ظلم الرجال نساءهم وتعسفوا

ظَلَمَ الرِجالُ نِساءَهُم وَتَعَسَّفوا
هَل لِلنِساءِ بِمِصرَ مِن أَنصارِ
يا مَعشَرَ الكُتّابِ أَينَ بَلاؤُكُم
أَينَ البَيانُ وَصائِبُ الأَفكارِ
أَيَهُمُّكُم عَبَثٌ وَلَيسَ يَهُمُّكُم
بُنيانُ أَخلاقٍ بِغَيرِ جِدارِ
عِندي عَلى ضَيمِ الحَرائِرِ بَينَكُم
نَبَأٌ يُثيرُ ضَمائِرَ الأَحرارِ
مِمّا رَأَيتُ وَما عَلِمتُ مُسافِراً
وَالعِلمُ بَعضُ فَوائِدِ الأَسفارِ
فيهِ مَجالٌ لِلكَلامِ وَمَذهَبٌ
لِيَراعِ باحِثَةٍ وَسِتِّ الدارِ
كَثُرَت عَلى دارِ السَعادَةِ زُمرَةٌ
مِن مِصرَ أَهلُ مَزارِعٍ وَيَسارِ
يَتَزَوَّجونَ عَلى نِساءٍ تَحتَهُم
لا صاحِباتِ بُغىً وَلا بِشَرارِ
شاطَرنَهُم نِعَمَ الصِبا وَسَقَينَهُم
دَهراً بِكَأسٍ لِلسُرورِ عُقارُ
الوالِداتُ بَنيهُمُ وَبَناتِهِم
الحائِطاتُ العِرضَ كَالأَسوارِ
الصابِراتُ لِضَرَّةٍ وَمَضَرَّةٍ
المُحيِياتُ اللَيلَ بِالأَذكارِ
مِن كُلِّ ذي سَبعينَ يَكتُمُ شَيبَهُ
وَالشَيبُ في فَودَيهِ ضَوءُ نَهارِ
يَأبى لَهُ في الشَيبِ غَيرَ سَفاهَةٍ
قَلبٌ صَغيرُ الهَمِّ وَالأَوطارِ
ما حَلَّهُ عَطفٌ وَلا رِفقٌ وَلا
بِرٌّ بِأَهلٍ أَو هَوىً لِدِيارِ
كَم ناهِدٍ في اللّاعِباتِ صَغيرَةٍ
أَلهَتهُ عَن حَفَدٍ بِمِصرَ صِغارِ
مَهما غَدا أَو راحَ في جَولاتِهِ
دَفَعَتهُ خاطِبَةٌ إِلى سِمسارِ
شُغِلَ المَشايِخُ بِالمَتابِ وَشُغلُهُ
بِتَبَدُّلِ الأَزواجِ وَالأَصهارِ
في كُلِّ عامٍ هَمُّهُ في طَفلَةٍ
كَالشَمسِ إِن خُطِبَت فَلِلأَقمارِ
يَرشو عَلَيها الوالِدينَ ثَلاثَةً
لَم أَدرِ أَيُّهُمُ الغَليظُ الضاري
المالُ حَلَّلَ كُلَّ غَيرِ مُحَلَّلِ
حَتّى زَواجَ الشيبِ بِالأَبكارِ
سَحَرَ القُلوبَ فَرُبَّ أُمٍّ قَلبُها
مِن سِحرِهِ حَجَرٌ مِنَ الأَحجارِ
دَفَعَت بُنَيَّتَها لِأَشأَمَ مَضجَعٍ
وَرَمَت بِها في غُربَةٍ وَإِسارِ
وَتَعَلَّلَت بِالشَرعِ قُلتُ كَذِبتِهِ
ما كانَ شَرعُ اللَهِ بِالجَزّارِ
ما زُوِّجَت تِلكَ الفَتاةُ وَإِنَّما
بيعَ الصِبا وَالحُسنُ بِالدينارِ
بَعضُ الزَواجِ مُذَمَّمٌ ما بِالزِنا
وَالرِقِّ إِن قيسا بِهِ مِن عارِ
فَتَّشتُ لَم أَرَ في الزَواجِ كَفاءَةً
كَكَفاءَةِ الأَزواجِ في الأَعمارِ
أَسَفي عَلى تِلكَ المَحاسِنِ كُلَّما
نُقِلَت مِنَ البالي إِلى الدَوّارِ
إِنَّ الحِجابَ عَلى فُروقٍ جَنَّةٌ
وَحِجابُ مِصرَ وَريفِها مِن نارِ
وَعَلى وُجوهٍ كَالأَهِلَّةِ رُوِّعَت
بَعدَ السُفورِ بِبُرقُعٍ وَخِمارِ
وَعَلى الذَوائِبِ وَهيَ مِسكٌ خولِطَت
عِندَ العِناقِ بِمِثلِ ذَوبِ القارِ
وَعَلى الشِفاهِ المُحيِياتِ أَماتَها
ريحُ الشُيوخِ تَهُبُّ في الأَسحارِ
وَعَلى المَجالِسِ فَوقَ كُلِّ خَميلَةٍ
بَينَ الجِبالِ وَشاطِئٍ مِحبارِ
تَدنو الزَوارِقُ مِنهُ تُنزِلُ جُؤذَراً
بِقِلادَةٍ أَو شادِناً بِسِوارِ
يَرفُلنَ في أُزُرِ الحَريرِ تَنَوَّعَت
أَلوانُهُ كَالزَهرِ في آذارِ
الطاهِراتُ اللَحظِ أَمثالَ المَها
الناطِقاتُ الجَرسِ كَالأَوتارِ
الدَهرُ فَرَّقَ شَملَهُنَّ فَمُر بِهِ
يا رَبِّ تَجمَعُهُ يَدُ المِقدارِ

يوم اغر محجل الانباء

يوم أغر محجل الأنباء
لعلاك تهنئتي به وهنائي
ظمأ البلاد غليك في هذى النوى
ظمأ النبات إلى الغمام النائى
شوّقتها حتى إذا أظمأتها
قام السراب بها مقام الماء
عيدان فيها حين ناجت ربها
قالت له ثَلِّثهما بلقاء

