هو مأتم الأخلاق فاتل رثاءها

هو مأتم الأخلاق فاتل رثاءها
وتول أسرتها ووال عزاءها
لا تنهين الثاكلات عن البكا
فلعل في ذرف الدموع شفاءها
خل الشؤون تفض غرب قصيدة
لم تغن في الرزء الجليل غناءها
ولمثل نار الثكل وهي شديدة
خلق الرحيم لنا الشئون وماءها
أوحى إلى الحزن اللجوج شُبوبها
وإلى الدموع سواكبا إطفاءها
ناع من الاسكندرية هاتف
راع الكنانة أرضها وسماءها
سُدّت مسامعها لأول وهلة
دون الرزية تتقى أنباءها
هيهات تلك رسالة محتومة
حَملت عن الموت الحياةُ أداءها
في عالم شد الرحال نزيله
وخيال دنيا ذاهب من جاءها
إن المروءة غودرت في حفرة
كالليل نور الصالحات أضاءها
ذهب على أثر الفقيد شهيدة
إن كنت في ريب فسل شهداءها
الرافعين إلى السماء سريرها
والساحبين على النجوم رداءها
والحاملين على الرقاب جلالها
والمنزلين إلى التراب سناءها
حطوا على الأرض السرير وغيبوا
قمر السماء ووسدوا جوزاءها
أموسَّد الصحراء م ابد الكرى
وأنس الحياة أو آذكر صحراءها
ما كان أفتن في الشروق صباحها
وألذ في ظل الغروب مساءها
أتراك كالماضين تبكى ظلها
تحت التراب وتشتهى رمضاءها
وتودّ لو ردّت عليك سرابها
وهجيرها وزئيرها وعواءها
إن التي جاورت صان الله عن
لوم الحياة أديمها وفضاءها
يدع الوفود لدى طهور صعيدها
حسد النفوس وحقدها ورياءها
يا أحمد الخيرات ما أنا بالغ
تلك الخلال وإن لمست رثاءها
لم لا أقيمك للشباب منارة
وسبيل خير يسلكون سواءها
إنى لأرثى كل خل ماجد
وأطيل ذكر خلله وبكاءها
وأحب ذكراه وأكره أن أرى
بيد السلو دثورها وعفاءها
ولربما حليتها بقصائدى
وجعلت أبيات الخلود وعاءها
في كل مفقود رثيت رواية
تهدى المكارم والعلا قرّاءها
ودِّع صديقك إن ملكت وداعه
واقض الحقوق إن استطعت قضاءها
وأرع الصداقة لا تَمِيل بعهودها
بعد الصديق ولا تضع أشياءها
وإذا وداد أخيك مات بموته
فاندب وفاء النفس وأنعَ إخاءها
رفقا ابا عُمر بأنفس صبية
قطعت عوادى اليتم منك رجاءها
نادتك فامتنع الجواب وطالما
لبيت من أقصى البلاد نداءها
نَشَأ أشد فؤادك في الهوى
وأعز من نفس لفظت ذَماءها
مالوا على نعمى الحياة وطيبها
حتى ذهبت فصابروا ضرَّاءها
كم لام فيهم لائم فدفعته
والنفس تتبع شحها وسخاءها
انظر وراءك هل تركت من الغنى
إلا المروءة ذكرها وثناءها
لك ذمة لم ينصر الحق آمرؤ
ألا تمنى برها ووفاءها
علمت مكانك حرفة أنهضتها
وجررت فوق الفرقدين قباءها
أنتم بنوها الأوّلون حذوتمو
في حلمهم وعفافهم آباءها
ملئت بكم خُلُقا وكانت لا ترى
خلق الرجال ولا تحس إباءها
يا رب يوم للمحاماة احتمت
فيك الحقوق به فكنت وفاءها
ناصرت فيه من تلفّت لم يجد
من حوله الدنيا ولا أُجراءها
وأخذت من عدل القضاء لفتية
ذاقوا السجون عذابها وبلاءها
نفس الكريم ترى العدالة حزبها
وترى الهضيمة والأذى أعداءها
وإذا رأيت النفس بالحق اعتلت
فاعرف لها إقدامها وحياءها
في ذمة الوطن الكريم عصابة
لم ينس في جد الجهاد بلاءها
حملت تكاليف الحقوق وأنهضت
شعب الرجال ليحملوا أعباءها
كانت إذا دعت الديار لخطة
لم نحص عِليتها ولا دهماءها
هي من قنا الحق المبين طليعة
عرفت جموع الظالمين مضاءها
خير الطلائع سيرَّت في نورها
خيرَ الكتائب جندها ولواءها
أسستموا وبنى رجال بعدكم
خططا يتمم آخرون بناءها
دول منقّلة وحق ثابت
دول السياسة ما أقل بقاءها
فمضى دعاة بالقضية نُهَّض
وأتى دعاة يحملون عناءها
بلغوا إلى الدستور في خطواتهم
تحدوه مصر لأن فيه دماءها
همم تؤدّى مصر واجب شكرها
للعاملين ولا تضيع جزاءها
وإذا البلاد تذكرت خدّامها
لم تنس موتاها ولا أحياءها
إن الشعوب كيانها حرية
تحيا عليها أو تموت فداءها

