ما زلت أنزل بالحدائق والربى

ما زلت أنزل بالحدائق والربى
حتى نزلت حديقة الإنشاء
فسلوت بالفردوس كل أنيقة
أُنُف وكلَّ مجوده غناء
العلم في ظل البيان حَيالها
مثل الأزاهر في ظلال الماء
بوركتما من صاحبين تعاونا
إن التعاون أس كل بناء
لولا التعاون في الحضارة لم تطر
بِعِنان ارض أو جَناح سماء
ما أنتما للنشء إلا صورة
من ألفة وتعاون وإخاء
وخلائق الكتاب يظهر حسنها
ولربما انتقلت إلى القرّاء

صرح على الوادي المبارك ضاحي

صَرحٌ عَلى الوادي المُبارَكِ ضاحي
مُتَظاهِرُ الأَعلامِ وَالأَوضاحِ
ضافي الجَلالَةِ كَالعَتيقِ مُفضَلٌ
ساحاتِ فَضلٍ في رِحابِ سَماحِ
وَكَأَنَّ رَفرَفَهُ رِواقٌ مِن ضُحىً
وَكَأَنَّ حائِطَهُ عَمودُ صَباحِ
الحَقُّ خَلفَ جَناحٍ اِستَذرى بِهِ
وَمَراشِدُ السُلطانِ خَلفَ جَناحِ
هُوَ هَيكَلُ الحُرِيَّةِ القاني لَهُ
ما لِلهَياكِلِ مِن فِدىً وَأَضاحِ
يَبني كَما تُبنى الخَنادِقُ في الوَغى
تَحتَ النِبالِ وَصَوبِها السَحّاحِ
يَنهارُ الاِستِبدادُ حَولَ عِراصِهِ
مِثلَ اِنهِيارِ الشِركِ حَولَ صَلاحِ
وَيُكَبُّ طاغوتُ الأُمورِ لِوَجهِهِ
مُتَحَطِّمَ الأَصنامِ وَالأَشباحِ
هُوَ ما بَنى الأَعزالُ بِالراحاتِ أَو
هُوَ ما بَنى الشُهَداءُ بِالأَرواحِ
أَخَذَتهُ مِصرُ بكُلِّ يَومٍ قاتِمٍ
وَردِ الكَواكِبِ أَحمَرِ الإِصباحِ
هَبَّت سِماحاً بِالحَياةِ شَبابُها
وَالشَيبُ بِالأَرماقِ غَيرُ شِحاحِ
وَمَشَت إِلى الخَيلِ الدَوارِعِ وَاِنبَرَت
لِلظافِرِ الشاكي بِغَيرِ سِلاحِ
وَقَفاتُ حَقٍّ لَم تَقِفها أُمَّةٌ
إِلّا اِنثَنَت آمالُها بِنَجاحِ
وَإِذا الشُعوبُ بَنَوا حَقيقَةَ مُلكِهِم
جَعَلوا المَآتِمَ حائِطَ الأَفراحِ
بُشرى إِلى الوادي تَهُزُّ نَباتَهُ
هَزَّ الرَبيعِ مَناكِبَ الأَدواحِ
تَسري مُلَمَّحَةَ الحُجولِ عَلى الرُبى
وَتَسيلُ غُرَّتُها بِكُلِّ بِطاحِ
اِلتامَتِ الأَحزابُ بَعدَ تَصَدُّعٍ
وَتَصافَتِ الأَقلامُ بَعدَ تَلاحي
سُحِبَت عَلى الأَحقادِ أَذيالُ الهَوى
وَمَشى عَلى الضِغنِ الوِدادُ الماحي
وَجَرَت أَحاديثُ العِتابِ كَأَنَّها
سَمَرٌ عَلى الأَوتارِ وَالأَقداحِ
تَرمي بِطَرفِكَ في المَجامِعِ لا تَرى
غَيرَ التَعانُقِ وَاِشتِباكِ الراحِ
شَمسَ النَهارِ تَعَلَّمي الميزانَ مِن
سَعدِ الدِيارِ وَشَيخِها النَضّاحِ
ميلي اِنظُريهِ في النَدِيِّ كَأَنَّهُ
عُثمانُ عَن أُمِّ الكِتابِ يُلاحي
كَم تاجِ تَضحِيَةٍ وَتاجِ كَرامَةٍ
لِلعَينِ حَولَ جَبينِهِ اللَمّاحِ
وَالشَيبُ مُنبَثِقٌ كَنورِ الحَقِّ مِن
فَودَيهِ أَو فَجرِ الهُدى المِنصاحِ
لَبّى أَذانَ الصُلحِ أَوَّلَ قائِمٍ
وَالصُلحُ خُمسُ قَواعِدُ الإِصلاحِ
سَبَقَ الرِجالَ مُصافِحاً وَمُعانِقاً
يُمنى السَماحِ وَهَيكَلَ الإِسحاجِ
عَدلى الجَليلِ اِبنِ الجَليلِ مِنَ المَلا
وَالماجِدِ اِبنِ الماجِدِ المِسماحِ
حُلوُ السَجِيَّةِ في قَناةٍ مُرَّةٍ
ثَمِلُ الشَمائِلِ في وَقارٍ صاحِ
شَتّى فَضائِلَ في الرِجالِ كَأَنَّها
شَتّى سِلاحٍ مِن قَنا وَصِفاحِ
فَإِذا هِيَ اِجتَمَعَت لِمُلكِ جَبهَةً
كانَت حُصونَ مَناعَةٍ وَنِطاحِ
اللَهُ أَلَّفَ لِلبِلادِ صُدورَها
مِن كُلِّ داهِيَةٍ وَكُلِّ صُراحِ
وَزُراءُ مَملَكَةٍ وَدَعائِمُ دَولَةٍ
أَعلامُ مُؤتَمَرٍ أُسودُ صَباحِ
يَبنونَ بِالدُستورِ حائِطَ مُلكِهِم
لا بِالصِفاحِ وَلا عَلى الأَرماحِ
وَجَواهِرُ التيجانِ ما لَم تُتَّخَذ
مِن مَعدِنِ الدُستورِ غَيرُ صِحاحِ
اِحتَلَّ حِصنَ الحَقِّ غَيرُ جُنودِهِ
وَتَكالَبَت أَيدٍ عَلى المِفتاحِ
ضَجَّت عَلى أَبطالِها ثُكُناتُهُ
وَاِستَوحَشَت لِكُماتِها النُزّاحِ
هُجِرَت أَرائِكُهُ وَعُطِّلَ عودُهُ
وَشَلا مِنَ الغادينَ وَالروّاحِ
وَعَلاهُ نَسجُ العَنكَبوتِ فَزادَهُ
كَالغارِ مِن شَرَفٍ وَسِمتِ صَلاحِ
قُل لِلبَنينِ مَقالَ صِدقٍ وَاِقتَصِد
ذَرعُ الشَبابِ يَضيقُ بِالنُصّاحِ
أَنتُم بَنو اليَومَ العَصيبِ نَشَأتُمو
في قَصفِ أَنواءٍ وَعَصفِ رِياحِ
وَرَأَيتُمو الوَطَنَ المُؤَلَّفَ صَخرَةً
في الحادِثاتِ وَسَيلِها المُجتاحِ
وَشَهِدتُمو صَدعَ الصُفوفِ وَما جَنى
مِن أَمرِ مُفتاتٍ وَنَهيِ وَقاحِ
صَوتُ الشُعوبِ مِنَ الزَئيرِ مُجَمَّعاً
فَإِذا تَفَرَّقَ كانَ بَعضَ نُباحِ
أَظمَتكُموُ الأَيّامُ ثُمَّ سَقَتكُمو
رَنَقاً مِنَ الإِحسانِ غَيرَ قَراحِ
وَإِذا مُنِحتَ الخَيرَ مِن مُتَكَلِّفٍ
ظَهَرَت عَلَيهِ سَجِيَّةُ المَنّاحِ
تَرَكتُكُمو مِثلَ المَهيضِ جَناحُهُ
لا في الحِبالِ وَلا طَليقَ سَراحِ
مَن صَيَّرَ الأَغلالَ زَهرَ قَلائِدٍ
وَكَسا القُيودَ مَحاسِنَ الأَوضاحِ
إِنَّ الَّتي تَبغونَ دونَ مَنالِها
طولُ اِجتِهادٍ وَاِضطِرادُ كِفاحِ
سيروا إِلَيها بِالأَناةِ طَويلَةً
إِنَّ الأَناةَ سَبيلُ كُلِّ فَلاحِ
وَخُذوا بِناءَ المُلكِ عَن دُستورِكُم
إِنَّ الشِراعَ مُثَقِّفُ المَلّاحِ
يا دارَ مَحمودٍ سَلِمتِ وَبورِكَت
أَركانُكِ الهرَمِيَّةُ الصُفّاحِ
وَاِزدَدتِ مِن حُسنِ الثَناءِ وَطيبِهِ
حَجَراً هُوَ الدُرِيُّ في الأَمداحِ
الأُمَّةُ اِنتَقَلَت إِلَيكِ كَأَنَّما
أَنزَلتِها مِن بَيتِها بِجَناحِ
بَرَكاتُ شَيخٍ بِالصَعيدِ مُحَمَّلٌ
عِبءَ السِنينَ مُؤَمَّلٍ نَفّاحِ
بِالأَمسِ جادَ عَلى القَضِيَّةِ بِاِبنِهِ
وَاليَومَ آواها بِأَكرَمَ ساحِ