يا قلب ويحك والمودة ذمة

يا قَلبُ وَيحَكَ وَالمَوَدَّةُ ذِمَّةٌ
ماذا صَنَعتَ بِعَهدِ عَبدِ اللَهِ
جاذَبتَني جَنبي عَشِيَّةَ نَعيِهِ
وَخَفَقتَ خَفقَةَ موجَعٍ أَوّاهِ
وَلَوَ اَنَّ قَلباً ذابَ إِثرَ حَبيبِهِ
لَهَوى بِكَ الرُكنُ الضَعيفُ الواهي
فَعَلَيكَ مِن حُسنِ المُروءَةِ آمِرٌ
وَعَلَيكَ مِن حُسنِ التَجَلُّدِ ناهِ
نَزَلَ الطُوَيِّرُ في التُرابِ مَنازِلاً
تَهوي المَكارِمُ نَحوَها بِشِفاهِ
عَرَصاتُها مَمطورَةٌ بِمَدامِعٍ
مَوطوءَةٌ بِمَفارِقٍ وَجِباهِ
لَولا يَمينُ المَوتِ فَوقَ يَمينِهِ
فيها لَفاضَت مِن جَنىً وَمِياهِ
يا كابِراً مِن كابِرينَ وَطاهِراً
مِن آلِ طُهرٍ عارِفٍ بِاللَهِ
وَمُحَكِّماً عَلِمَ القَضاءُ مَكانَهُ
في المُقسِطينَ الجِلَّةِ الأَنزاهِ
وَحَكيماً اِستَعصَت أَعِنَّتُهُ عَلى
كَذِبِ النَعيمِ وَتُرَّهاتِ الجاهِ
وَأَخاً سَقى الإِخوانَ مِن رَاوقِهِ
بِوِدادِ لا صَلِفٍ وَلا تَيّاهِ
قَد كانَ شِعري شُغلَ نَفسِكَ فَاِقتَرِح
مِن كُلِّ جائِلَةٍ عَلى الأَفواهِ
أُنزِلتَ مِنهُ حينَ فاتَكَ جَمعُهُ
في مَنزِلٍ بَهِجٍ بِنورِكَ زاهِ
فَاِقرَأ عَلى حَسّانَ مِنهُ لَعَلَّهُ
بِفَتاهُ في مَدحِ الرَسولِ مُباهِ
وَاِنزِل بِنورِ الخُلدِ جَدَّكَ وَاِتَّصِل
بِمَلائِكٍ مِن آلِهِ أَشباهِ
ناعيكَ ناعي حاتَمٍ أَو جَعفَرٍ
فَالناسُ بَينَ نَوازِلٍ وَدَواهِ

زين الملوك الصيد مر بزينتي

زين الملوك الصيد مر بزينتي
كرما وباب الله طاف ببابي
يا ليلة القدر التي بلغتها
ما فيك بعد اليوم من مرتاب
ما كنت أهلا للنوال وإنما
نفحات أحمد فوق كل حساب
لما بلغت السؤل ليلة مدحه
بعث الملوك يعظمون جنابي
بدران بدر في السماء منوّر
وأخوه فوق الأرض نور رحابي
هاذ ابن هانئ نال ما قد نلت من
حسب نُدل به على الأحساب
قد كان يسعى للرشيد ببابه
فسعى الرشيد إليه وهو بباب

وعصابة بالخير الف شملهم

وَعِصابَةٍ بِالخَيرِ أُلِّفَ شَملُهُم
وَالخَيرُ أَفضَلُ عُصبَةً وَرِفاقا
جَعَلوا التَعاوُنَ وَالبِنايَةَ هَمَّهُم
وَاِستَنهَضوا الآدابَ وَالأَخلاقا
وَلَقَد يُداوونَ الجِراحَ بِبِرِّهِم
وَيُقاتِلونَ البُؤسَ وَالإِملاقا
يَسمونَ بِالأَدَبِ الجَديدِ وَتارَةً
يَبنونَ لِلأَدَبِ القَديمِ رِواقا
بَعَثَ اِهتِمامَهُمو وَهاجَ حَنانَهُم
زَمَنٌ يُثيرُ العَطفَ وَالإِشفاقا
عَرَضَ القُعودُ فَكانَ دونَ نُبوغِهِ
قَيداً وَدونَ خُطى الشَبابِ وِثاقا
البُلبُلُ الغَرِدُ الَّذي هَزَّ الرُبى
وَشَجى الغُصونَ وَحَرَّكَ الأَوراقا
خَلَفَ البَهاءَ عَلى القَريضِ وَكَأسِهِ
فَسَقى بِعَذبِ نَسيبِهِ العُشّاقا
في القَيدِ مُمتَنِعُ الخُطى وَخَيالِهِ
يَطوي البِلادَ وَيَنشُرُ الآفاقا
سَبّاقُ غاياتِ البَيانِ جَرى بِلا
ساقٍ فَكَيفَ إِذا اِستَرَدَّ الساقا
لَو يَطعمُ الطِبُّ الصَناعُ بَيانَهُ
أَو لَو يُسيغُ لِما يَقولُ مَذاقا
غالى بِقيمَتِهِ فَلَم يَصنَع لَهُ
إِلّا الجَناحَ مُحَلِّقاً خَفّاقا

ما جل فيهم عيدك الماثور

ما جَلَّ فيهِم عيدُكَ المَأثورُ
إِلّا وَأَنتَ أَجَلُّ يا فِكتورُ
ذَكَروكَ بِالمِئَةِ السِنينَ وَإِنَّها
عُمرٌ لِمِثلِكَ في النُجومِ قَصيرُ
سَتدومُ ما دامَ البَيانُ وَما اِرتَقَت
لِلعالَمينَ مَدارِكٌ وَشُعورُ
وَلَئِن حُجِبتَ فَأَنتَ في نَظَرِ الوَرى
كَالنَجمِ لَم يُرَ مِنهُ إِلّا النورُ
لَولا التُقى لَفَتَحتُ قَبرَكَ لِلمَلا
وَسَأَلتُ أَينَ السَيِّدَ المَقبورُ
وَلَقُلتُ يا قَومُ اُنظُروا اِنجيلَكُم
هَل فيهِ مِن قَلَمِ الفَقيدِ سُطورُ
مَن بَعدَهُ مَلَكَ البَيانَ فَعِندَكُم
تاجٌ فَقَدتُم رَبَّهُ وَسَريرُ
ماتَ القَريضُ بِمَوتِ هوجو وَاِنقَضى
مُلكُ البَيانِ فَأَنتُمُ جُمهورُ
ماذا يَزيدُ العيدُ في إِجلالِهِ
وَجَلالُهُ بِيَراعِهِ مَسطورِ
فَقَدَت وُجوهَ الكائِناتِ مُصَوِّراً
نَزَلَ الكَلامُ عَلَيهِ وَالتَصويرُ
كُشِفَ الغَطاءُ لَهُ فَكُلُّ عِبارَةٍ
في طَيِّها لِلقارِئينَ ضَميرُ
لَم يُعيِهِ لَفظٌ وَلا مَعنىً وَلا
غَرَضٌ وَلا نَظمٌ وَلا مَنثورُ
مُسلي الحَزينِ يَفُكُّهُ مِن حُزنِهِ
وَيَرُدُّهُ لِلَّهِ وَهوَ قَريرُ
ثَأَرَ المُلوكُ وَظَلَّ عِندَ إِبائِهِ
يَرجو وَيَأمَلُ عَفوَهُ المَثؤورُ
وَأَعارَ واتِرلو جَلالَ يَراعِهِ
فَجَلالُ ذاكَ السَيفِ عَنهُ قَصيرُ
يا أَيُّها البَحرُ الَّذي عَمَّرَ الثَرى
وَمِنَ الثَرى حُفَرٌ لَهُ وَقُبورُ
أَنتَ الحَقيقَةُ إِن تَحَجَّبَ شَخصُها
فَلَها عَلى مَرِّ الزَمانِ ظُهورُ
اِرفَع حِدادَ العالَمينَ وَعُد لَهُم
كَيما يُعَيِّدَ بائِسٌ وَفَقيرُ
وَاِنظُر إِلى البُؤَساءِ نَظرَةَ راحِمٍ
قَد كانَ يُسعَدُ جَمعَهُم وَيُجيرُ
الحالُ باقِيَةٌ كَما صَوَّرتَها
مِن عَهدِ آدَمَ ما بِها تَغييرُ
البُؤسُ وَالنُعمى عَلى حالَيهِما
وَالحَظُّ يَعدِلُ تارَةً وَيَجورُ
وَمِنَ القَوِيِّ عَلى الضَعيفِ مُسَيطِرٌ
وَمِنَ الغَنِيِّ عَلى الفَقيرِ أَميرُ
وَالنَفسُ عاكِفَةٌ عَلى شَهَواتِها
تَأوي إِلى أَحقادِها وَتَثورُ
وَالعَيشُ آمالٌ تَجِدُّ وَتَنقَضي
وَالمَوتُ أَصدَقُ وَالحَياةُ غُرورُ

