ملك السماء بهرت في الأنوار

مَلِكَ السَماءِ بَهَرتَ في الأَنوارِ
فَفَداك كُلُّ مُتَوَّجٍ مِن ساري
لَمّا طَلَعتَ عَلى المِياهِ تُنيرُها
سَكَنَت وَقَد كانَت بِغَيرِ قَرارِ
وَزَهَت لِناظِرِها السَماءُ وَقَرَّ ما
في البَحرِ مِن عُبُبٍ وَمِن تَيّارِ
وَأَهَلَّ لِلَّهِ السُراةُ وَأَزلَفوا
لَكَ في الكَمالِ تَحِيَّةَ الإِكبارِ
وَتَأَمَّلوكَ فَكُلُّ جارِحَةٍ لَهُم
عَينٌ تُسامِرُ نورَها وَتُساري
وَالبَدرُ مِنكَ عَلى العَوالِمِ يَجتَلي
بِشرَ الوُجوهِ وَزَحمَةِ الأَبصارِ
مُتَقَدِّمٌ في النورِ مَحجوبٌ بِهِ
موفٍ على الآفاقِ بِالأَسفارِ
يا دُرَّةَ الغَوّاصِ أَخرَجَ ظافِراً
يُمناهُ يَجلوها عَلى النُظّارِ
مُتَهَلِّلاً في الماءِ أَبدى نِصفَهُ
يَسمو بِها وَالنِصفُ كاسٍ عارِ
وافى بِكَ الأُفُقُ السَماءَ فَأَسفَرَت
عَن قُفلِ ماسٍ في سِوارِ نُضارِ
وَنَهَضتَ يَزهو الكَونُ مِنكَ بِمَنظَرٍ
ضاحٍ وَيَحمُلُ مِنكَ تاجَ فَخارِ
الماءُ وَالآفاقُ حَولَكَ فِضَّةٌ
وَالشُهبُ دينارٌ لَدى دينارِ
وَالفُلكُ مُشرِقَةُ الجَوانِبِ في الدُجى
يَبدو لَها ذَيلٌ مِنَ الأَنوارِ
بَينا تَخَطَّرُ في لُجَينٍ مائِجٍ
إِذ تَنثَني في عَسجَدٍ زَخّارِ
وَكَأَنَّها وَالمَوجُ مُنتَظِمٌ وَقَد
أَوفَيتَ ثُمَّ دَنَوتَ كَالمُختارِ
غَيداءُ لاهِيَةٌ تَخُطُّ لِأَغيَدٍ
شِعراً لِيَقرَأَهُ وَأَنتَ القاري
فَليَهنِ بَدرَ الأَرضِ أَنَّكَ صِنوُهُ
وَنَظيرُهُ قُرباً وَبُعدَ مَزارِ
وَحَلاكُما ما البَدرُ إِلّا أَنتُما
وَسِواكُما قَمَرٌ مِنَ الأَقمارِ
أَنتَ الكَريمُ عَلى الوُجودِ بِوَجهِهِ
وَهيَ الضَنينَةُ بِالخَيالِ الساري
هَيفاءُ أَهواها وَأَعشَقُ ذِكرَها
لَكِن أُداري وَالمُحِبُّ يُداري
لي في الهَوى سِرٌّ أَبيتُ أَصونُهُ
وَاللَهُ مُطَّلِعٌ عَلى الأَسرارِ

