من صور السحر المبين عيونا

مَن صَوَّرَ السِحرَ المُبينَ عُيوناً
وَأَحَلَّهُ حَدَقاً وَجُفونا
نَظَرَت فَحُلتُ بِجانِبي فَاِستَهدَفَت
كَبِدي وَكانَ فُوادِيَ المَغبونا
وَرَمَت بِسَهمٍ جالَ فيهِ جَولَةً
حَتّى اِستَقَرَّ فَرَنَّ فيهِ رَنينا
فَلَمَستُ صَدري موجِساً وَمُرَوَّعاً
وَلَمَستُ جَنبي مُشفِقاً وَضَنينا
يا قَلبُ إِنَّ مِنَ البَواتِرِ أَعيُناً
سوداً وَإِنَّ مِنَ الجَآذِرِ عينا
لا تَأخُذَنَّ مِنَ الأُمورِ بِظاهِرٍ
إِنَّ الظَواهِرَ تَخدَعُ الرائينا
فَلَكَم رَجَعتُ مِنَ الأَسِنَّةِ سالِماً
وَصَدَرتُ عَن هيفِ القُدودِ طَعينا
وَخَميلَةٍ فَوقَ الجَزيرَةِ مَسَّها
ذَهَبُ الأَصيلِ حَواشِياً وَمُتونا
كَالتِبرِ أُفقاً وَالزَبَرجَدِ رَبوَةً
وَالمِسكِ تُرباً وَاللُجَينِ مَعينا
وَقَفَ الحَيا مِن دونِها مُستَأذِناً
وَمَشى النَسيمُ بِظِلِّها مَأذونا
وَجَرى عَلَيها النيلُ يَقذِفُ فَضَّةً
نَثراً وَيَكسِرُ مَرمَراً مَسنونا
يُغري جَوارِيَهُ بِها فَيَجِئنَها
وَيُغيرُهُنَّ بِها فَيَستَعلينا
راعَ الظَلامُ بِها أَوانِسَ تَرتَمي
مِثلَ الظِباءِ مِنَ الرُبى يَهوينا
يَخطُرنَ في ساحِ القُلوبِ عَوالِياً
وَيَمِلنَ في مَرأى العُيونِ غُصونا
عِفنَ الذُيولِ مِنَ الحَريرِ وَغَيرِهِ
وَسَحَبنَ ثَمَّ الآسَ وَالنَسرينا
عارَضتُهُنَّ وَلي فُؤادٌ عُرضَةٌ
لِهَوى الجَآذِرِ دانَ فيهِ وَدينا
فَنَظَرنَ لا يَدرينَ أَذهَبُ يَسرَةً
فَيَحِدنَ عَنّي أَم أَميلُ يَمينا
وَنَفَرنَ مِن حَولي وَبَينَ حَبائِلي
كَالسِربِ صادَفَ في الرَواحِ كَمينا
فَجَمَعتُهُنَّ إِلى الحَديثِ بَدَأتُهُ
فَغَضِبنَ ثُمَّ أَعَدتُهُ فَرَضينا
وَسَمِعتُ مَن أَهوى تَقولُ لِتُربِها
أَحرى بِأَحمَدَ أَن يَكونَ رَزينا
قالَت أَراهُ عِندَ غايَةِ وَجدِهِ
فَلَعَلَّ لَيلى تَرحَمُ المَجنونا

ما هيج البسفور مثلك شاعرا

ما هيج البسفور مثلك شاعرا
بين الطبيعة فيه والتاريخ
فجعلت شعرك فيهما ولطالما
قد كنت عبد المدح والتاريخ