سكن الزمان ولانت الاقدار

سَكَنَ الزَمانُ وَلانَتِ الأَقدارُ
وَلِكُلِّ أَمرٍ غايَةٌ وَقَرارُ
أَرخى الأَعِنَّةَ لِلخُطوبِ وَرَدَّها
فَلَكٌ بِكُلِّ فُجاءَةٍ دَوّارُ
يَجري بِأَمرٍ أَو يَدورُ بِضِدِّهِ
لا النَقضُ يُعجِزُهُ وَلا الإِمرارُ
هَل آذَنَتنا الحادِثاتُ بِهُدنَةٍ
وَهَل اِستَجابَ فَسالَمَ المِقدارُ
سُدِلَ السِتارُ وَهَل شَهِدتَ رِوايَةً
لَم يَعتَرِضها في الفُصولِ سِتارُ
وَجَرَت فَما اِستَولَت عَلى الأَمَدِ المُنى
وَعَدَت فَما حَوَتِ المَدى الأَوطارُ
دونَ الجَلاءِ وَدونَ يانِعِ وَردِهِ
خُطُواتُ شَعبٍ في القَتادِ تُسارُ
وَبِناءُ أَخلاقٍ عَلَيهِ مِنَ النُهى
سُوَرٌ وَمِن عِلمِ الزَمانِ إِطارُ
وَحَضارَةٌ مِن مَنطِقِ الوادي لَها
أَصلٌ وَمِن أَدَبِ البِلادِ نِجارُ
أَعمى هَوى الوَطَنِ العَزيزِ عِصابَةٌ
مُستَهتِرينَ إِلى الجَرائِمِ ساروا
يا سوءَ سُنَّتِهِم وَقُبحَ غُلُوِّهِم
إِنَّ العَقائِدَ بِالغُلُوِّ تُضارُ
وَالحَقُّ أَرفَعُ مِلَّةً وَقَضِيَّةً
مِن أَن يَكونَ رَسولُهُ الإِضرارُ
أُخِذَت بِذَنبِهِمُ البِلادُ وَأُمَّةٌ
بِالريفِ ما يَدرونَ ما السِردارُ
في فِتنَةٍ خُلِطَ البَريءُ بِغَيرِهِ
فيها وَلُطِّخَ بِالدَمِ الأَبرارُ
لَقِيَ الرِجالُ الحادِثاتِ بِصَبرِهِم
حَتّى اِنجَلَت غُمَمٌ لَها وَغِمارُ
لانوا لَها في شِدَّةٍ وَصَلابَةٍ
لَينَ الحَديدِ مَشَت عَلَيهِ النارُ
الحَقُّ أَبلَجُ وَالكِنانَةُ حُرَّةٌ
وَالعِزُّ لِلدُستورِ وَالإِكبارُ
الأَمرُ شورى لا يَعيثُ مُسَلَّطٌ
فيهِ وَلا يَطغى بِهِ جَبّارُ
إِنَّ العِنايَةَ لِلبِلادِ تَخَيَّرَت
وَالخَيرُ ما تَقضي وَما تَختارُ
عَهدٌ مِنَ الشورى الظَليلَةِ نُضِّرَت
آصالُهُ وَاِخضَلَّتِ الأَسحارُ
تَجني البِلادُ بِهِ ثِمارَ جُهودِها
وَلِكُلِّ جُهدٍ في الحَياةِ ثِمارُ
بُنيانُ آباءٍ مَشَوا بِسِلاحِهِم
وَبَنينَ لَم يَجِدوا السِلاحَ فَثاروا
فيهِ مِنَ التَلِّ المُدَرَّجِ حائِطٌ
وَمِنَ المَشانِقِ وَالسُجونِ جِدارُ
أَبَتِ التَقَيُّدَ بِالهَوى وَتَقَيَّدَت
بِالحَقِّ أَو بِالواجِبِ الأَحرارُ
في مَجلِسٍ لا مالُ مِصرَ غَنيمَةٌ
فيهِ وَلا سُلطانُ مِصرَ صِغارُ
ما لِلرِجالِ سِوى المَراشِدَ مَنهَجٌ
فيهِ وَلا غَيرَ الصَلاحِ شِعارُ
يَتَعاوَنونَ كَأَهلِ دارٍ زُلزِلَت
حَتّى تَقَرَّ وَتَطمَئِنَّ الدارُ
يُجرونَ بِالرِفقِ الأُمورَ وَفُلكَها
وَالريحُ دونَ الفُلكِ وَالإِعصارُ
وَمَعَ المُجَدِّدِ بِالأَناةِ سَلامَةٌ
وَمَعَ المُجَدِّدِ بِالجِماحِ عِثارُ
الأُمَّةُ اِئتَلَفَت وَرَصَّ بِناءَها
بانٍ زَعامَتُهُ هُدىً وَمَنارُ
أَسَدٌ وَراءَ السِنِّ مَعقودُ الحُبا
يَأبى وَيَغضَبُ لِلشَرى وَيَغارُ
كَهفُ القَضِيَّةِ لا تَنامُ نُيوبُهُ
عَنها وَلا تَتَناعَسُ الأَظفارُ
يَومَ الخَميسِ وَراءَ فَجرِكَ لِلهُدى
صُبحٌ وَلِلحَقِّ المُبينِ نَهارُ
ما أَنتَ إِلّا فارِسِيٌّ لَيلُهُ
عُرسٌ وَصَدرُ نَهارِهِ إِعذارُ
بَكَرَت تُزاحِمُ مِهرَجانِكَ أُمَّةٌ
وَتَلَفَّتَت خَلفَ الزِحامِ دِيارُ
وَرَوى مَواكِبَكَ الزَمانُ لِأَهلِهِ
وَتَنَقَّلَت بِجَلالِها الأَخبارُ
أَقبَلتَ بِالدُستورِ أَبلَجَ زاهِراً
يَفتَنُّ في قَسَماتِهِ النُظّارُ
وَذُؤابَةُ الدُنيا تَرِفُّ حَداثَةً
عَن جانِبَيهِ وَلِلزَمانِ عِذارُ
يَحمي لَفائِفَهُ وَيَحرُسُ مَهدَهُ
شَيخٌ يَذودُ وَفِتيَةٌ أَنصارُ
وَكَأَنَّهُ عيسى الهُدى في مَهدِهِ
وَكَأَنَّ سَعداً يوسُفُ النَجّارُ
التاجُ فُصِّلَ في سَمائِكَ بِالضُحى
مِنكَ الحِلى وَمِنَ الضُحى الأَنوارُ
يَكسو مِنَ الدُستورِ هامَةَ رَبِّهِ
ما لَيسَ يَكسو الفاتِحينَ الغارُ
بِالحَقِّ يَفتَحُ كُلُّ هادٍ مُصلِحٍ
ما لَيسَ يَفتَحُ بِالقَنا المِغوارُ
وَطَني لَدَيكَ وَأَنتَ سَمحٌ مُفضِلٌ
تُنسى الذُنوبُ وَتُذكَرُ الأَعذارُ
تابَ الزَمانُ إِلَيكَ مِن هَفَواتِهِ
بِوَزارَةٍ تُمحى بِها الأَوزارُ