اجعل رثاءك للرجال جزاء

اِجعَل رِثاءَكَ لِلرِجالِ جَزاءَ
وَاِبعَثهُ لِلوَطَنِ الحَزينِ عَزاءَ
إِنَّ الدِيارَ تُريقُ ماءَ شُؤونِها
كَالأُمَّهاتِ وَتَندُبُ الأَبناءَ
ثُكلُ الرِجالِ مِنَ البَنينِ وَإِنَّما
ثُكلُ المَمالِكِ فَقدُها العُلَماءَ
يَجزَعنَ لِلعَلَمِ الكَبيرِ إِذا هَوى
جَزَعَ الكَتائِبِ قَد فَقَدنَ لِواءَ
عَلَمُ الشَريعَةِ أَدرَكَتهُ شَريعَةٌ
لِلمَوتِ يَنظِمُ حُكمُها الأَحياءَ
عانى قَضاءَ الأَرضِ عِلمَ مُحَصِّلٍ
وَاَليَومَ عالَجَ لِلسَماءِ قَضاءَ
وَمَضى وَفيهِ مِنَ الشَبابِ بَقِيَّةٌ
لِلنَفعِ أَرجى ما تَكونُ بَقاءَ
إِنَّ الشَبابَ يُحَبُّ جَمّاً حافِلاً
وَتُحَبُّ أَيّامُ الشَبابِ مِلاءَ
بِالأَمسِ كانَت لِاِبنِ هَيفٍ غَضبَةٌ
لِلحَقِّ نَذكُرُها يَداً بيضاءَ
مَشَتِ البِلادُ إِلى رِسالَةِ مِلنَرٍ
وَتَحَفَّزَت أَرضاً لَها وَسَماءَ
فَلَمَحتُ أَعرَجَ في زَوايا الحَقِّ لَم
أَعلَم عَلَيهِ ذِمَّةً عَرجاءَ
اِرتَدَّتِ العاهاتُ عَن أَخلاقِهِ
لِسُمُوِّهِنَّ وَحَلَّتِ الأَعضاءَ
عَطَفَتهُ عَطفَ القَوسِ يَومَ رِمايَةٍ
وَثَنَتهُ كَالماضي فَزادَ مَضاءَ
لَمّا رَأى التَقريرَ يَنفُثُ سُمَّهُ
سَبَقَ الحُواةَ فَأَخرَجَ الرَقطاءَ
هَتَكَ الحِمايَةَ وَالرِجالَ وَراءَها
يَتَلَمَّسونَ لَها السُتورَ رِياءَ
ما قَبَّحوا بِالصُبحِ مِن أَشباحِها
راحوا إِلَيكَ فَحَسَّنوهُ مَساءَ
يا قَيِّمَ الدارِ الَّتي قَد أَخرَجَت
لِلمُدلِجينَ مَنارَةً زَهراءَ
وَتَرى لَدَيها الوارِدينَ فَلا تَرى
إِلّا ظِماءً يَنزِلونَ رَواءَ
وَتُجالِسُ العُلَماءَ في حُجُراتِها
وَتُسامِرُ الحُكَماءَ وَالشُعَراءَ
تَكفيكَ شَيطانَ الفَراغِ وَتَعتَني
بِالجاهِلينَ تَرُدُّهُم عُقَلاءَ
دارُ الذَخائِرِ كُنتَ أَكمَلَ كُتبِها
مَجموعَةٌ وَأَتَمَّها أَجزاءَ
لَمّا خَلَت مِن كِنزِ عِلمِكَ أَصبَحَت
مِن كُلِّ أَعلاقِ الكُنوزِ خَلاءَ
هَزَّ الشَبابُ إِلى رَثائِكَ خاطِري
فَوَجَدتَ فِيَّ وَفي الشَبابِ وَفاءَ
عَبدَ الحَميدِ أَلا أُسِرُّكَ حادِثاً
يَكسو عِظامَكَ في البِلى السَرّاءَ
قُم مِن صُفوفِ الحَقِّ تلقَ كَتيبَةً
مَلمومَةً وَتَرَ الصُفوفَ سَواءَ
وَتَرَ الكِنانَةِ شيبَها وَشَبابَها
دونَ القَضِيَةِ عُرضَةً وَفِداءَ
جَمَعَ السَلامُ الصُحفَ مِن غاراتِها
وَتَأَلَّفَ الأَحزابَ وَالزُعَماءَ
في كُلِّ وُجدانٍ وَكُلِّ سَريرَةٍ
خَلَفَ الوِدادُ الحِقدَ وَالبَغضاءَ
وَغَدا إِلى دينِ العَشيرَةِ يَنتَهي
مَن خالَفَ الأَعمامَ وَالآباءَ
لا يَحجِبونَ عَلى تجَنّيهِم وَلا
يَجِدونَ إِلّا الصَفحَ وَالإِغضاءَ
وَالأَهلُ لا أَهلاً بِحَبلِ وَلائِهِم
حَتّى تَراهُم بَينَهُم رُحَماءُ
كَذَبَ المُريبُ يَقولُ بَعدَ غَدٍ لَنا
خُلفٌ يُعيدُ وَيُبدِئُ الشَحناءَ
قَلبي يُحَدِّثُني وَلَيسَ بِخائِني
إِنَّ العُقولَ سَتَقهَرُ الأَهواءَ
يا سَعدُ قَد جَرَتِ الأُمورُ لِغايَةٍ
اللَهُ هَيَّأَها لَنا ما شاءَ
سُبحانَهُ جَمَعَ القُلوبَ مِنَ الهَوى
شَتّى وَقَوّى حَولَهُ الضُعَفاءَ
الفُلكُ بَعدَ العُسرِ يُسِّرَ أَمرُها
وَاِستَقبَلَت ريحَ الأُمورِ رُخاءَ
وَتَأَهَّبَت بِكَ تَستَعِدُّ لِزاخِرٍ
تَطَأُ العَواصِفَ فيهِ وَالأَنواءَ
رَجَعَت بِراكِبِها إِلى رُبّانِها
تُلقي الرَجاءَ عَلَيهِ وَالأَعباءَ
فَاِشدُد بِأَربابِ النُهى سُكّانَها
وَاِجعَل مِلاكَ شِراعِها الأَكفاءَ
مَن ذا الَّذي يَختارُ أَهلَ الفَضلِ أَو
يَزِنُ الرِجالَ إِذا اِختِيارُكَ ناءَ
أَخرِج لِأَبناءِ الحَضارَةِ مَجلِساً
يُبقي عَلى اِسمِكَ في العُصورِ ثَناءَ