قد ود نوح أن يباسط قومه

قَد وَدَّ نوحٌ أَن يُباسِطَ قَومَهُ
فَدَعا إِلَيهِ مَعاشِرَ الحَيوانِ
وَأَشارَ أَن يَلِيَ السَفينَةَ قائِدٌ
مِنهُم يَكونُ مِنَ النُهى بِمَكانِ
فَتَقَدَّمَ اللَيثُ الرَفيعُ جَلالُهُ
وَتَعَرَّضَ الفيلُ الفَخيمُ الشانِ
وَتَلاهُما باقي السِباعِ وَكُلهُم
خَرّوا لِهَيبَتِهِ إِلى الأَذقانِ
حَتّى إِذا حَيّوا المُؤَيَّدَ بِالهُدى
وَدَعَوا بِطولِ العِزِّ وَالإِمكانِ
سَبَقَتهُمُ لِخِطابِ نوحٍ نَملَةٌ
كانَت هُناكَ بِجانِبِ الأَردانِ
قالَت نَبِيَّ اللَهِ أَرضى فارِسٌ
وَأَنا يَقيناً فارِسُ المَيدانِ
سَأُديرُ دِفَّتَها وَأَحمي أَهلَها
وَأَقودُها في عِصمَةٍ وَأَمانِ
ضَحِكَ النَبِيُّ وَقالَ إِنَّ سَفينَتي
لَهِيَ الحَياةُ وَأَنتِ كَالإِنسانِ
كُلُّ الفَضائِلِ وَالعَظائِمِ عِندَهُ
هُوَ أَوَّلٌ وَالغَيرُ فيها الثاني
وَيَوَدُّ لَو ساسَ الزَمانَ وَمالَهُ
بِأَقَل أَشغالِ الزَمانِ يَدانِ