من اي عهد في القري تتدفق

مِن أَيِّ عَهدٍ في القُرى تَتَدَفَّقُ
وَبِأَيِّ كَفٍّ في المَدائِنِ تُغدِقُ
وَمِنَ السَماءِ نَزَلتَ أَم فُجِّرتَ مِن
عَليا الجِنانِ جَداوِلاً تَتَرَقرَقُ
وَبِأَيِّ عَينٍ أَم بِأَيَّةِ مُزنَةٍ
أَم أَيِّ طوفانٍ تَفيضُ وَتَفهَقُ
وَبِأَيِّ نَولٍ أَنتَ ناسِجُ بُردَةٍ
لِلضِفَّتَينِ جَديدُها لا يُخلَقُ
تَسوَدُّ ديباجاً إِذا فارَقتَها
فَإِذا حَضَرتَ اِخضَوضَرَ الإِستَبرَقُ
في كُلِّ آوِنَةٍ تُبَدِّلُ صِبغَةً
عَجَباً وَأَنتَ الصابِغُ المُتَأَنِّقُ
أَتَتِ الدُهورُ عَلَيكَ مَهدُكَ مُترَعٌ
وَحِياضُكَ الشُرقُ الشَهِيَّةُ دُفَّقُ
تَسقي وَتُطعِمُ لا إِناؤُكَ ضائِقٌ
بِالوارِدينَ وَلا خُوّانُكَ يَنفُقُ
وَالماءُ تَسكُبُهُ فَيُسبَكُ عَسجَداً
وَالأَرضُ تُغرِقُها فَيَحيا المُغرَقُ
تُعي مَنابِعُكَ العُقولَ وَيَستَوي
مُتَخَبِّطٌ في عِلمِها وَمُحَقِّقُ
أَخلَقتَ راووقَ الدُهورِ وَلَم تَزَل
بِكَ حَمأَةٌ كَالمِسكِ لا تَتَرَوَّقُ
حَمراءُ في الأَحواضِ إِلّا أَنَّها
بَيضاءُ في عُنُقِ الثَرى تَتَأَلَّقُ
دينُ الأَوائِلِ فيكَ دينُ مُروءَةٍ
لِمَ لا يُؤَلَّهُ مَن يَقوتُ وَيَرزُقُ
لَو أَنَّ مَخلوقاً يُؤَلَّهُ لَم تَكُن
لِسِواكَ مَرتَبَةُ الأُلوهَةِ تَخلُقُ
جَعَلوا الهَوى لَكَ وَالوَقارَ عِبادَةً
إِنَّ العِبادَةَ حَشيَةٌ وَتَعَلُّقُ
دانوا بِبَحرٍ بِالمَكارِمِ زاخِرٍ
عَذبِ المَشارِعِ مَدُّهُ لا يُلحَقُ
مُتَقَيِّدٌ بِعُهودِهِ وَوُعودِهِ
يَجري عَلى سَنَنِ الوَفاءِ وَيَصدُقُ
يَتَقَبَّلُ الوادي الحَياةَ كَريمَةً
مِن راحَتَيكَ عَميمَةً تَتَدَفَّقُ
مُتَقَلِّبُ الجَنبَينِ في نَعمائِهِ
يَعرى وَيُصبَغُ في نَداكَ فَيورِقُ
فَيَبيتُ خِصباً في ثَراهُ وَنِعمَةٍ
وَيَعُمُّهُ ماءُ الحَياةِ الموسِقِ
وَإِلَيكَ بَعدَ اللَهِ يَرجِعُ تَحتَهُ
ما جَفَّ أَو ما ماتَ أَو ما يَنفُقُ
أَينَ الفَراعِنَةُ الأُلى اِستَذرى بِهِم
عيسى وَيوسُفُ وَالكَليمُ المُصعَقُ
المورِدونَ الناسَ مَنهَلَ حِكمَةٍ
أَفضى إِلَيهِ الأَنبِياءُ لِيَستَقوا
الرافِعونَ إِلى الضُحى آباءَهُم
فَالشَمسُ أَصلُهُمُ الوَضيءُ المُعرِقُ
وَكَأَنَّما بَينَ البِلى وَقُبورِهِم
عَهدٌ عَلى أَن لا مِساسَ وَمَوثِقُ
فَحِجابُهُم تَحتَ الثَرى مِن هَيبَةٍ
كَحِجابِهِم فَوقَ الثَرى لا يُخرَقُ
بَلَغوا الحَقيقَةَ مِن حَياةٍ عِلمُها
حُجُبٌ مُكَثَّفَةٌ وَسِرٌّ مُغلَقُ
وَتَبَيَّنوا مَعنى الوُجودِ فَلَم يَرَوا
دونَ الخُلودِ سَعادَةً تَتَحَقَّقُ
يَبنونَ لِلدُنيا كَما تَبني لَهُم
خِرَباً غُرابُ البَينِ فيها يَنعَقُ
فَقُصورُهُم كوخٌ وَبَيتُ بَداوَةٍ
وَقُبورُهُم صَرحٌ أَشَمُّ وَجَوسَقُ
رَفَعوا لَها مِن جَندَلٍ وَصَفائِحٍ
عَمَداً فَكانَت حائِطاً لا يُنتَقُ
تَتَشايَعُ الدارانِ فيهِ فَما بَدا
دُنيا وَما لَم يَبدُ أُخرى تَصدُقُ
لِلمَوتِ سِرٌّ تَحتَهُ وَجِدارُهُ
سورٌ عَلى السِرِّ الخَفِيِّ وَخَندَقُ
وَكَأَنَّ مَنزِلَهُم بِأَعماقِ الثَرى
بَينَ المَحَلَّةِ وَالمَحَلَّةِ فُندُقُ
مَوفورَةٌ تَحتَ الثَرى أَزوادُهُم
رَحبٌ بِهِم بَينَ الكُهوفِ المُطبِقُ
وَلِمَن هَياكِلُ قَد عَلا الباني بِها
بَينَ الثُرَيّا وَالثَرى تَتَنَسَّقُ
مِنها المُشَيَّدُ كَالبُروجِ وَبَعضُها
كَالطَودِ مُضطَجِعٌ أَشَمُّ مُنَطَّقُ
جُدُدٌ كَأَوَّلِ عَهدِها وَحِيالَها
تَتَقادَمُ الأَرضُ الفَضاءُ وَتَعتُقُ