في ذي الجفون مصارع الأكباد

في ذي الجفون مصارع الأكباد
الله في جنب بغير عماد
كانت له كبد فحاق بها الهوى
فهوت وقد كانت من الأطواد
وإذا النفوس تطوّحت في لذة
كانت جنايتها على الأجساد
نَشوَى وما يُسقَين إلا راحتي
وَسنَى وما يُطعمن غير رقادي
ضَعفَي وكم أبلين من ذى قوّة
مرضى وكم أفنَين من عُوّاد
يا قاتل الله العيون فإنها
في حَرِّ ما نصلى الضعيفُ البادى
قاتلن في أجفانهن قلوبنا
فصرعنها وسلمن بالأغماد
وصبغن من دمها الخدود تنصلا
ولقين أرباب الهوى بسواد
والهدب أرأف بالقلوب وإنما
يَتِد السلامُ بأوهن الأوتاد
يا ساقِيَّ تخيرا صرف الأسى
أو فامزجا كأسيكما بسهاد
فلعل بعض الهم يخلف بعضه
فأرى بذلك راحة لفؤادي
مالي تعالجني المدام كأنما
عقلي بواد والمدام بوادي
هذا الزجاج ولى فؤاد مثله
ريان من هذى السلافة صادى
صدعت حواشيه الهموم بنابها
واللب من صدع على ميعاد
ما كنت أوثر أن تطول سلامتي
فأرى المعالي حلية الأوغاد
وأرى الأعادي في البلاد مواليا
وأرى الموالي في البلاد أعادي
وأيادىَ المتقدمين مساوئا
ومساوئ المتأخرين أيادي
وأرى بني وطني تُفرِّق بينهم
أيدى العداة وألسن الحساد
وأشد من وقع المصاب على الفتى
ذكر المصاب على لسان عادى
عباس إنك للبلاد وإنه
لم يبق غيرك من يقول بلادي
لولاك لم نُعِر المواسم نظرة
كلا ولم نقبل على الأعياد
ولما توردنا لسائمة دما
نفدى نفوسا ما لها من فادي
شطت بنا فلك الأمور فكن لنا
في بحر حيرتنا المنار الهادى
وكن السعود الطاردات نحوسنا
الغاديات بنفحة الإمداد
يأتي الشقاء على البلاد وينقضى
وشقاء مصر مؤبد الآباد
وأرى مصيبة كل قوم غيرهم
وأرى مصيبتنا من الأفراد
من كل أرعن كاذب لا يُرتَجى
لعداوة يوما ولا لوداد
يا ابن الأولى لا ينتهى إلا لهم
إحياء مصر وغرس هذا الوادي
ثبتوا على عهد البلاد بموقف
ناب الثبات به عن الأجناد
والعصر يرعد والملوك حنيقة
والفلك رابحة الشراع غوادي
فأبوا فكان العزم أكرم ناصر
لهمُ وكان الحزم خير عَتَاد
والحق يُنصر حين ليس بنافع
بأس الجيوش ودُربة القوّاد
فاسأل فكم من صيحة لك في الورى
نقلت إلى الدنيا صدى الآساد
مولاى وآبق الدهر أسلم سالم
وتَلقَّ أعيادا بغير عِداد
تؤتى رعيتك الوفية سؤلها
وتبلغ الأوطان كل مراد
وتفوز بالنصر المبين على العدا
والغاصبين الحق والأضداد
وتطهر السودان من آفاته
وتقيمه في الأمن والإسعاد
وتبيد ملك الذاهبين بعزه
الصائرين بسوقه لكساد
سلطت في تأديبهم رعدا على
رعد وجلادا على جلاد
فاندك بغيهم ببقى مثله
والله للباغين بالمرصاد