قصر الأعزة ما أعز حماكا

قَصرَ الأَعِزَّةِ ما أَعَزَّ حِماكا
وَأَجَلَّ في العَلياءِ بَدرَ سَماكا
تَتَساءَلُ العربُ المُقَدَّسُ بَيتُها
أَأُعيدَ باني رُكنِهِ فَبَناكا
وَتَقولُ إِذ تَأتيكَ تَلتَمِسُ الهُدى
سِيّانِ هَذا في الجَلالِ وَذاكا
يا مُلتَقى القَمَرَينِ ما أَبهاكَ بَل
يا مَجمَعَ البَحرَينِ ما أَصفاكا
إِنَّ الأَمانَةَ وَالجَلالَةَ وَالعُلا
في هالَةٍ دارَت عَلى مَغناكا
ما العِزُّ إِلّا في ثَرى القَدَمِ الَّتي
حَسَدَت عَلَيها النَيِّراتُ ثَراكا
يا سادِسَ الأُمَراءِ مِن آبائِهِ
ما لِلإِمارَةِ مَن يُعَدُّ سِواكا
التُركُ تَقرَأُ بِاِسمِ جَدِّكَ في الوَغى
وَالعُربُ تَذكُرُ في الكِتابِ أَباكا
نَسَبٌ لَوِ اِنتَمَتِ النُجومُ لِعِقدِهِ
لَتَرَفَّعَت أَن تَسكُنَ الأَفلاكا
شَرَفاً عَزيزَ العَصرِ فُتَّ مُلوكَهُ
فَضلاً وَفاتَ بَنيهمُ نَجلاكا
لَكَ جَنَّةُ الدُنيا وَكَوثَرُها الَّذي
يَجري بِهِ في المُلكِ شَرطُ غِناكا
وَلَكَ المَدائِنُ وَالثُغورُ مَنيعَةً
في مَجمَعِ البَحرَينِ تَحتَ لِواكا
مُلكٌ رَعَيتَ اللَهَ فيهِ مُؤَيَّداً
بِاِسمِ النَبِيِّ مُوَفَّقاً مَسعاكا
فَأَقَمتَ أَمراً يا أَبا العَبّاسِ مَأ
مونَ السَبيلِ عَلى رَشيدِ نُهاكا
إِن يَعرِضوهُ عَلى الجِبالِ تَهُن لَهُ
وَهِيَ الجِبالُ فَما أَشَدَّ قُواكا
بِسِياسَةٍ تَقِفُ العُقولُ كَليلَةً
لا تَستَطيعُ لِكُنهِها إِدراكا
وَبِحِكمَةٍ في الحُكمِ تَوفيقِيَّةٍ
لَكَ يَقتَفي فيها الرِجالُ خُطاكا
مَولايَ عيدُ الفِطرِ صُبحُ سُعودِهِ
في مِصرَ أَسفَرَ عَن سَنا بُشراكا
فَاِستَقبِلِ الآمالَ فيهِ بَشائِراً
وَأَشائِراً تُجلى عَلى عَلياكا
وَتَلَقَّ أَعيادَ الزَمانِ مُنيرَةً
فَهَناؤُهُ ما كانَ فيهِ هَناكا
أَيّامُكَ الغُرُّ السَعيدَةُ كُلُّها
عيدٌ فَعيدُ العالَمينَ بَقاكا
فَليَبقَ بَيتُكَ وَليَدُم ديوانُهُ
وَليَحيَ جُندُكَ وَلتَعِش شوراكا
وَليَهنِني بِكَ كُلُّ يَومٍ أَنَّني
في أَلفِ عيدٍ مِن سُعودِ رِضاكا
ياأَيُّها المَلِكُ الأَريبُ إِلَيكَها
عَذراءَ هامَت في صِفاتِ عُلاكا
فَطَوَت إِلَيكَ البَحرَ أَبيَضَ نِسبَةً
لِنَظيرِهِ المَورودِ مِن يُمناكا
قَدِمَت عَلى عيدٍ لِبابِكَ بَعدَما
قَدِمَت عَلَيَّ جَديدَةً نُعماكا
أَوَ كُلَّما جادَت نَداكَ رَوِيَّتي
سَبَقَت ثَنايَ بِالارتِجالِ يَداكا
أَنتَ الغَنِيُّ عَنِ الثَناءِ فَإِن تُرِد
ما يُطرِبُ المَلِكَ الأَديبَ فَهاكا

