجَعَلتُ سَعيِيَ بِالرِثاءِ جَزاءَ
وَالمَرءُ يُذكَرُ بِالجَمائِلِ بَعدَهُ
فَاِرفَع لِذِكرِكَ بِالجَميلِ بِناءَ
وَاِعلَم بِأَنَّكَ سَوفَ تُذكَرُ مَرَّةً
فَيُقالُ أَحسَنَ أَو يُقالُ أَساءَ
أَبَنيهِ كونوا لِلعِدى مِن بَعدِهِ
كَيداً وَكونوا لِلوَلِيِّ عَزاءَ
وَتَجَلَّدوا لِلخَطبِ مِثلَ ثَباتِهِ
أَيّامَ يُدافِعُ الأَرزاءَ
وَاللَهُ ما ماتَ الوَزيرُ وَكُنتُمُ
فَوقَ التُرابِ أَعِزَّةً أَحياءَ

قم في فم الدنيا وحي الأزهرا

قُم في فَمِ الدُنيا وَحَيِّ الأَزهَرا
وَاِنثُر عَلى سَمعِ الزَمانِ الجَوهَرا
وَاِجعَل مَكانَ الدُرِّ إِن فَصَّلتَهُ
في مَدحِهِ خَرَزَ السَماءِ النَيِّرا
وَاِذكُرهُ بَعدَ المَسجِدَينِ مُعَظِّماً
لِمَساجِدِ اللَهِ الثَلاثَةِ مُكبِرا
وَاِخشَع مَلِيّاً وَاِقضِ حَقَّ أَئِمَّةٍ
طَلَعوا بِهِ زُهراً وَماجوا أَبحُرا
كانوا أَجَلَّ مِنَ المُلوكِ جَلالَةً
وَأَعَزَّ سُلطاناً وَأَفخَمَ مَظهَرا
زَمَنُ المَخاوِفِ كانَ فيهِ جَنابُهُم
حَرَمَ الأَمانِ وَكانَ ظِلُّهُمُ الذَرا
مِن كُلِّ بَحرٍ في الشَريعَةِ زاخِرٍ
وَيُريكَهُ الخُلُقُ العَظيمُ غَضَنفَرا
لا تَحذُ حَذوَ عِصابَةٍ مَفتونَةٍ
يَجِدونَ كُلَّ قَديمِ شَيءٍ مُنكَرا
وَلَوِ اِستَطاعوا في المَجامِعِ أَنكَروا
مَن ماتَ مِن آبائِهِم أَو عُمِّرا
مِن كُلِّ ماضٍ في القَديمِ وَهَدمِهِ
وَإِذا تَقَدَّمَ لِلبِنايَةِ قَصَّرا
وَأَتى الحَضارَةَ بِالصِناعَةِ رَثَّةً
وَالعِلمِ نَزراً وَالبَيانِ مُثَرثِرا
يا مَعهَداً أَفنى القُرونَ جِدارُهُ
وَطَوى اللَيالِيَ رَكنُهُ وَالأَعصُرا
وَمَشى عَلى يَبَسِ المَشارِقِ نورُهُ
وَأَضاءَ أَبيَضَ لُجِّها وَالأَحمَرا
وَأَتى الزَمانُ عَلَيهِ يَحمي سُنَّةً
وَيَذودُ عَن نُسُكٍ وَيَمنَعُ مَشعَرا
في الفاطِمِيّينَ اِنتَمى يَنبوعُهُ
عَذبَ الأُصولِ كَجَدِّهِم مُتَفَجِّرا
عَينٌ مِنَ الفُرقانِ فاضَ نَميرُها
وَحياً مِنَ الفُصحى جَرى وَتَحَدَّرا
ما ضَرَّني أَن لَيسَ أُفقُكَ مَطلَعي
وَعَلى كَواكِبِهِ تَعَلَّمتُ السُرى
لا وَالَّذي وَكَلَ البَيانَ إِلَيكَ لَم
أَكُ دونَ غاياتِ البَيانِ مُقَصِّرا
لَمّا جَرى الإِصلاحُ قُمتَ مُهَنِّئاً
بِاِسمِ الحَنيفَةِ بِالمَزيدِ مُبَشِّرا
نَبَأٌ سَرى فَكَسا المَنارَةَ حَبرَةً
وَزَها المُصَلّى وَاِستَخَفَّ المِنبَرا
وَسَما بِأَروِقَةِ الهُدى فَأَحَلَّها
