نبذ الهوى وصحا من الأحلام

نَبَذَ الهَوى وَصَحا مِنَ الأَحلامِ
شَرقٌ تَنَبَّهَ بَعدَ طولِ مَنامِ
ثابَت سَلامَتُهُ وَأَقبَلَ صَحوُهُ
إِلا بَقايا فَترَةٍ وَسَقامِ
صاحَت بِهِ الآجامُ هُنتَ فَلَم يَنَم
أَعَلى الهَوانِ يُنامُ في الآجامِ
أُمَمٌ وَراءَ الكَهفِ جُهدُ حَياتِهِم
حَرَكاتُ عَيشٍ في سُكونِ حِمامِ
نَفَضوا العُيونَ مِنَ الكَرى وَاِستَأنَفوا
سَفَرَ الحَياةِ وَرِحلَةَ الأَيّامِ
مَن لَيسَ في رَكبِ الزَمانِ مُغَبِّراً
فَاِعدُدهُ بَينَ غَوابِرِ الأَقوامِ
في كُلِّ حاضِرَةٍ وَكُلِّ قَبيلَةٍ
هِمَمٌ ذَهَبنَ يَرُمنَ كُلَّ مَرامِ
مِن كُلِّ مُمتَنِعٍ عَلى أَرسانِهِ
أَو جامِحٍ يَعدو بِنِصفِ لِجامِ
يا مِصرُ أَنتِ كِنانَةُ اللَهِ الَّتي
لا تُستَباحُ وَلِلكِنانَةِ حامِ
اِستَقبِلي الآمالَ في غاياتِها
وَتَأَمَّلي الدُنيا بِطَرفٍ سامِ
وَخُذي طَريفَ المَجدِ بَعدَ تَليدِهِ
مِن راحَتَي مَلِكٍ أَغَرَّ هُمامِ
يُعنى بِسُؤدُدِ قَومِهِ وَحُقوقِهِم
وَيَذودُ حياضَهُم وَيُحامي
ما تاجُكِ العالي وَلا نُوّابُهُ
بِالحانِثينَ إِلَيكِ في الإِقسامِ
جَرَّبتِ نُعمى الحادِثاتِ وَبُؤسَها
أَعَلِمتِ حالاً آذَنَت بِدَوامِ
عَبَسَت إِلَينا الحادِثاتُ وَطالَما
نَزَلَت فَلَم تُغلَب عَلى الأَحلامِ
وَثَبَت بِقَومٍ يَضمِدونَ جِراحَهُم
وَيُرَقِّدونَ نَوازِيَ الآلامِ
الحَقُّ كُلُّ سِلاحِهِم وَكِفاحِهِم
وَالحَقُّ نِعمَ مُثَبِّتُ الأَقدامِ
يَبنونَ حائِطَ مُلكِهِم في هُدنَةٍ
وَعَلى عَواقِبِ شِحنَةٍ وَخِصامِ
قُل لِلحَوادِثِ أَقدِمي أَو أَحجِمي
إِنّا بَنو الإِقدامِ وَالإِحجامِ
نَحنُ النِيامُ إِذا اللَيالي سالَمَت
فَإِذا وَثَبنَ فَنَحنُ غَيرُ نِيامِ
فينا مِنَ الصَبرِ الجَميلِ بَقِيَّةٌ
لِحَوادِثٍ خَلفَ العُيوبِ جِسامِ
أَينَ الوُفودُ المُلتَقونَ عَلى القِرى
المُنزَلونَ مَنازِلَ الأَكرامِ
الوارِثونَ القُدسَ عَن أَحبارِهِ
وَالخالِفونَ أُمَيَّةً في الشامِ
الحامِلو الفُصحى وَنورِ بَيانِها
يَبنونَ فيهِ حَضارَةَ الإِسلامِ
وَيُؤَلِّفونَ الشَرقَ في بُرهانِها
لَمَّ الضِياءُ حَواشِيَ الإِظلامِ