أوحت لطرفك فاستهل شؤونا

أَوحَت لِطَرفِكَ فَاِستَهَلَّ شُؤونا
دارٌ مَرَرتَ بِها عَلى قَيسونا
غاضَت بَشاشَتُها وَقَضَّت شَملَها
دُنيا تَغُرُّ السادِرَ المَفتونا
نَزَلَت عَوادِيَ الدَهرِ في ساحاتِها
وَأَقَلَّ رَفرَفِها الخُطوبَ العونا
فَتَكادُ مِن أَسَفٍ عَلى آسي الحِمى
مِن كُلِّ ناحِيَةٍ تَثورُ شُجونا
تِلكَ العِيادَةُ لَم تَكُن عَبَثاً وَلا
شَرَكاً لِصَيدِ مَآرِبٍ وَكَمينا
دارُ اِبنِ سينا نُزِّهَت حُجُراتُها
عَن أَن تَضُمَّ ضَلالَةً وَمُجونا
خَبَتِ المَطالِعُ مِن أَغَرِّ مُؤَمَّلٍ
كَالفَجرِ ثَغراً وَالصَباحِ جَبينا
وَمِنَ الوُفودِ كَأَنَّهُم مِن حَولِهِ
مَرضى بِعيسى الروحِ يَستَشفونا
مَثَلٌ تَصَوَّرَ مِن حَياةٍ حُرَّةٍ
لِلنَشءِ يَنطِقُ في السُكوتِ مُبينا
لَم تُحصَ مِن عَهدِ الصِبا حَرَكاتُهُ
وَتَخالُهُنَّ مِنَ الخُشوعِ سُكونا
جَمَحَت جِراحُ المُعوِزينَ وَأَعضَلَت
أَدواؤُهُم وَتَغَيَّبَ الشافونا
ماتَ الجَوادُ بِطِبِّهِ وَبِأَجرِهِ
وَلَرُبَّما بَذَلَ الدَواءَ مُعينا
وَتَجُسُّ راحَتُهُ العَليلَ وَتارَةً
تَكسو الفَقيرَ وَتُطعِمُ المِسكينا
أَدّى أَمانَةَ عِلمِهِ وَلَطالَما
حَمَلَ الصَداقَةَ وافِياً وَأَمينا
وَقَضى حُقوقَ الأَهلِ يُحسِنُ تارَةً
بِأَبيهِ أَو يَصِلُ القَرابَةَ حينا
خُلُقٌ وَدينٌ في زَمانٍ لا نَرى
خُلُقاً عَلَيهِ وَلا تُصادِفُ دينا
أَمُداوِيَ الأَرواحِ قَبلَ جُسومِها
قُم داوِ فيكَ فُؤادِيَ المَحزونا
رَوِّح بِلَفظِكَ كُلَّ روحِ مُعَذَّبٍ
حَيرانَ طارَ بِلُبِّهِ الناعونا
قَد كالَ لِلقَدَرِ العِتابَ وَرُبَّما
ظَنَّ المُدَلَّهُ بِالقَضاءِ ظُنونا
داوَيتَ كُلَّ مُحَطَّمٍ فَشَفَيتَهُ
وَنَسيتَ داءً في الضُلوعِ دَفينا
كَبِدٌ عَلى دَمِها اِتَّكَأتَ وَلَحمِها
فَحَمَلتَ هَمَّ المُسلِمينَ سِنيا
ظَلَّت وَراءَ الحَربِ تَشقى بِالنَوى
وَتَذوبُ لِلوَطَنِ الكَريمِ حَنينا
ناصَرتَ في فَجرِ القَضِيَّةِ مُصطَفى
فَنَصَرتَ خُلُقاً في الشَبابِ مَتينا
أَقدَمتَ في العِشرينَ تَحتَ لِوائِهِ
وَرَوائِعُ الإِقدامِ في العِشرينا
لَم تَبغِ دُنيا طالَما أَغضى لَها
حُمسُ الدُعاةِ وَطَأطَؤوا العِرنينا
رُحماكَ يوسُفُ قِف رِكابَكَ ساعَةً
وَاِعطِف عَلى يَعقوبَ فيهِ حَزينا
لَم يَدرِ خَلفَ النَعشِ مِن حَرِّ الجَوى
أَيَشُقُّ جَيباً أَم يَشُقُّ وَتينا
ساروا بِمُهجَتِهِ فَحُمِّلَ ثُكلَها
وَقَضَوا بِعائِلِهِ فَمالَ غَبينا
أَتَعودُ في رَكبِ الرَبيعِ إِذا اِنثَنى
بَهِجاً يَزُفُّ الوَردَ وَالنِسرينا
هَيهاتَ مِن سَفَرِ المَنِيَّةِ أَوبَةٌ
حَتّى يُهيبَ الصُبحُ بِالسارينا
وَيُقالُ لِلأَرضِ الفَضاءِ تَمَخَّضي
فَتَرُدُّ شَيخاً أَو تَمُجُّ جَنينا
اللَهُ أَبقى أَينَ مِن جَسَدي يَدٌ
لَم أَنسَ رِفقَ بَنانِها وَاللينا
حَتّى تَمَثَّلَتِ العِنايَةُ صورَةً
تومي بِراحٍ أَو تُجيلُ عُيونا
فَجَرَرتُ جُثماني وَهانَت كُربَةٌ
لَولا اِعتِناؤُكَ لَم تَكُن لِتَهونا
إِنَّ الشِفاءَ مِنَ الحَياةِ وَعَونِها
ما كانَ آسَ بِالشِفاءِ ضَمينا
وَاليَومَ أَرتَجِلُ الرِثاءَ وَأَنزَوي
في مَأتَمٍ أَبكي مَعَ الباكينا
سُبحانَ مَن يَرِثُ الطَبيبَ وَطِبِّهِ
وَيُري المَريضَ مَصارِعَ الآسينا

