خطت يداك الروضة الغناء

خَطَّت يَداكَ الرَوضَةَ الغَنّاءَ
وَفَرَغتَ مِن صَرحِ الفُنونِ بِناءَ
ما زِلتَ تَذهَبُ في السُمُوِّ بِركنِهِ
حَتّى تَجاوَزَ رُكنُهُ الجَوزاءَ
دارٌ مِنَ الفَنِّ الجَميلِ تَقَسَّمَت
لِلساهِرينَ رِوايَةً وَرُواءَ
كَالرَوضِ تَحتَ الطَيرِ أَعجَبَ أَيكُهُ
لَحظَ العُيونِ وَأَعجَبَ الإِصغاءَ
وَلَقَد نَزَلتَ بِها فَلَم نَرَ قَبلَها
فَلَكاً جَلا شَمسَ النَهارِ عِشاءَ
وَتَوَهَّجَت حَتّى تَقَلَّبَ في السَنا
وادي المُلوكِ حِجارَةً وَفَضاءَ
فَتَلَفَّتوا يَتَهامَسونَ لَعَلَّهُ
فَجرُ الحَضارَةِ في البِلادِ أَضاءَ
تِلكَ المَعارِفُ في طُلولِ بِنائِهِم
أَكثَرنَ نَحوَ بِنائِكَ الإيماءَ
وَتَمايَلَت عيدانُهُنَّ تَحِيَّةً
وَتَرَنَّمَت أَوتارُهُنَّ ثَناءَ
يا بانِيَ الإيوانِ قَد نَسَّقتَهُ
وَحَذَوتَ في هِندامِها الحَمراءَ
أَينَ الغَريضُ يَحِلُّهُ أَو مَعبَدٌ
يَتَبَوَّأَ الحُجُراتِ وَالأَبهاءِ
العَبقَرِيَّةُ في ضَنائِنِهِ الَّتي
يَحبو بِها سُبحانَهُ مَن شاءَ
لَمّا بَنَيتَ الأَيكَ وَاِستَوهَبتَهُ
بَعثَ الهَزارَ وَأَرسَلَ الوَرقاءَ
فَسَمِعتَ مِن مُتَفَرِّدِ الأَنغامِ ما
فاتَ الرَشيدَ وَأَخطَأَ النُدَماءَ
وَالفَنُّ رَيحانُ المُلوكِ وَرُبَّما
خَلَدوا عَلى جَنَباتِهِ أَسماءَ
لَولا أَياديهِ عَلى أَبنائِنا
لَم نُلفَ أَمجَدَ أُمَّة آباءَ
كانَت أَوائِلُ كُلِّ قَومٍ في العُلا
أَرضاً وَكُنّا في الفَخارِ سَماءَ
لَولا اِبتِسامُ الفَنِّ فيما حَولَهُ
ظَلَّ الوُجودُ جَهامَةً وَجَفاءَ
جَرِّد مِنَ الفَنِّ الحَياةَ وَما حَوَت
تَجِدِ الحَياةَ مِنَ الجَمالِ خَلاءَ
بِالفَنِّ عالَجتِ الحَياةَ طَبيعَةٌ
قَد عالَجَت بِالواحَةِ الصَحراءَ
تَأوي إِلَيها الروحُ مِن رَمضائِها
فَتُصيبُ ظِلّاً أَو تُصادِفُ ماءَ
نَبضُ الحَضارَةِ في المَمالِكِ كُلِّها
يُجري السَلامَةَ أَو يَدُقُّ الداءَ
إِن صَحَّ فَهيَ عَلى الزَمانِ صَحيحَةٌ
أَو زافَ كانَت ظاهِراً وَطِلاءَ
انظُر أَبا الفاروقِ غَرسَكَ هَل تَرى
بِالغَرسِ إِلّا نِعمَةً وَنَماءَ
مِن حَبَّةٍ ذُخِرَت وَأَيدٍ ثابَرَت
جاءَ الزَمانُ بِجَنَّةٍ فَيحاءَ
وَأَكَنَّتِ الفَنَّ الجَميلَ خَميلَةٌ
رَمَتِ الظِلالَ وَمَدَّتِ الأَفياءَ
بَذَلَ الجُهودَ الصالِحاتِ عِصابَةٌ
لا يَسأَلونَ عَنِ الجُهودِ جَزاءَ
صَحِبوا رَسولَ الفَنِّ لا يَألونَهُ
حُبّاً وَصِدقَ مَوَدَّةٍ وَوَفاءَ
دَفَعوا العَوائِقَ بِالثَباتِ وَجاوَزوا
ما سَرَّ مِن قَدَرِ الأُمورِ وَساءَ
إِنَّ التَعاوُنَ قُوَّةٌ عُلوِيَّةٌ
تَبني الرِجالَ وَتُبدِعُ الأَشياءَ
فَليَهنِهِم حازَ اِلتِفاتَكَ سَعيُهُم
وَكَسا نَدِيَّهُمو سَناً وَسَناءَ
لَم تَبدُ لِلأَبصارِ إِلّا غارِساً
لِخَوالِفِ الأَجيالِ أَو بَنّاءَ
تَغدو عَلى الفَتَراتِ تَرتَجِلُ النَدى
وَتَروحُ تَصطَنِعُ اليَدَ البَيضاءَ
في مَوكِبٍ كَالغَيثِ سارَ رُكابُهُ
بِشراً وَحَلَّ سَعادَةً وَرَخاءَ
أَنتَ اللِواءُ اِلتَفَّ قَومُكَ حَولَهُ
وَالتاجُ يَجعَلُهُ الشُعوبُ لِواءَ
مِن كُلِّ مِئذَنَةٍ سَمِعتَ مَحَبَّةً
وَبِكُلِّ ناقوسٍ لَقيتَ دُعاءَ
يَتَأَلَّفانِ عَلى الهُتافِ كَما اِنبَرى
وَتَرٌ يُسايِرُ في البَنانِ غِناءَ