تاقوا إِلى أَوطانِهِم فَتَحَمَّلوا
وَهَوى الدِيارِ وَراءَ كُلِّ غَرامِ
ما ضَرَّ لَو حَبَسوا الرَكائِبَ ساعَةً
وَثَنوا إِلى الفُسطاطِ فَضلَ زِمامِ
لِيُضيفَ شاهِدُهُم إِلى أَيّامِهِ
يَوماً أَغَرَّ مُلَمَّحَ الأَعلامِ
وَيَرى وَيَسمَعُ كَيفَ عادَ حَقيقَةً
ما كانَ مُمتَنِعاً عَلى الأَوهامِ
مِن هِمَّةِ المَحكومِ وَهوَ مُكَبَّلٌ
بِالقَيدِ لا مِن هِمَّةِ الحُكّامِ
مِصرُ اِلتَقَت في مِهرَجانِ مُحَمَّدٍ
وَتَجَمَّعَت لِتَحِيَّةٍ وَسَلامِ
هَزَّت مَناكِبَها لَهُ فَكَأَنَّهُ
عُرسُ البَيانِ وَمَوكِبُ الأَقلامِ
وَكَأَنَّهُ في الفَتحِ عَمّورِيَّةٌ
وَكَأَنَّني فيهِ أَبو تَمّامِ
أَسِمُ العُصورَ بِحُسنِهِ وأَنا الَّذي
يَروي فَيَنتَظِمُ العُصورَ كَلامي
شَرَفاً مُحَمَّدُ هَكَذا تُبنى العُلا
بِالصَبرِ آوِنَةً وَبِالإِقدامِ
هِمَمُ الرِجالِ إِذا مَضَتَ لَم يَثنِها
خِدَعُ الثَناءِ وَلا عَوادي الذامِ
وَتَمامُ فَضلِكَ أَن يَعيبَكَ حُسَّدٌ
يَجِدونَ نَقصاً عِندَ كُلِّ تَمامِ
المالُ في الدُنيا مَنازِلُ نُقلَةٍ
مِن أَينَ جِئتَ لَهُ بِدارِ مُقامِ
فَرَفَعتَ إيواناً كَرُكنِ النَجمِ لَم
يُضرَب عَلى كِسرى وَلا بَهرامِ
صَيَّرتَ طينَتَهُ الخُلودَ وَجِئتَ مِن
وادي المُلوكِ بِجَندَلٍ وَرَغامِ
هَذا البِناءُ العَبقَرِيُّ أَتى بِهِ
بَيتٌ لَهُ فَضلٌ وَحَقُّ ذِمامِ
كانَت بِهِ الأَرقامُ تُدرَكُ حِسبَةً
وَاليَومَ جاوَزَ حِسبَةَ الأَرقامِ
يا طالَما شَغَفَ الظُنونَ وَطالَما
كَثُرَ الرَجاءُ عَلَيهِ في الإِلمامِ
ما زِلتَ أَنتَ وَصاحِباكَ بِرُكنِهِ
حَتّى اِستَقامَ عَلى أَعَزِّ دِعامِ
أَسَّستُمو بِالحاسِدينَ جِدارَهُ
وَبَنَيتُمو بِمَعاوِلِ الهَدّامِ
شَرِكاتُكَ الدُنيا العَريضَةُ لَم تُنَل
إِلّا بِطولِ رِعايَةٍ وَقِيامِ
اللَهُ سَخَّرَ لِلكِنانَةِ خازِناً
أَخَذَ الأَمانَ لَها مِنَ الأَعوامِ
وَكَأَنَّ عَهدَكَ عَهدَ يوسُفَ كُلُّهُ
ظِلٌّ وَسُنبُلَةٌ وَقَطرُ غَمامِ
وَكَأَنَّ مالَ المودِعينَ وَزَرعَهُم
في راحَتَيكَ وَدائِعُ الأَيتامِ
ما زِلتَ تَبني رُكنَ كُلِّ عَظيمَةٍ
حَتّى أَتَيتَ بِرابِعِ الأَهرامِ