يا دنشواي علي رباك سلام

يا دِنشِوايَ عَلى رُباكِ سَلامُ
ذَهَبَت بِأُنسِ رُبوعِكِ الأَيّامُ
شُهَداءُ حُكمِكِ في البِلادِ تَفَرَّقوا
هَيهاتَ لِلشَملِ الشَتيتِ نِظامُ
مَرَّت عَلَيهِم في اللُحودِ أَهِلَّةٌ
وَمَضى عَلَيهِم في القُيودِ العامُ
كَيفَ الأَرامِلُ فيكِ بَعدَ رِجالِها
وَبِأَيِّ حالٍ أَصبَحَ الأَيتامُ
عِشرونَ بَيتاً أَقفَرَت وَاِنتابَها
بَعدَ البَشاشَةِ وَحشَةٌ وَظَلامُ
يا لَيتَ شِعري في البُروجِ حَمائِمٌ
أَم في البُروجِ مَنِيَّةٌ وَحِمامُ
نَيرونُ لَو أَدرَكتَ عَهدَ كَرومِرٍ
لَعَرَفتَ كَيفَ تُنَفَّذُ الأَحكامُ
نوحي حَمائِمَ دِنشِوايَ وَرَوِّعي
شَعباً بِوادي النيلِ لَيسَ يَنامُ
إِن نامَتِ الأَحياءُ حالَت بَينَهُ
سَحراً وَبَينَ فِراشِهِ الأَحلامُ
مُتَوَجِّعٌ يَتَمَثَّلُ اليَومَ الَّذي
ضَجَّت لِشِدَّةِ هَولِهِ الأَقدامُ
السوطُ يَعمَلُ وَالمَشانِقُ أَربَعٌ
مُتَوَحِّداتٌ وَالجُنودُ قِيامُ
وَالمُستَشارُ إِلى الفَظائِعِ ناظِرٌ
تَدمى جُلودٌ حَولَهُ وَعِظامُ
في كُلِّ ناحِيَةٍ وَكُلِّ مَحَلَّةٍ
حَزعاً مِنَ المَلَأِ الأَسيَفِ زِحامُ
وَعَلى وُجوهِ الثاكِلينَ كَآبَةٌ
وَعَلى وُجوهِ الثاكِلاتِ رُغامُ

تاتي الدلال سجية وتصنعا

تَأتي الدَلالَ سَجِيَّةً وَتَصَنُّعاً
وَأَراكَ في حالَي دَلالِكَ مُبدِعا
تِه كَيفَ شِئتَ فَما الجَمالُ بِحاكِمٍ
حَتّى يُطاعَ عَلى الدَلالِ وَيُسمَعا
لَكَ أَن يُرَوِّعَكَ الوُشاةُ مِنَ الهَوى
وَعَلَيَّ أَن أَهوى الغَزالَ مُرَوَّعا
قالوا لَقَد سَمِعَ الغَزالُ لِمَن وَشى
وَأَقولُ ما سَمِعَ الغَزالُ وَلا وَعى
أَنا مَن يُحِبُّكَ في نِفارِكَ مُؤنِساً
وَيُحِبُّ تيهَكَ في نِفارِكَ مَطمَعا
قَدَّمتُ بَينَ يَدَيَّ أَيّامَ الهَوى
وَجَعَلتُها أَمَلاً عَلَيكَ مُضَيَّعا
وَصَدَقتُ في حُبّي فَلَستُ مُبالِياً
أَن أُمنَحَ الدُنيا بِهِ أَو أُمنَعا
يا مَن جَرى مِن مُقلَتَيهِ إِلى الهَوى
صِرفاً وَدارَ بِوَجنَتَيهِ مُشعشَعا
اللَهَ في كَبِدٍ سَقَيتَ بِأَربَعٍ
لَو صَبَّحوا رَضوى بِها لَتَصَدَّعا

فتحية دنيا تدوم وصحة

فَتحِيَّةٌ دُنيا تَدومُ وَصِحَّةٌ
تَبقى وَبَهجَةُ أُمَّةٍ وَحَياةُ
مَولايَ إِنَّ الشَمسَ في عَليائِها
أُنثى وَكُلُّ الطَيِّباتِ بَناتُ