أمحمد فرغت حقيبتك التي

أمحمد فرغت حقيبتك التي
أخرجت منها قول كل حكيم
فإذا لُطِمت بألف كف لم تجد
للفخر قولا يا ابن إبراهيم

شر البلية أن يكون زعيما

شر البلية أن يكون زعيما
من لا يسالم في الرجال كريما
عابوك إذ وجدوا صنيعك بارعا
ورأوا سبيلك في الحياة قويما
أين الحلوم ولا حلوم لمعشر
راموا المحال وصدقوا الموهوما
إن يهذروا فلقد تركت قلوبهم
تشكو صوادع جمة وكلوما
أو يطلبوا إيلام كل مهذب
فلقد أذقتهم العذاب أليما
الله في مهجاتهم وقلوبهم
فلقد عهدتك بالنفوس رحيما
كثرت سهام الرائشين وإنما
أرسلت سهمك نافذا مسموما
هو ما علمت فلا تُقم للوائهم
وزنا ولو ملأوا البلاد هزيما
زعموا الحياة نفيسها وخسيسها
قولا يطير مع الهباء عقيما
إن يغضبوا فلقد رضيت وحسبهم
أن يقذفوا بي في الجحيم ذميما
إن ينقموا خلقوا الشقاءو إن رضوا
جعلوا حياة البائسين نعيما
فتحوا لحزبهم الجنان وأَعَتدوا
سبحانهم للكافرين جحيما