ما زلت أنزل بالحدائق والربى

ما زلت أنزل بالحدائق والربى
حتى نزلت حديقة الإنشاء
فسلوت بالفردوس كل أنيقة
أُنُف وكلَّ مجوده غناء
العلم في ظل البيان حَيالها
مثل الأزاهر في ظلال الماء
بوركتما من صاحبين تعاونا
إن التعاون أس كل بناء
لولا التعاون في الحضارة لم تطر
بِعِنان ارض أو جَناح سماء
ما أنتما للنشء إلا صورة
من ألفة وتعاون وإخاء
وخلائق الكتاب يظهر حسنها
ولربما انتقلت إلى القرّاء

صرح على الوادي المبارك ضاحي

صَرحٌ عَلى الوادي المُبارَكِ ضاحي
مُتَظاهِرُ الأَعلامِ وَالأَوضاحِ
ضافي الجَلالَةِ كَالعَتيقِ مُفضَلٌ
ساحاتِ فَضلٍ في رِحابِ سَماحِ
وَكَأَنَّ رَفرَفَهُ رِواقٌ مِن ضُحىً
وَكَأَنَّ حائِطَهُ عَمودُ صَباحِ
الحَقُّ خَلفَ جَناحٍ اِستَذرى بِهِ
وَمَراشِدُ السُلطانِ خَلفَ جَناحِ
هُوَ هَيكَلُ الحُرِيَّةِ القاني لَهُ
ما لِلهَياكِلِ مِن فِدىً وَأَضاحِ
يَبني كَما تُبنى الخَنادِقُ في الوَغى
تَحتَ النِبالِ وَصَوبِها السَحّاحِ
يَنهارُ الاِستِبدادُ حَولَ عِراصِهِ
مِثلَ اِنهِيارِ الشِركِ حَولَ صَلاحِ
وَيُكَبُّ طاغوتُ الأُمورِ لِوَجهِهِ
مُتَحَطِّمَ الأَصنامِ وَالأَشباحِ
هُوَ ما بَنى الأَعزالُ بِالراحاتِ أَو
هُوَ ما بَنى الشُهَداءُ بِالأَرواحِ
أَخَذَتهُ مِصرُ بكُلِّ يَومٍ قاتِمٍ
وَردِ الكَواكِبِ أَحمَرِ الإِصباحِ
هَبَّت سِماحاً بِالحَياةِ شَبابُها
وَالشَيبُ بِالأَرماقِ غَيرُ شِحاحِ
وَمَشَت إِلى الخَيلِ الدَوارِعِ وَاِنبَرَت
لِلظافِرِ الشاكي بِغَيرِ سِلاحِ
وَقَفاتُ حَقٍّ لَم تَقِفها أُمَّةٌ
إِلّا اِنثَنَت آمالُها بِنَجاحِ
وَإِذا الشُعوبُ بَنَوا حَقيقَةَ مُلكِهِم
جَعَلوا المَآتِمَ حائِطَ الأَفراحِ
بُشرى إِلى الوادي تَهُزُّ نَباتَهُ
هَزَّ الرَبيعِ مَناكِبَ الأَدواحِ
تَسري مُلَمَّحَةَ الحُجولِ عَلى الرُبى
وَتَسيلُ غُرَّتُها بِكُلِّ بِطاحِ
اِلتامَتِ الأَحزابُ بَعدَ تَصَدُّعٍ
وَتَصافَتِ الأَقلامُ بَعدَ تَلاحي
سُحِبَت عَلى الأَحقادِ أَذيالُ الهَوى
وَمَشى عَلى الضِغنِ الوِدادُ الماحي
وَجَرَت أَحاديثُ العِتابِ كَأَنَّها
سَمَرٌ عَلى الأَوتارِ وَالأَقداحِ
تَرمي بِطَرفِكَ في المَجامِعِ لا تَرى
غَيرَ التَعانُقِ وَاِشتِباكِ الراحِ
شَمسَ النَهارِ تَعَلَّمي الميزانَ مِن
سَعدِ الدِيارِ وَشَيخِها النَضّاحِ
ميلي اِنظُريهِ في النَدِيِّ كَأَنَّهُ
عُثمانُ عَن أُمِّ الكِتابِ يُلاحي
كَم تاجِ تَضحِيَةٍ وَتاجِ كَرامَةٍ
لِلعَينِ حَولَ جَبينِهِ اللَمّاحِ
وَالشَيبُ مُنبَثِقٌ كَنورِ الحَقِّ مِن
فَودَيهِ أَو فَجرِ الهُدى المِنصاحِ
لَبّى أَذانَ الصُلحِ أَوَّلَ قائِمٍ