فَرعَ الثُرَيّا وَهيَ في أَصلِ الثَرى
وَمَشى إِلى الحَلَقاتِ فَاِنفَجَرَت لَهُ
حَلقاً كَهالاتِ السَماءِ مُنَوِّرا
حَتّى ظَنَنّا الشافِعِيَّ وَمالِكاً
وَأَبا حَنيفَةِ وَاِبنَ حَنبَلِ حُضَّرا
إِنَّ الَّذي جَعَلَ العَتيقَ مَثابَةً
جَعَلَ الكِنانِيَّ المُبارَكَ كَوثَرا
العِلمُ فيهِ مَناهِلاً وَمَجانِياً
يَأتي لَهُ النُزّاعُ يَبغونَ القِرى
يا فِتيَةَ المَعمورِ سارَ حَديثُكُم
نَدّاً بِأَفواهِ الرِكابِ وَعَنبَرا
المَعهَدُ القُدسِيُّ كانَ نَدِيُّهُ
قُطباً لِدائِرَةِ البِلادِ وَمِحوَرا
وُلِدَت قَضِيَّتُها عَلى مِحرابِهِ
وَحَبَت بِهِ طِفلاً وَشَبَّت مُعصِرا
وَتَقَدَّمَت تُزجي الصُفوفَ كَأَنَّها
جاندَركُ في يَدِها اللِواءُ مُظَفَّرا
هُزّوا القُرى مِن كَهفِها وَرَقيمِها
أَنتُم لَعَمرُ اللَهِ أَعصابُ القُرى
الغافِلُ الأُمِّيُّ يَنطُقُ عِندَكُم
كَالبَبَّغاءِ مُرَدِّداً وَمُكَرِّرا
يُمسي وَيُصبِحُ في أَوامِرِ دينِهِ
وَأُمورِ دُنياهُ بِكُم مُستَبصِرا
لَو قُلتُمُ اِختَر لِلنِيابَةِ جاهِلاً
أَو لِلخَطابَةِ باقِلاً لَتَخَيَّرا
ذُكِرَ الرِجالُ لَهُ فَأَلَّهَ عُصبَةً
مِنهُم وَفَسَّقَ آخَرينَ وَكَفَّرا
آباؤُكُم قَرَأوا عَلَيهِ وَرَتَّلوا
بِالأَمسِ تاريخَ الرِجالِ مُزَوَّرا
حَتّى تَلَفَّتَ عَن مَحاجِرِ رَومَةٍ
فَرَأى عُرابي في المَواكِبِ قَيصَرا
وَدَعا لِمَخلوقٍ وَأَلَّهَ زائِلاً
وَاِرتَدَّ في ظُلَمِ العُصورِ القَهقَرى
وَتَفَيَّئوا الدُستورَ تَحتَ ظِلالِهِ
كَنَفاً أَهَشَّ مِنَ الرِياضِ وَأَنضَرا
لا تَجعَلوهُ هَوىً وَخُلقاً بَينَكُم
وَمَجَرَّ دُنيا لِلنُفوسِ وَمَتجَرا
اليَومَ صَرَّحَتِ الأُمورُ فَأَظهَرَت
ما كانَ مِن خُدَعِ السِياسَةِ مُضمَرا
قَد كانَ وَجهُ الرَأيِ أَن نَبقى يَداً
وَنَرى وَراءَ جُنودِها إِنكِلتِرا
فَإِذا أَتَتنا بِالصُفوفِ كَثيرَةً
جِئنا بِصَفٍّ واحِدٍ لَن يُكسَرا
غَضِبَت فَغَضَّ الطَرفَ كُلُّ مُكابِرٍ
يَلقاكَ بِالخَدِّ اللَطيمِ مُصَعَّرا
لَم تَلقَ إِصلاحاً يُهابُ وَلَم تَجِد
مِن كُتلَةٍ ما كانَ أَعيا مِلنَرا
حَظٌّ رَجَونا الخَيرَ مِن إِقبالِهِ
عاثَ المُفَرِّقُ فيهِ حَتّى أَدبَرا
دارُ النِيابَةِ هَيَّأَت دَرَجاتُها
فَليَرقَ في الدَرَجِ الذَوائِبُ وَالذُرا
الصارِخونَ إِذا أُسيءَ إِلى الحِمى
وَالزائِرونَ إِذا أُغيرَ عَلى الشَرى
لا الجاهِلونَ العاجِزونَ وَلا الأُلى