يا أيها الدمع الوفي بدار

يا أَيُّها الدَمعُ الوَفِيُّ بِدارِ
نَقضي حُقوقَ الرِفقَةِ الأَخيارِ
أَنا إِن أَهَنتُكَ في ثَراهُمُ فَالهَوى
وَالعَهدُ أَن يُبكَوا بِدَمعٍ جاري
هانوا وَكانوا الأَكرَمينَ وَغودِروا
بِالقَفرِ بَعدَ مَنازِلٍ وَدِيارِ
لَهَفي عَلَيهِم أُسكِنوا دورَ الثَرى
مِن بَعدِ سُكنى السَمعِ وَالأَبصارِ
أَينَ البَشاشَةُ في وَسيمِ وُجوهِهِم
وَالبِشرُ لِلنُدَماءِ وَالسُمّارِ
كُنّا مِنَ الدُنيا بِهِم في رَوضَةٍ
مَرّوا بِها كَنَسائِمِ الأَسحارِ
عَطفاً عَلَيهِم بِالبُكاءِ وَبِالأَسى
فَتَعَهُّدُ المَوتى مِنَ الإيثارِ
يا غائِبينَ وَفي الجَوانِحِ طَيفُهُم
أَبكيكُمُ مِن غُيَّبٍ حُضّارِ
بَيني وَبَينَكُمُ وَإِن طالَ المَدى
سَفَرٌ سَأَزمَعُهُ مِنَ الأَسفارِ
إِنّي أَكادُ أَرى مَحَلِّيَ بَينَكُم
هَذا قَرارُكُمُ وَذاكَ قَراري
أَوَ كُلَّما سَمَحَ الزَمانُ وَبُشِّرَت
مِصرٌ بِفَردٍ في الرِجالِ مَنارِ
فُجِعَت بِهِ فَكَأَنَّهُ وَكَأَنَّها
نَجمُ الهِدايَةِ لَم يَدُم لِلساري
إِنَّ المَصيبَةَ في الأَمينِ عَظيمَةٌ
مَحمولَةٌ لِمَشيئَةِ الأَقدارِ
في أَريَحِيِّ ماجِدٍ مُستَعظَمٌ
رُزءُ المَمالِكِ فيهِ وَالأَمصارِ
أَوفى الرِجالِ لِعَهدِهِ وَلِرَأيِهِ
وَأَبَرَّهُم بِصَديقِهِ وَالجارِ
وَأَشَدَّهُم صَبراً لِمُعتَقَداتِهِ
وَتَأَدُّباً لِمُجادِلٍ وَمُماري
يَسقي القَرائِحَ هادِئًا مُتَواضِعاً
كَالجَدوَلِ المُتَرقرِقِ المُتَواري
قُل لِلسَماءِ تَغُضُّ مِن أَقمارِها
تَحتَ التُرابِ أَحاسِنُ الأَقمارِ
مِن كُلِّ وَضّاءِ المَآثِرِ فائِتٍ
زُهرَ النُجومِ بِذَهرِهِ السَيّارِ
تَمضي اللَيالي لا تَنالُ كَمالَهُ
بِمَعيبِ نَقصٍ أَو مَشينِ سِرارِ
آثارُهُ بَعدَ المَوتِ حَياتُهُ
إِنَّ الخُلودَ الحَقَّ بِالآثارِ
يا مَن تَفَرَّدَ بِالقَضاءِ وَعِلمِهِ
إِلّا قَضاءَ الواحِدِ القَهّارِ
مازِلتَ تَرجوهُ وَتَخشى سَهمَهُ
حَتّى رَمى فَأَحَطَّ بِالأَسرارِ
هَلّا بُعِثتَ فَكُنتَ أَفصَحَ مُخبَراً
عَمّا وَراءَ المَوتِ مِن لازارِ
اِنفُض غُبارَ المَوتِ عَنكَ وَناجِني
فَعَسايَ أَعلَمُ ما يَكونُ غُباري
هَذا القَضاءُ الجِدُّ فَاِروِ وَهاتِ عَن