أكذا تقر البيض في الأغماد

أكذا تقر البيض في الأغماد
أكذا تحين مصارع الآساد
خطوا المضاجع في التراب لفارس
جنباه مضطجع من الأطواد
مالت بقسطاس الحقوق نوازل
ومشت على ركن القضاء عواد
ورمى فحط البدر عن عليائه
رام يصيب الشمس في الآراد
قل للمنية نلت ركن حكومة
وهدمت حائط أمة وبلاد
ووقفت بين الحاسدين وبينه
يا راحة المحسود والحساد
كل له يوم وأنت بمرصد
لتصيّد الأحباب والأضداد
ما كل يوم تظفرين بمثله
إن النجوم عزيزة الميلاد
يا ساكن الصحراء منفردا بها
كالنجم أو كالسيل أو كالصاد
كم عن يمينك أو يسارك لو ترى
من فيلق متتابع الأمداد
ألقى السلاح ونام عن راياته
متبدد الأمراء والأجناد
ومصفدٍ ما داينوه وطالما
دان الرجال فبتن في الأصفاد
ومطيع أحكام المنون وطالما
سبقت لطاعته يد الجلاد
ومعانق الأكفان في جوف الثرى
بعد الطراز الفخم في الأعياد
مرت عليك الأربعون صبيحة
مر القرون على ثمود وعاد
في منزل ضربت عليه يد البلى
بحوالك الظلمات والأسداد
يا أحمد القانونُ بعدك غامض
قلِق البنود مجلل بسواد
والأمر اعوج والشئون سقيمة
مختلة الإصدار والإيراد
والأمر مختلط الفصيح بضده
تبكى جواهره على النقاد
وأتت على الأقلام بعدك فترة
قُطمت وكانت مدمنات مداد
عجبي لنفسك لم تدع لك هيكلا
إن النفوس لآفة الأجساد
ولرأسك العالى تناثر لبه
ونزا وصار نسيجه لفساد
لو كان ماسا ذاب أو ياقوتة
لتحرقت بذكائك الوقاد
حمَّلتَه في ليله ونهاره
همّ الفؤاد وهمة الإرشاد
فقتلته ورزحت مقتولا به
رب اجتهاد قاتل كجهاد
جد الطيب فكان غاية جده
تقليب كفيه إلى العواد
والمةت حق في البرية قاهر
عجبي لحق قام باستبداد
لا جدّ إلا الموت والإنسان في
لعب الحياة ولهوها متماد
وَّليت في إثر الشباب ومن يعش
بعد الشباب يعش بغير عماد
من ذم من ورد الشبيبة شوكه
حمل المشيب إليه شوك قتاد
حرص الرجال على حياة بعدها
حرض الشحيح على فضول الزاد
يابن القرى ناتل بمولدك القرى
ما لم تنله حواضر وبواد
غذتك بعد حَسَن المغبِة سائغٍ
وسقتك من جارى المياه بُراد
وتعاهدتك أشعة في شمها
ينفذن عافيةً إلى الأبراد
ونشأت بين الطاهرين سرائرا
والطاهرات الصالحات العاد
رضوات عيش في صلاح عشيرة
في طهر سقف في عفاف وساد
فُجعت بخير بُناتها ومضت به
ريح المنية قبل حين حصاد
أمسى ذووك طويلة حسراتهم
وأخوك ينشد أوثق الأعضاد
في ذمة الشبان ما استودعتهم
من خاطر وقريحة وفؤاد
ووسائل لك لا تُمل كأنها
كتب الصبابة أو حديث وداد
وخطابة في كل ناد حافل
ينصبّ آذانا إليها النادى
ومعربات كالمنار وإنها
لزيادة في رأس مال الضاد
وإذا المعرب نال أسرار اللُّغى
روَّى عبادا من إناء عباد
العلم عندك والبيان مواهب
حليتها بشمائل الأمجاد
ومن المهانة للنبوغ وأهله
شبه النبوغ تراه في الأوغاد
فتحى رئيتك للبلاد وأهلها
ولرائح فوق التراب وغاد
وسبقت فيك القائلين لمنبر
عال عليهم خالد الأعواد
ما زلت تسمع منه كل بديهة
حتى سمعت يتيمة الإنشاد
وحياة مثلك للرجال نموذج
ومماتك المثل القويم الهادى
ورثاؤك الإرشاد والعظة التي
تُلقى على العظماء والأفراد
مكسوب جاهك فوق كل مقلَّد
وطريف مجدك فوق كل تلاد
فخر الولاية والمناصب عادة
كالفخر بالآباء والأجداد
ولربما عقدا نِجادا للعصا
والصارم الماضي بغير نجاد
فافخر بفضلك فهو لا أنسابه
تبلى ولا سلطانه لنقاد

ماذا رجوت من الحفاوة عنده

ماذا رجوت من الحفاوة عنده
يا بائع القرآن بالإنجيل
دع ملك إدورد وخل بلاده
يكفيك عسكره بوادى النيل
خلقان فيك تخلفا وتباعدا
حب الجميل وكفر كل جميل