مِن كُلِّ ثِقلٍ كاهِلُ الدُنيا بِهِ
تَعِبٌ وَوَجهُ الأَرضِ عَنهُ ضَيِّقُ
عالٍ عَلى باعِ البِلى لا يَهتَدي
ما يَعتَلي مِنهُ وَما يَتَسَلَّقُ
مُتَمَكِّنٌ كَالطَودِ أَصلاً في الثَرى
وَالفَرعُ في حَرَمِ السَماءِ مُحَلِّقُ
هِيَ مِن بِناءِ الظُلمِ إِلّا أَنَّهُ
يَبيَضُّ وَجهُ الظُلمِ مِنهُ وَيُشرِقُ
لَم يُرهِقِ الأُمَمَ المُلوكُ بِمِثلِها
فَخراً لَهُم يَبقى وَذِكراً يَعبَقُ
فُتِنَت بِشَطَّيكَ العِبادُ فَلَم يَزَل
قاصٍ يَحُجُّهُما وَدانٍ يَرمُقُ
وَتَضَوَّعَت مِنكَ الدُهورِ كَأَنَّما
في كُلِّ ناحِيَةٍ بَخورٌ يُحرَقُ
وَتَقابَلَت فيها عَلى السُرُرِ الدُمى
مُستَردِياتِ الذُلِّ لا تَتَفَتَّقُ
عَطَلَت وَكانَ مَكانُهُنَّ مِنَ العُلى
بَلقيسُ تَقبِسُ مِن حُلاهُ وَتَسرِقُ
وَعَلا عَلَيهُنَّ التُرابُ وَلَم يَكُن
يَزكو بِهِنَّ سِوى العَبيرُ وَيَلبَقُ
حُجُراتُها مَوطوءَةٌ وَسُتورُها
مَهتوكَةٌ بِيَدِ البِلى تَتَخَرَّقُ
أَودى بِزينَتِها الزَمانُ وَحَليِها
وَالحُسنُ باقٍ وَالشَبابُ الرَيِّقُ
لَو رُدَّ فِرعَونُ الغَداةَ لَراعَهُ
أَنَّ الغَرانيقَ العُلى لا تَنطِقُ
خَلَعَ الزَمانُ عَلى الوَرى أَيّامَهُ
فَإِذا الضُحى لَكَ حِصَّةٌ وَالرَونَقُ
لَكَ مِن مَواسِمِهِ وَمِن أَعيادِهِ
ما تَحسِرُ الأَبصارُ فيهِ وَتَبرَقُ
لا الفُرسُ أوتوا مِثلَهُ يَوماً وَلا
بَغدادُ في ظِلِّ الرَشيدِ وَجِلَّقُ
فَتحُ المَمالِكِ أَو قِيامُ العِجلِ أَو
يَومُ القُبورِ أَوِ الزَفافُ المونِقُ
كَم مَوكِبٍ تَتَخايَلُ الدُنيا بِهِ
يُجلى كَما تُجلى النُجومُ وَيُنسَقُ
فِرعَونُ فيهِ مِنَ الكَتائِبِ مُقبِلٌ
كَالسُحبِ قَرنُ الشَمسِ مِنها مُفتِقُ
تَعنو لِعِزَّتِهِ الوُجوهُ وَوَجهُهُ
لِلشَمسِ في الآفاقِ عانٍ مُطرِقُ
آبَت مِنَ السَفَرِ البَعيدِ جُنودُهُ
وَأَتَتهُ بِالفَتحِ السَعيدِ الفَيلَقُ
وَمَشى المُلوكُ مُصَفَّدينَ خُدودُهُم
نَعلٌ لِفِرعَونَ العَظيمِ وَنُمرُقُ
مَملوكَةٌ أَعناقُهُم لِيَمينِهِ
يَأبى فَيَضرِبُ أَو يَمُنُّ فَيُعتِقُ
وَنَجيبَةٍ بَينَ الطُفولَةِ وَالصِبا
عَذراءَ تَشرَبُها القُلوبُ وَتَعلَقُ
كانَ الزَفافُ إِلَيكَ غايَةَ حَظِّها
وَالحَظُّ إِن بَلَغَ النِهايَةَ موبِقُ
لافَيتَ أَعراساً وَلافَت مَأتَماً
كَالشَيخِ يَنعَمُ بِالفَتاةِ وَتُزهَقُ
في كُلِّ عامٍ دُرَّةٌ تُلقى بِلا
ثَمَنٍ إِلَيكَ وَحُرَّةٌ لا تُصدَقُ
حَولٌ تُسائِلُ فيهِ كُلُّ نَجيبَةٍ
سَبَقَت إِلَيكَ مَتى يَحولُ فَتَلحَقُ
وَالمَجدُ عِندَ الغانِياتِ رَغيبَةٌ
يُبغى كَما يُبغى الجَمالُ وَيُعشَقُ
إِن زَوَّجوكَ بِهِنَّ فَهيَ عَقيدَةٌ
وَمِنَ العَقائِدِ ما يَلَبُّ وَيَحمُقُ
ما أَجمَلَ الإيمانَ لَولا ضَلَّةٌ
في كُلِّ دينٍ بِالهِدايَةِ تُلصَقُ
زُفَّت إِلى مَلِكِ المُلوكِ يَحُثُّها
دينٌ وَيَدفَعُها هَوىً وَتَشَوُّقُ
وَلَرُبَّما حَسَدَت عَلَيكَ مَكانَها
تِربٌ تَمَسَّحُ بِالعَروسِ وَتُحدِقُ
مَجلُوَّةٌ في الفُلكِ يَحدو فُلكَها
بِالشاطِئَينِ مُزَغرِدٌ وَمُصَفِّقُ
في مِهرَجانٍ هَزَّتِ الدُنيا بِهِ
أَعطافَها وَاِختالَ فيهِ المَشرِقُ
فِرعَونُ تَحتَ لِوائِهِ وَبَناتُهُ
يَجري بِهِنَّ عَلى السَفينِ الزَورَقُ
حَتّى إِذا بَلَغَت مَواكِبُها المَدى
وَجَرى لِغايَتِهِ القَضاءُ الأَسبَقُ
وَكَسا سَماءَ المِهرَجانِ جَلالَةً
سَيفُ المَنِيَّةِ وَهوَ صَلتٌ يَبرُقُ
وَتَلَفَّتَت في اليَمِّ كُلُّ سَفينَةٍ