قبر الوزير تحية وسلاما

قَبرَ الوَزيرِ تَحِيَّةَ وَسَلاما
الحِلمُ وَالمَعروفُ فيكَ أَقاما
وَمَحاسِنُ الأَخلاقِ فيكَ تَغَيَّبَت
عاماً وَسَوفَ تُغَيَّبُ الأَعواما
قَد كُنتَ صَومَعَةً فَصِرتَ كَنيسَةً
في ظِلِّها صَلّى المُطيفُ وَصاما
وَالقَومُ حَولَكَ يا اِبنَ غالي خُشَّعٌ
يَقضونَ حَقّاً واجِباً وَذِماما
يَسعَونَ بِالأَبصارِ نَحوَ سَريرِهِ
كَالأَرضِ تَنشُدُ في السَماءِ غَماما
يَبكونَ مَوئِلَهُم وَكَهفَ رَجائِهِم
وَالأَريحِيَّ المُفضِلِ المِقداما
مُتَسابِقينَ إِلى ثَراكَ كَأَنَّهُم
ناديكَ في عِزِّ الحَياةِ زِحاما
وَدّوا غَداةَ نُقِلتَ بَينَ عُيونِهِم
لَو كانَ ذَلِكَ مَحشَراً وَقِياما
ماذا لَقيتَ مِنَ الرِياساتِ وَالعُلا
وَأَخَذتَ مِن نِعَمِ الحَياةِ جِساما
اليَومَ يُغني عَنكَ لَوعَةُ بائِسٍ
وَعَزاءُ أَرمَلَةٍ وَحُزنُ يَتامى
وَالرَأيُ لِلتاريخِ فيكَ فَفي غَدٍ
يَزِنُ الرِجالَ وَيَنطِقُ الأَحكاما
يَقضي عَلَيهِم في البَرِيَّةِ أَو لَهُم
وَيُديمُ حَمداً أَو يُؤَيِّدُ ذاما
أَنتَ الحَكيمُ فَلا تَرُعكَ مَنِيَّةٌ
أَعَلِمتَ حَيّاً غَيرَ رِفدِكَ داما
إِنَّ الَّذي خَلَقَ الحَياةَ وَضِدَّها
جَعَلَ البَقاءَ لِوَجهِهِ إِكراما
قَد عِشتَ تُحدِثُ لِلنَصارى أُلفَةً
وَتُجِدُّ بَينَ المُسلِمينَ وِئاما
وَاليَومَ فَوقَ مَشيدِ قَبرِكَ مَيتاً
وَجَدَ المُوَفَّقُ لِلمَقالِ مَقاما
الحَقُّ أَبلَجُ كَالصَباحِ لِناظِرٍ
لَو أَنَّ قَوماً حَكَّموا الأَحلاما
أَعَهِدتَنا وَالقِبطُ إِلّا أُمَّةٌ
لِلأَرضِ واحِدَةٌ تَرومُ مَراما
نُعلي تَعاليمَ المَسيحِ لِأَجلِهِم
وَيُوَقِّرونَ لِأَجلِنا الإِسلاما
الدينُ لِلدَيّانِ جَلَّ جَلالُهُ
لَو شاءَ رَبُّكَ وَحَّدَ الأَقواما
يا قَومُ بانَ الرُشدُ فَاِقصوا ما جَرى
وَخُذوا الحَقيقَةَ وَاِنبُذوا الأَوهاما
هَذي رُبوعُكُمُ وَتِلكَ رُبوعُنا
مُتَقابِلينَ نُعالِجُ الأَيّاما
هَذي قُبورُكُمُ وَتِلكَ قُبورُنا
مُتَجاوِرينَ جَماجِماً وَعِظاما
فَبِحُرمَةِ المَوتى وَواجِبِ حَقِّهِم
عيشوا كَما يَقضي الجِوارُ كِراما