أوحت لطرفك فاستهل شؤونا

أَوحَت لِطَرفِكَ فَاِستَهَلَّ شُؤونا
دارٌ مَرَرتَ بِها عَلى قَيسونا
غاضَت بَشاشَتُها وَقَضَّت شَملَها
دُنيا تَغُرُّ السادِرَ المَفتونا
نَزَلَت عَوادِيَ الدَهرِ في ساحاتِها
وَأَقَلَّ رَفرَفِها الخُطوبَ العونا
فَتَكادُ مِن أَسَفٍ عَلى آسي الحِمى
مِن كُلِّ ناحِيَةٍ تَثورُ شُجونا
تِلكَ العِيادَةُ لَم تَكُن عَبَثاً وَلا
شَرَكاً لِصَيدِ مَآرِبٍ وَكَمينا
دارُ اِبنِ سينا نُزِّهَت حُجُراتُها
عَن أَن تَضُمَّ ضَلالَةً وَمُجونا
خَبَتِ المَطالِعُ مِن أَغَرِّ مُؤَمَّلٍ
كَالفَجرِ ثَغراً وَالصَباحِ جَبينا
وَمِنَ الوُفودِ كَأَنَّهُم مِن حَولِهِ
مَرضى بِعيسى الروحِ يَستَشفونا
مَثَلٌ تَصَوَّرَ مِن حَياةٍ حُرَّةٍ
لِلنَشءِ يَنطِقُ في السُكوتِ مُبينا
لَم تُحصَ مِن عَهدِ الصِبا حَرَكاتُهُ
وَتَخالُهُنَّ مِنَ الخُشوعِ سُكونا
جَمَحَت جِراحُ المُعوِزينَ وَأَعضَلَت
أَدواؤُهُم وَتَغَيَّبَ الشافونا
ماتَ الجَوادُ بِطِبِّهِ وَبِأَجرِهِ
وَلَرُبَّما بَذَلَ الدَواءَ مُعينا
وَتَجُسُّ راحَتُهُ العَليلَ وَتارَةً
تَكسو الفَقيرَ وَتُطعِمُ المِسكينا
أَدّى أَمانَةَ عِلمِهِ وَلَطالَما
حَمَلَ الصَداقَةَ وافِياً وَأَمينا
وَقَضى حُقوقَ الأَهلِ يُحسِنُ تارَةً
بِأَبيهِ أَو يَصِلُ القَرابَةَ حينا
خُلُقٌ وَدينٌ في زَمانٍ لا نَرى
خُلُقاً عَلَيهِ وَلا تُصادِفُ دينا
أَمُداوِيَ الأَرواحِ قَبلَ جُسومِها
قُم داوِ فيكَ فُؤادِيَ المَحزونا
رَوِّح بِلَفظِكَ كُلَّ روحِ مُعَذَّبٍ
حَيرانَ طارَ بِلُبِّهِ الناعونا
قَد كالَ لِلقَدَرِ العِتابَ وَرُبَّما
ظَنَّ المُدَلَّهُ بِالقَضاءِ ظُنونا
داوَيتَ كُلَّ مُحَطَّمٍ فَشَفَيتَهُ
وَنَسيتَ داءً في الضُلوعِ دَفينا
كَبِدٌ عَلى دَمِها اِتَّكَأتَ وَلَحمِها
فَحَمَلتَ هَمَّ المُسلِمينَ سِنيا
ظَلَّت وَراءَ الحَربِ تَشقى بِالنَوى
وَتَذوبُ لِلوَطَنِ الكَريمِ حَنينا
ناصَرتَ في فَجرِ القَضِيَّةِ مُصطَفى
فَنَصَرتَ خُلُقاً في الشَبابِ مَتينا
أَقدَمتَ في العِشرينَ تَحتَ لِوائِهِ
وَرَوائِعُ الإِقدامِ في العِشرينا
لَم تَبغِ دُنيا طالَما أَغضى لَها
حُمسُ الدُعاةِ وَطَأطَؤوا العِرنينا
رُحماكَ يوسُفُ قِف رِكابَكَ ساعَةً
وَاِعطِف عَلى يَعقوبَ فيهِ حَزينا
لَم يَدرِ خَلفَ النَعشِ مِن حَرِّ الجَوى
أَيَشُقُّ جَيباً أَم يَشُقُّ وَتينا
ساروا بِمُهجَتِهِ فَحُمِّلَ ثُكلَها
وَقَضَوا بِعائِلِهِ فَمالَ غَبينا
أَتَعودُ في رَكبِ الرَبيعِ إِذا اِنثَنى
بَهِجاً يَزُفُّ الوَردَ وَالنِسرينا
هَيهاتَ مِن سَفَرِ المَنِيَّةِ أَوبَةٌ
حَتّى يُهيبَ الصُبحُ بِالسارينا
وَيُقالُ لِلأَرضِ الفَضاءِ تَمَخَّضي
فَتَرُدُّ شَيخاً أَو تَمُجُّ جَنينا
اللَهُ أَبقى أَينَ مِن جَسَدي يَدٌ
لَم أَنسَ رِفقَ بَنانِها وَاللينا
حَتّى تَمَثَّلَتِ العِنايَةُ صورَةً
تومي بِراحٍ أَو تُجيلُ عُيونا
فَجَرَرتُ جُثماني وَهانَت كُربَةٌ
لَولا اِعتِناؤُكَ لَم تَكُن لِتَهونا
إِنَّ الشِفاءَ مِنَ الحَياةِ وَعَونِها
ما كانَ آسَ بِالشِفاءِ ضَمينا
وَاليَومَ أَرتَجِلُ الرِثاءَ وَأَنزَوي
في مَأتَمٍ أَبكي مَعَ الباكينا
سُبحانَ مَن يَرِثُ الطَبيبَ وَطِبِّهِ
وَيُري المَريضَ مَصارِعَ الآسينا