يَمشونَ في ذَهَبِ القُيودِ تَبَختُرا

رمضان ولى هاتها يا ساقي

رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي
مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ
ما كانَ أَكثَرَهُ عَلى أُلّافِها
وَأَقَلَّهُ في طاعَةِ الخَلّاقِ
اللَهُ غَفّارُ الذُنوبِ جَميعِها
إِن كانَ ثَمَّ مِنَ الذُنوبِ بَواقي
بِالأَمسِ قَد كُنّا سَجينَي طاعَةٍ
وَاليَومَ مَنَّ العيدُ بِالإِطلاقِ
ضَحِكَت إِلَيَّ مِنَ السُرورِ وَلَم تَزَل
بِنتُ الكُرومِ كَريمَةَ الأَعراقِ
هاتِ اِسقِنيها غَيرَ ذاتِ عَواقِبٍ
حَتّى نُراعَ لِصَيحَةِ الصَفّاقِ
صِرفاً مُسَلَّطَةَ الشُعاعِ كَأَنَّما
مِن وَجنَتَيكَ تُدارُ وَالأَحداقِ
حَمراءَ أَو صَفراءَ إِنَّ كَريمَها
كَالغيدِ كُلُّ مَليحَةٍ بِمَذاقِ
وَحَذارِ مِن دَمِها الزَكِيِّ تُريقُهُ
يَكفيكَ يا قاسي دَمُ العُشّاقِ
لا تَسقِني إِلّا دِهاقاً إِنَّني
أُسقى بِكَأسٍ في الهُمومِ دِهاقِ
فَلَعَلَّ سُلطانَ المُدامَةِ مُخرِجي
مِن عالَمٍ لَم يَحوِ غَيرَ نِفاقِ
وَطَني أَسِفتُ عَلَيكَ في عيدِ المَلا
وَبَكَيتُ مِن وَجدٍ وَمِن إِشفاقِ
لا عيدَ لي حَتّى أَراكَ بِأُمَّةٍ
شَمّاءَ راوِيَةٍ مِنَ الأَخلاقِ
ذَهَبَ الكِرامُ الجامِعونَ لِأَمرِهِم
وَبَقيتُ في خَلَفٍ بِغَيرِ خَلاقِ
أَيَظَلُّ بَعضُهُمُ لِبَعضٍ خاذِلاً
وَيُقالُ شَعبٌ في الحَضارَةِ راقي
وَإِذا أَرادَ اللَهُ إِشقاءَ القُرى
جَعَلَ الهُداةَ بِها دُعاةَ شِقاقِ
العيدُ بَينَ يَدَيكَ يا اِبنَ مُحَمَّدٍ
نَثَرَ السُعودَ حُلىً عَلى الآفاقِ
وَأَتى يُقَبِّلُ راحَتَيكَ وَيَرتَجي
أَن لايَفوتَكُما الزَمانَ تَلاقِ
قابَلتُهُ بِسُعودِ وَجهِكَ وَالسَنا
فَاِزدادَ مِن يُمنٍ وَمِن إِشراقِ
فَاِهنَأ بِطالِعِهِ السَعيدِ يَزينُهُ
عيدُ الفَقيرِ وَلَيلَةُ الأَرزاقِ
يَتَنَزَّلُ الأَجرانِ في صُبحَيهِما
جَزلَينِ عَن صَومٍ وَعَن إِنفاقِ
إِنّي أُجِلُّ عَنِ القِتالِ سَرائِري
إِلّا قِتالَ البُؤسِ وَالإِملاقِ
وَأَرى سُمومَ العالَمينَ كَثيرَةً
وَأَرى التَعاوُنَ أَنجَعَ التِرياقِ
قَسَمَت بَنيها وَاِستَبَدَّت فَوقَهُم
دُنيا تَعُقُّ لَئيمَةُ الميثاقِ
وَاللَهُ أَتعَبَها وَضَلَّلَ كَيدَها
مِن راحَتَيكَ بِوابِلٍ غَيداقِ
يَأسو جِراحَ اليائِسينَ مِنَ الوَرى
وَيُساعِدُ الأَنفاسَ في الأَرماقِ
بَلَغَ الكِرامُ المَجدَ حينَ جَرَوا لَهُ
