في ذي الجفون مصارع الاكباد

في ذي الجفون مصارع الأكباد
الله في جنب بغير عماد
كانت له كبد فحاق بها الهوى
فهوت وقد كانت من الأطواد
وإذا النفوس تطوّحت في لذة
كانت جنايتها على الأجساد
نَشوَى وما يُسقَين إلا راحتي
وَسنَى وما يُطعمن غير رقادي
ضَعفَي وكم أبلين من ذى قوّة
مرضى وكم أفنَين من عُوّاد
يا قاتل الله العيون فإنها
في حَرِّ ما نصلى الضعيفُ البادى
قاتلن في أجفانهن قلوبنا
فصرعنها وسلمن بالأغماد
وصبغن من دمها الخدود تنصلا
ولقين أرباب الهوى بسواد
والهدب أرأف بالقلوب وإنما
يَتِد السلامُ بأوهن الأوتاد
يا ساقِيَّ تخيرا صرف الأسى
أو فامزجا كأسيكما بسهاد
فلعل بعض الهم يخلف بعضه
فأرى بذلك راحة لفؤادي
مالي تعالجني المدام كأنما
عقلي بواد والمدام بوادي
هذا الزجاج ولى فؤاد مثله
ريان من هذى السلافة صادى
صدعت حواشيه الهموم بنابها
واللب من صدع على ميعاد
ما كنت أوثر أن تطول سلامتي
فأرى المعالي حلية الأوغاد
وأرى الأعادي في البلاد مواليا
وأرى الموالي في البلاد أعادي
وأيادىَ المتقدمين مساوئا
ومساوئ المتأخرين أيادي
وأرى بني وطني تُفرِّق بينهم
أيدى العداة وألسن الحساد
وأشد من وقع المصاب على الفتى
ذكر المصاب على لسان عادى
عباس إنك للبلاد وإنه
لم يبق غيرك من يقول بلادي
لولاك لم نُعِر المواسم نظرة
كلا ولم نقبل على الأعياد
ولما توردنا لسائمة دما
نفدى نفوسا ما لها من فادي
شطت بنا فلك الأمور فكن لنا
في بحر حيرتنا المنار الهادى
وكن السعود الطاردات نحوسنا
الغاديات بنفحة الإمداد
يأتي الشقاء على البلاد وينقضى
وشقاء مصر مؤبد الآباد
وأرى مصيبة كل قوم غيرهم
وأرى مصيبتنا من الأفراد
من كل أرعن كاذب لا يُرتَجى
لعداوة يوما ولا لوداد
يا ابن الأولى لا ينتهى إلا لهم
إحياء مصر وغرس هذا الوادي
ثبتوا على عهد البلاد بموقف
ناب الثبات به عن الأجناد
والعصر يرعد والملوك حنيقة
والفلك رابحة الشراع غوادي
فأبوا فكان العزم أكرم ناصر
لهمُ وكان الحزم خير عَتَاد
والحق يُنصر حين ليس بنافع
بأس الجيوش ودُربة القوّاد
فاسأل فكم من صيحة لك في الورى
نقلت إلى الدنيا صدى الآساد
مولاى وآبق الدهر أسلم سالم
وتَلقَّ أعيادا بغير عِداد
تؤتى رعيتك الوفية سؤلها
وتبلغ الأوطان كل مراد
وتفوز بالنصر المبين على العدا
والغاصبين الحق والأضداد
وتطهر السودان من آفاته
وتقيمه في الأمن والإسعاد
وتبيد ملك الذاهبين بعزه
الصائرين بسوقه لكساد
سلطت في تأديبهم رعدا على
رعد وجلادا على جلاد
فاندك بغيهم ببقى مثله
والله للباغين بالمرصاد