هز اللواء بعزك الإسلام

هَزَّ اللِواءُ بِعِزِّكَ الإِسلامُ
وَعَنَت لِقائِمِ سَيفِكَ الأَيّامُ
وَاِنقادَتِ الدُنيا إِلَيكَ فَحَسبُها
عُذراً قِيادٌ أَسلَسَت وَزِمامُ
وَمَشى الزَمانُ إِلى سَريرِكَ تائِباً
خَجِلاً عَلَيهِ الذُلُّ وَالإِرغامِ
عَرشُ النَبِيِّ مُحَمَّدٍ جَنَباتُهُ
نورٌ وَرَفرَفُهُ الطَهورُ غَمامُ
لَمّا جَلَستَ سَما وَعَزَّ كَأَنَّما
هارونُ وَاِبناهُ عَلَيهِ قِيامُ
البَحرُ مَحشودُ البَوارِجِ دونَهُ
وَالبَرُّ تَحتَ ظِلالِهِ آجامُ
نَعَمَ الرَعِيَّةُ في ذَراكَ وَنَضَّرَت
أَيّامَهُم في ظِلِّكَ الأَحكامُ
في كُلِّ ناحِيَةٍ وَكُلِّ قَبيلَةٍ
عَدلٌ وَأَمنٌ مورِفٌ وَوِئامُ
حَمَلَ الصَليبُ إِلَيكَ مِن فِتيانِهِ
جُنداً وَقاتَلَ دونَكَ الحاخامُ
وَالدينُ لَيسَ بِرافِعٍ مُلكاً إِذا
لَم يَبدُ لِلدُنيا عَلَيهِ نِظامُ
بِاللَهِ قَد دانَ الجَميعُ وَشَأنُهُم
بِاللَهِ ثُمَّ بِعَرشِكَ اِستِعصامُ
يا اِبنَ الَّذينَ إِذا الحُروبُ تَتابَعَت
صَلَّوا عَلى حَدِّ السُيوفِ وَصاموا
المُظهِرينَ لِنورِ بَدرٍ بَعدَما
خيفَ المَحاقُ عَلَيهِ وَالإِظلامُ
عِشرونَ خاقاناً نَمَوكَ وَعَشرَةٌ
غُرُّ الفُتوحِ خَلائِفٌ أَعلامُ
نَسَبٌ إِذا ذُكِرَ المُلوكُ فَإِنَّهُ
لِرَفيعِ أَنسابِ المُلوكِ سَنامُ
لا تَحفَلَنَّ مِنَ الجِراحِ بَقِيَّةً
إِنَّ البَقِيَّةَ في غَدٍ تَلتامُ
جَرَتِ النُحوسُ لِغايَةٍ فَتَبَدَّلَت
وَلِكُلِّ شَيءٍ غايَةٌ وَتَمامُ
تَعِبَت بِأُمَّتِكَ الخُطوبُ فَأَقصَرَت
وَالدَهرُ يُقصِرُ وَالخُطوبُ تَنامُ
لَبِثَت تَنوشُهُمُ الحَوادِثُ حِقبَةً
وَتَصُدُّها الأَخلاقُ وَالأَحلامُ
وَلَقَد يُداسُ الذِئبُ في فَلَواتِهِ
وَيُهابُ بَينَ قُيودِهِ الضِرغامُ
زِدهُم أَميرَ المُؤمِنينَ مِنَ القُوى
إِنَّ القُوى عِزٌّ لَهُم وَقَوامُ
المُلكُ وَالدُوَلاتُ ما يَبني القَنا
وَالعِلمُ لا ما تَرفَعُ الأَحلامُ
وَالحَقُّ لَيسَ وَإِن عَلا بِمُؤَيَّدٍ
حَتّى يُحَوِّطَ جانِبَيهِ حُسامُ
خَطَّ النَبِيُّ بِراحَتَيهِ خَندَقاً