بِسَوابِقٍ وَبَلَغتَهُ بِبُراقِ
وَرَأَوا غُبارَكَ في السُها وَتَراكَضوا
مَن لِلنُجومِ وَمَن لَهُم بِلَحاقِ
مَولايَ طِلبَةُ مِصرَ أَن تَبقى لَها
فَإِذا بَقيتَ فَكُلُّ خَيرٍ باقِ
سَبَقَ القَريضُ إِلَيكَ كُلَّ مُهَنِّئٍ
مِن شاعِرٍ مُتَفَرِّدٍ سَبّاقِ
لَم يَدَّخِر إِلّا رِضاكَ وَلا اِقتَنى
إِلّا وَلاءَكَ أَنفَسَ الأَعلاقِ
إِنَّ القُلوبَ وَأَنتَ مِلءُ صَميمِها
بَعَثَت تَهانيها مِنَ الأَعماقِ
وَأَنا الفَتى الطائِيُّ فيكَ وَهَذِهِ
كَلِمي هَزَزتُ بِها أَبا إِسحاقِ

ملَك بأفق الرمل هلّ كريما

مَلَك بأفق الرمل هلّ كريما
يدعو الجماد جماله ليهيما
أبهى من الدنيا وأزين طلعة
وألذ من عَرف الحياة شميما
الريح تحضن بانة من قده
والبحر يرحم درّ فيه يتيما
والشمس تغشى شَعره وكأنما
خلعت عليه نضارها الموهوما
والناس في شغل به وتعجب
لا يذكرون من الهموم قديما
يارملة الثغر استرقى واملكي
من بات من فتن الغرام سليما
تتجمل الدنيا بشمس سمائها
وجمال أفقك بالشموس عموما
بالنعامات اللاهيات بمنتدىً
يبدو أشمّ على المياه فخيما
الحاكيات عليه أندلس الهوى
عربا لنا طورا وحينا روما
الطالعات ولا أقول فراقدا
حذر العيون ولا أقول نجوما
والمائجات من اللطافة لجة
والهافيات من الدلال نسيما
واللافظات عن القيق مرقّقا
والباسمات عن الجمان نظيما
والساحبات من الحرير مطارفا
ودَّ الأصيل فشيبهنّ أديما
من كل مقبلة تخف لها النهى
وثبا ويأخذها الفؤاد صميما
هيفاء تندى بهجة في إثرها
هيفاء تقطر نضرة ونعيما
متجانسات في سياق وفودها
يحكين هذا اللؤلؤ المنظوما

طوي البساط وجفت الأقداح

طُوِيَ البِساطُ وَجَفَّتِ الأَقداحُ
وَغَدَت عَواطِلٌ بَعدَكَ الأَفراحُ
وَاِنفَضَّ نادٍ بِالشَآمِ وَسامِرٌ
في مِصرَ أَنتَ هَزارُهُ الصَدّاحُ
وَتَقَوَّضَت لِلفَنِّ أَطوَلُ سَرحَةٍ
يُغدى إِلى أَفيائِها وَيُراحُ
وَاللَهِ ما أَدري وَأَنتَ وَحيدُهُ
أَعَلَيهِ يُبكى أَم عَلَيكَ يُناحُ
إِسحاقُ ماتَ فَلا صَبوحَ وَمَعبَدٌ
أَودى فَلَيسَ مَعَ الغَبوقِ فَلاحُ
مَلِكُ الغِناءِ أَزالَهُ عَن تَختِهِ
قَدَرٌ يُزيلُ الراسِياتِ مُتاحُ
في التُربِ فَوقَ بَني سُوَيفَ يَتيمَةٌ
وَمِنَ الجَواهِرِ زَيِّفٌ وَصِحاحُ
ما زالَ تاجُ الفَنِّ تَيّاهاً بِها
حَتّى اِستَبَدَّ بِها الرَدى المُجتاحُ
لَو تَستَطيعُ كَرامَةً لِمَكانِها
مَشَتِ الرِياضُ إِلَيهِ وَالأَدواحُ