يا جارة الوادي طربت وعادني

يا جارة الوادي طربت وعادني
ما زادني شوقا إلى مرآك
فقطعت ليلي غارقا نشوان في
ما يشبه الأحلام من ذكراك
مثّلت في الذكرى هواك وفي الكرى
لمّا سموت به وصنتُ هواك
ولكم على الذكرى لقلبي عبرةٌ
والذكريات صدى السنين الحاكي
ولقد مررت على الرياض بربوة
كم راقصت فيها رؤاي رؤاك
خضراء قد سبت الربيع بدلّها
غنّاء كنت حيالها ألقاك
لم أدر ما طيب العناق على الهوى
والروض أسكرهُ الصبا بشذاك
لم أدر والأشواق تصرخ في دمي
حتّى ترفّق ساعدي فطواك
وتأوّدت أعطاف بانك في يدي
سكرى وداعب أضلعي فطواك
أين الشقائق منك حين تمايلا
وأحمرّ من خفريهما خدّاك
ودخلت في ليلين فرعك والدجى
والسكر أغراني بما أغراك
فطغى الهوى وتناهبتك عواطفي
ولثمت كالصبح المنوّر فاك
وتعطّلت لغة الكلام وخاطبت
قلبي بأحلى قبلة شفتاك
وبلغت بعض مآربي إذ حدّثت
عينيّ في لغة الهوى عيناك
لا أمس من عمر الزمان ولا غد
بنواك آه من النوى رحماك
سمراء يا سؤلي وفرحة خاطري
جمع الزمان فكان يوم لقاك