ان تسالي عن مصر حواء القري

إِن تَسأَلي عَن مِصرَ حَوّاءِ القُرى
وَقَرارَةِ التاريخِ وَالآثارِ
فَالصُبحُ في مَنفٍ وَثيبَة واضِحٌ
مَن ذا يُلاقي الصُبحَ بِالإِنكارِ
بِالهَيلِ مِن مَنفٍ وَمِن أَرباضِها
مَجدوعُ أَنفٍ في الرِمالِ كُفاري
خَلَتِ الدُهورُ وَما اِلتَقَت أَجفانُهُ
وَأَتَت عَلَيهِ كَلَيلَةٍ وَنَهارِ
ما فَلَّ ساعِدَهُ الزَمانُ وَلَم يَنَل
مِنهُ اِختِلافُ جَوارِفٍ وَذَوارِ
كَالدَهرِ لَو مَلَكَ القِيامَ لِفَتكَةٍ
أَو كانَ غَيرَ مُقَلَّمِ الأَظفارِ
وَثَلاثَةٍ شَبَّ الزَمانُ حِيالَها
شُمٍّ عَلى مَرِّ الزَمانِ كِبارِ
قامَت عَلى النيلِ العَهيدِ عَهيدَةً
تَكسوهُ ثَوبَ الفَخرِ وَهيَ عَوارِ
مِن كُلِّ مَركوزٍ كَرَضوى في الثَرى
مُتَطاوِلٍ في الجَوِّ كَالإِعصارِ
الجِنُّ في جَنَباتِها مَطروقَةٌ
بِبَدائِعِ البَنّاءِ وَالحَفّارِ
وَالأَرضُ أَضَيعُ حيلَةً في نَزعِها
مِن حيلَةِ المَصلوبِ في المِسمارِ
تِلكَ القُبورُ أَضَنَّ مِن غَيبٍ بِما
أَخفَت مِنَ الأَعلاقِ وَالأَذخارِ
نامَ المُلوكُ بِها الدُهورَ طَويلَةً
يَجِدونَ أَروَحَ ضَجعَةٍ وَقَرارِ
كُلٌّ كَأَهلِ الكَهفِ فَوقَ سَريرِهِ
وَالدَهرُ دونَ سَريرِهِ بِهِجارِ
أَملاكُ مِصرَ القاهِرونَ عَلى الوَرى
المُنزَلونَ مَنازِلَ الأَقمارِ
هَتَكَ الزَمانُ حِجابَهُم وَأَزالَهُم
بَعدَ الصِيانِ إِزالَةَ الأَسرارِ
هَيهاتَ لَم يَلمِس جَلالَهُمو البِلى
إِلّا بِأَيدٍ في الرَغامِ قِصارِ
كانوا وَطَرفُ الدَهرِ لا يَسمو لَهُم
ما بالُهُم عُرِضوا عَلى النُظّارِ
لَو أَمهَلوا حَتّى النُشورِ بِدَورِهِم
قاموا لِخالِقِهِم بِغَيرِ غُبارِ

ان الذي رزق المماليك الغني

إن الذي رزق المماليك الغنى
وحباهم ملك البلاد كبيرا
لم يعطهم من نعمة الأولاد ما
أعطى الخلائق مثريا وفقيرا
لولا التبني ما عرفنا لذة
للعيش يحسبه الحسود نضيرا
أولى البيوت بغابط أو حاسد
بيت يضم صغيرة وصغيرا