رُحماكَ عَبدَ الحَيِّ أُمُّكَ شَيخَةٌ
قَعَدَت وَهيضَ لَها الغَداةَ جَناحُ
كُسِرَت عَصاها فَهيَ بِلا عَصاً
وَقَضى فَتاها الأَجوَدُ المِسماحُ
اللَهُ يَعلَمُ إِن يَكُن في قَلبِها
جُرحٌ فَفي أَحشاءِ مِصرَ جِراحُ
وَالناسُ مَبكِيٌّ وَباكٍ إِثرَهُ
وَبُكا الشُعوبِ إِذا النَوابِغُ طاحوا
كانَ النَدامى إِن شَدَوتَ وَعاقَروا
سِيّانَ صَوتُكَ بَينَهُم وَالراحُ
فيما تَقولُ مُغَنِّياً وَمُحَدِّثاً
تَتَنافَسُ الأَسماعُ وَالأَرواحُ
فارَقتَ دُنيا أَرهَقَتكَ خَسارَةً
وَغَنِمتَ قُربَ اللَهِ وَهوَ رَباحُ
يا مُخلِفاً لِلوَعدِ وَعدُكَ مالَهُ
عِندي وَلا لَكَ في الضَميرِ بَراحُ
عَبَثَت بِهِ وَبِكَ المَنِيَّةُ وَاِنقَضى
سَبَبٌ إِلَيهِ بِأُنسِنا نَرتاحُ
لَمّا بَلَغنا بِالأَحِبَّةِ وَالمُنى
بابَ السُرورِ تَغَيَّبَ المِفتاحُ
زَعَموا نَعِيَّكَ في المَجامِعِ مازِحاً
هَيهاتَ في رَيبِ المَنونِ مِزاحُ
الجِدُّ غايَةُ كُلِّ لاهٍ لاعِبٍ
عِندَ المَنِيَّةِ يَجزَعُ المِفراحُ
رَمَتِ المَنايا إِذ رَمَينَكَ بُلبُلاً
أَراَهُ في شَرَكِ الحَياةِ جِماحُ
آهاتُهُ حُرَقُ الغَرامِ وَلَفظُهُ
سَجعُ الحَمامِ لَوَ انَّهُنَّ فِصاحُ
وَذَبَحنَ حَنجَرَةً عَلى أَوتارِها
تُؤسى الجِراحُ وَتُذبَحُ الأَتراحُ
وَفَلَلنَ مِن ذاكَ اللِسانِ حَديدَةً
يَخشى لَئيمٌ بَأسَها وَوَقاحُ
وَأَبَحنَ راحَتَكَ البِلى وَلَطالَما
أَمسى عَلَيها المالُ وَهوَ مُباحُ
روحٌ تَناهَت خِفَّةً فَتَخَيَّرَت
نُزُلاً تَقاصَرُ دونَهُ الأَشباحُ
قُم غَنِّ وِلدانَ الجِنانِ وَحورِها
وَاِبعَث صَداكَ فَكُلُّنا أَرواحُ

أنا إن بذلت الروح كيف ألام

أَنا إِن بَذَلتُ الروحَ كَيفَ أُلامُ
لَمّا رَمَت فَأَصابَتِ الآرامُ
عَمَدَت إِلى قَلبي بِسَهمٍ نافِذٍ
فيهِ لِمَحتومِ القَضاءِ سِهامُ
يا قَلبُ لا تَجزَع لِحادِثَةِ الهَوى
وَاِصبِر فَما لِلحادِثاتِ دَوامُ
عَرَفَت قُلوبُ الناسِ قَبلَكَ ما الجَوى
وَأَذاقَها قَدَرٌ لَهُ أَحكامُ
تَجري العُقولُ بِأَهلِها فَإِذا جَرى
كَبَتِ العُقولُ وَزَلَّتِ الأَحلامُ
أَكُنتُ أَعلَمُ وَالحَوادِثُ جَمَّةٌ
أَنَّ الحَوادِثَ مُقلَةٌ وَقَوامُ
جَنَيا عَلى كَبِدي وَما عَرَّضتُها
كَبِدي عَلَيكِ مِنَ البَريءِ سَلامُ
وَلَقَد أَقولُ لِمَن يَحُثُّ كُؤوسَها
قَعَدَت كُؤوسُكِ وَالهُمومُ قِيامُ
لَم تَجرِ بَينَ جَوانِحي إِلّا كَما