ملَك بأفق الرمل هلّ كريما

مَلَك بأفق الرمل هلّ كريما
يدعو الجماد جماله ليهيما
أبهى من الدنيا وأزين طلعة
وألذ من عَرف الحياة شميما
الريح تحضن بانة من قده
والبحر يرحم درّ فيه يتيما
والشمس تغشى شَعره وكأنما
خلعت عليه نضارها الموهوما
والناس في شغل به وتعجب
لا يذكرون من الهموم قديما
يارملة الثغر استرقى واملكي
من بات من فتن الغرام سليما
تتجمل الدنيا بشمس سمائها
وجمال أفقك بالشموس عموما
بالنعامات اللاهيات بمنتدىً
يبدو أشمّ على المياه فخيما
الحاكيات عليه أندلس الهوى
عربا لنا طورا وحينا روما
الطالعات ولا أقول فراقدا
حذر العيون ولا أقول نجوما
والمائجات من اللطافة لجة
والهافيات من الدلال نسيما
واللافظات عن القيق مرقّقا
والباسمات عن الجمان نظيما
والساحبات من الحرير مطارفا
ودَّ الأصيل فشيبهنّ أديما
من كل مقبلة تخف لها النهى
وثبا ويأخذها الفؤاد صميما
هيفاء تندى بهجة في إثرها
هيفاء تقطر نضرة ونعيما
متجانسات في سياق وفودها
يحكين هذا اللؤلؤ المنظوما