اخترت يوم الهول يوم وداع

اِختَرتَ يَومَ الهَولِ يَومَ وَداعِ
وَنَعاكَ في عَصفِ الرِياحِ الناعي
هَتَفَ النُعاةُ ضُحىً فَأَوصَدَ دونَهُم
جُرحُ الرَئيسِ مَنافِذَ الأَسماعِ
مَن ماتَ في فَزَعِ القِيامَةِ لَم يَجِد
قَدَماً تُشَيِّعُ أَو حَفاوَةَ ساعي
ما ضَرَّ لَو صَبَرَت رِكابُكَ ساعَةً
كَيفَ الوُقوفُ إِذا أَهابَ الداعي
خَلِّ الجَنائِزَ عَنكَ لا تَحفِل بِها
لَيسَ الغُرورُ لِمَيِّتٍ بِمَتاعِ
سِر في لِواءِ العَبقَرِيَّةِ وَاِنتَظِم
شَتّى المَواكِبِ فيهِ وَالأَتباعِ
وَاِصعَدَ سَماءَ الذِكرِ مِن أَسبابِها
وَاِظهَر بِفَضلٍ كَالنَهارِ مُذاعِ
فُجِعَ البَيانُ وَأَهلُهُ بِمُصَوِّرٍ
لَبِقٍ بِوَشيِ المُمتِعاتِ صَناعِ
مَرموقِ أَسبابِ الشَبابِ وَإِن بَدَت
لِلشَيبِ في الفَودِ الأَحَمِّ رَواعي
تَتَخَيَّلُ المَنظومَ في مَنثورِهِ
فَتَراهُ تَحتَ رَوائِعِ الأَسجاعِ
لَم يَجحَدِ الفُصحى وَلَم يَهجُم عَلى
أُسلوبِها أَو يُزرِ بِالأَوضاعِ
لَكِن جَرى وَالعَصرَ في مِضمارِها
شَوطاً فَأَحرَزَ غايَةَ الإِبداعِ
حُرُّ البَيانِ قَديمُهُ وَجَديدُهُ
كَالشَمسِ جِدَّةَ رُقعَةٍ وَشُعاعِ
يونانُ لَو بيعَت بِهوميرٍ لَما
خَسِرَت لَعَمرُكَ صَفقَةُ المُبتاعِ
يا مُرسِلَ النَظَراتِ في الدُنيا وَما
فيها عَلى ضَجَرٍ وَضيقِ ذِراعِ
وَمُرَقرِقَ العَبَراتِ تَجري رِقَّةً
لِلعالَمِ الباكي مِنَ الأَوجاعِ
مَن ضاقَ بِالدُنيا فَلَيسَ حَكيمَها
إِنَّ الحَكيمَ بِها رَحيبُ الباعِ
هِيَ وَالزَمانُ بِأَرضِهِ وَسَمائِهِ
في لُجَّةِ الأَقدارِ نِضوُ شِراعِ
مَن شَذَّ ناداهُ إِلَيهِ فَرَدَّهُ
قَدَرٌ كَراعٍ سائِقٍ بِقِطاعِ
ما خَلفُهُ إِلّا مَقودٌ طائِعٌ
مُتَلَفِّتٌ عَن كِبرِياءِ مُطاعِ
جَبّارُ ذِهنٍ أَو شَديدُ شَكيمَةٍ
يَمضي مُضِيَّ العاجِزِ المُنصاعِ
مَن شَوَّهَ الدُنيا إِلَيكَ فَلَم تَجِد
في المُلكِ غَيرَ مُعَذَّبينَ جِياعِ
أَبِكُلِّ عَينٍ فيهِ أَو وَجهٍ تَرى
لَمَحاتِ دَمعٍ أَو رُسومِ دِماعِ
ما هَكَذا الدُنيا وَلَكِن نُقلَةٌ
دَمعُ القَريرِ وَعَبرَةُ المُلتاعِ
لا الفَقرُ بِالعَبَراتِ خُصَّ وَلا الغِنى
غِيَرُ الحَياةِ لَهُنَّ حُكمُ مَشاعِ
ما زالَ في الكوخِ الوَضيعِ بَواعِثٌ
مِنها وَفي القَصرِ الرَفيعِ دَواعي
في القَفرِ حَيّاتٌ يُسَيِّبُها بِهِ
حاوي القَضاءِ وَفي الرِياضِ أَفاعي
وَلَرُبَّ بُؤسٍ في الحَياةِ مُقَنَّعٍ
أَربى عَلى بُؤسٍ بِغَيرِ قِناعِ
يا مُصطَفى البُلَغاءِ أَيَّ يَراعَةٍ
فَقَدوا وَأَيَّ مُعَلِّمٍ بِيَراعِ
اليَومَ أَبصَرتَ الحَياةَ فَقُل لَنا
ماذا وَراءَ سَرابِها اللَمّاعِ
وَصِفِ المَنونَ فَكَم قَعَدتَ تَرى لَها
شَبَحاً بِكُلِّ قَرارَةٍ وَيَفاعِ
سَكَنَ الأَحِبَّةُ وَالعِدى وَفَرَغتَ مِن
حِقدِ الخُصومِ وَمِن هَوى الأَشياعِ
كَم غارَةٍ شَنّوا عَلَيكَ دَفَعتَها
تَصِلُ الجُهودَ فَكُنَّ خَيرَ دِفاعِ
وَالجُهدُ موتٍ في الحَياةِ ثِمارَهُ
وَالجُهدُ بَعدَ المَوتِ غَيرُ مُضاعِ
فَإِذا مَضى الجيلُ المِراضُ صُدورُهُ
وَأَتى السَليمُ جَوانِبَ الأَضلاعِ
فَاِفزَع إِلى الزَمَنِ الحَكيمِ فَعِندَهُ
نَقدٌ تَنَزَّهَ عَن هَوىً وَنِزاعِ
فَإِذا قَضى لَكَ أُبتَ مِن شُمِّ العُلا
بِثَنِيَّةٍ بَعُدَت عَلى الطَلّاعِ
وَأَجَلُّ ما فَوقَ التُرابِ وَتَحتَهُ
قَلَمٌ عَلَيهِ جَلالَةُ الإِجماعِ
تِلكَ الأَنامِلُ نامَ عَنهُنَّ البِلى
عُطِّلنَ مِن قَلَمٍ أَشَمَّ شُجاعِ
وَالجُبنُ في قَلَمِ البَليغِ نَظيرُهُ
في السَيفِ مَنقَصَةٌ وَسوءُ سَماعِ