شيعت احلامي بقلب باك

شَيّعـتُ أَحْـلامـي بقلـبٍ بـاكِ
ولَمَحتُ من طُرُق المِـلاحِ شِباكـي
ورجـعـتُ أَدراجَ الشبـاب ووِرْدَه
أَمشي مكانَهمـا علـى الأَشـواكِ
وبجـانبِـي واهٍ كـأَن خُفـوقَـه
لَمـا تلفَّـتَ جَهْشَـةُ المُتبـاكـي
شاكِي السلاحِ إذا خـلا بضلوعـه
فإذا أُهيـبَ بـه فليـس بـشـاكِ
قد راعـه أَنـي طوَيْـتُ حبائلـي
من بعـد طـول تنـاولٍ وفكـاكِ
وَيْحَ ابنِ جَنْبـي ؟ كلُّ غايـةِ لـذَّةٍ
بعـدَ الشبـابِ عـزيـزةُ الإدراكِ
لـم تَبـقَ منَّا ، يا فـؤادُ ، بقيّـةٌ
لـفـتـوّةٍ ، أَو فَضلـةٌ لـعِـراكِ
كنا إذا صفَّقْـتَ نستبـق الـهوى
ونَشُـدُّ شَـدَّ العُصبـةِ الـفُتَّـاكِ
واليومَ تبعـث فـيّ حيـن تَهُزُّنـي
مـا يبعـث الناقـوسُ فِي النُّسّـاكِ
يا جارةَ الوادي ، طَرِبْـتُ وعادنـي
ما يشبـهُ الأَحـلامَ مـن ذكـراكِ
مَثَّلْتُ فِي الذِكْرَى هَواكِ وفِي الكَرَى
والذِّكرياتُ صَدَى السّنينَ الحَاكـي
ولقد مررتُ على الريـاض برَبْـوَةٍ
غَـنَّـاءَ كنـتُ حِيالَهـا أَلقـاكِ
ضحِكَتْ إلـيَّ وجُوهها وعيونُهـا
ووجـدْتُ فِـي أَنفاسهـا ريّـاكِ
فذهبتُ فِي الأَيـام أَذكـر رَفْرَفـاً
بيـن الجـداولِ والعيـونِ حَـواكِ
أَذكَرْتِ هَرْوَلَةَ الصبابـةِ والـهوى
لـما خَطَـرْتِ يُقبِّـلان خُطـاكِ ؟
لم أَدر ما طِيبُ العِناقِ على الـهوى
حتـى ترفَّـق ساعـدي فطـواكِ
وتأَوَّدَتْ أَعطـافُ بانِك فِي يـدي
واحـمرّ مـن خَفَرَيْهمـا خـدّاكِ
ودخَلْتُ فِي ليلين: فَرْعِك والدُّجـى
ولثمـتُ كالصّبـح المنـوِّرِ فـاكِ
ووجدْتُ فِي كُنْهِ الجوانـحِ نَشْـوَةً
من طيب فيك ، ومن سُلاف لَمَـاكِ
وتعطَّلَتْ لغـةُ الكـلامِ وخاطبَـتْ
عَيْنَـيَّ فِي لُغَـة الـهَوى عينـاكِ
ومَحَوْتُ كلَّ لُبانـةٍ من خاطـري
ونَسِيـتُ كلَّ تَعاتُـبٍ وتَشاكـي
لا أَمسِ من عمرِ الزمـان ولا غَـد
جُمِع الزمانُ فكـان يـومَ رِضـاكِ
لُبنانُ ، ردّتنـي إليكَ مـن النـوى
أَقـدارُ سَـيْـرٍ للـحـيـاةِ دَرَاكِ
جمعَتْ نزيلَيْ ظَهرِهـا مـن فُرقـةٍ
كُـرَةٌ وراءَ صَـوالـجِ الأَفــلاكِ
نـمشي عليها فوقَ كـلِّ فجـاءَة
كالطير فـوقَ مَكامِـنِ الأَشـراكِ
ولو أَنّ بالشوق الـمزارُ وجدتنـي
مُلْقي الرحالِ على ثَـراك الذاكـي
بِنْـتَ البِقـاع وأُمَّ بَـرَ دُونِـيِّـها
طِيبي كجِلَّـقَ ، واسكنـي بَـرداكِ
ودِمَشْقُ جَنَّـاتُ النعيـم ،وإنـما
أَلفَيْـتُ سُـدَّةَ عَـدْنِهِـنَّ رُبـاكِ
قَسَماً لو انتمت الـجداول والرُّبـا
لتهلَّـل الفـردوسُ ، ثـمَّ نَمـاكِ
مَـرْآكِ مَـرْآه وَعَيْنُـكِ عَيْـنُـه
لِـمْ يا زُحَيْلـةُ لا يكـون أَبـاكِ ؟
تلـك الكُـرومُ بقيَّـةٌ مـن بابـلٍ
هَيْهَـاتَ! نَسَّـى البابلـيَّ جَنـاكِ
تُبْدِي كَوَشْيِ الفُرْسِ أَفْتَـنَ صِبْغـةٍ
للناظـريـن إلـى أَلَـذِّ حِـيـاكِ
خَرَزاتِ مِسْكٍ ، أَو عُقودَ الكهربـا
أُودِعْـنَ كافـوراً مـن الأَسـلاكِ
فكَّرْتُ فِي لَبَـنِ الجِنـانِ وخمرِهـا
لـما رأَيْتُ الـماءَ مَـسَّ طِـلاكِ
لـم أَنْسَ من هِبَةِ الزمـانِ عَشِيَّـةً
سَلَفَتْ بظلِّـكِ وانقضَـتْ بِـذَراكِ
كُنتِ العروسَ على مِنصَّة جِنْحِـها
لُبنانُ فِي الوَشْـيِ الكريـم جَـلاكِ
يـمشي إليكِ اللّحظُ فِي الديباج أَو
فِي العاج من أَي الشِّعـابِ أَتـاكِ
ضَمَّـتْ ذراعيْـها الطبيعـةُ رِقَّـةً
صِنِّيـنَ والحَـرَمُـونَ فاحتضنـاكِ
والبـدرُ فِي ثَبَـج السمـاءِ مُنَـوِّرٌ
سالت حُلاه على الثـرى وحُـلاكِ
والنيِّـرات مـن السحـاب مُطِلَّـةٌ
كالغِيـد من سِتْـرٍ ومـن شُبّـاكِ
وكأَنَّ كـلَّ ذُؤابـةٍ مـن شاهِـقٍ
كنُ الـمجرَّةِ أَو جـدارُ سِمـاكِ
سكنَتْ نواحـي الليـلِ ، إلا أَنَّـةً
فِي الأَيْكِ، أَو وَتَر اًشَجِـيَّ حَـراكِ
شرفاً ، عروسَ الأَرْز ، كلُّ خريـدةٍ
تـحتَ السماءِ من البـلاد فِـداكِ
رَكَـز البيـانُ علـى ذراك لـواءَه
ومشى ملـوكُ الشعـر فِي مَغنـاكِ
أُدباؤكِ الزُّهرُ الشمـوسُ ، ولا أَرى
أَرضاً تَمَخَّضُ بالشمـوس سِـواكِ
من كـلّ أَرْوَعَ علْمُـه فِي شعـره
ويراعـه مـن خُلْقـه بـمِـلاكِ
جمع القصائـدَ من رُبـاكِ ، وربّمـا
سرق الشمائلَ مـن نسيـم صَبـاكِ
موسى ببابكِ فِي الـمكارم والعـلا
وعَصاه فِي سحـر البيـانِ عَصـاكِ
أَحْلَلْتِ شعري منكِ فِي عُليا الـذُّرا
وجَمـعْـتِـه بـروايـة الأَمـلاكِ
إن تُكرمي يا زَحْلُ شعـري إننـي
أَنكـرْتُ كـلَّ قَـصـيـدَةٍ إلاَّكِ
أَنتِ الخيـالُ : بديعُـهُ ، وغريبُـه
اللهُ صـاغـك ، والـزمـانُ رَواكِ