أعلى الممالك ما كرسيه الماء

أَعلى المَمالِكِ ما كُرسِيُّهُ الماءُ
وَما دِعامَتُهُ بِالحَقِّ شَمّاءُ
يا جيرَةَ المَنشِ حَلّاكُم أُبُوَّتُكُم
ما لَم يُطَوِّق بِهِ الأَبناءُ آباءُ
مُلكٌ يُطاوِلُ الشَمسَ عِزَّتُهُ
في الغَربِ باذِخَةٌ في الشَرقِ قَعساءُ
تَأوي الحَقيقَةُ مِنهُ وَالحُقوقُ إِلى
رُكنٍ بَناهُ مِنَ الأَخلاقِ بَنّاءُ
أَعلاهُ بِالنَظَرِ العالي وَنَطَّقَهُ
بِحائِطِ الرَأيِ أَشياخٌ أَجِلّاءُ
وَحاطَهُ بِالقَنا فِتيانُ مَملَكَةٍ
في السِلمِ زَهرُ رُبىً في الرَوعِ أَرزاءُ
يُستَصرَخونَ وَيُرجى فَضلُ نَجدَتِهِم
كَأَنَّهُم عَرَبٌ في الدَهرِ عَرباءُ
وَدَولَةٌ لا يَراها الظَنُّ مِن سِعَةٍ
وَلا وَراءَ مَداها فيهِ عَلياءُ
عَصماءُ لا سَبَبُ الرَحمَنِ مُطَّرَحٌ
فيها وَلا رَحِمُ الإِنسانِ قَطعاءُ
تِلكَ الجَزائِرُ كانَت تَحتَهُم رُكناً
وَراءَهُنَّ لِباغي الصَيدِ عَنقاءُ
وَكانَ وُدُّهُمُ الصافي وَنُصرَتُهُم
لِلمُسلِمينَ وَراعيهِم كَما شاؤوا
دُستورُهُم عَجَبُ الدُنيا وَشاعِرُهُم
يَدٌ عَلى خَلقِهِ لِلَّهِ بَيضاءُ
ما أَنجَبَت مِثلَ شيكِسبيرَ حاضِرَةٌ
وَلا نَمَت مِن كَريمِ الطَيرِ غَنّاءُ
نالَت بِهِ وَحدَهُ إِنكِلتِرا شَرَفاً
ما لَم تَنَل بِالنُجومِ الكُثرِ جَوزاءُ
لَم تُكشَفِ النَفسُ لَولاهُ وَلا بُلِيَت
لَها سَرائِرُ لا تُحصى وَأَهواءُ
شِعرٌ مِنَ النَسَقِ الأَعلى يُؤَيِّدُهُ
مِن جانِبِ اللَهِ إِلهامٌ وَإيحاءُ
مِن كُلِّ بَيتٍ كَآيِ اللَهِ تَسكُنُهُ
حَقيقَةٌ مِن خَيالِ الشِعرِ غَرّاءُ
وَكُلِّ مَعنىً كَعيسى في مَحاسِنِهِ
جاءَت بِهِ مِن بَناتِ الشِعرِ عَذراءُ
أَو قِصَّةٍ كَكِتابِ الدَهرِ جامِعَةٍ
كِلاهُما فيهِ إِضحاكٌ وَإِبكاءُ
مَهما تُمَثَّل تُرَ الدُنيا مُمَثَّلَةً
أَو تُتلَ فَهيَ مِنَ الإِنجيلِ أَجزاءُ
يا صاحِبَ العُصُرِ الخالي أَلا خَبَرٌ
عَن عالَمِ المَوتِ يَرويهِ الأَلِبّاءُ
أَمّا الحَياةُ فَأَمرٌ قَد وَصَفتَ لَنا
فَهَل لِما بَعدُ تَمثيلٌ وَإِدناءُ
بِمَن أَماتَكَ قُل لي كَيفَ جُمجُمَةٌ
غَبراءُ في ظُلُماتِ الأَرضِ جَوفاءُ
كانَت سَماءَ بَيانٍ غَيرَ مُقلِعَةٍ
شُؤبوبُها عَسَلٌ صافٍ وَصَهباءُ
فَأَصبَحَت كَأَصيصٍ غَيرَ مُفتَقَدٍ
جَفَتهُ رَيحانَةٌ لِلشِعرِ فَيحاءُ
وَكَيفَ باتَ لِسانٌ لَم يَدَع غَرَضاً
وَلَم تَفُتهُ مِنَ الباغينَ عَوراءُ
عَفا فَأَمسى زُنابى عَقرَبٍ بَلِيَت
وَسُمُّها في عُروقِ الظُلمِ مَشّاءُ
وَما الَّذي صَنَعَت أَيدي البِلى بِيَدٍ
لَها إِلى الغَيبِ بِالأَقلامِ إيماءُ
في كُلِّ أُنمُلَةٍ مِنها إِذا اِنبَجَسَت
بَرقٌ وَرَعدٌ وَأَرواحٌ وَأَنواءُ
أَمسَت مِنَ الدودِ مِثلَ الدودِ في جَدَثٍ
قُفّازُها فيهِ حَصباءٌ وَبَوغاءُ
وَأَينَ تَحتَ الثَرى قَلبٌ جَوانِبُهُ
كَأَنَّهُنَّ لِوادي الحَقِّ أَرجاءُ
تُصغي إِلى دَقِّهِ أُذنُ البَيانِ كَما
إِلى النَواقيسِ لِلرُهبانِ إِصغاءُ
لَئِن تَمَشّى البِلى تَحتَ التُرابِ بِهِ
لا يُؤكَلُ اللَيثُ إِلّا وَهوَ أَشلاءُ
وَالناسُ صِنفانِ مَوتى في حَياتِهُمُ
وَآخَرونَ بِبَطنِ الأَرضِ أَحياءُ
تَأبى المَواهِبُ فَالأَحياءُ بَينَهُمُ
لا يَستَوونَ وَلا الأَمواتُ أَكفاءُ
يا واصِفَ الدَمِ يَجري هَهُنا وَهُنا
قُمِ اُنظُرِ الدَمَ فَهوَ اليَومَ دَأماءُ
لاموكَ في جَعلِكَ الإِنسانَ ذِئبَ دَمٍ
وَاليَومَ تَبدو لَهُم مِن ذاكَ أَشياءُ
وَقيلَ أَكثَرَ ذِكرَ القَتلِ ثُمَّ أَتَوا
ما لَم تَسَعهُ خَيالاتٌ وَأَنباءُ
كانوا الذِئابَ وَكانَ الجَهلُ داءَهُمو
وَاليَومَ عِلمُهُمُ الراقي هُوَ الداءُ
لُؤمُ الحَياةِ مَشى في الناسِ قاطِبَةً
كَما مَشى آدَمٌ فيهِم وَحَوّاءُ
قُم أَيِّدِ الحَقَّ في الدُنيا أَلَيسَ لَهُ
كَتيبَةٌ مِنكَ تَحتَ الأَرضِ خَرساءُ
وَأَينَ صَوتٌ تَميدُ الراسِياتُ لَهُ
كَما تَمايَدَ يَومَ النارِ سَيناءُ
وَأَينَ ماضِيَةٌ في الظُلمِ قاضِيَةٌ
وَأَينَ نافِذَةٌ في البَغيِ نَجلاءُ
أَيَترُكُ الأَرضَ جانوها وَلَيسَ بِها
صَحيفَةٌ مِنكَ في الجانِبَينِ سَوداءُ
تَأوي إِلَيها الأَيامى فَهيَ تَعزِيَةٌ
وَيَستَريحُ اليَتامى فَهيَ تَأساءُ