قم للمعلم وفه التبجيلا

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا
كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي
يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا
سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ
عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى
أَخرَجتَ هَذا العَقلَ مِن ظُلُماتِهِ
وَهَدَيتَهُ النورَ المُبينَ سَبيلا
وَطَبَعتَهُ بِيَدِ المُعَلِّمِ تارَةً
صَدِئَ الحَديدُ وَتارَةً مَصقولا
أَرسَلتَ بِالتَوراةِ موسى مُرشِداً
وَاِبنَ البَتولِ فَعَلِّمِ الإِنجيلا
وَفَجَرتَ يَنبوعَ البَيانِ مُحَمَّداً
فَسَقى الحَديثَ وَناوَلَ التَنزيلا
عَلَّمتَ يوناناً وَمِصرَ فَزالَتا
عَن كُلِّ شَمسٍ ما تُريدُ أُفولا
وَاليَومَ أَصبَحَتا بِحالِ طُفولَةٍ
في العِلمِ تَلتَمِسانِهِ تَطفيلا
مِن مَشرِقِ الأَرضِ الشَموسُ تَظاهَرَت
ما بالُ مَغرِبِها عَلَيهِ أُديلا
يا أَرضُ مُذ فَقَدَ المُعَلِّمُ نَفسَهُ
بَينَ الشُموسِ وَبَينَ شَرقِكِ حيلا
ذَهَبَ الَّذينَ حَمَوا حَقيقَةَ عِلمِهِم
وَاِستَعذَبوا فيها العَذابَ وَبيلا
في عالَمٍ صَحِبَ الحَياةَ مُقَيَّداً
بِالفَردِ مَخزوماً بِهِ مَغلولا
صَرَعَتهُ دُنيا المُستَبِدِّ كَما هَوَت
مِن ضَربَةِ الشَمسِ الرُؤوسُ ذُهولا
سُقراطُ أَعطى الكَأسَ وَهيَ مَنِيَّةٌ
شَفَتَي مُحِبٍّ يَشتَهي التَقبيلا
عَرَضوا الحَياةَ عَلَيهِ وَهيَ غَباوَةٌ
فَأَبى وَآثَرَ أَن يَموتَ نَبيلا
إِنَّ الشَجاعَةَ في القُلوبِ كَثيرَةٌ
وَوَجَدتُ شُجعانَ العُقولِ قَليلا
إِنَّ الَّذي خَلَقَ الحَقيقَةَ عَلقَماً
لَم يُخلِ مِن أَهلِ الحَقيقَةِ جيلا
وَلَرُبَّما قَتَلَ الغَرامُ رِجالَها
قُتِلَ الغَرامُ كَمِ اِستَباحَ قَتيلا
أَوَكُلُّ مَن حامى عَنِ الحَقِّ اِقتَنى
عِندَ السَوادِ ضَغائِناً وَذُحولا
لَو كُنتُ أَعتَقِدُ الصَليبَ وَخَطبُهُ
لَأَقَمتُ مِن صَلبِ المَسيحِ دَليلا
أَمُعَلِّمي الوادي وَساسَةَ نَشئِهِ
وَالطابِعينَ شَبابَهُ المَأمولا
وَالحامِلينَ إِذا دُعوا لِيُعَلِّموا
عِبءَ الأَمانَةِ فادِحاً مَسؤولا
كانَت لَنا قَدَمٌ إِلَيهِ خَفيفَةٌ
وَرِمَت بِدَنلوبٍ فَكانَ الفيلا
حَتّى رَأَينا مِصرَ تَخطو إِصبَعاً
في العِلمِ إِن مَشَتِ المَمالِكُ ميلا
تِلكَ الكُفورُ وَحَشوُها أُمِّيَّةٌ
مِن عَهدِ خوفو لا تَرَ القِنديلا
تَجِدُ الَّذينَ بَنى المِسَلَّةَ جَدُّهُم
لا يُحسِنونَ لِإِبرَةٍ تَشكيلا
وَيُدَلَّلونَ إِذا أُريدَ قِيادُهُم
كَالبُهمِ تَأنَسُ إِذ تَرى التَدليلا
يَتلو الرِجالُ عَلَيهُمُ شَهَواتِهِم
فَالناجِحونَ أَلَدُّهُم تَرتيلا
الجَهلُ لا تَحيا عَلَيهِ جَماعَةٌ
كَيفَ الحَياةُ عَلى يَدَي عِزريلا
وَاللَهِ لَولا أَلسُنٌ وَقَرائِحٌ
دارَت عَلى فِطَنِ الشَبابِ شَمولا
وَتَعَهَّدَت مِن أَربَعينَ نُفوسَهُم
تَغزو القُنوطَ وَتَغرِسُ التَأميلا
عَرَفَت مَواضِعَ جَدبِهِم فَتَتابَعَت