قبر الوزير تحية وسلاما

قَبرَ الوَزيرِ تَحِيَّةَ وَسَلاما
الحِلمُ وَالمَعروفُ فيكَ أَقاما
وَمَحاسِنُ الأَخلاقِ فيكَ تَغَيَّبَت
عاماً وَسَوفَ تُغَيَّبُ الأَعواما
قَد كُنتَ صَومَعَةً فَصِرتَ كَنيسَةً
في ظِلِّها صَلّى المُطيفُ وَصاما
وَالقَومُ حَولَكَ يا اِبنَ غالي خُشَّعٌ
يَقضونَ حَقّاً واجِباً وَذِماما
يَسعَونَ بِالأَبصارِ نَحوَ سَريرِهِ
كَالأَرضِ تَنشُدُ في السَماءِ غَماما
يَبكونَ مَوئِلَهُم وَكَهفَ رَجائِهِم
وَالأَريحِيَّ المُفضِلِ المِقداما
مُتَسابِقينَ إِلى ثَراكَ كَأَنَّهُم
ناديكَ في عِزِّ الحَياةِ زِحاما
وَدّوا غَداةَ نُقِلتَ بَينَ عُيونِهِم
لَو كانَ ذَلِكَ مَحشَراً وَقِياما
ماذا لَقيتَ مِنَ الرِياساتِ وَالعُلا
وَأَخَذتَ مِن نِعَمِ الحَياةِ جِساما
اليَومَ يُغني عَنكَ لَوعَةُ بائِسٍ
وَعَزاءُ أَرمَلَةٍ وَحُزنُ يَتامى
وَالرَأيُ لِلتاريخِ فيكَ فَفي غَدٍ
يَزِنُ الرِجالَ وَيَنطِقُ الأَحكاما
يَقضي عَلَيهِم في البَرِيَّةِ أَو لَهُم
وَيُديمُ حَمداً أَو يُؤَيِّدُ ذاما
أَنتَ الحَكيمُ فَلا تَرُعكَ مَنِيَّةٌ
أَعَلِمتَ حَيّاً غَيرَ رِفدِكَ داما
إِنَّ الَّذي خَلَقَ الحَياةَ وَضِدَّها
جَعَلَ البَقاءَ لِوَجهِهِ إِكراما
قَد عِشتَ تُحدِثُ لِلنَصارى أُلفَةً
وَتُجِدُّ بَينَ المُسلِمينَ وِئاما
وَاليَومَ فَوقَ مَشيدِ قَبرِكَ مَيتاً
وَجَدَ المُوَفَّقُ لِلمَقالِ مَقاما
الحَقُّ أَبلَجُ كَالصَباحِ لِناظِرٍ
لَو أَنَّ قَوماً حَكَّموا الأَحلاما
أَعَهِدتَنا وَالقِبطُ إِلّا أُمَّةٌ
لِلأَرضِ واحِدَةٌ تَرومُ مَراما
نُعلي تَعاليمَ المَسيحِ لِأَجلِهِم
وَيُوَقِّرونَ لِأَجلِنا الإِسلاما
الدينُ لِلدَيّانِ جَلَّ جَلالُهُ
لَو شاءَ رَبُّكَ وَحَّدَ الأَقواما
يا قَومُ بانَ الرُشدُ فَاِقصوا ما جَرى
وَخُذوا الحَقيقَةَ وَاِنبُذوا الأَوهاما
هَذي رُبوعُكُمُ وَتِلكَ رُبوعُنا
مُتَقابِلينَ نُعالِجُ الأَيّاما
هَذي قُبورُكُمُ وَتِلكَ قُبورُنا
مُتَجاوِرينَ جَماجِماً وَعِظاما
فَبِحُرمَةِ المَوتى وَواجِبِ حَقِّهِم
عيشوا كَما يَقضي الجِوارُ كِراما