وَالصُلحُ خُمسُ قَواعِدُ الإِصلاحِ
سَبَقَ الرِجالَ مُصافِحاً وَمُعانِقاً
يُمنى السَماحِ وَهَيكَلَ الإِسحاجِ
عَدلى الجَليلِ اِبنِ الجَليلِ مِنَ المَلا
وَالماجِدِ اِبنِ الماجِدِ المِسماحِ
حُلوُ السَجِيَّةِ في قَناةٍ مُرَّةٍ
ثَمِلُ الشَمائِلِ في وَقارٍ صاحِ
شَتّى فَضائِلَ في الرِجالِ كَأَنَّها
شَتّى سِلاحٍ مِن قَنا وَصِفاحِ
فَإِذا هِيَ اِجتَمَعَت لِمُلكِ جَبهَةً
كانَت حُصونَ مَناعَةٍ وَنِطاحِ
اللَهُ أَلَّفَ لِلبِلادِ صُدورَها
مِن كُلِّ داهِيَةٍ وَكُلِّ صُراحِ
وَزُراءُ مَملَكَةٍ وَدَعائِمُ دَولَةٍ
أَعلامُ مُؤتَمَرٍ أُسودُ صَباحِ
يَبنونَ بِالدُستورِ حائِطَ مُلكِهِم
لا بِالصِفاحِ وَلا عَلى الأَرماحِ
وَجَواهِرُ التيجانِ ما لَم تُتَّخَذ
مِن مَعدِنِ الدُستورِ غَيرُ صِحاحِ
اِحتَلَّ حِصنَ الحَقِّ غَيرُ جُنودِهِ
وَتَكالَبَت أَيدٍ عَلى المِفتاحِ
ضَجَّت عَلى أَبطالِها ثُكُناتُهُ
وَاِستَوحَشَت لِكُماتِها النُزّاحِ
هُجِرَت أَرائِكُهُ وَعُطِّلَ عودُهُ
وَشَلا مِنَ الغادينَ وَالروّاحِ
وَعَلاهُ نَسجُ العَنكَبوتِ فَزادَهُ
كَالغارِ مِن شَرَفٍ وَسِمتِ صَلاحِ
قُل لِلبَنينِ مَقالَ صِدقٍ وَاِقتَصِد
ذَرعُ الشَبابِ يَضيقُ بِالنُصّاحِ
أَنتُم بَنو اليَومَ العَصيبِ نَشَأتُمو
في قَصفِ أَنواءٍ وَعَصفِ رِياحِ
وَرَأَيتُمو الوَطَنَ المُؤَلَّفَ صَخرَةً
في الحادِثاتِ وَسَيلِها المُجتاحِ
وَشَهِدتُمو صَدعَ الصُفوفِ وَما جَنى
مِن أَمرِ مُفتاتٍ وَنَهيِ وَقاحِ
صَوتُ الشُعوبِ مِنَ الزَئيرِ مُجَمَّعاً
فَإِذا تَفَرَّقَ كانَ بَعضَ نُباحِ
أَظمَتكُموُ الأَيّامُ ثُمَّ سَقَتكُمو
رَنَقاً مِنَ الإِحسانِ غَيرَ قَراحِ
وَإِذا مُنِحتَ الخَيرَ مِن مُتَكَلِّفٍ
ظَهَرَت عَلَيهِ سَجِيَّةُ المَنّاحِ
تَرَكتُكُمو مِثلَ المَهيضِ جَناحُهُ
لا في الحِبالِ وَلا طَليقَ سَراحِ
مَن صَيَّرَ الأَغلالَ زَهرَ قَلائِدٍ
وَكَسا القُيودَ مَحاسِنَ الأَوضاحِ
إِنَّ الَّتي تَبغونَ دونَ مَنالِها
طولُ اِجتِهادٍ وَاِضطِرادُ كِفاحِ
سيروا إِلَيها بِالأَناةِ طَويلَةً
إِنَّ الأَناةَ سَبيلُ كُلِّ فَلاحِ
وَخُذوا بِناءَ المُلكِ عَن دُستورِكُم
إِنَّ الشِراعَ مُثَقِّفُ المَلّاحِ
يا دارَ مَحمودٍ سَلِمتِ وَبورِكَت
أَركانُكِ الهرَمِيَّةُ الصُفّاحِ
وَاِزدَدتِ مِن حُسنِ الثَناءِ وَطيبِهِ
حَجَراً هُوَ الدُرِيُّ في الأَمداحِ
الأُمَّةُ اِنتَقَلَت إِلَيكِ كَأَنَّما
أَنزَلتِها مِن بَيتِها بِجَناحِ
بَرَكاتُ شَيخٍ بِالصَعيدِ مُحَمَّلٌ
عِبءَ السِنينَ مُؤَمَّلٍ نَفّاحِ
بِالأَمسِ جادَ عَلى القَضِيَّةِ بِاِبنِهِ
وَاليَومَ آواها بِأَكرَمَ ساحِ