ولد الهدى فالكائنات ضياء

وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ
الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ حَولَهُ
لِـلـديـنِ وَالـدُنـيـا بِهِ بُشَراءُ
وَالـعَـرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي
وَالـمُـنـتَـهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ
وَحَـديـقَـةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا
بِـالـتُـرجُـمـ انِ شَـذِيَّةٌ غَنّاءُ
وَالـوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلاً مِن سَلسَلٍ
وَالـلَـوحُ وَالـقَـلَـمُ البَديعُ رُواءُ
نُـظِمَت أَسامي الرُسلِ فَهيَ صَحيفَةٌ
فـي الـلَـوحِ وَاِسمُ مُحَمَّدٍ طُغَراءُ
اِسـمُ الـجَـلالَةِ في بَديعِ حُروفِهِ
أَلِـفٌ هُـنـالِـكَ وَاِسمُ طَهَ الباءُ
يـا خَـيـرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً
مِـن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا
بَـيـتُ الـنَـبِـيّينَ الَّذي لا يَلتَقي
إِلّا الـحَـنـائِـفُ فـيهِ وَالحُنَفاءُ
خَـيـرُ الأُبُـوَّةِ حـازَهُـم لَكَ آدَمٌ
دونَ الأَنــامِ وَأَحــرَزَت حَـوّاءُ
هُـم أَدرَكـوا عِـزَّ النُبُوَّةِ وَاِنتَهَت
فـيـهـا إِلَـيـكَ الـعِزَّةُ القَعساءُ
خُـلِـقَـت لِبَيتِكَ وَهوَ مَخلوقٌ لَها
إِنَّ الـعَـظـائِـمَ كُفؤُها العُظَماءُ
بِـكَ بَـشَّـرَ الـلَهُ السَماءَ فَزُيِّنَت
وَتَـضَـوَّعَـت مِـسكاً بِكَ الغَبراءُ
وَبَـدا مُـحَـيّـاكَ الَّـذي قَسَماتُهُ
حَـقٌّ وَغُـرَّتُـهُ هُـدىً وَحَـيـاءُ
وَعَـلَـيـهِ مِـن نورِ النُبُوَّةِ رَونَقٌ
وَمِـنَ الـخَـلـيلِ وَهَديِهِ سيماءُ
أَثـنـى المَسيحُ عَلَيهِ خَلفَ سَمائِهِ
وَتَـهَـلَّـلَـت وَاِهـتَـزَّتِ العَذراءُ
يَـومٌ يَـتـيهُ عَلى الزَمانِ صَباحُهُ
وَمَـسـاؤُهُ بِـمُـحَـمَّـدٍ وَضّاءُ
الـحَـقُّ عـالي الرُكنِ فيهِ مُظَفَّرٌ
فـي الـمُـلـكِ لا يَعلو عَلَيهِ لِواءُ
ذُعِـرَت عُروشُ الظالِمينَ فَزُلزِلَت
وَعَـلَـت عَـلـى تيجانِهِم أَصداءُ
وَالـنـارُ خـاوِيَةُ الجَوانِبِ حَولَهُم
خَـمَـدَت ذَوائِـبُها وَغاضَ الماءُ
وَالآيُ تَـتـرى وَالـخَـوارِقُ جَمَّةٌ
جِــبـريـلُ رَوّاحٌ بِـهـا غَـدّاءُ
نِـعـمَ الـيَـتيمُ بَدَت مَخايِلُ فَضلِهِ
وَالـيُـتـمُ رِزقٌ بَـعـضُهُ وَذَكاءُ
فـي الـمَهدِ يُستَسقى الحَيا بِرَجائِهِ
وَبِـقَـصـدِهِ تُـسـتَـدفَعُ البَأساءُ
بِسِوى الأَمانَةِ في الصِبا وَالصِدقِ لَم
يَـعـرِفـهُ أَهـلُ الصِدقِ وَالأُمَناءُ
يـا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا
مِـنـهـا وَمـا يَـتَعَشَّقُ الكُبَراءُ
لَـو لَـم تُـقِـم ديناً لَقامَت وَحدَها
ديـنـاً تُـضـيءُ بِـنـورِهِ الآناءُ
زانَـتـكَ في الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ
يُـغـرى بِـهِـنَّ وَيـولَعُ الكُرَماءُ
أَمّـا الـجَمالُ فَأَنتَ شَمسُ سَمائِهِ
وَمَـلاحَـةُ الـصِـدّيـقِ مِنكَ أَياءُ
وَالـحُـسنُ مِن كَرَمِ الوُجوهِ وَخَيرُهُ
مـا أوتِـيَ الـقُـوّادُ وَالـزُعَماءُ
فَـإِذا سَـخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى
وَفَـعَـلـتَ مـا لا تَـفعَلُ الأَنواءُ
وَإِذا عَـفَـوتَ فَـقـادِراً وَمُـقَدَّراً
لا يَـسـتَـهـيـنُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ
وَإِذا رَحِــمـتَ فَـأَنـتَ أُمٌّ أَو أَبٌ
هَـذانِ فـي الـدُنيا هُما الرُحَماءُ
وَإِذا غَـضِـبـتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبَةٌ
فـي الـحَـقِّ لا ضِغنٌ وَلا بَغضاءُ
وَإِذا رَضـيـتَ فَـذاكَ في مَرضاتِهِ
وَرِضـى الـكَـثـيـرِ تَحَلُّمٌ وَرِياءُ
وَإِذا خَـطَـبـتَ فَـلِـلمَنابِرِ هِزَّةٌ
تَـعـرو الـنَـدِيَّ وَلِـلقُلوبِ بُكاءُ
وَإِذا قَـضَـيـتَ فَـلا اِرتِيابَ كَأَنَّما
جـاءَ الـخُصومَ مِنَ السَماءِ قَضاءُ
وَإِذا حَـمَـيـتَ الماءَ لَم يورَد وَلَو
أَنَّ الـقَـيـاصِـرَ وَالمُلوكَ ظِماءُ
وَإِذا أَجَـرتَ فَـأَنـتَ بَـيتُ اللَهِ لَم
يَـدخُـل عَـلَـيهِ المُستَجيرَ عَداءُ
وَإِذا مَـلَـكـتَ النَفسَ قُمتَ بِبِرِّها
وَلَـوَ اَنَّ مـا مَـلَكَت يَداكَ الشاءُ
وَإِذا بَـنَـيـتَ فَـخَيرُ زَوجٍ عِشرَةً
وَإِذا اِبـتَـنَـيـتَ فَـدونَـكَ الآباءُ
وَإِذا صَـحِـبتَ رَأى الوَفاءَ مُجَسَّماً
فـي بُـردِكَ الأَصـحابُ وَالخُلَطاءُ
وَإِذا أَخَـذتَ الـعَـهـدَ أَو أَعطَيتَهُ
فَـجَـمـيـعُ عَـهدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفاءُ
وَإِذا مَـشَـيـتَ إِلى العِدا فَغَضَنفَرٌ
وَإِذا جَـرَيـتَ فَـإِنَّـكَ الـنَـكباءُ
وَتَـمُـدُّ حِـلـمَـكَ لِلسَفيهِ مُدارِياً
حَـتّـى يَـضيقَ بِعَرضِكَ السُفَهاءُ
فـي كُـلِّ نَـفسٍ مِن سُطاكَ مَهابَةٌ
وَلِـكُـلِّ نَـفـسٍ فـي نَداكَ رَجاءُ