بعثوا الخلافة سيرة في النادي

بعثوا الخلافة سيرة في النادى
أين المبايع بالإمام ينادي
من بات يلتمس الخلافة في الكرى
لم يلق غير خلافة الصياد
ون ابتغاها صاحبا فمحلها
بين القواضب والقنا المياد
أو في جناحيَ عبقري مارد
يفرى السماء بِجنةٍ مراد
اليوم لا سمر الرماح بعدّة
تغنى ولا بيض الظبا بعتاد
هيهات عز سبيلها وتقطعت
دون المراد وسائل المرتاد
حلت على ذهب المعز طلاسم
ومشت على سيف المعز عوادى
أين الكرامة والوقار لجثة
نبشوا عليها القبر بعد فساد
والميت أقرب سلوة من غائبٍ
يرجى فلا يزداد غير بِعاد
قل فيم يأتمر الرجال وما الذي
يبغون من دول لحقن بعاد
مالم يِبد منها على يد أهله
أخنى عليه تطاول الآباد
لم تستقم للقوم خلف عمادهم
هل تستقيم وهم بغير عماد
غلبوا عليها الراشدين وضرجوا
أم الكتاب بجبهة السَّجاد
وبنوا على الدنيا بِجلَّق ركنها
وعلى عتو الملك في بغداد
جعلوا الهوى سلطانها ودعوا لها
من لا يسد به مكان الهادى
وأنا الذب مرّضتها في دائها
وجمعت فيه عواطف العُواد
غنيتها لحنا تغلغل في البكا
يا رب باك في ظواهر شادى
ونصرتها نصر المجاهد في ذَرا
عبدالحميد وفي جناح رشاد
ودفنتها ودفنت خير قصائدي
معها وطال بقبرها إنشادي
حتى أتُّهمت فقيل تركىّ الهوى
صدقوا هوى الأبطال ملء فؤادي
وأخي القري وإن شقيت بظلمه
أدنى إلىّ من الغريب العادي
والله يعلم ما انفردت وإنما
صوّرت شعري من شعور الوادى
كنا نعظم للهلال بقية
في الأرض من ثُكَن ومن أجناد
ونسنّ رضوان الخليفة خطة
ولكل جيل خطة ومبادى
وجه القضية غيرته حوادث
أعطت بأيد غير ذات أيادي
من سيد بالأمس ننكر قوله
صرنا لفعّال من الأسياد
إني هتفت بكل يوم بسالة
للترك لم يؤثر من الآساد
فهززت نشئاً لا يحرك للعلا
إلا بذكر وقائع الأنجاد
عصف المعلم في الصبا بذكائهم
وأصار نار شبابهم لرماد
ولو أن يوم التل يوم صالح
لحماسة لجعلته إليادى
في يوم ملّونا ويوم سقاريا
ما ليس في الأذكار والأوراد
إن العلاقة بيننا قد وثقت
فكأن عروتها من الميلاد
جرح الليلالي في ذمام الشرق في
حبل العقيدة في ولاء الضاد
لولا الأمور لسار سنته القِرى
وجرى فجاوز غاية الأرفاد
ما في بلاد أنتم نزلاؤها
إلا قضية أمة وبلاد
أتحاولون بلا جهاد خطة
لم يستطعها الترك بعد جهاد
نفضوا القنا المنصور من تبعاتها
والظافرات الحمر في الأغماد
كانت هي الداء الدخيل فأدبرت
فتماثلوا من كل داء بادى
نزعوا من الأعناق نير جبابر
جعلوا الخلافة دولة استعباد
من كل فضفاض الغرور ببرده
نمرود أو فرعون ذو الأوتاد
تَروى بطانته ويشبع بطنه
والملك غرثان الرعية صادى
مضت الخلافة والإمام فهل مضى
ما كان بين الله والعبّاد
والله ما نسى الشهادة حاضر
في المسلمين ولا تردّد بادى
خرجوا إلى الصلوات كل جماعة
تدعو لصاحبها على الأعواد
والصوم باقٍ والصلاة مقيمة
والحج ينشط في عِناق الحادى
والفطر والأضحى كعادتيهما
يتردّيان بشاشة الأعياد
إن الحضارة في اطراد جديدها
خصم القديم وحرب كل تِلاد
لا تحفظ الأشياء غير ذخائر
للعبقرية غير ذات نفاد
هي حسن كل زمان قوم رائح
وجمال كل زمان قوم غادى
تمشى شالقرون بنور كل مكرر
منها كمصباح السماء معاد
كم من محاسن لا يرثّ عتيقها
في الهجرة اجتمعت وفي الميلاد
أخذت أحاسنها الحضارة واقتنت
روح البيان وكل قول سداد
لم تحرم البؤس العزاء ولا الأولى
ضلوا الرجاء من الشعاع الهادى
القيد أفسح من عقول عصابة
زعموا فكاك العقل في الإلحاد
فاشفوا الممالك من قضاة صُيَّد
قعدوا لصيد ولاية أو زاد
وتداركوها من عمائم صادفت
مرعى من الأوقاف والأرصاد
وخذوا سبيل المصلحين وأقبِلوا
روح الزمان هوامد الأجساد
ردّوا إلى الإيمان أجمح عِلية
وإلى مراشده أضل سواد
أمم كملموم القطيع ترى لهم
شمل الجميع وفرقة الآحاد
يُدعَون أبناء الزمان وإنما
جَمدوا وليس أبو همو بجماد