حُكمِ المَنِيَّةِ أَصدَقَ الأَخبارِ
كُلٌّ وَإِن شَغَفَتهُ دُنياهُ هَوىً
يَوماً مُطَلِّقُها طَلاقَ نَوارِ
لِلَّهِ جامِعَةٌ نَهَضتَ بِأَمرِها
هِيَ في المَشارِقِ مَصدَرُ الأَنوارِ
أُمنِيِّةُ العُقَلاءِ قَد ظَفِروا بها
بَعدَ اِختِلافِ حَوادِثٍ وَطَواري
وَالعَقلُ غايَةُ جَريِهِ لِأَعِنَّةٍ
وَالجَهلُ غايَةُ جَريِهِ لِعِثارِ
لَو يَعلَمونَ عَظيمَ ما تُرجى لَهُ
خَرَجَ الشَحيحُ لَها مِنَ الدينارِ
تَشري المَمالِكُ بِالدَمِ اِستِقلالَها
قوموا اِشتَروهُ بِفِضَّةٍ وَنُضارِ
بِالعِلمِ يُبنى المُلكُ حَقَّ بِنائِهِ
وَبِهِ تُنالُ جَلائِلُ الأَخطارِ
وَلَقَد يُشادُ عَلَيهِ مِن شُمِّ العُلا
ما لا يُشادُ عَلى القَنا الخَطّارِ
إِن كانَ سَرَّكَ أَن أَقَمتَ جِدارَها
قَد ساءَها أَن مالَ خَيرُ جِدارِ
أَضحَت مِنَ اللَهِ الكَريمِ بِذِمَّةٍ
مَرموقَةِ الأَعوانِ وَالأَنصارِ
كُلِأَت بِأَنظارِ العَزيزِ وَحُصِّنَت
بِفُؤادَ فَهيَ مَنيعَةُ الأَسوارِ
وَإِذا العَزيزُ أَعارَ أَمراً نَظرَةً
فَاليُمنُ أَعجَلُ وَالسُعودُ جَواري
ماذا رَأَيتَ مِنَ الحِجابِ وَعُسرِهِ
فَدَعَوتَنا لِتَرَفُّقٍ وَيَسارِ
رَأيٌ بَدا لَكَ لَم تَجِدهُ مُخالِفاً
ما في الكِتابِ وَسُنَّةِ المُختارِ
وَالباسِلانِ شُجاعُ قَلبٍ في الوَغى
وَشُجاعُ رَأيٍ في وَغى الأَفكارِ
أَوَدِدتَ لَو صارَت نِساءُ النيلِ ما
كانَت نِساءُ قُضاعَةٍ وَنِزارِ
يَجمَعنَ في سِلمِ الحَياةِ وَحَربِها
بَأسَ الرِجالِ وَخَشيَةَ الأَبكارِ
إِنَّ الحِجابَ سَماحَةٌ وَيَسارَةٌ
لَولا وُحوشٌ في الرِجالِ ضَواري
جَهِلوا حَقيقَتَهُ وَحِكمَةَ حُكمِهِ
فَتَجاوَزوهُ إِلى أَذىً وَضِرارِ
يا قُبَّةَ الغوري تَحتَكِ مَأتَمٌ
تَبقى شَعائِرُهُ عَلى الأَدهارِ
يُحييِهِ قَومٌ في القُلوبِ عَلى المَدى
إِن فاتَهُم إِحياؤُهُ في دارِ
هَيهاتَ تُنسى أُمَّةٌ مَدفونَةٌ
في أَربَعينَ مِنَ الزَمانِ قِصارِ
إِن شِئتَ يَوماً أَو أَرَدتَ فَحُقبَةً
كُلٌّ يَمُرُّ كَلَيلَةٍ وَنَهارِ
هاتوا اِبنَ ساعِدَةٍ يُؤَبِّنُ قاسِماً
وَخُذوا المَراثِيَ فيهِ مِن بَشّارِ
مِن كُلِّ لائِقَةٍ لِباذِخِ قَدرِهِ
عَصماءَ بَينَ قَلائِدِ الأَشعارِ