تلك الطبيعة قف بنا يا ساري

تِلكَ الطَبيعَةُ قِف بِنا يا ساري
حَتّى أُريكَ بَديعَ صُنعِ الباري
الأَرضُ حَولَكَ وَالسَماءُ اِهتَزَّتا
لِرَوائِعِ الآياتِ وَالآثارِ
مِن كُلِّ ناطِقَةِ الجَلالِ كَأَنَّها
أُمُّ الكِتابِ عَلى لِسانِ القاري
دَلَّت عَلى مَلِكِ المُلوكِ فَلَم تَدَع
لِأَدِلَّةِ الفُقَهاءِ وَالأَحبارِ
مَن شَكَّ فيهِ فَنَظرَةٌ في صُنعِهِ
تَمحو أَثيمَ الشَكِّ وَالإِنكارِ
كَشَفَ الغَطاءُ عَنِ الطُرولِ وَأَشرَقَت
مِنهُ الطَبيعَةُ غَيرَ ذاتِ سِتارِ
شَبَّهتُها بَلقيسَ فَوقَ سَريرِها
في نَضرَةٍ وَمَواكِبٍ وَجَواري
أَو بِاِبنِ داوُدٍ وَواسِعِ مُلكِهِ
وَمَعالِمٍ لِلعِزِّ فيهِ كِبارِ
هوجُ الرِياحِ خَواشِعٌ في بابِهِ
وَالطَيرُ فيهِ نَواكِسُ المِنقارِ
قامَت عَلى ضاحي الجِنانِ كَأَنَّها
رَضوانُ يُزجي الخُلدُ لِلأَبرارِ
كَم في الخَمائِلِ وَهيَ بَعضُ إِمائِها
مِن ذاتِ خِلخالٍ وَذاتِ سِوارِ
وَحَسيرَةٍ عَنها الثِيابُ وَبَضَّةٍ
في الناعِماتِ تَجُرُّ فَضلَ إِزارِ
وَضَحوكِ سِنٍّ تَملَأُ الدُنيا سَنىً
وَغَريقَةٍ في دَمعِها المِدرارِ
وَوَحيدَةٍ بِالنَجدِ تَشكو وَحشَةً
وَكَثيرَةِ الأَترابِ بِالأَغوارِ
وَلَقَد تَمُرُّ عَلى الغَديرِ تَخالُهُ
وَالنَبتُ مِرآةً زَهَت بِإِطارِ
حُلوُ التَسَلسُلِ مَوجُهُ وَجَريرُهُ
كَأَنامِلٍ مَرَّت عَلى أَوتارِ
مَدَّت سَواعِدُ مائِهِ وَتَأَلَّقَت
فيها الجَواهِرُ مِن حَصىً وَجِمارِ
يَنسابُ في مُخضَلَّةٍ مُبتَلَّةٍ
مَنسوجَةٍ مِن سُندُسٍ وَنُضارِ
زَهراءَ عَونِ العاشِقينَ عَلى الهَوى
مُختارَةِ الشُعَراءِ في آذارِ
قامَ الجَليدُ بِها وَسالَ كَأَنَّهُ
دَمعُ الصَبابَةِ بَلَّ غُضنَ عَذارِ
وَتَرى السَماءَ ضُحىً وَفي جُنحِ الدُجى
مُنشَقَّةً مِن أَنهُرٍ وَبِحارِ
في كُلِّ ناحِيَةٍ سَلَكتَ وَمَذهَبٍ
جَبَلانِ مِن صَخرٍ وَماءٍ جاري
مِن كُلِّ مُنهَمِرِ الجَوانِبِ وَالذُرى
غَمرِ الحَضيضِ مُحَلَّلٍ بِوَقارِ
عَقَدَ الضَريبُ لَهُ عَمامَةَ فارِعٍ
جَمِّ المَهابَةِ مِن شُيوخِ نِزارِ
وَمُكَذِّبٍ بِالجِنِّ ريعَ لِصَوتِها
في الماءِ مُنحَدِراً وَفي التَيّارِ
مَلَأَ الفَضاءَ عَلى المَسامِعِ ضَجَّةً
فَكَأَنَّما مَلَأَ الجِهاتِ ضَواري
وَكَأَنَّما طوفانُ نوحٍ ما نَرى
وَالفُلكُ قَد مُسِخَت حَثيثَ قِطارِ
يَجري عَلى مَثَلِ الصِراطِ وَتارَةً
ما بَينَ هاوِيَةٍ وَجُرفٍ هاري
جابَ المَمالِكَ حَزنَها وَسُهولَها
وَطَوى شِعابَ الصِربِ وَالبُلغارِ
حَتّى رَمى بِرِحالِنا وَرَجائِنا
في ساحِ مَأمولٍ عَزيزِ الجارِ
مَلِكٌ بِمَفرَقِهِ إِذا اِستَقبَلتَهُ
تاجانِ تاجُ هُدىً وَتاجُ فَخارِ
سَكَنَ الثُرَيّا مُستَقَرَّ جَلالِهِ
وَمَشَت مَكارِمُهُ إِلى الأَمصارِ
فَالشَرقُ يُسقى ديمَةً بِيَمينِهِ
وَالغَربُ تُمطِرُهُ غُيوثُ يَسارِ
وَمَدائِنُ البَرَّينِ في إِعظامِهِ
وَعَوالِمُ البَحرَينِ في الإِكبارِ
اللَهُ أَيَّدَهُ بِآسادِ الشَرى
في صورَةِ المُتَدَجِّجِ الجَرّارِ
الصاعِدينَ إِلى العَدُوِّ عَلى الظُبى
النازِلينَ عَلى القَنا الخَطّارِ
المُشتَرينَ اللَهَ بِالأَبناءِ وَال
أَزواجِ وَالأَموالِ وَالأَعمارِ
القائِمينَ عَلى لِواءِ نَبِيِّهِ
المُنزَلينَ مَنازِلَ الأَنصارِ
يا عَرشَ قُسطَنطينَ نِلتَ مَكانَةً
لَم تُعطَها في سالِفِ الأَعصارِ
شُرِّفتَ بِالصَديقِ وَالفاروقِ بَل
بِالأَقرَبِ الأَدنى مِنَ المُختارِ
حامي الخِلافَةِ مَجدِها وَكِيانِها
بِالرَأيِ آوِنَةً وَبِالبَتّارِ
تاهَت فُروقُ عَلى العَواصِمِ وَاِزدَهَت
بِجُلوسِ أَصيَدَ باذِخِ المِقدارِ
جَمِّ الجَلالِ كَأَنَّما كُرسِيُّهُ
جُزءٌ مِنَ الكُرسِيِّ ذي الأَنوارِ
أَخَذَت عَلى البوسفورِ زُخرُفَها دُجىً
وَتَلَألَأَت كَمَنازِلِ الأَقمارِ
فَالبَدرُ يَنظُرُ مِن نَوافِذِ مَنزِلٍ
وَالشَمسُ ثَمَّ مُطِلَّةٌ مِن دارِ
وَكَواكِبُ الجَوزاءِ تَخطُرُ في الرُبى
وَالنَسرُ مَطلَعُهُ مِنَ الأَشجارِ
وَاِسمُ الخَليفَةِ في الجِهاتِ مُنَوِّرٌ
تَبدو السَبيلُ بِهِ وَيَهدي الساري
كَتَبوهُ في شُرَفِ القُصورِ وَطالَما
كَتَبوهُ في الأَسماعِ وَالأَبصارِ
يا واحِدَ الإِسلامِ غَيرَ مُدافِعٍ
أَنا في زَمانِكَ واحِدُ الأَشعارِ
لي في ثَنائِكَ وَهوَ باقٍ خالِدٌ
شَعرٌ عَلى الشِعرى المَنيعَةِ زاري
أَخلَصتُ حُبّي في الإِمامِ دِيانَةً
وَجَعَلتُهُ حَتّى المَماتِ شِعاري
لَم أَلتَمِس عَرضَ الحَياةِ وَإِنَّما
أَقرَضتُهُ في اللَهِ وَالمُختارِ
إِنَّ الصَنيعَةَ لا تَكونُ كَريمَةً
حَتّى تُقَلِّدُها كَريمَ نِجارِ
وَالحُبُّ لَيسَ بِصادِقٍ ما لَم تَكُن
حَسَنَ التَكَرُّمِ فيهِ وَالإيثارِ
وَالشِعرُ إِنجيلٌ إِذا اِستَعمَلتَهُ
في نَشرِ مَكرُمَةٍ وَسَترِ عَوارِ
وَثَنَيتَ عَن كَدَرِ الحِياضِ عِنانَهُ
إِنَّ الأَديبَ مُسامِحٌ وَمُداري
عِندَ العَواهِلِ مِن سِياسَةِ دَهرِهِم
سِرٌّ وَعِندَكَ سائِرُ الأَسرارِ
هَذا مُقامٌ أَنتَ فيهِ مُحَمَّدٌ
أَعداءُ ذاتِكَ فِرقَةٌ في النارِ
إِنَّ الهِلالَ وَأَنتَ وَحدَكَ كَهفُهُ
بَينَ المَعاقِلِ مِنكَ وَالأَسوارِ
لَم يَبقَ غَيرُكَ مَن يَقولُ أَصونُهُ
صُنهُ بِحَولِ الواحِدِ القَهّارِ