كَالعَينِ فَيضاً وَالغَمامِ مَسيلا
تُسدي الجَميلَ إِلى البِلادِ وَتَستَحي
مِن أَن تُكافَأَ بِالثَناءِ جَميلا
ما كانَ دَنلوبٌ وَلا تَعليمُهُ
عِندَ الشَدائِدِ يُغنِيانِ فَتيلا
رَبّوا عَلى الإِنصافِ فِتيانَ الحِمى
تَجِدوهُمُ كَهفَ الحُقوقِ كُهولا
فَهوَ الَّذي يَبني الطِباعَ قَويمَةً
وَهوَ الَّذي يَبني النُفوسَ عُدولا
وَيُقيمُ مَنطِقَ كُلِّ أَعوَجِ مَنطِقٍ
وَيُريهِ رَأياً في الأُمورِ أَصيلا
وَإِذا المُعَلِّمُ لَم يَكُن عَدلاً مَشى
روحُ العَدالَةِ في الشَبابِ ضَئيلا
وَإِذا المُعَلِّمُ ساءَ لَحظَ بَصيرَةٍ
جاءَت عَلى يَدِهِ البَصائِرُ حولا
وَإِذا أَتى الإِرشادُ مِن سَبَبِ الهَوى
وَمِنَ الغُرورِ فَسَمِّهِ التَضليلا
وَإِذا أُصيبَ القَومُ في أَخلاقِهِم
فَأَقِم عَلَيهِم مَأتَماً وَعَويلا
إِنّي لَأَعذُرُكُم وَأَحسَبُ عِبئَكُم
مِن بَينِ أَعباءِ الرِجالِ ثَقيلا
وَجَدَ المُساعِدَ غَيرُكُم وَحُرِمتُمُ
في مِصرَ عَونَ الأُمَّهاتِ جَليلا
وَإِذا النِساءُ نَشَأنَ في أُمِّيَّةً
رَضَعَ الرِجالُ جَهالَةً وَخُمولا
لَيسَ اليَتيمُ مَنِ اِنتَهى أَبَواهُ مِن
هَمِّ الحَياةِ وَخَلَّفاهُ ذَليلا
فَأَصابَ بِالدُنيا الحَكيمَةِ مِنهُما
وَبِحُسنِ تَربِيَةِ الزَمانِ بَديلا
إِنَّ اليَتيمَ هُوَ الَّذي تَلقى لَهُ
أُمّاً تَخَلَّت أَو أَباً مَشغولا
مِصرٌ إِذا ما راجَعَت أَيّامَها
لَم تَلقَ لِلسَبتِ العَظيمِ مَثيلا
البَرلَمانُ غَداً يُمَدُّ رُواقُهُ
ظِلّاً عَلى الوادي السَعيدِ ظَليلا
نَرجو إِذا التَعليمُ حَرَّكَ شَجوَهُ
أَلّا يَكونَ عَلى البِلادِ بَخيلا
قُل لِلشَبابِ اليَومَ بورِكَ غَرسُكُم
دَنَتِ القُطوفُ وَذُلِّلَت تَذليلا
حَيّوا مِنَ الشُهَداءِ كُلَّ مُغَيَّبٍ
وَضَعوا عَلى أَحجارِهِ إِكليلا
لِيَكونَ حَظُّ الحَيِّ مِن شُكرانِكُم
جَمّاً وَحَظُّ المَيتِ مِنهُ جَزيلا
لا يَلمَسُ الدُستورُ فيكُم روحَهُ
حَتّى يَرى جُندِيَّهُ المَجهولا
ناشَدتُكُم تِلكَ الدِماءَ زَكِيَّةً
لا تَبعَثوا لِلبَرلَمانِ جَهولا
فَليَسأَلَنَّ عَنِ الأَرائِكِ سائِلٌ
أَحَمَلنَ فَضلاً أَم حَمَلنَ فُضولا
إِن أَنتَ أَطلَعتَ المُمَثِّلَ ناقِصاً
لَم تَلقَ عِندَ كَمالِهِ التَمثيلا
فَاِدعوا لَها أَهلَ الأَمانَةِ وَاِجعَلوا
لِأولى البَصائِرِ مِنهُمُ التَفضيلا
إِنَّ المُقَصِّرَ قَد يَحولُ وَلَن تَرى
لِجَهالَةِ الطَبعِ الغَبِيِّ مُحيلا
فَلَرُبَّ قَولٍ في الرِجالِ سَمِعتُمُ
ثُمَّ اِنقَضى فَكَأَنَّهُ ما قيلا
وَلَكَم نَصَرتُم بِالكَرامَةِ وَالهَوى
مَن كانَ عِندَكُمُ هُوَ المَخذولا
كَرَمٌ وَصَفحٌ في الشَبابِ وَطالَما
كَرُمَ الشَبابُ شَمائِلاً وَمُيولا
قوموا اِجمَعوا شَعبَ الأُبُوَّةِ وَاِرفَعوا
صَوتَ الشَبابِ مُحَبَّباً مَقبولا
ما أَبعَدَ الغاياتِ إِلّا أَنَّني
أَجِدُ الثَباتَ لَكُم بِهِنَّ كَفيلا
فَكِلوا إِلى اللَهِ النَجاحَ وَثابِروا
فَاللَهُ خَيرٌ كافِلاً وَوَكيلا