جَرَتِ الدِنانَ بِها وَسالَ الجامُ

خطت يداك الروضة الغناء

خَطَّت يَداكَ الرَوضَةَ الغَنّاءَ
وَفَرَغتَ مِن صَرحِ الفُنونِ بِناءَ
ما زِلتَ تَذهَبُ في السُمُوِّ بِركنِهِ
حَتّى تَجاوَزَ رُكنُهُ الجَوزاءَ
دارٌ مِنَ الفَنِّ الجَميلِ تَقَسَّمَت
لِلساهِرينَ رِوايَةً وَرُواءَ
كَالرَوضِ تَحتَ الطَيرِ أَعجَبَ أَيكُهُ
لَحظَ العُيونِ وَأَعجَبَ الإِصغاءَ
وَلَقَد نَزَلتَ بِها فَلَم نَرَ قَبلَها
فَلَكاً جَلا شَمسَ النَهارِ عِشاءَ
وَتَوَهَّجَت حَتّى تَقَلَّبَ في السَنا
وادي المُلوكِ حِجارَةً وَفَضاءَ
فَتَلَفَّتوا يَتَهامَسونَ لَعَلَّهُ
فَجرُ الحَضارَةِ في البِلادِ أَضاءَ
تِلكَ المَعارِفُ في طُلولِ بِنائِهِم
أَكثَرنَ نَحوَ بِنائِكَ الإيماءَ
وَتَمايَلَت عيدانُهُنَّ تَحِيَّةً
وَتَرَنَّمَت أَوتارُهُنَّ ثَناءَ
يا بانِيَ الإيوانِ قَد نَسَّقتَهُ
وَحَذَوتَ في هِندامِها الحَمراءَ
أَينَ الغَريضُ يَحِلُّهُ أَو مَعبَدٌ
يَتَبَوَّأَ الحُجُراتِ وَالأَبهاءِ
العَبقَرِيَّةُ في ضَنائِنِهِ الَّتي
يَحبو بِها سُبحانَهُ مَن شاءَ
لَمّا بَنَيتَ الأَيكَ وَاِستَوهَبتَهُ
بَعثَ الهَزارَ وَأَرسَلَ الوَرقاءَ
فَسَمِعتَ مِن مُتَفَرِّدِ الأَنغامِ ما
فاتَ الرَشيدَ وَأَخطَأَ النُدَماءَ
وَالفَنُّ رَيحانُ المُلوكِ وَرُبَّما
خَلَدوا عَلى جَنَباتِهِ أَسماءَ
لَولا أَياديهِ عَلى أَبنائِنا
لَم نُلفَ أَمجَدَ أُمَّة آباءَ
كانَت أَوائِلُ كُلِّ قَومٍ في العُلا
أَرضاً وَكُنّا في الفَخارِ سَماءَ
لَولا اِبتِسامُ الفَنِّ فيما حَولَهُ
ظَلَّ الوُجودُ جَهامَةً وَجَفاءَ
جَرِّد مِنَ الفَنِّ الحَياةَ وَما حَوَت
تَجِدِ الحَياةَ مِنَ الجَمالِ خَلاءَ
بِالفَنِّ عالَجتِ الحَياةَ طَبيعَةٌ
قَد عالَجَت بِالواحَةِ الصَحراءَ
تَأوي إِلَيها الروحُ مِن رَمضائِها
فَتُصيبُ ظِلّاً أَو تُصادِفُ ماءَ
نَبضُ الحَضارَةِ في المَمالِكِ كُلِّها
يُجري السَلامَةَ أَو يَدُقُّ الداءَ
إِن صَحَّ فَهيَ عَلى الزَمانِ صَحيحَةٌ
أَو زافَ كانَت ظاهِراً وَطِلاءَ
انظُر أَبا الفاروقِ غَرسَكَ هَل تَرى
بِالغَرسِ إِلّا نِعمَةً وَنَماءَ
مِن حَبَّةٍ ذُخِرَت وَأَيدٍ ثابَرَت
جاءَ الزَمانُ بِجَنَّةٍ فَيحاءَ
وَأَكَنَّتِ الفَنَّ الجَميلَ خَميلَةٌ
رَمَتِ الظِلالَ وَمَدَّتِ الأَفياءَ
بَذَلَ الجُهودَ الصالِحاتِ عِصابَةٌ
لا يَسأَلونَ عَنِ الجُهودِ جَزاءَ