قد ود نوح أن يباسط قومه

قَد وَدَّ نوحٌ أَن يُباسِطَ قَومَهُ
فَدَعا إِلَيهِ مَعاشِرَ الحَيوانِ
وَأَشارَ أَن يَلِيَ السَفينَةَ قائِدٌ
مِنهُم يَكونُ مِنَ النُهى بِمَكانِ
فَتَقَدَّمَ اللَيثُ الرَفيعُ جَلالُهُ
وَتَعَرَّضَ الفيلُ الفَخيمُ الشانِ
وَتَلاهُما باقي السِباعِ وَكُلهُم
خَرّوا لِهَيبَتِهِ إِلى الأَذقانِ
حَتّى إِذا حَيّوا المُؤَيَّدَ بِالهُدى
وَدَعَوا بِطولِ العِزِّ وَالإِمكانِ
سَبَقَتهُمُ لِخِطابِ نوحٍ نَملَةٌ
كانَت هُناكَ بِجانِبِ الأَردانِ
قالَت نَبِيَّ اللَهِ أَرضى فارِسٌ
وَأَنا يَقيناً فارِسُ المَيدانِ
سَأُديرُ دِفَّتَها وَأَحمي أَهلَها
وَأَقودُها في عِصمَةٍ وَأَمانِ
ضَحِكَ النَبِيُّ وَقالَ إِنَّ سَفينَتي
لَهِيَ الحَياةُ وَأَنتِ كَالإِنسانِ
كُلُّ الفَضائِلِ وَالعَظائِمِ عِندَهُ
هُوَ أَوَّلٌ وَالغَيرُ فيها الثاني
وَيَوَدُّ لَو ساسَ الزَمانَ وَمالَهُ
بِأَقَل أَشغالِ الزَمانِ يَدانِ

أكذا تقر البيض في الأغماد

أكذا تقر البيض في الأغماد
أكذا تحين مصارع الآساد
خطوا المضاجع في التراب لفارس
جنباه مضطجع من الأطواد
مالت بقسطاس الحقوق نوازل
ومشت على ركن القضاء عواد
ورمى فحط البدر عن عليائه
رام يصيب الشمس في الآراد
قل للمنية نلت ركن حكومة
وهدمت حائط أمة وبلاد
ووقفت بين الحاسدين وبينه
يا راحة المحسود والحساد
كل له يوم وأنت بمرصد
لتصيّد الأحباب والأضداد
ما كل يوم تظفرين بمثله
إن النجوم عزيزة الميلاد
يا ساكن الصحراء منفردا بها
كالنجم أو كالسيل أو كالصاد
كم عن يمينك أو يسارك لو ترى
من فيلق متتابع الأمداد
ألقى السلاح ونام عن راياته
متبدد الأمراء والأجناد
ومصفدٍ ما داينوه وطالما
دان الرجال فبتن في الأصفاد
ومطيع أحكام المنون وطالما
سبقت لطاعته يد الجلاد
ومعانق الأكفان في جوف الثرى
بعد الطراز الفخم في الأعياد
مرت عليك الأربعون صبيحة
مر القرون على ثمود وعاد
في منزل ضربت عليه يد البلى
بحوالك الظلمات والأسداد
يا أحمد القانونُ بعدك غامض
قلِق البنود مجلل بسواد
والأمر اعوج والشئون سقيمة
مختلة الإصدار والإيراد
والأمر مختلط الفصيح بضده
تبكى جواهره على النقاد
وأتت على الأقلام بعدك فترة
قُطمت وكانت مدمنات مداد
عجبي لنفسك لم تدع لك هيكلا
إن النفوس لآفة الأجساد
ولرأسك العالى تناثر لبه
ونزا وصار نسيجه لفساد
لو كان ماسا ذاب أو ياقوتة
لتحرقت بذكائك الوقاد
حمَّلتَه في ليله ونهاره
همّ الفؤاد وهمة الإرشاد
فقتلته ورزحت مقتولا به
رب اجتهاد قاتل كجهاد
جد الطيب فكان غاية جده
تقليب كفيه إلى العواد
والمةت حق في البرية قاهر
عجبي لحق قام باستبداد
لا جدّ إلا الموت والإنسان في
لعب الحياة ولهوها متماد
وَّليت في إثر الشباب ومن يعش
بعد الشباب يعش بغير عماد
من ذم من ورد الشبيبة شوكه
حمل المشيب إليه شوك قتاد
حرص الرجال على حياة بعدها
حرض الشحيح على فضول الزاد
يابن القرى ناتل بمولدك القرى
ما لم تنله حواضر وبواد
غذتك بعد حَسَن المغبِة سائغٍ
وسقتك من جارى المياه بُراد
وتعاهدتك أشعة في شمها
ينفذن عافيةً إلى الأبراد
ونشأت بين الطاهرين سرائرا
والطاهرات الصالحات العاد
رضوات عيش في صلاح عشيرة
في طهر سقف في عفاف وساد
فُجعت بخير بُناتها ومضت به
ريح المنية قبل حين حصاد
أمسى ذووك طويلة حسراتهم
وأخوك ينشد أوثق الأعضاد
في ذمة الشبان ما استودعتهم
من خاطر وقريحة وفؤاد
ووسائل لك لا تُمل كأنها
كتب الصبابة أو حديث وداد
وخطابة في كل ناد حافل
ينصبّ آذانا إليها النادى
ومعربات كالمنار وإنها
لزيادة في رأس مال الضاد
وإذا المعرب نال أسرار اللُّغى
روَّى عبادا من إناء عباد
العلم عندك والبيان مواهب
حليتها بشمائل الأمجاد
ومن المهانة للنبوغ وأهله
شبه النبوغ تراه في الأوغاد
فتحى رئيتك للبلاد وأهلها
ولرائح فوق التراب وغاد
وسبقت فيك القائلين لمنبر
عال عليهم خالد الأعواد
ما زلت تسمع منه كل بديهة
حتى سمعت يتيمة الإنشاد
وحياة مثلك للرجال نموذج
ومماتك المثل القويم الهادى
ورثاؤك الإرشاد والعظة التي
تُلقى على العظماء والأفراد
مكسوب جاهك فوق كل مقلَّد
وطريف مجدك فوق كل تلاد
فخر الولاية والمناصب عادة
كالفخر بالآباء والأجداد
ولربما عقدا نِجادا للعصا
والصارم الماضي بغير نجاد
فافخر بفضلك فهو لا أنسابه
تبلى ولا سلطانه لنقاد