وَاِنثالَ بِالوادي الجُموعُ وَحَدَّقوا
أَلقَت إِلَيكَ بِنَفسِها وَنَفيسِها
وَأَتَتكَ شَيِّقَةً حَواها شَيِّقُ
خَلَعَت عَلَيكَ حَياءَها وَحَياتَها
أَأَعَزُّ مِن هَذَينِ شَيءٌ يُنفَقُ
وَإِذا تَناهى الحُبُّ وَاِتَّفَقَ الفِدى
فَالروحُ في بابِ الضَحِيَّةِ أَليَقُ
ما العالَمُ السُفلِيُّ إِلّا طينَةٌ
أَزَلِيَّةٌ فيهِ تُضيءُ وَتَغسِقُ
هِيَ فيهِ لِلخِصبِ العَميمِ خَميرَةٌ
يَندى بِما حَمَلَت إِلَيهِ وَيَبثُقُ
ما كانَ فيها لِلزِيادَةِ مَوضِعٌ
وَإِلى حِماها النَقصُ لا يَتَطَرَّقُ
مُنبَثَّةٌ في الأَرضِ تَنتَظِمُ الثَرى
وَتَنالُ مِمّا في السَماءِ وَتَعلَقُ
مِنها الحَياةُ لَنا وَمِنها ضِدُّها
أَبَداً نَعودُ لَها وَمِنها نُخلَقُ
وَالزَرعُ سُنبُلُهُ يَطيبُ وَحَبُّهُ
مِنها فَيَخرُجُ ذا وَهَذا يُفلَقُ
وَتَشُدُّ بَيتَ النَحلِ فَهوَ مُطَنَّبٌ
وَتَمُدُّ بَيتَ النَملِ فَهوَ مُرَوَّقُ
وَتَظَلُّ بَينَ قُوى الحَياةِ جَوائِلاً
لا تَستَقِرُّ دَوائِلاً لا تُمحَقُ
هِيَ كِلمَةُ اللَهِ القَديرِ وَروحُهُ
في الكائِناتِ وَسِرُّهُ المُستَغلِقُ
في النَجمِ وَالقَمَرَينِ مَظهَرُها إِذا
طَلَعَت عَلى الدُنيا وَساعَةَ تَخفُقُ
وَالذَرُّ وَالصَخَراتُ مِمّا كَوَّرَت
وَالفيلُ مِمّا صَوَّرَت وَالخِرنِقُ
فَتَنَت عُقولَ الأَوَّلينَ فَأَلَّهوا
مِن كُلِّ شَيءٍ ما يَروعُ وَيَخرُقُ
سَجَدوا لِمَخلوقٍ وَظَنّوا خالِقاً
مَن ذا يُمَيِّزُ في الظَلامِ وَيَفرُقُ
دانَت بِآبيسَ الرَعِيَّةُ كُلُّها
مَن يَستَغِلُّ الأرضَ أَو مَن يَعزُقُ
جاؤوا مِنَ المَرعى بِهِ يَمشي كَما
تَمشي وَتَلتَفِتُ المَهاةُ وَتَرشُقُ
داجٍ كَجُنحِ اللَيلِ زانَ جَبينُهُ
وَضَحٌ عَلَيهِ مِنَ الأَهِلَّةِ أَشرَقُ
العَسجَدُ الوَهّاجُ وَشيُ جَلالِهِ
وَالوَردُ مَوطِئُ خُفِّهِ وَالزَنبَقُ
وَمِنَ العَجائِبِ بَعدَ طولِ عِبادَةٍ
يُؤتى بِهِ حَوضَ الخُلودِ فَيُغرَقُ
يا لَيتَ شِعري هَل أَضاعوا العَهدَ أَم
حَذِروا مِنَ الدُنيا عَلَيهِ وَأَشفَقوا
قَومٌ وَقارُ الدينِ في أَخلاقِهِم
وَالشَعبُ ما يعتادُ أَو يَتَخَلَّقُ
يَدعونَ خَلفَ السِترِ آلِهَةً لَهُم
مَلَأوا النَدِيَّ جَلالَةً وَتَأَبَّقوا
وَاِستَحجَبوا الكُهّانَ هَذا مُبلِغٌ
ما يَهتِفونَ بِهِ وَذاكَ مُصَدِّقُ
لا يُسأَلونَ إِذا جَرَت أَلفاظُهُم
مِن أَينَ لِلحَجَرِ اللِسانُ الأَذلَقُ
أَو كَيفَ تَختَرِقُ الغُيوبَ بَهيمَةٌ
فيما يَنوبُ مِنَ الأُمورِ وَيَطرُقُ
وَإِذا هُمو حَجّوا القُبورَ حَسِبتَهُم
وَفدَ العَتيقِ بِهِم تَرامى الأَينُقُ
يَأتونَ طيبَةَ بِالهَدِيِّ أَمامَهُم
يَغشى المَدائِنَ وَالقُرى وَيُطَبِّقُ
فَالبَرُّ مَشدودُ الزَواحِلِ مُحدَجٌ
وَالبَحرُ مَمدودُ الشِراعِ مُوَسَّقُ
حَتّى إِذا أَلقَوا بِهَيكَلِها العَصا
وَفّوا النُذورَ وَقَرَّبوا وَاِصَّدَّقوا
وَجَرَت زَوارِقُ بِالحَجيجِ كَأَنَّها
رُقطٌ تَدافَعُ أَو سِهامٌ تَمرُقُ
مِن شاطِئٍ فيهِ الحَياةُ لِشاطِئٍ
هُوَ مُضجَعٌ لِلسابِقينَ وَمِرفَقُ
غَرَبوا غُروبَ الشَمسِ فيهِ وَاِستَوى
شاهٌ وَرُخٌّ في التُرابِ وَبَيدَقُ
حَيثُ القُبورُ عَلى الفَضاءِ كَأَنَّها
قِطَعُ السَحابِ أَوِ السَرابِ الدَيسَقُ
لِلحَقِّ فيهِ جَولَةٌ وَلَهُ سَناً
كَالصُبحِ مِن جَنَباتِها يَتَفَلَّقُ
نَزَلوا بِها فَمَشى المُلوكُ كَرامَةً
وَجَثا المُدِلُّ بِمالِهِ وَالمُملَقُ
ضاقَت بِهِم عَرَصاتُها فَكَأَنَّما