جبريل هلل في السماء وكبر

جِبريلُ هَلِّل في السَماءِ وَكَبِّرِ
وَاِكتُب ثَوابَ المُحسِنينَ وَسَطِّرِ
سَل لِلفَقيرِ عَلى تَكَرُّمِهِ الغِنى
وَاِطلُب مَزيداً في الرَخاءِ لِموسِرِ
وَاِدعُ الَّذي جَعَلَ الهِلالَ شِعارَهُ
يَفتَح عَلى أُمَمِ الهِلالِ وَيَنصُرِ
وَتَوَلَّ في الهَيجاءِ جُندَ مُحَمَّدٍ
وَاِقعُد بِهِم في ذَلِكَ المُستَمطَرِ
يا مِهرَجانَ البَرِّ أَنتَ تَحِيَّةٌ
لِلَّهِ مِن مَلَإٍ كَريمٍ خَيِّرِ
هُم زَيَّنوكَ بِكُلِّ أَزهَرِ في الدُجى
وَاللَهُ زانَكَ بِالقَبولِ الأَنوَرِ
حَسُنَت وُجوهُكَ في العُيونِ وَأَشرَقَت
مِن كُلِّ أَبلَجَ في الأَكارِمِ أَزهَرِ
كَثُرَت عَلَيكَ أَكُفُّهُم في صَوبِها
فَكَأَنَّها قِطَعُ الغَمامِ المُمطِرِ
لَو يَعلَمونَ السوقَ ما حَسَناتُها
بيعَ الحَصى في السوقِ بَيعَ الجَوهَرِ
جِبريلُ يَعرُضُ وَالمَلائِكُ باعَةٌ
أَينَ المُساوِمُ في الثَوابِ المُشتَري
وَمُجاهِدينَ هُناكَ عِندَ مُعَسكَرٍ
وَمِنَ المَهابَةِ بَينَ أَلفِ مُعَسكَرِ
موفينَ لِلأَوطانِ بَينَ حِياضِها
لا يَسمَحونَ بِها وَبَينَ الكَوثَرِ
عَرَبٌ عَلى دينِ الأُبُوَّةِ في الوَغى
لا يَطعَنونَ القِرنَ ما لَم يُنذَرِ
أَلِفوا مُصاحَبَةَ السُيوفِ وَعُوِّدوا
أَخذَ المَعاقِلِ بِالقَنا المُتَشَجِّرِ
يَمشونَ مِن تَحتِ القَذائِفِ نَحوَها
لا يَسأَلونَ عَنِ السَعيرِ المُمطِرِ
في أَعيُنِ الباري وَفَوقَ يَمينِهِ
جَرحى نُجِلُّهُمُ كَجَرحى خَيبَرِ
مِن كُلِّ مَيمونِ الضِمادِ كَأَنَّما
دَمُ أَهلِ بَدرٍ فيهِ أَو دَمُ حَيدَرِ
جَذلانُ هَيِّنَةٌ عَلَيهِ جِراحُهُ
وَجِراحُهُ في قَلبِ كُلِّ غَضَنفَرِ
ضُمِدَت بِأَهدابِ الجُفونِ وَطالَما
ضُمِدَت بِأَعرافِ الجِيادِ الضُمَّرِ
عُوّادُهُ يَتَمَسَّحونَ بِرُدنِهِ
كَالوَفدِ مَسَّحَ بِالحَطيمِ الأَطهَرِ
وَتَكادُ مِن نورِ الإِلَهِ حِيالَهُ
تَبيَضُّ أَثناءُ الهِلالِ الأَحمَرِ