ماذا رجوت من الحفاوة عنده

ماذا رجوت من الحفاوة عنده
يا بائع القرآن بالإنجيل
دع ملك إدورد وخل بلاده
يكفيك عسكره بوادى النيل
خلقان فيك تخلفا وتباعدا
حب الجميل وكفر كل جميل

يتنازع الأرباب فيك نفاسة

يتنازع الأرباب فيك نفاسة
كل يمنّ بأنه سّواكا
ربٌّ يقول خلقته ورزقته
قلما يروع صريره الأفلاكا
فيصبح منحنق إله آخر
أقصر فلست هنا ولست هناكا
أنا ربه سوّيته ورفعته
في الناس حتى ساير الأملاكا
ورزقته دار المؤيد فابتنى
فيها القصور وشيد الأملاكا
فاذا أشاء رفعته فوق السها
وجعلته فوق السماك سماكا
وإذا أشاء وضعته وجعلته
كفريد وجدى كاتبا أفاكا
شيخ المؤيد بالمؤيد بالذي
خلق المؤيد بالذي أغناكا
هل أنت خِلقة واحد متصرف
في ملكه لا يرتضى الإشراكا
أم أنت خلقة لجننة شيمية
تهب العقول وتمنح الإدراكا
سبحانها من لجنة لو أنها
خلقت لنا بين الرجال سواكا
لو أنني من صنعهم لنكرتهم
وجحدتهم فاكفر بذاك وذاكا
لله أنت أبا الصحافة لا لهم
كذبوا فهم لا يخلقون شراكا