طوي البساط وجفت الأقداح

طُوِيَ البِساطُ وَجَفَّتِ الأَقداحُ
وَغَدَت عَواطِلٌ بَعدَكَ الأَفراحُ
وَاِنفَضَّ نادٍ بِالشَآمِ وَسامِرٌ
في مِصرَ أَنتَ هَزارُهُ الصَدّاحُ
وَتَقَوَّضَت لِلفَنِّ أَطوَلُ سَرحَةٍ
يُغدى إِلى أَفيائِها وَيُراحُ
وَاللَهِ ما أَدري وَأَنتَ وَحيدُهُ
أَعَلَيهِ يُبكى أَم عَلَيكَ يُناحُ
إِسحاقُ ماتَ فَلا صَبوحَ وَمَعبَدٌ
أَودى فَلَيسَ مَعَ الغَبوقِ فَلاحُ
مَلِكُ الغِناءِ أَزالَهُ عَن تَختِهِ
قَدَرٌ يُزيلُ الراسِياتِ مُتاحُ
في التُربِ فَوقَ بَني سُوَيفَ يَتيمَةٌ
وَمِنَ الجَواهِرِ زَيِّفٌ وَصِحاحُ
ما زالَ تاجُ الفَنِّ تَيّاهاً بِها
حَتّى اِستَبَدَّ بِها الرَدى المُجتاحُ
لَو تَستَطيعُ كَرامَةً لِمَكانِها
مَشَتِ الرِياضُ إِلَيهِ وَالأَدواحُ
رُحماكَ عَبدَ الحَيِّ أُمُّكَ شَيخَةٌ
قَعَدَت وَهيضَ لَها الغَداةَ جَناحُ
كُسِرَت عَصاها فَهيَ بِلا عَصاً
وَقَضى فَتاها الأَجوَدُ المِسماحُ
اللَهُ يَعلَمُ إِن يَكُن في قَلبِها
جُرحٌ فَفي أَحشاءِ مِصرَ جِراحُ
وَالناسُ مَبكِيٌّ وَباكٍ إِثرَهُ
وَبُكا الشُعوبِ إِذا النَوابِغُ طاحوا
كانَ النَدامى إِن شَدَوتَ وَعاقَروا
سِيّانَ صَوتُكَ بَينَهُم وَالراحُ
فيما تَقولُ مُغَنِّياً وَمُحَدِّثاً
تَتَنافَسُ الأَسماعُ وَالأَرواحُ
فارَقتَ دُنيا أَرهَقَتكَ خَسارَةً
وَغَنِمتَ قُربَ اللَهِ وَهوَ رَباحُ
يا مُخلِفاً لِلوَعدِ وَعدُكَ مالَهُ
عِندي وَلا لَكَ في الضَميرِ بَراحُ
عَبَثَت بِهِ وَبِكَ المَنِيَّةُ وَاِنقَضى
سَبَبٌ إِلَيهِ بِأُنسِنا نَرتاحُ
لَمّا بَلَغنا بِالأَحِبَّةِ وَالمُنى
بابَ السُرورِ تَغَيَّبَ المِفتاحُ
زَعَموا نَعِيَّكَ في المَجامِعِ مازِحاً
هَيهاتَ في رَيبِ المَنونِ مِزاحُ
الجِدُّ غايَةُ كُلِّ لاهٍ لاعِبٍ
عِندَ المَنِيَّةِ يَجزَعُ المِفراحُ
رَمَتِ المَنايا إِذ رَمَينَكَ بُلبُلاً
أَراَهُ في شَرَكِ الحَياةِ جِماحُ
آهاتُهُ حُرَقُ الغَرامِ وَلَفظُهُ
سَجعُ الحَمامِ لَوَ انَّهُنَّ فِصاحُ
وَذَبَحنَ حَنجَرَةً عَلى أَوتارِها
تُؤسى الجِراحُ وَتُذبَحُ الأَتراحُ
وَفَلَلنَ مِن ذاكَ اللِسانِ حَديدَةً
يَخشى لَئيمٌ بَأسَها وَوَقاحُ
وَأَبَحنَ راحَتَكَ البِلى وَلَطالَما
أَمسى عَلَيها المالُ وَهوَ مُباحُ
روحٌ تَناهَت خِفَّةً فَتَخَيَّرَت
نُزُلاً تَقاصَرُ دونَهُ الأَشباحُ
قُم غَنِّ وِلدانَ الجِنانِ وَحورِها
وَاِبعَث صَداكَ فَكُلُّنا أَرواحُ

قل للزمان يصب من أحداثه

قل للزمان يصبّ من أحداثه
أو لا يصب فما بنا إشفاق
غمرت مصائبه فأُغرقنا بها
والغمر فيه تستوى الأعماق

عجبوا من المصفوع كيف تجمعت

عجبوا من المصفوع كيف تجمعت
كل البلادة عند شخص واحد
لا تعجبوا فالله صوّر وجهه
من جلمد أو من فلاذ جامد
جمع الجمودة والبرودة صدغه
فالناس تضرب في حديد بارد

يوم أغر محجل الأنباء

يوم أغر محجل الأنباء
لعلاك تهنئتي به وهنائي
ظمأ البلاد غليك في هذى النوى
ظمأ النبات إلى الغمام النائى
شوّقتها حتى إذا أظمأتها
قام السراب بها مقام الماء
عيدان فيها حين ناجت ربها
قالت له ثَلِّثهما بلقاء