قالوا فرنسا انذرت سلطاننا

قالوا فرنسا أنذرت سلطاننا
قطع العلائق والوعيد مهول
وتساءلوا ماذا يكون فعالها
فأجبتهم فاشودة وتزول
لك أن تلوم ولى من الأعذار
إن الهوى قَدَر من الأقدار
ما كنت أُسلم للعيون سلامتي
وأبيح حادثة الغرام وقارى
وطَر تعلَّقه الفؤاد وينقضى
والنفس ماضية مع الأوطار
يا قلب شأنك لا أمدّك في الهوى
أبدا ولا أدعوك للإقصار
أمرى وأمرك في الهوى بيد الهوى
لو أنه بيدى فككت إسارى
جَارِ الشبيبة وأنتفع بجوارها
قبل المشيب فما له من جار
مَثَل الحياة تُحَبُّ في عهد الصبا
مثَل الرياض تحب في آذار
أبدا فروق من البلاد هي المنى
ومناى منها ظبية بسوار
ممنوعة إلا الجمال بأسره
محجوبة إلا عن الأنظار
خطَواتها التقوى فلا مزهوَّة
تمشى الدلال ولا بذات نِفَار
مرت بنا فوق الخليج فأسفرت
عن جَنة وتلفتت عن نار
في نسوة يورِدن من شِئن الردى
نظَرا ولا ينظرن في الإِصدار
عارضتُهن وبين قلبي والهوى
أمر أحاول كتمه وأداري
وسالت ما شغل الملائك بالثرى
فأجبن عيد خليفة المختار
صبحَ الجلوس جلتك أشرف ليلة
وجلوت للدنيا أجل نهار
الملك بينهما بأيمن طالع
والدين بينهما بخير منار
تاب الزمان إليه عن أحداثه
بفتى على أحداثه جبار
عمر الأمانة لا تراه غافلا
عن حرمة أو نائما عن ثار
عش يا أمير المؤمنين لأمة
ترضاك في الإعلان والإسرار
لو كان يجلس في الجوارح مالك
لجلست في الأسماع والأبصار
إن الذي جعل الخلافة هالة
قد زانها بالبدر في الأقمار
ألقى أزِمتها إليك وحازها
لك عن خلائف أربعين كبار
تعطى المشارق كل عام عيدها
بمجمل الأعوام والأعصار
بابر ممدود البناء بنى لها
ركنا قد كانت بغير جدار
ويهز عطفيه الزمان ويزدهى
بأغر فيه محجل الآثار
جالى الجنودَ كأنهم شهب الدجى
ومنيرهم من كل ليث ضار
ولقد ينال حمى الإله ببعضهم
مالا تنال الأرض بالأسوار
أخليفة الرحمن دعوة مهتد
بإمامة في ضوء يلدز سار
لك أن تقرّ البيض في أغمادها
أو تترك الدنيا بغير قرار
فاختر لبأسك قرِنه وأربأ به
أن يلتقى بسفاسف الأحرار
إن يستعينوا بالسباب فإنه
حولُ الضعيف وحيلة المخوار
مما يبلغني رضاكم أنني
حسّان أبغى الله في أشعاري
ما زلت أهدى كل صالحة لكم
حتى وهبت لكم ثواب البارى