اجعل رثاءك للرجال جزاء

اِجعَل رِثاءَكَ لِلرِجالِ جَزاءَ
وَاِبعَثهُ لِلوَطَنِ الحَزينِ عَزاءَ
إِنَّ الدِيارَ تُريقُ ماءَ شُؤونِها
كَالأُمَّهاتِ وَتَندُبُ الأَبناءَ
ثُكلُ الرِجالِ مِنَ البَنينِ وَإِنَّما
ثُكلُ المَمالِكِ فَقدُها العُلَماءَ
يَجزَعنَ لِلعَلَمِ الكَبيرِ إِذا هَوى
جَزَعَ الكَتائِبِ قَد فَقَدنَ لِواءَ
عَلَمُ الشَريعَةِ أَدرَكَتهُ شَريعَةٌ
لِلمَوتِ يَنظِمُ حُكمُها الأَحياءَ
عانى قَضاءَ الأَرضِ عِلمَ مُحَصِّلٍ
وَاَليَومَ عالَجَ لِلسَماءِ قَضاءَ
وَمَضى وَفيهِ مِنَ الشَبابِ بَقِيَّةٌ
لِلنَفعِ أَرجى ما تَكونُ بَقاءَ
إِنَّ الشَبابَ يُحَبُّ جَمّاً حافِلاً
وَتُحَبُّ أَيّامُ الشَبابِ مِلاءَ
بِالأَمسِ كانَت لِاِبنِ هَيفٍ غَضبَةٌ
لِلحَقِّ نَذكُرُها يَداً بيضاءَ
مَشَتِ البِلادُ إِلى رِسالَةِ مِلنَرٍ
وَتَحَفَّزَت أَرضاً لَها وَسَماءَ
فَلَمَحتُ أَعرَجَ في زَوايا الحَقِّ لَم
أَعلَم عَلَيهِ ذِمَّةً عَرجاءَ
اِرتَدَّتِ العاهاتُ عَن أَخلاقِهِ
لِسُمُوِّهِنَّ وَحَلَّتِ الأَعضاءَ
عَطَفَتهُ عَطفَ القَوسِ يَومَ رِمايَةٍ
وَثَنَتهُ كَالماضي فَزادَ مَضاءَ
لَمّا رَأى التَقريرَ يَنفُثُ سُمَّهُ
سَبَقَ الحُواةَ فَأَخرَجَ الرَقطاءَ
هَتَكَ الحِمايَةَ وَالرِجالَ وَراءَها
يَتَلَمَّسونَ لَها السُتورَ رِياءَ
ما قَبَّحوا بِالصُبحِ مِن أَشباحِها
راحوا إِلَيكَ فَحَسَّنوهُ مَساءَ
يا قَيِّمَ الدارِ الَّتي قَد أَخرَجَت
لِلمُدلِجينَ مَنارَةً زَهراءَ
وَتَرى لَدَيها الوارِدينَ فَلا تَرى
إِلّا ظِماءً يَنزِلونَ رَواءَ
وَتُجالِسُ العُلَماءَ في حُجُراتِها
وَتُسامِرُ الحُكَماءَ وَالشُعَراءَ
تَكفيكَ شَيطانَ الفَراغِ وَتَعتَني
بِالجاهِلينَ تَرُدُّهُم عُقَلاءَ
دارُ الذَخائِرِ كُنتَ أَكمَلَ كُتبِها
مَجموعَةٌ وَأَتَمَّها أَجزاءَ
لَمّا خَلَت مِن كِنزِ عِلمِكَ أَصبَحَت
مِن كُلِّ أَعلاقِ الكُنوزِ خَلاءَ
هَزَّ الشَبابُ إِلى رَثائِكَ خاطِري
فَوَجَدتَ فِيَّ وَفي الشَبابِ وَفاءَ
عَبدَ الحَميدِ أَلا أُسِرُّكَ حادِثاً
يَكسو عِظامَكَ في البِلى السَرّاءَ
قُم مِن صُفوفِ الحَقِّ تلقَ كَتيبَةً
مَلمومَةً وَتَرَ الصُفوفَ سَواءَ
وَتَرَ الكِنانَةِ شيبَها وَشَبابَها
دونَ القَضِيَةِ عُرضَةً وَفِداءَ
جَمَعَ السَلامُ الصُحفَ مِن غاراتِها
وَتَأَلَّفَ الأَحزابَ وَالزُعَماءَ
في كُلِّ وُجدانٍ وَكُلِّ سَريرَةٍ
خَلَفَ الوِدادُ الحِقدَ وَالبَغضاءَ
وَغَدا إِلى دينِ العَشيرَةِ يَنتَهي
مَن خالَفَ الأَعمامَ وَالآباءَ
لا يَحجِبونَ عَلى تجَنّيهِم وَلا
يَجِدونَ إِلّا الصَفحَ وَالإِغضاءَ
وَالأَهلُ لا أَهلاً بِحَبلِ وَلائِهِم
حَتّى تَراهُم بَينَهُم رُحَماءُ
كَذَبَ المُريبُ يَقولُ بَعدَ غَدٍ لَنا
خُلفٌ يُعيدُ وَيُبدِئُ الشَحناءَ
قَلبي يُحَدِّثُني وَلَيسَ بِخائِني
إِنَّ العُقولَ سَتَقهَرُ الأَهواءَ
يا سَعدُ قَد جَرَتِ الأُمورُ لِغايَةٍ
اللَهُ هَيَّأَها لَنا ما شاءَ
سُبحانَهُ جَمَعَ القُلوبَ مِنَ الهَوى
شَتّى وَقَوّى حَولَهُ الضُعَفاءَ
الفُلكُ بَعدَ العُسرِ يُسِّرَ أَمرُها
وَاِستَقبَلَت ريحَ الأُمورِ رُخاءَ
وَتَأَهَّبَت بِكَ تَستَعِدُّ لِزاخِرٍ
تَطَأُ العَواصِفَ فيهِ وَالأَنواءَ
رَجَعَت بِراكِبِها إِلى رُبّانِها
تُلقي الرَجاءَ عَلَيهِ وَالأَعباءَ
فَاِشدُد بِأَربابِ النُهى سُكّانَها
وَاِجعَل مِلاكَ شِراعِها الأَكفاءَ
مَن ذا الَّذي يَختارُ أَهلَ الفَضلِ أَو
يَزِنُ الرِجالَ إِذا اِختِيارُكَ ناءَ
أَخرِج لِأَبناءِ الحَضارَةِ مَجلِساً
يُبقي عَلى اِسمِكَ في العُصورِ ثَناءَ