صَحِبوا رَسولَ الفَنِّ لا يَألونَهُ
حُبّاً وَصِدقَ مَوَدَّةٍ وَوَفاءَ
دَفَعوا العَوائِقَ بِالثَباتِ وَجاوَزوا
ما سَرَّ مِن قَدَرِ الأُمورِ وَساءَ
إِنَّ التَعاوُنَ قُوَّةٌ عُلوِيَّةٌ
تَبني الرِجالَ وَتُبدِعُ الأَشياءَ
فَليَهنِهِم حازَ اِلتِفاتَكَ سَعيُهُم
وَكَسا نَدِيَّهُمو سَناً وَسَناءَ
لَم تَبدُ لِلأَبصارِ إِلّا غارِساً
لِخَوالِفِ الأَجيالِ أَو بَنّاءَ
تَغدو عَلى الفَتَراتِ تَرتَجِلُ النَدى
وَتَروحُ تَصطَنِعُ اليَدَ البَيضاءَ
في مَوكِبٍ كَالغَيثِ سارَ رُكابُهُ
بِشراً وَحَلَّ سَعادَةً وَرَخاءَ
أَنتَ اللِواءُ اِلتَفَّ قَومُكَ حَولَهُ
وَالتاجُ يَجعَلُهُ الشُعوبُ لِواءَ
مِن كُلِّ مِئذَنَةٍ سَمِعتَ مَحَبَّةً
وَبِكُلِّ ناقوسٍ لَقيتَ دُعاءَ
يَتَأَلَّفانِ عَلى الهُتافِ كَما اِنبَرى
وَتَرٌ يُسايِرُ في البَنانِ غِناءَ

عادت أغاني العرس رجع نواح

عادَت أَغاني العُرسِ رَجعَ نُواحِ
وَنُعيتِ بَينَ مَعالِمِ الأَفراحِ
كُفِّنتِ في لَيلِ الزَفافِ بِثَوبِهِ
وَدُفِنتِ عِندَ تَبَلُّجِ الإِصباحِ
شُيِّعتِ مِن هَلَعٍ بِعَبرَةِ ضاحِكٍ
في كُلِّ ناحِيَةٍ وَسَكرَةِ صاحِ
ضَجَّت عَلَيكِ مَآذِنٌ وَمَنابِرٌ
وَبَكَت عَلَيكَ مَمالِكٌ وَنَواحِ
الهِندُ والِهَةٌ وَمِصرُ حَزينَةٌ
تَبكي عَلَيكِ بِمَدمَعٍ سَحّاحِ
وَالشامُ تَسأَلُ وَالعِراقُ وَفارِسٌ
أَمَحا مِنَ الأَرضِ الخِلافَةَ ماحِ
وَأَتَت لَكَ الجُمَعُ الجَلائِلُ مَأتَماً
فَقَعَدنَ فيهِ مَقاعِدَ الأَنواحِ
يا لَلرِجالِ لَحُرَّةٍ مَوؤودَةٍ
قُتِلَت بِغَيرِ جَريرَةٍ وَجُناحِ
إِنَّ الَّذينَ أَسَت جِراحَكِ حَربُهُم
قَتَلَتكِ سَلمُهُمو بِغَيرِ جِراحِ
هَتَكوا بِأَيديهِم مُلاءَةَ فَخرِهِم
مَوشِيَّةً بِمَواهِبِ الفَتّاحِ
نَزَعوا عَنِ الأَعناقِ خَيرَ قِلادَةٍ
وَنَضَوا عَنِ الأَعطافِ خَيرَ وِشاحِ
حَسَبٌ أَتى طولُ اللَيالي دونَهُ
قَد طاحَ بَينَ عَشِيَّةٍ وَصَباحِ
وَعَلاقَةٌ فُصِمَت عُرى أَسبابِها
كانَت أَبَرَّ عَلائِقِ الأَرواحِ
جَمَعَت عَلى البِرِّ الحُضورَ وَرُبَّما
جَمَعَت عَلَيهِ سَرائِرَ النُزّاحِ
نَظَمَت صُفوفَ المُسلِمينَ وَخَطوَهُم
في كُلِّ غَدوَةِ جُمعَةٍ وَرَواحِ
بَكَتِ الصَلاةُ وَتِلكَ فِتنَةُ عابِثٍ
بِالشَرعِ عِربيدِ القَضاءِ وَقاحِ
أَفتى خُزَعبِلَةً وَقالَ ضَلالَةً
وَأَتى بِكُفرٍ في البِلادِ بَواحِ
إِنَّ الَّذينَ جَرى عَلَيهِم فِقهُهُ