وَمَشى يُحيطُ بِهِ قَناً وَسِهامُ
يا بَربَروسُ عَلى ثَراكَ تَحِيَّةٌ
وَعَلى سَمِيِّكَ في البِحارِ سَلامُ
أَعَلِمتَ ما أَهدى إِلَيكَ عِصابَةٌ
غُرُّ المَآثِرِ مِن بَنيكَ كِرامُ
نَشَروا حَديثَكَ في البَرِيَّةِ بَعدَ ما
هَمَّت بِطَيِّ حَديثِكَ الأَيّامُ
خَصّوكَ مِن أُسطولِهِم بِدَعامَةٍ
يُبنى عَلَيها رُكنُهُ وَيُقامُ
شَمّاءُ في عَرضِ الخِضَمِّ كَأَنَّها
بُرجٌ بِذاتِ الرَجعِ لَيسَ يُرامُ
كانَت كَبَعضِ البارِجاتِ فَحَفَّها
لَمّا تَحَلَّت بِاِسمِكَ الإِعظامُ
ما ماتَ مِن نُبُلِ الرِجالِ وَفَضلِهِم
يَحيا لَدى التاريخِ وَهوَ عِظامُ
يَمضي وَيُنسى العالَمونَ وَإِنَّما
تَبقى السُيوفُ وَتَخلُدُ الأَقلامُ
وَتَلاكَ طُرغودُ كَما قَد كُنتُما
جَنباً لِجَنبٍ وَالعُبابُ ضِرامُ
أَرسى عَلى بابِ الإِمامِ كَأَنَّهُ
لِلفُلكِ مِن فَرطِ الجَلالِ إِمامُ
جَمَعَتكُما الأَيّامُ بَعدَ تَفَرُّقٍ
ما لِلِقاءِ وَلِلفُراقِ دَوامُ
سَيَشُدُّ أَزرَكَ وَالشَدائِدُ جُمَّةٌ
وَيُعِزُّ نَصرَكَ وَالخُطوبُ جِسامُ
ما السُفنُ في عَدَدِ الحَصى بِنَوافِعٍ
حَتّى يَهُزَّ لِواءَها مِقدامُ
لَمّا لَمَحتُكُما سَكَبتُ مَدامِعي
فَرَحاً وَطالَ تَشَوُّفٌ وَقِيامُ
وَسَأَلتُ هَل مِن لُؤلُؤٍ أَو طارِقٍ
في البَحرِ تَخفُقُ فَوقَهُ الأَعلامُ
يا مَعشَرَ الإِسلامِ في أُسطولِكُم
عِزٌّ لَكُم وَوِقايَةٌ وَسَلامُ
جودوا عَلَيهِ بِمالِكُم وَاِقضوا لَهُ
ما توجِبُ الأَعلاقُ وَالأَرحامُ
لا الهِندُ قَد كَرُمَت وَلا مِصرٌ سَخَت
وَالغَربُ قَصَّرَ عَن نَدىً وَالشامُ
سَيلُ المَمالِكِ جارِفٌ مِن شِدَّةٍ
وَقُوىً وَأَنتُم في الطَريقِ نِيامُ
حُبُّ السِيادَةِ في شَمائِلِ دينِكُم
وَالجِدُّ روحٌ مِنهُ وَالإِقدامُ
وَالعِلمُ مِن آياتِهِ الكُبرى إِذا
رَجَعَت إِلى آياتِهِ الأَقوامُ
لَو تُقرِؤونَ صِغارَكُم تاريخَهُ
عَرَفَ البَنونُ المَجدَ كَيفَ يُرامُ
كَم واثِقٍ بِالنَفسِ نَهّاضٍ بِها
سادَ البَرِيَّةَ فيهِ وَهوَ عِصامُ