رَدَّت وَدائِعَها الفَلاةُ الفَيهَقُ
وَتَنادَمَ الأَحياءُ وَالمَوتى بِها
فَكَأَنَّهُم في الدَهرِ لَم يَتَفَرَّقوا
أَصلُ الحَضارَةِ في صَعيدِكَ ثابِتٌ
وَنَباتُها حَسَنٌ عَلَيكَ مُخَلَّقُ
وُلِدَت فَكُنتَ المَهدَ ثُمَّ تَرَعرَعَت
فَأَظَلَّها مِنكَ الحَفِيُّ المُشفِقُ
مَلَأَت دِيارَكَ حِكمَةً مَأثورُها
في الصَخرِ وَالبَردي الكَريمِ مُنَبَّقُ
وَبَنَت بُيوتَ العِلمِ باذِخَةَ الذُرى
يَسعى لَهُنَّ مُغَرِّبٌ وَمُشَرِّقُ
وَاِستَحدَثَت ديناً فَكانَ فَضائِلاً
وَبِناءِ أَخلاقٍ يَطولُ وَيَشهَقُ
مَهَدَ السَبيلَ لِكُلِّ دينٍ بَعدَهُ
كَالمِسكِ رَيّاهُ بِأُخرى تُفتَقُ
يَدعو إِلى بِرٍّ وَيَرفَعُ صالِحاً
وَيَعافُ ما هُوَ لِلمُروءَةِ مُخلِقُ
لِلناسِ مِن أَسرارِهِ ما عُلِّموا
وَلِشُعبَةِ الكَهَنوتِ ما هُوَ أَعمَقُ
فيهِ مَحَلٌّ لِلأَقانيمِ العُلى
وَلِجامِعِ التَوحيدِ فيهِ تَعَلُّقُ
تابوتُ موسى لا تَزالُ جَلالَةٌ
تَبدو عَلَيكَ لَهُ وَرَيّا تُنشَقُ
وَجَمالُ يوسُفَ لا يَزالُ لِواؤُهُ
حَولَيكَ في أُفُقِ الجَلالِ يُرَنَّقُ
وَدُموعُ إِخوَتِهِ رَسائِلُ تَوبَةٍ
مَسطورُهُنَّ بِشاطِئَيكَ مُنَمَّقُ
وَصَلاةُ مَريَمَ فَوقَ زَرعِكَ لَم يَزَل
يَزكو لِذِكراها النَباتَ وَيَسمُقُ
وَخُطى المَسيحِ عَلَيكَ روحاً طاهِراً
بَرَكاتُ رَبِّكَ وَالنَعيمُ الغَيدَقُ
وَوَدائِعُ الفاروقِ عِندَكَ دينَهُ
وَلِواؤُهُ وَبَيانُهُ وَالمَنطِقُ
بَعَثَ الصَحابَةَ يَحمِلونَ مِنَ الهُدى
وَالحَقُّ ما يُحيي العُقولَ وَيَفتُقُ
فَتحُ الفُتوحِ مِنَ المَلائِكِ رَزدَقٌ
فيهِ وَمِن أَصحابِ بَدرٍ رَزدَقُ
يَبنونَ لِلَّهِ الكِنانَةَ بِالقَنا
وَاللَهُ مِن حَولِ البِناءِ مُوَفِّقُ
أَحلاسُ خَيلٍ بَيدَ أَنَّ حُسامَهُم
في السِلمِ مِن حِذرِ الحَوادِثِ مُقلَقُ
تُطوى البِلادُ لَهُم وَيُنجِدُ جَيشُهُم
جَيشٌ مِنَ الأَخلاقِ غازٍ مورِقُ
في الحَقِّ سُلَّ وَفيهِ أُغمِدَ سَيفُهُم
سَيفُ الكَريمِ مِنَ الجَهالَةِ يَفرَقُ
وَالفَتحُ بَغيٌ لا يُهَوِّنُ وَقعَهُ
إِلّا العَفيفُ حُسامُهُ المُتَرَفِّقُ
ما كانَتِ الفُسطاطُ إِلّا حائِطاً
يَأوي الضَعيفُ لِرُكنِهِ وَالمُرهَقُ
وَبِهِ تَلوذُ الطَيرُ في طَلَبِ الكَرى
وَيَبيتُ قَيصَرُ وَهوَ مِنهُ مُؤَرَّقُ
عَمرٌو عَلى شَطبِ الحَصيرِ مُعَصَّبٌ
بِقِلادَةِ اللَهِ العَلِيِّ مُطَوَّقُ
يَدعو لَهُ الحاخامُ في صَلَواتِهِ
موسى وَيَسأَلُ فيهِ عيسى البَطرَقُ
يا نيلُ أَنتَ يَطيبُ ما نَعَتَ الهُدى
وَبِمَدحَةِ التَوراةِ أَحرى أَخلَقُ
وَإِلَيكَ يُهدي الحَمدَ خَلقٌ حازَهُم
كَنَفٌ عَلى مَرِّ الدُهورِ مُرَهَّقُ
كَنَفٌ كَمَعنٍ أَو كَساحَةِ حاتِمٍ
خَلقٌ يُوَدِّعُهُ وَخَلقٌ يَطرُقُ
وَعَلَيكَ تُجلى مِن مَصوناتِ النُهى
خودٌ عَرائِسُ خِدرُهُنَّ المُهرَقُ
الدُرُّ في لَبّاتِهِنَّ مُنَظَّمٌ
وَالطيبُ في حَبراتِهِنَّ مُرَقرَقُ
لي فيكَ مَدحٌ لَيسَ فيهِ تَكَلُّفٌ
أَملاهُ حُبٌّ لَيسَ فيهِ تَمَلُّقُ
مِمّا يُحَمِّلُنا الهَوى لَكَ أَفرُخٌ
سَنَطيرُ عَنها وَهيَ عِندَكَ تُرزَقُ
تَهفو إِلَيهِم في التُرابِ قُلوبُنا
وَتَكادُ فيهِ بِغَيرِ عِرقٍ تَخفُقُ
تُرجى لَهُم وَاللَهُ جَلَّ جَلالُهُ
مِنّا وَمِنكَ بِهِم أَبَرُّ وَأَرفَقُ
فَاِحفَظ وَدائِعَكَ الَّتي اِستودَعتَها
أَنتَ الوَفِيُّ إِذا اؤتُمِنتَ الأَصدَقُ
لِلأَرضِ يَومٌ وَالسَماءِ قِيامَةٌ
وَقِيامَةُ الوادي غَداةَ تُحَلِّقُ