ايامكم ام عهد اسماعيلا

أَيّامُكُم أَم عَهدُ إِسماعيلا
أَم أَنتَ فِرعَونٌ يَسوسُ النيلا
أَم حاكِمٌ في أَرضِ مِصرَ بِأَمرِهِ
لا سائِلاً أَبَداً وَلا مَسؤولا
يا مالِكاً رِقَّ الرِقابِ بِبَأسِهِ
هَلّا اِتَّخَذتَ إِلى القُلوبِ سَبيلا
لَمّا رَحَلتَ عَنِ البِلادِ تَشَهَّدَت
فَكَأَنَّكَ الداءُ العَياءُ رَحيلا
أَوسَعتَنا يَومَ الوَداعِ إِهانَةً
أَدَبٌ لَعَمرُكَ لا يُصيبُ مَثيلا
هَلّا بَدا لَكَ أَن تُجامِلَ بَعدَ ما
صاغَ الرَئيسُ لَكَ الثَنا إِكليلا
اُنظُر إِلى أَدَبِ الرَئيسِ وَلُطفِهِ
تَجِدِ الرَئيسَ مُهَذَّباً وَنَبيلا
في مَلعَبٍ لِلمُضحِكاتِ مُشَيَّدٍ
مَثَّلتَ فيهِ المُبكِياتِ فُصولا
شَهِدَ الحُسَينُ عَلَيهِ لَعنَ أُصولِهِ
وَيُصَدَّرُ الأَعمى بِهِ تَطفيلا
جُبنٌ أَقَلَّ وَحَطَّ مِن قَدرَيهِما
وَالمَرءُ إِن يَجبُن يَعِش مَرذولا
لَمّا ذَكَرتُ بِهِ البِلادَ وَأَهلَها
مَثَّلتَ دَورَ مَماتِها تَمثيلا
أَنذَرتَنا رِقّاً يَدومُ وَذِلَّةً
تَبقى رِحالاً لا تَرى تَحويلا
أَحَسِبتَ أَنَّ اللَهَ دونَكَ قُدرَةً
لا يَملُكُ التَغييرَ وَالتَبديلا
اللَهُ يَحكُمُ في المُلوكِ وَلَم تَكُن
دُوَلٌ تُنازِعُهُ القُوى لِتَدولا
فِرعَونُ قَبلَكَ كانَ أَعظَمَ سَطوَةً
وَأَعَزَّ بَينَ العالَمينَ قَبيلا
اليَومَ أَخلَفَتِ الوُعودَ حُكومَةٌ
كُنّا نَظُنُّ عُهودَها الإِنجيلا
دَخَلَت عَلى حُكمِ الوِدادِ وَشَرعِهِ
مِصراً فَكانَت كَالسُلالِ دُخولا
هَدَمَت مَعالِمَها وَهَدَّت رُكنَها
وَأَضاعَتِ اِستِقلالَها المَأمولا
قالوا جَلَبتَ لَنا الرَفاهَةَ وَالغِنى
جَحَدوا الإِلَهَ وَصُنعَهُ وَالنيلا
كَم مِنَّةٍ مَوهومَةٍ أَتبَعتَها
مِنّا عَلى الفَطِنِ الخَبيرِ ثَقيلا
في كُلِّ تَقريرٍ تَقولُ خَلَقتُكُم
أَفَهَل تَرى تَقريرَكَ التَنزيلا
هَل مِن نَداكَ عَلى المَدارِسِ أَنَّها