بعثوا الخلافة سيرة في النادى

بعثوا الخلافة سيرة في النادى
أين المبايع بالإمام ينادي
من بات يلتمس الخلافة في الكرى
لم يلق غير خلافة الصياد
ون ابتغاها صاحبا فمحلها
بين القواضب والقنا المياد
أو في جناحيَ عبقري مارد
يفرى السماء بِجنةٍ مراد
اليوم لا سمر الرماح بعدّة
تغنى ولا بيض الظبا بعتاد
هيهات عز سبيلها وتقطعت
دون المراد وسائل المرتاد
حلت على ذهب المعز طلاسم
ومشت على سيف المعز عوادى
أين الكرامة والوقار لجثة
نبشوا عليها القبر بعد فساد
والميت أقرب سلوة من غائبٍ
يرجى فلا يزداد غير بِعاد
قل فيم يأتمر الرجال وما الذي
يبغون من دول لحقن بعاد
مالم يِبد منها على يد أهله
أخنى عليه تطاول الآباد
لم تستقم للقوم خلف عمادهم
هل تستقيم وهم بغير عماد
غلبوا عليها الراشدين وضرجوا
أم الكتاب بجبهة السَّجاد
وبنوا على الدنيا بِجلَّق ركنها
وعلى عتو الملك في بغداد
جعلوا الهوى سلطانها ودعوا لها
من لا يسد به مكان الهادى
وأنا الذب مرّضتها في دائها
وجمعت فيه عواطف العُواد
غنيتها لحنا تغلغل في البكا
يا رب باك في ظواهر شادى
ونصرتها نصر المجاهد في ذَرا
عبدالحميد وفي جناح رشاد
ودفنتها ودفنت خير قصائدي
معها وطال بقبرها إنشادي
حتى أتُّهمت فقيل تركىّ الهوى
صدقوا هوى الأبطال ملء فؤادي
وأخي القري وإن شقيت بظلمه
أدنى إلىّ من الغريب العادي
والله يعلم ما انفردت وإنما
صوّرت شعري من شعور الوادى
كنا نعظم للهلال بقية
في الأرض من ثُكَن ومن أجناد
ونسنّ رضوان الخليفة خطة
ولكل جيل خطة ومبادى
وجه القضية غيرته حوادث
أعطت بأيد غير ذات أيادي
من سيد بالأمس ننكر قوله
صرنا لفعّال من الأسياد
إني هتفت بكل يوم بسالة
للترك لم يؤثر من الآساد
فهززت نشئاً لا يحرك للعلا
إلا بذكر وقائع الأنجاد
عصف المعلم في الصبا بذكائهم
وأصار نار شبابهم لرماد
ولو أن يوم التل يوم صالح
لحماسة لجعلته إليادى
في يوم ملّونا ويوم سقاريا
ما ليس في الأذكار والأوراد
إن العلاقة بيننا قد وثقت
فكأن عروتها من الميلاد
جرح الليلالي في ذمام الشرق في
حبل العقيدة في ولاء الضاد
لولا الأمور لسار سنته القِرى
وجرى فجاوز غاية الأرفاد
ما في بلاد أنتم نزلاؤها
إلا قضية أمة وبلاد
أتحاولون بلا جهاد خطة
لم يستطعها الترك بعد جهاد
نفضوا القنا المنصور من تبعاتها
والظافرات الحمر في الأغماد
كانت هي الداء الدخيل فأدبرت
فتماثلوا من كل داء بادى
نزعوا من الأعناق نير جبابر
جعلوا الخلافة دولة استعباد
من كل فضفاض الغرور ببرده
نمرود أو فرعون ذو الأوتاد
تَروى بطانته ويشبع بطنه
والملك غرثان الرعية صادى
مضت الخلافة والإمام فهل مضى
ما كان بين الله والعبّاد
والله ما نسى الشهادة حاضر
في المسلمين ولا تردّد بادى
خرجوا إلى الصلوات كل جماعة
تدعو لصاحبها على الأعواد
والصوم باقٍ والصلاة مقيمة
والحج ينشط في عِناق الحادى
والفطر والأضحى كعادتيهما
يتردّيان بشاشة الأعياد
إن الحضارة في اطراد جديدها
خصم القديم وحرب كل تِلاد
لا تحفظ الأشياء غير ذخائر
للعبقرية غير ذات نفاد
هي حسن كل زمان قوم رائح
وجمال كل زمان قوم غادى
تمشى شالقرون بنور كل مكرر
منها كمصباح السماء معاد
كم من محاسن لا يرثّ عتيقها
في الهجرة اجتمعت وفي الميلاد
أخذت أحاسنها الحضارة واقتنت
روح البيان وكل قول سداد
لم تحرم البؤس العزاء ولا الأولى
ضلوا الرجاء من الشعاع الهادى
القيد أفسح من عقول عصابة
زعموا فكاك العقل في الإلحاد
فاشفوا الممالك من قضاة صُيَّد
قعدوا لصيد ولاية أو زاد
وتداركوها من عمائم صادفت
مرعى من الأوقاف والأرصاد
وخذوا سبيل المصلحين وأقبِلوا
روح الزمان هوامد الأجساد
ردّوا إلى الإيمان أجمح عِلية
وإلى مراشده أضل سواد
أمم كملموم القطيع ترى لهم
شمل الجميع وفرقة الآحاد
يُدعَون أبناء الزمان وإنما
جَمدوا وليس أبو همو بجماد