ملك السماء بهرت في الأنوار

مَلِكَ السَماءِ بَهَرتَ في الأَنوارِ
فَفَداك كُلُّ مُتَوَّجٍ مِن ساري
لَمّا طَلَعتَ عَلى المِياهِ تُنيرُها
سَكَنَت وَقَد كانَت بِغَيرِ قَرارِ
وَزَهَت لِناظِرِها السَماءُ وَقَرَّ ما
في البَحرِ مِن عُبُبٍ وَمِن تَيّارِ
وَأَهَلَّ لِلَّهِ السُراةُ وَأَزلَفوا
لَكَ في الكَمالِ تَحِيَّةَ الإِكبارِ
وَتَأَمَّلوكَ فَكُلُّ جارِحَةٍ لَهُم
عَينٌ تُسامِرُ نورَها وَتُساري
وَالبَدرُ مِنكَ عَلى العَوالِمِ يَجتَلي
بِشرَ الوُجوهِ وَزَحمَةِ الأَبصارِ
مُتَقَدِّمٌ في النورِ مَحجوبٌ بِهِ
موفٍ على الآفاقِ بِالأَسفارِ
يا دُرَّةَ الغَوّاصِ أَخرَجَ ظافِراً
يُمناهُ يَجلوها عَلى النُظّارِ
مُتَهَلِّلاً في الماءِ أَبدى نِصفَهُ
يَسمو بِها وَالنِصفُ كاسٍ عارِ
وافى بِكَ الأُفُقُ السَماءَ فَأَسفَرَت
عَن قُفلِ ماسٍ في سِوارِ نُضارِ
وَنَهَضتَ يَزهو الكَونُ مِنكَ بِمَنظَرٍ
ضاحٍ وَيَحمُلُ مِنكَ تاجَ فَخارِ
الماءُ وَالآفاقُ حَولَكَ فِضَّةٌ
وَالشُهبُ دينارٌ لَدى دينارِ
وَالفُلكُ مُشرِقَةُ الجَوانِبِ في الدُجى
يَبدو لَها ذَيلٌ مِنَ الأَنوارِ
بَينا تَخَطَّرُ في لُجَينٍ مائِجٍ
إِذ تَنثَني في عَسجَدٍ زَخّارِ
وَكَأَنَّها وَالمَوجُ مُنتَظِمٌ وَقَد
أَوفَيتَ ثُمَّ دَنَوتَ كَالمُختارِ
غَيداءُ لاهِيَةٌ تَخُطُّ لِأَغيَدٍ
شِعراً لِيَقرَأَهُ وَأَنتَ القاري
فَليَهنِ بَدرَ الأَرضِ أَنَّكَ صِنوُهُ
وَنَظيرُهُ قُرباً وَبُعدَ مَزارِ
وَحَلاكُما ما البَدرُ إِلّا أَنتُما
وَسِواكُما قَمَرٌ مِنَ الأَقمارِ
أَنتَ الكَريمُ عَلى الوُجودِ بِوَجهِهِ
وَهيَ الضَنينَةُ بِالخَيالِ الساري
هَيفاءُ أَهواها وَأَعشَقُ ذِكرَها
لَكِن أُداري وَالمُحِبُّ يُداري
لي في الهَوى سِرٌّ أَبيتُ أَصونُهُ
وَاللَهُ مُطَّلِعٌ عَلى الأَسرارِ