شرفاً نصير ارفع جبينك عالياً

شَرَفاً نُصَيرُ اِرفَع جَبينَكَ عالِياً
وَتَلَقَّ مِن أَوطانِكَ الإِكليلا
يَهنيكَ ما أُعطيتَ مِن إِكرامِها
وَمُنِحتَ مِن عَطفِ اِبنِ إِسماعيلا
اليَومَ يَومُ السابِقينَ فَكُن فَتىً
لَم يَبغِ مِن قَصَبِ الرِهانِ بَديلا
وَإِذا جَرَيتَ مَعَ السَوابِقِ فَاِقتَحِم
غُرَراً تَسيلُ إِلى المَدى وَحُجولا
حَتّى يَراكَ الجَمعُ أَوَّلَ طالِعٍ
وَيَرَوا عَلى أَعرافِكَ المِنديلا
هَذا زَمانٌ لا تَوَسُّطَ عِندَهُ
يَبغي المُغامِرُ عالِياً وَجَليلا
كُن سابِقاً فيهِ أَوِ اِبقَ بِمَعزِلٍ
لَيسَ التَوَسُّطُ لِلنُبوغِ سَبيلا
يا قاهِرَ الغَربِ العَتيدِ مَلَأتَهُ
بِثَناءِ مِصرَ عَلى الشِفاهِ جَميلا
قَلَّبتَ فيهِ يَداً تَكادُ لِشِدَّةٍ
في البَأسِ تَرفَعُ في الفَضاءِ الفيلا
إِنَّ الَّذي خَلَقَ الحَديدَ وَبَأسَهُ
جَعَلَ الحَديدَ لِساعِدَيكَ ذَليلا
زَحزَحتَهُ فَتَخاذَلَت أَجلادُهُ
وَطَرَحتَهُ أَرضاً فَصَلَّ صَليلا
لِمَ لا يَلينُ لَكَ الحَديدُ وَلَم تَزَل
تَتلو عَلَيهِ وَتَقرَأُ التَنزيلا
الأَزمَةَ اِشتَدَّت وَرانَ بَلاؤُها
فَاِصدِم بِرُكنِكَ رُكنَها لِيَميلا
شَمشونُ أَنتَ وَقَد رَسَت أَركانُها
فَتَمَشَّ في أَركانِها لِتَزولا
قُل لي نُصَيرُ وَأَنتَ بَرٌّ صادِقٌ
أَحَمَلتَ إِنساناً عَلَيكَ ثَقيلا
أَحَمَلتَ دَيناً في حَياتِكَ مَرَّةً
أَحَمَلتَ يَوماً في الضُلوعِ غَليلا
أَحَمَلتَ ظُلماً مِن قَريبٍ غادِرٍ
أَو كاشِحٍ بِالأَمسِ كانَ خَليلا
أَحَمَلتَ مِنّا بِالنَهارِ مُكَرَّراً
وَاللَيلِ مِن مُسدٍ إِلَيكَ جَميلا
أَحَمَلتَ طُغيانَ اللَئيمِ إِذا اِغتَنى
أَو نالَ مِن جاهِ الأُمورِ قَليلا
أَحَمَلتَ في النادي الغَبِيِّ إِذا اِلتَقى
مِن سامِعيهِ الحَمدَ وَالتَبجيلا
تِلكَ الحَياةُ وَهَذِهِ أَثقالُها
وُزِنَ الحَديدُ بِها فَعادَ ضَئيلا