يا فرنسا نلت أسباب السماء

يا فَرَنسا نِلتِ أَسبابَ السَماء
وَتَمَلَّكتِ مَقاليدَ الجِواء
غُلِبَ النَسرُ عَلى دَولَتِهِ
وَتَنَحّى لَكِ عَن عَرشِ الهَواء
وَأَتَتكِ الريحُ تَمشي أَمَةً
لَكِ يا بَلقيسُ مِن أَوفى الإِماء
رُوِّضَت بَعدَ جِماحٍ وَجَرَت
طَوعَ سُلطانَينِ عِلمٌ وَذَكاء
لَكِ خَيلٌ بِجَناحٍ أَشبَهَت
خَيلَ جِبريلَ لِنَصرِ الأَنبِياء
وَبَريدٌ يَسحَبُ الذَيلَ عَلى
بُرُدٍ في البَرِّ وَالبَحرِ بِطاء
تَطلُعُ الشَمسُ فَيَجري دونَها
فَوقَ عُنُقِ الريحِ أَو مَتنِ العَماء
رِحلَةُ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ ما
لَبِثَت غَيرَ صَباحٍ وَمَساء
بُسَلاءُ الإِنسِ وَالجِنِّ فِدىً
لِفَريقٍ مِن بَنيكِ البُسَلاء
ضاقَتِ الأَرضُ بِهِم فَاِتَّخَذوا
في السَماواتِ قُبورَ الشُهَداء
فِتيَةٌ يُمسونَ جيرانَ السُها
سُمَراءَ النَجمِ في أَوجِ العَلاء
حُوَّماً فَوقَ جِبالٍ لَم تَكُن
لِلرِياحِ الهوجِ يَوماً بِوِطاء
لِسُلَيمانَ بِساطٌ واحِدٌ
وَلَهُم أَلفُ بِساطٍ في الفَضاء
يَركَبونَ الشُهبَ وَالسُحبَ إِلى
رِفعَةِ الذِكرِ وَعَلياءِ الثَناء
يا نُسوراً هَبَطوا الوادي عَلى
سالِفِ الحُبِّ وَمَأثورِ الوَلاء
دارُكُم مِصرُ وَفيها قَومُكُم
مَرحَباً بِالأَقرَبينَ الكُرَماء
طِرتُمُ فيها فَطارَت فَرَحاً
بِأَعَزِّ الضَيفِ خَيرِ النُزَلاء
هَل شَجاكُم في ثَرى أَهرامِها
ما أَرَقتُم مِن دُموعٍ وَدِماء
أَينَ نَسرٌ قَد تَلَقّى قَبلَكُم
عِظَةَ الأَجيالِ مِن أَعلى بِناء
لَو شَهِدتُم عَصرَهُ أَضحى لَهُ
عالَمُ الأَفلاكِ مَعقودَ اللِواء
جَرَحَ الأَهرامَ في عِزَّتِها
فَمَشى لِلقَبرِ مَجروحَ الإِباء
أَخَذَت تاجاً بِتاجٍ ثَأرَها
وَجَزَت مِن صَلَفٍ بِالكِبرِياء
وَتَمَنَّت لَو حَوَت أَعظُمَهُ
بَينَ أَبناءِ الشُموسِ العُظَماء
جَلَّ شَأنُ اللَهِ هادي خَلقِهِ
بِهُدى العِلمِ وَنورِ العُلَماء
زَفَّ مِن آياتِهِ الكُبرى لَنا
طِلبَةً طالَ بِها عَهدُ الرَجاء
مَركَبٌ لَو سَلَفَ الدَهرُ بِهِ
كانَ إِحدى مُعجِزاتِ القُدَماء
نِصفُهُ طَيرٌ وَنِصفٌ بَشَرٌ
يا لَها إِحدى أَعاجيبِ القَضاء
رائِعٌ مُرتَفِعاً أَو واقِعاً
أَنفُسَ الشُجعانِ قَبلَ الجُبَناء
مُسرَجٌ في كُلِّ حينٍ مُلجَمٌ
كامِلُ العُدَّةِ مَرموقُ الرُواء
كَبِساطِ الريحِ في القُدرَةِ أَو
هُدهُدِ السيرَةِ في صِدقِ البَلاء
أَو كَحوتٍ يَرتَمي المَوجُ بِهِ
سابِحٌ بَينَ ظُهورٍ وَخَفاء
راكِبٌ ما شاءَ مِن أَطرافِهِ
لا يُرى مِن مَركَبٍ ذي عُدَواء
مَلَأَ الجَوَّ فِعالاً وَغَدا
عَجَبَ الغِربانِ فيهِ وَالحِداء
وَتَرى السُحبَ بِهِ راعِدَةً
مِن حَديدٍ جُمِّعَت لا مِن رَواء
حَمَلَ الفولاذَ ريشاً وَجَرى
في عِنانَينِ لَهُ نارٍ وَماء
وَجَناحٍ غَيرِ ذي قادِمَةٍ
كَجَناحِ النَحلِ مَصقولٍ سَواء
وَذُنابى كُلُّ ريحٍ مَسَّها
مَسَّهُ صاعِقَةٌ مِن كَهرُباء
يَتَراءى كَوكَباً ذا ذَنَبٍ
فَإِذا جَدَّ فَسَهماً ذا مَضاء
فَإِذا جازَ الثُرَيّا لِلثَرى
جَرَّ كَالطاووسِ ذَيلَ الخُيَلاء
يَملَأُ الآفاقَ صَوتاً وَصَدىً
كَعَزيفِ الجِنِّ في الأَرضِ العَراء
أَرسَلَتهُ الأَرضُ عَنها خَبَراً
طَنَّ في آذانِ سُكّانِ السَماء
يا شَبابَ الغَدِ وَاِبنايَ الفِدى
لَكُمُ أَكرِم وَأَعزِز بِالفِداء
هَل يَمُدُّ اللَهُ لِيَ العَيشَ عَسى
أَن أَراكُم في الفَريقِ السُعَداء
وَأَرى تاجَكُمُ فَوقَ السُها
وَأَرى عَرشَكُمُ فَوقَ ذُكاء
مَن رَآكُم قالَ مِصرُ اِستَرجَعَت
عِزَّها في عَهدِ خوفو وَمِناء
أُمَّةٌ لِلخُلدِ ما تَبني إِذا
ما بَنى الناسُ جَميعاً لِلعَفاء
تَعصِمُ الأَجسامَ مِن عادي البِلا
وَتَقي الآثارَ مِن عادي الفَناء
إِن أَسَأنا لَكُمُ أَو لَم نُسِئ
نَحنُ هَلكى فَلَكُم طولُ البَقاء
إِنَّما مِصرُ إِلَيكُم وَبِكُم
وَحُقوقُ البِرِّ أَولى بِالقَضاء
عَصرُكُم حُرٌّ وَمُستَقبَلُكُم
في يَمينِ اللَهِ خَيرِ الأُمَناء
لا تَقولوا حَطَّنا الدَهرُ فَما
هُوَ إِلّا مِن خَيالِ الشُعَراء
هَل عَلِمتُم أُمَّةً في جَهلِها
ظَهَرَت في المَجدِ حَسناءَ الرِداء
باطِنُ الأُمَّةِ مِن ظاهِرِها
إِنَّما السائِلُ مِن لَونِ الإِناء
فَخُذوا العِلمَ عَلى أَعلامِهِ
وَاِطلُبوا الحِكمَةَ عِندَ الحُكَماء
وَاِقرَأوا تاريخَكُم وَاِحتَفِظوا
بِفَصيحٍ جاءَكُم مِن فُصَحاء
أَنزَلَ اللَهُ عَلى أَلسُنِهِم
وَحيَهُ في أَعصُرِ الوَحيِ الوِضاء
وَاِحكُموا الدُنيا بِسُلطانٍ فَما
خُلِقَت نَضرَتُها لِلضُعَفاء
وَاِطلُبوا المَجدَ عَلى الأَرضِ فَإِن
هِيَ ضاقَت فَاِطلُبوهُ في السَماء