إن تسألي عن مصر حواء القرى

إِن تَسأَلي عَن مِصرَ حَوّاءِ القُرى
وَقَرارَةِ التاريخِ وَالآثارِ
فَالصُبحُ في مَنفٍ وَثيبَة واضِحٌ
مَن ذا يُلاقي الصُبحَ بِالإِنكارِ
بِالهَيلِ مِن مَنفٍ وَمِن أَرباضِها
مَجدوعُ أَنفٍ في الرِمالِ كُفاري
خَلَتِ الدُهورُ وَما اِلتَقَت أَجفانُهُ
وَأَتَت عَلَيهِ كَلَيلَةٍ وَنَهارِ
ما فَلَّ ساعِدَهُ الزَمانُ وَلَم يَنَل
مِنهُ اِختِلافُ جَوارِفٍ وَذَوارِ
كَالدَهرِ لَو مَلَكَ القِيامَ لِفَتكَةٍ
أَو كانَ غَيرَ مُقَلَّمِ الأَظفارِ
وَثَلاثَةٍ شَبَّ الزَمانُ حِيالَها
شُمٍّ عَلى مَرِّ الزَمانِ كِبارِ
قامَت عَلى النيلِ العَهيدِ عَهيدَةً
تَكسوهُ ثَوبَ الفَخرِ وَهيَ عَوارِ
مِن كُلِّ مَركوزٍ كَرَضوى في الثَرى
مُتَطاوِلٍ في الجَوِّ كَالإِعصارِ
الجِنُّ في جَنَباتِها مَطروقَةٌ
بِبَدائِعِ البَنّاءِ وَالحَفّارِ
وَالأَرضُ أَضَيعُ حيلَةً في نَزعِها
مِن حيلَةِ المَصلوبِ في المِسمارِ
تِلكَ القُبورُ أَضَنَّ مِن غَيبٍ بِما
أَخفَت مِنَ الأَعلاقِ وَالأَذخارِ
نامَ المُلوكُ بِها الدُهورَ طَويلَةً
يَجِدونَ أَروَحَ ضَجعَةٍ وَقَرارِ
كُلٌّ كَأَهلِ الكَهفِ فَوقَ سَريرِهِ
وَالدَهرُ دونَ سَريرِهِ بِهِجارِ
أَملاكُ مِصرَ القاهِرونَ عَلى الوَرى
المُنزَلونَ مَنازِلَ الأَقمارِ
هَتَكَ الزَمانُ حِجابَهُم وَأَزالَهُم
بَعدَ الصِيانِ إِزالَةَ الأَسرارِ
هَيهاتَ لَم يَلمِس جَلالَهُمو البِلى
إِلّا بِأَيدٍ في الرَغامِ قِصارِ
كانوا وَطَرفُ الدَهرِ لا يَسمو لَهُم
ما بالُهُم عُرِضوا عَلى النُظّارِ
لَو أَمهَلوا حَتّى النُشورِ بِدَورِهِم
قاموا لِخالِقِهِم بِغَيرِ غُبارِ

إن الذي رزق المماليك الغنى

إن الذي رزق المماليك الغنى
وحباهم ملك البلاد كبيرا
لم يعطهم من نعمة الأولاد ما
أعطى الخلائق مثريا وفقيرا
لولا التبني ما عرفنا لذة
للعيش يحسبه الحسود نضيرا
أولى البيوت بغابط أو حاسد
بيت يضم صغيرة وصغيرا

وسقيمة الأجفان لا من علة

وسقيمة الأجفان لا من علة
تحيى العميد بنظرة وتميته
وصلت كَتربَيها الحديث بضاحك
ضاح كمؤتلف الجمان شتيته
قالت تغرب الرجال فقل في
ضيم أريد بجانبي فأَبَيته
قالت نفيتَ فقلت ذلك منزل
ورَدَته كل يتيمة ووردته
قالت رماك الدهر قلت فلم أكن
نِكسا ولكن بالأناة رميته
قالت ركبتَ البحر وهو شدائد
قلت الشدائد مركب عُوِّدته
قالت أخفت الموت قلت أمفلت
أنا من حبائله إذا ما خفته
لو نلتُ أسباب السماء لحطني
أجل يحل لحينه موقوته
قالت لقد شَمَت الحسود فقلت لو
دام الزمان لشامت لحفلته
قالت كأني بالهجاء قلائدا
سارت فقلت هممت ثم تركته
أخذت به نفسي فقلت لها دعى
ما شاءت الأخلاق لا ماشئته
من راح قال الهُجر أو نطق الخنا
هذا بياني عنهما نزهته
الله علمِنيه سمحا طاهرا
نزه الخلال وهكذا علمته

قل للزمان يصب من أحداثه

قل للزمان يصبّ من أحداثه
أو لا يصب فما بنا إشفاق
غمرت مصائبه فأُغرقنا بها
والغمر فيه تستوى الأعماق