قالوا فروق الملك دار مخاوف

قالوا فَروقُ المُلكِ دارُ مَخاوِفٍ
لا يَنقَضي لِنَزيلِها وُسواسُ
وَكِلابُها في مَأمَنٍ فَاِعجَب لَها
أَمِنَ الكِلابُ بِها وَخافَ الناسُ

بعدت ديار واحتوتك ديار

بعدت ديار واحتوتك ديار
هيهات للنجم الرفيع قرار
ضجت عواد بالبَراح روائح
وشكا حديد سابح وبخار
بالأمس تصدر عن فروقٍ صاديا
واليوم يوردك الشآم أوار
زعموا المسافة ليلة ونهارها
ما الدهر إلا ليلة ونهار
سِر وآسر في طول البلاد وعرضها
إن الأهلة دأبها الأسفار
والأرض أوسع والعجائب جمة
والعمر أضيق والسنون قصار
يا راكب الداماء يزجى فلكه
رُحماك هل للفلك عندك ثار
مأسورة ابدا تروح وتغتدى
وهلاكها في أن يفك إسار
حازت نفوس العالمين وحازها
ضمن الجواري صاحب غدار
همت وجرأها على تياره
أن الأمور جميعها تيار
تجرى مُؤَمَّنَةَ السبيل زمامها
لطف الجليل وحصنها المقدار
في قُلَّبٍ ما للرفاق وسيلة
فيه ولا لهمو عليه خيار
بينا مودّته على أكبادهم
برد إذا هي في الجوانح نار
مازلت أعرض في الضمير لآلئى
وأغِيره بنظيمها فيغار
والفلك يرقص والرياح عوازف
والليل ليل والعباب مثار
حتى نزلت بباكرين إلى القرى
متهللين كأنهم أقمار
سبقت إلى السارى الصباحَ وجوههم
تندى ويحمد عندها الإسفار
قوم هم العرب الكرام تمخضت
مضر بهم في شرخها ونزار
نزلوا بلبنان الأشم ونقّلوا
فيه المكارم حيث سار الجار
لبنان يا ملك الجبال تحية
رقت وأزلفها لك الإكبار
عاليه تحملها إليك وصوفر
ومناهل بالجنتين غزار
من نازح الدار التقى بك داره
ساح الأكارم للكريم ديار
خلَّى الأحبة والمآرب خلفه
فإذا الأحبة فيك والأوطار
للواردين على رياضك أعين
من فضلة أهدابهن نضار
سال الفرات بها وقام كأنه
دمع السرور لو أنه مدرار
ليت الزمان أجار من أحداثه
قطرين بينهما هوى وجوار
أخذ المحبة من على وابنه
وعلى الهوى تتألف الأفكار