العام اقبل قم نحي هلالا

العامُ أَقبَلَ قُم نُحَيِّ هِلالا
كَالتاجِ في هامِ الوُجودِ جَلالا
طُغرى كِتابِ الكائِناتِ لِقارِئٍ
يَزِنُ الكَلامَ وَيَقدُرُ الأَقوالا
مَلَكَ السَماءَ فَكانَ في كُرسِيِّهِ
بَينَ المَلائِكِ وَالمُلوكِ مِثالا
تَتَنافَسُ الآمالُ فيهِ كَأَنَّهُ
ثَغرُ العِنايَةِ ضاحَكَ الآمالا
وَالشَمسُ تُزلِفُ عيدَها وَتَزُفُّهُ
بُشرى بِمَطلَعِهِ السَعيدِ وَفالا
عيدُ المَسيحِ وَعيدُ أَحمَدَ أَقبَلا
يَتَبارَيانِ وَضاءَةً وَجَمالا
ميلادُ إِحسانٍ وَهِجرَةُ سُؤدَدٍ
قَد غَيَّرا وَجهَ البَسيطَةِ حالا
قُم لِلهِلالِ قِيامَ مُحتَفِلٍ بِهِ
أَثنى وَبالَغَ في الثَناءِ وَغالى
نورُ السَبيلِ هَدى لِكُلِّ فَضيلَةٍ
يَهدي الحَكيمُ لَها وَسَنَّ خِلالا
ما بَينَ مَولِدِهِ وَبَينَ بُلوغِهِ
مَلَأَ الحَياةَ مَآثِراً وَفِعالا
مُتَواضِعٌ وَاللَهُ شَرَّفَ قَدرَهُ
بِالشَمسِ نِدّاً وَالكَواكِبِ آلا
مُتَوَدِّدٌ عِندَ الكَمالِ تَخالُهُ
في راحَتَيكَ وَعَزَّ ذاكَ مَنالا
وافٍ لِجارَةِ بَيتِهِ يَرعى لَها
عَهدَ السَمَوأَلِ عُروَةٌ وَحِبالا
عَونُ السُراةِ عَلى تَصاريفِ النَوى
أَمِنوا عَلَيهِ وَحشَةً وَضَلالا
وَيُصانُ مِن سِرِّ الصَبابَةِ عِندَهُ
ما باتَ عِندَ الأَكثَرينَ مُذالا
وَيُشَكُّ فيهِ فَلا يُكَلِّفُ نَفسَهُ
غَيرَ التَرَفُّعِ وَالوَقارِ نِضالا
ساءَت ظُنونُ الناسِ حَتّى أَحدَثوا
لِلشَكِّ في النورِ المُبينِ مَجالا
وَالظَنُّ يَأخُذُ في ضَميرِكَ مَأخَذاً
حَتّى يُريكَ المُستَقيمَ مُحالا
وَمِنَ العَجائِبِ عِندَ قِمَّةِ مَجدِهِ
رامَ المَزيدَ فَجَدَّ فيهِ فَنالا
يَطوي إِلى الأَوجِ السَماواتِ العُلا
وَيَشُدُّ في طَلَبِ الكَمالِ رِحالا
وَيَفُلُّ مِن هوجِ الرِياحِ عَزائِماً
وَيَدُكُّ مِن مَوجِ البِحارِ جِبالا
وَيُضيءُ أَثناءَ الخَمائِلِ وَالرُبى
حَتّى تَرى أَسحارَها آصالا
وَيَجولُ في زُهرِ الرِياضِ كَأَنَّهُ
صَيبُ الرَبيعِ مَشى بِهِنَّ وَجالا
أُمَمَ الهِلالِ مَقالَةً مِن صادِقٍ
وَالصِدقُ أَليَقُ بِالرِجالِ مَقالا
مُتَلَطِّفٍ في النُصحِ غَيرِ مُجادِلٍ
وَالنُصحُ أَضيَعُ ما يَكونُ جِدالا
مِن عادَةِ الإِسلامِ يَرفَعُ عامِلاً
وَيُسَوِّدُ المِقدامَ وَالفَعّالا
ظَلَمَتهُ أَلسِنَةٌ تُؤاخِذُهُ بِكُم
وَظَلَمتُموهُ مُفَرِّطينَ كَسالى
هَذا هِلالُكُمُ تَكَفَّلَ بِالهُدى
هَل تَعلَمونَ مَعَ الهِلالِ ضَلالا
سَرَتِ الحَضارَةُ حُقبَةً في ضَوئِهِ
وَمَشى الزَمانُ بِنورِهِ مُختالا
وَبَنى لَهُ العَرَبُ الأَجاوِدُ دَولَةً
كَالشَمسِ عَرشاً وَالنُجومِ رِجالا
رَفَعوا لَهُ فَوقَ السِماكِ دَعائِماً
مِن عِلمِهِم وَمِنَ البَيانِ طِوالا
اللَهُ جَلَّ ثَناؤُهُ بِلِسانِهِم
خَلَقَ البَيانَ وَعَلَّمَ الأَمثالا
وَتَخَيَّرَ الأَخلاقَ أَحسَنَها لَهُم
وَمَكارِمُ الأَخلاقِ مِنهُ تَعالى
كَالرُسلِ عَزماً وَالمَلائِكِ رَحمَةً
وَالأُسدِ بَأساً وَالغُيوثِ نَوالا
عَدَلوا فَكانوا الغَيثَ وَقعاً كُلَّما
ذَهَبوا يَميناً في الوَرى وَشَمالا
وَالعَدلُ في الدُولاتِ أُسٌّ ثابِتٌ
يُفني الزَمانَ وَيُنفِدُ الأَجيالا
أَيّامَ كانَ الناسُ في جَهَلاتِهِم
مِثلَ البَهائِمِ أُرسِلَت إِرسالا
مِن جَهلِهِم بِالدينِ وَالدُنيا مَعاً
عَبَدوا الأَصَمَّ وَأَلَّهوا التِمثالا
ضَلّوا عُقولاً بَعدَ عِرفانِ الهُدى
وَالعَقلُ إِن هُوَ ضَلَّ كانَ عِقالا
حَتّى إِذا اِنقَسَموا تَقَوَّضَ مُلكُهُم
وَالمُلكُ إِن بَطُلَ التَعاوُنُ زالا
لَو أَنَّ أَبطالَ الحُروبِ تَفَرَّقوا
غَلَبَ الجَبانُ عَلى القَنا الأَبطالا

ما زلت اسكب دمع عيني باكيا

ما زلت أسكب دمع عيني باكيا
خالي وما خالي علىّ بعائد
حتى نظرت إلى الوجود بمقلة
ذهبت غشاوتها وطرف رائد
فرأيت دهرا ناصبا شرك الردى
والكل يدخل في شراك الصائد
يرمى بسهم طالما حاد الورى
عنه وما هو عنهم بالحائد
فهم البلى وبنو البلى خلقوا له
وتوارثوه بائدا عن بائد