بأبي وروحي الناعمات الغيدا

بِأَبي وروحي الناعمات الغيدا
الباسِماتِ عنِ اليتيمِ نضيدا
الرانِياتِ بكلِّ أحورَ فاترٍ
يَذُرُ الخليَّ من القلوبِ عميدا
الراوياتِ من السُلافِ محاجِرًا
الناهلاتِ سوالفًا وخدودا
اللاعباتِ على النسيمِ غدائرًا
الراتعاتِ مع النسيمِ قدودا
أَقبلنَ في ذهبِ الأصيلِ ووشيهِ
ملءَ الغلائلِ لؤلؤًا وفريدا
يَحدجنَ بالحدقِ الحواسدِ دميةً
كظباءِ وجرَةَ مقلتَينِ وجيدا
حوتِ الجمالَ فلو ذهبتَ تزيدُها
في الوهمِ حسنًا ما استطعتَ مزيدا
لو مرَّ بالولدانِ طيفُ جمالِها
في الخُلدِ خرّوا رُكّعًا وسجودا
أشهى منَ العودِ المرنَّمِ منطقًا
وألذُّ من أوتارِهِ تغريدا
لو كنتَ مطلقَ السجناءِ لم
تُطلق لساحرِ طرفِها مصفودا
ما قصَّر الرؤساءُ عنهُ سعى لهُ
سعدٌ فكانَ موفقًا ورشيدا
يا مصرُ أشبالُ العرينِ ترعرعت
ومشت إليكِ منَ السجونِ أُسودا
قاضى السياسةِ نالَهم بعقابهِ
خشنَ الحكومةِ في الشبابِ عتيدا
أتتِ الحوادثُ دون عقدِ قضائِهِ
فانهارَ بيِّنةً ودُكَّ شهيدا
تقضي السياسةُ غيرَ مالكةٍ لما
حكمت بهِ نقضًا ولا توكيدا
قالوا أتنظمُ للشبابِ تحيّةً
تبقى على جيدِ الزمانِ قصيدا
قلتُ الشبابُ أتمُّ عقدَ مآثرٍ
من أن أزيدَهمُ الثناءَ عقودا
قَبِلت جهودَهُمُ البلادُ وقبّلت
تاجًا على هاماتِهم معقودا
خرجوا فما مدّوا حناجرَهم ولا
منّوا على أوطانِهم مجهودا
خفيَ الأساسُ عن العيونِ تواضعًا
من بعدِ ما رفعَ البناءَ مشيدا
ما كانَ أفطنَهم لكلُّ خديعةٍ
ولكلِّ شرٍّ بالبلادِ أُريدا
لمّا بنى اللهُ القضيّةَ منهُمُ
قامت على الحقِّ المبينِ عمودا
جادوا بأَيّامِ الشبابِ وأوشكوا
يتجاوزونَ إلى الحياةِ الجودا
طلبوا الجلاءَ على الجهادِ مثوبةً
لم يطلبوا أجرَ الجهادِ زهيدا
واللهِ ما دونَ الجلاءِ ويومِهِ
يومٌ تسميهِ الكنانةُ عيدا
وجدَ السجينُ يدًا تُحطِّمُ قيدَهُ
مَن ذا يُحطِّمُ للبلادِ قيودا
ربحت منَ التصريحِ أنَّ قيودَها
قد صرنَ من ذهبٍ وكُنَّ حديدا
أوَ ما ترونَ على المنابعِ عدّةً
لا تنجلي وعلى الضفافِ عديدا
يا فِتيَةَ النيلِ السعيدِ خذوا المدى
واستأنفوا نفسَ الجهادِ مديدا
وتنكّبوا العدوانَ واجتنبوا الأذى
وقفوا بمصرَ الموقفَ المحمودا
الأرضُ أليقُ منزلًا بجماعةٍ
يبغونَ أسبابَ السماءِ قعودا
أنتم غدًا أهلُ الأمورِ وإنّما
كُنّا عليكم في الأمورِ وفودا
فابنوا على أُسسِ الزمانِ وروحِهِ
ركنَ الحضارةِ باذخًا وشديدا
الهدمُ أجملُ من بنايةِ مصلحٍ
يبني على الأُسسِ العتاقِ جديدا
وجهُ الكنانةِ ليسَ يُغضِبُ ربَّكم
أن تجعلوهُ كوجههِ معبودا
ولّوا إليهِ في الدروسِ وجوهَكم
وإذا فرغتُم واعبدوهُ هجودا
إنَّ الذي قسمَ البلادَ حباكمُ
بلدًا كأوطانِ النجومِ مجيدا
قد كانَ والدنيا لحودٌ كلُّها
للعبقريةِ والفنونِ مهودا
مجدُ الأمورِ زوالُهُ في زلّةٍ
لا ترجُ لاسمِكَ بالأمورِ خلودا
الفردُ بالشورى وباسمِ نديِّها
لُفِظَ الخليفةُ في الظلامِ شريدا
خلعتْهُ دونَ المسلمينَ عصابةٌ
لم يجعلوا للمسلمينَ وجودا
يقضونَ ذلكَ عن سوادٍ غافلٍ
خُلِقَ السوادُ مضلَّلًا ومسودا
جعلوا مشيئتَهُ الغبيّةَ سُلّمًا
نحوَ الأمورِ لمن أرادَ صعودا
إنّي نظرتُ إلى الشعوبِ فلم أجد
كالجهلِ داءً للشعوبِ مُبيدا
الجهلُ لا يلدُ الحياةَ مواتُهُ
إلّا كما تلدُ الرمامُ الدودا
لم يخلُ من صورِ الحياةِ وإنّما
أخطاهُ عنصرُها فماتَ وليدا
وإذا سبى الفردُ المسلَّطُ مجلسًا
ألفيتَ أحرارَ الرجالِ عبيدا
ورأيتَ في صدرِ النديِّ منوّمًا
في عصبةٍ يتحرّكونَ رقودا
الحقُّ سهمٌ لا ترشهُ بباطلٍ
ما كانَ سهمُ المبطلينَ سديدا
والعبْ بغيرِ سلاحِهِ فلربّما
قتلَ الرجالَ سلاحُهُ مردودا