جن علي حرم السماء اغاروا

جِنٌّ عَلَى حَرَمِ السَماءِ أَغاروا
أَم فِتيَةٌ رَكِبوا الجَناحَ فَطاروا
مِن كُلِّ أَهوَجَ في الهَواءِ عِنانُهُ
هَوَجُ الرِياحِ وَسَرجُهُ الإِعصارُ
يَبغي حِجابَ الشَمسِ يَطلُبُ عِندَها
عِزّاً تَحَمَّلَهُ الجُدودُ وَساروا
لَم يَبقَ مِنهُ وَمِن حَضارَةِ عَهدِهِ
إِلّا صُوى مَحجوبَةٌ وَمَنارُ
وَمَقالَةُ الأَجيالِ لَم يَلحَق بِهِم
بانٍ وَلَم يُدرِكُهُمُ حَفّارُ
طَلَعوا عَلى الوادي بِرايَةِ عَصرِهِم
وَلِكُلِّ عَصرٍ رايَةٌ وَشِعارُ
اِثنانِ ثَمَّ تَرى النُسورَ كَثيرَةً
مِن كُلِّ ناحِيَةٍ لَها أَوكارُ
سِرُّ النَجاحِ وَرُكنُ حَضارَةٍ
هِمَمٌ مِنَ المُتَطَوِّعينَ كِبارُ
نُسِخَت بِأَبطالِ السَماءِ بُطولَةٌ
في الأَرضِ يوشِكُ رُكنُها يَنهارُ
هَذا زَمانٌ لا الأَعِنَّةُ مَنزِلٌ
لِلبَأسِ فيهِ وَلا الأَسِنَّةُ دارُ
ما البَأسُ إِلّا مِن جَناحَي خاطِفٍ
في البَرِّ وَالبَحرِ اِسمُهُ الطَيّارُ
أَتُرى السَلامَةُ في السَماءِ وَظِلِّها
أَم بِالسَماءِ يَصولُ الاِستِعمارُ
حَرَمُ الهُدى وَالحَقُّ ريعَ جَلالُهُ
وَغَدا وَراحَ بِجانِبَيهِ دَمارُ
يا جائِبَ الصَحراءِ مِلءُ سَرابِها
غَرَرٌ وَمِلءُ تُرابِها أَخطارُ
يَكفيكَ مِن هِمَمِ الشَجاعَةِ لَيلَةٌ
لَكَ مِن غَوائِلِها خَلَت وَنَهارُ
لَمّا اِعتَمَدتَ عَلى الجَناحِ تَلَفَّتَت
بيدٌ وَقَلَّبَتِ العُيونَ قِفارُ
في كُلِّ صَحراءٍ وَكُلِّ تَنوفَةٍ
أَرضٌ عَلَيكَ مِنَ السَماءِ تَغارُ
حَسَنَينُ لَو لَم يَعذِروكَ لبادَرَت
لَكَ مِن لِسانِ جِراحِكَ الأَعذارُ
لِلَّهِ سَرجُكَ في السَماءِ فَإِنَّهُ
سَرجُ الأَهِلَّةِ ما عَلَيهِ غُبارُ
عَرَضَ الخُسوفُ لَهُ فَما أَزرى بِهِ
ما في الخُسوفِ عَلى الأَهِلَّةِ عارُ
أَوَ لَم تَطَءُ أَرضَ السَماءِ وَلَم تَدُر
حَيثُ الشُموسُ تَدورُ وَالأَقمارُ
أَلقى أَبو الفاروقِ نَحوَكَ بالَهُ
وَتَشاغَلَت بِكَ أُمَّةٌ وَدِيارُ
مَلِكٌ رُحِمتَ بِقُربِهِ وَجِوارِهِ
حَتّى كَأَنَّكَ لِلعِنايَةِ جارُ
نُصِبَ السُرادِقُ وَالمَطارُ وَحَلَّقَت
في الجَوِّ تَلمَسُ شَخصَكَ الأَبصارُ
فَلَمَستَ أَقضِيَةِ السَماءِ وَأَسفَرَت
حَتّى نَظَرَت وُجوهَها الأَقدارُ
قَدَرٌ عَلى يُمنى يَدَيهِ سَلامَةٌ
لَكَ حَيثُ مِلتَ وَفي السَماءِ عِثارُ
فَإِذا سَقَطتَ عَلى حَديدٍ مُضرَمٍ
صَدَفَ الحَديدُ وَلَم تَنَلكَ النارُ
ماذا لَقيتَ مِنَ النَجائِبِ كُلِّها
قُل لي أَعِندَكَ لِلنَجائِبِ ثارُ
هَذي تَعَثَّرُ في الزِمامِ وَتِلكَ لا
تَمضي وَأُخرى في السُلوكِ تَحارُ
فَشَلٌ يُعَظَّمُ كَالنَجاحِ عَلَيهِ مِن
شَرَفِ الجُروحِ وَنورِهِنَّ فَخارُ
لَو لَم يَكُن قَتلى وَجَرحى في الوَغى
لَم يَعلُ هامَ الظافِرينَ الغارُ