خُلِقوا لِفِقهِ كَتيبَةٍ وَسِلاحِ
إِن حَدَّثوا نَطَقوا بِخُرسِ كَتائِبٍ
أَو خوطِبوا سَمِعوا بِصُمِّ رِماحِ
أَستَغفِرُ الأَخلاقَ لَستُ بِجاحِدٍ
مَن كُنتُ أَدفَعُ دونَهُ وَأُلاحي
مالي أُطَوِّقُهُ المَلامَ وَطالَما
قَلَّدتُهُ المَأثورَ مِن أَمداحي
هُوَ رُكنُ مَملَكَةٍ وَحائِطُ دَولَةٍ
وَقَريعُ شَهباءٍ وَكَبشُ نِطاحِ
أَأَقولُ مَن أَحيا الجَماعَةَ مُلحِدٌ
وَأَقولُ مَن رَدَّ الحُقوقَ إِباحي
الحَقُّ أَولى مِن وَلِيِّكَ حُرمَةً
وَأَحَقُّ مِنكَ بِنُصرَةٍ وَكِفاحِ
فَاِمدَح عَلى الحَقِّ الرِجالَ وَلُمهُموا
أَو خَلِّ عَنكَ مَواقِفَ النُصّاحِ
وَمِنَ الرِجالِ إِذا اِنبَرَيتَ لِهَدمِهِم
هَرَمٌ غَليظُ مَناكِبِ الصُفّاحِ
فَإِذا قَذَفتَ الحَقَّ في أَجلادِهِ
تَرَكَ الصِراعَ مُضَعضَعَ الأَلواحِ
أَدّوا إِلى الغازي النَصيحَةَ يَنتَصِح
إِنَّ الجَوادَ يَثوبُ بَعدَ جِماحِ
إِنَّ الغُرورَ سَقى الرَئيسَ بِراحِهِ
كَيفَ اِحتِيالُكَ في صَريعِ الراحِ
نَقَلَ الشَرائِعَ وَالعَقائِدَ وَالقُرى
وَالناسَ نَقلَ كَتائِبٍ في الساحِ
تَرَكَتهُ كَالشَبَحِ المُؤَلَّهِ أُمَّةٌ
لَم تَسلُ بَعدُ عِبادَةَ الأَشباحِ
هُم أَطلَقوا يَدَهُ كَقَيصَرَ فيهُمو
حَتّى تَناوَلَ كُلَّ غَيرِ مُباحِ
غَرَّتهُ طاعاتُ الجُموعِ وَدَولَةٌ
وَجَدَ السَوادُ لَها هَوى المُرتاحِ
وَإِذا أَخَذتَ المَجدَ مِن أُمِّيَّةٍ
لَم تُعطَ غَيرَ سَرابِهِ اللَمّاحِ
مَن قائِلٌ لِلمُسلِمينَ مَقالَةً
لَم يوحِها غَيرَ النَصيحَةِ واحِ
عَهدُ الخِلافَةِ فِيَّ أَوَّلُ ذائِدٍ
عَن حَوضِها بِبَراعَةٍ نَضّاحِ
حُبٌّ لِذاتِ اللَهِ كانَ وَلَم يَزَل
وَهَوىً لِذاتِ الحَقِّ وَالإِصلاحِ
إِنّي أَنا المِصباحُ لَستُ بِضائِعٍ
حَتّى أَكونَ فَراشَةَ المِصباحِ
غَزَواتُ أَدهَمَ كُلِّلَت بَذَوابِلٍ
وَفُتوحُ أَنوَرَ فُصِّلَت بِصِفاحِ
وَلَّت سُيوفُهُما وَبانَ قَناهُما
وَشَبا يَراعي غَيرُ ذاتِ بَراحِ
لا تَبذُلوا بُرَدَ النَبِيِّ لِعاجِزٍ
عُزُلٍ يُدافِعُ دونَهُ بِالراحِ
بِالأَمسِ أَوهى المُسلِمينَ جِراحَةً
وَاليَومَ مَدَّ لَهُم يَدَ الجَرّاحِ
فَلتَسمَعُنَّ بِكُلِّ أَرضٍ داعِياً
يَدعو إِلى الكَذّابِ أَو لِسَجاحِ
وَلتَشهَدُنَّ بِكُلِّ أَرضٍ فِتنَةً
فيها يُباعُ الدينُ بَيعَ سَماحِ
يُفتى عَلى ذَهَبِ المُعِزِّ وَسَيفِهِ
وَهَوى النُفوسِ وَحِقدِها المِلحاحِ