يا رب أمرك في الممالك نافذ

يا رَبِّ أَمرُكَ في المَمالِكِ نافِذٌ
وَالحُكمُ حُكمُكَ في الدَمِ المَسفوكِ
إِن شِئتَ أَهرِقهُ وَإِن شِئتَ اِحمِهِ
هُوَ لَم يَكُن لِسِواكَ بِالمَملوكِ
وَاِحكُم بِعَدلِكَ إِنَّ عَدلَكَ لَم يَكُن
بِالمُمتَرى فيهِ وَلا المَشكوكِ
أَلِأَجلِ آجالٍ دَنَت وَتَهَيَّأَت
قَدَّرتَ ضَربَ الشاطِئِ المَتروكِ
ما كانَ يَحميهِ وَلا يُحمى بِهِ
فُلكانِ أَنعَمُ مِن بَواخِرِ كوكِ
هَذي بِجانِبِها الكَسيرِ غَريقَةٌ
تَهوي وَتِلكَ بِرُكنِها المَدكوكِ
بَيروتُ ماتَ الأُسدُ حَتفَ أُنوفِهِم
لَم يُشهِروا سَيفاً وَلَم يَحموكِ
سَبعونَ لَيثاً أُحرِقوا أَو أُغرِقوا
يا لَيتَهُم قُتِلوا عَلى طَبَروكِ
كُلٌّ يَصيدُ اللَيثَ وَهوَ مُقَيَّدٌ
وَيَعِزُّ صَيدَ الضَيغَمِ المَفكوكِ
يا مَضرِبَ الخِيَمِ المُنيفَةِ لِلقِرى
ما أَنصَفَ العُجمُ الأُلى ضَرَبوكِ
ما كُنتِ يَوماً لِلقَنابِلِ مَوضِعاً
وَلَو أَنَّها مِن عَسجَدٍ مَسبوكِ
بَيروتُ يا راحَ النَزيلِ وَأُنسِهُ
يَمضي الزَمانُ عَلَيَّ لا أَسلوكِ
الحُسنُ لَفظٌ في المَدائِنِ كُلِّها
وَوَجَدتُهُ لَفظاً وَمَعنىً فيكِ
نادَمتُ يَوماً في ظِلالِكِ فِتيَةً
وَسَموا المَلائِكَ في جَلالِ مُلوكِ
يُنسونَ حَسّاناً عِصابَةَ جِلَّقٍ
حَتّى يَكادُ بِجِلَّقٍ يَفديكِ
تَاللَهِ ما أَحدَثتِ شَرّاً أَو أَذىً
حَتّى تُراعي أَو يُراعَ بَنوكِ
أَنتِ الَّتي يَحمي وَيَمنَعُ عِرضَها
سَيفُ الشَريفِ وَخِنجَرُ الصُعلوكِ
إِن يَجهَلوكِ فَإِنَّ أُمَّكِ سورِيا
وَالأَبلَقُ الفَردُ الأَشَمُّ أَبوكِ
وَالسابِقينَ إِلى المَفاخِرِ وَالعُلا
بَلهُ المَكارِمَ وَالنَدى أَهلوكِ
سالَت دِماءٌ فيكِ حَولَ مَساجِدٍ
وَكَنائِسٍ وَمَدارِسٍ وَبُنوكِ
كُنّا نُؤَمِّلُ أَن يُمَدَّ بَقاؤُها
حَتّى تَبِلَّ صَدى القَنا المَشبوكِ
لَكِ في رُبى النيلِ المُبارَكِ جيرَةٌ
لَو يَقدِرونَ بِدَمعِهِم غَسَلوكِ

يا طير مالك لا تهيج لك الجوى

يا طير مالك لا تهيج لك الجوى
نسمات أسحار خطرن رقاق
مات الحمولي والغرام فلا الصَّبا
في العالمين صَبًا ولا العشاق