تَذَرُ العُلومَ وَتَأخُذُ الفُوتبولا
أَم مِن صِيانَتِكَ القَضاءَ بِمِصرَ أَن
تَأتي بِقاضي دِنشِوايَ وَكيلا
أَم هَل يَعُدُّ لَكَ الإِضاعَةَ مِنَّةً
جَيشٌ كَجَيشِ الهِندِ باتَ ذَليلا
اُنظُر إِلى فِتيانِهِ ما شَأنُهُم
أَوَ لَيسَ شَأناً في الجُيوشِ ضَئيلا
حَرَّمتُهُم أَن يَبلُغوا رُتَبَ العُلا
وَرَفَعتَ قَومَكَ فَوقَهُم تَفضيلا
فَإِذا تَطَلَّعَتِ الجُيوشُ وَأَمَّلَت
مُستَقبَلاً لا يَملِكوا التَأميلا
مِن بَعدِ ما زَفّوا لِإِدوَردَ العُلا
فَتحاً عَريضاً في البِلادِ طَويلا
لَو كُنتُ مِن جُمرِ الثِيابِ عَبَدتُكُم
مِن دونِ عيسى مُحسِناً وَمُنيلا
أَو كُنتُ بَعضَ الإِنكِليزَ قَبِلتُكُم
مَلِكاً أُقَطِّعُ كَفَّهُ تَقبيلا
أَو كُنتُ عُضواً في الكُلوبِ مَلَأتُهُ
أَسَفاً لِفُرقَتِكُم بُكاً وَعَويلا
أَو كُنتُ قِسّيساً يَهيمُ مُبَشِّراً
رَتَّلتُ آيَةَ مَدحِكُم تَرتيلا
أَو كُنتُ صَرّافاً بِلُندُنَ دائِناً
أَعطَيتُكُم عَن طيبَةٍ تَحويلا
أَو كُنتُ تَيمَسَكُم مَلَأتُ صَحائِفي
مَدحاً يُرَدَّدُ في الوَرى مَوصولا
أَو كُنتُ في مِصرٍ نَزيلاً جاهِداً
سَبَّحتُ بِاِسمِكِ بُكرَةً وَأَصيلا
أَو كُنتُ سِريوناً حَلَفتُ بِأَنَّكُم
أَنتُم حَوَيتُمُ بِالقَناةِ الجيلا
ما كانَ مِن عَقَباتِها وَصِعابِها
ذَلَّلتُموهُ بِعَزمِكُم تَذليلا
عَهدُ الفِرَنجِ وَأَنتَ تَعلَمُ عَهدَهُم
لا يَبخَسونَ المُحسِنينَ فَتيلا
فَاِرحَل بِحِفظِ اللَهِ جَلَّ صَنيعُهُ
مُستَعفِياً إِن شِئتَ أَو مَعزولا
وَاِحمِل بِساقِكَ رَبطَةً في لُندُنٍ
وَاِخلِف هُناكَ غِرايَ أَو كَمبيلا
أَو شاطِرِ المُلكَ العَظيمَ بِلادَهُ
وَسُسِ المَمالِكَ عَرضَها وَالطولا
إِنّا تَمَنَّينا عَلى اللَهِ المُنى
وَاللَهُ كانَ بِنَيلِهِنَّ كَفيلا
مَن سَبَّ دينَ مُحَمَّدٍ فَمُحَمَّدٌ
مُتَمَكِّنٌ عَنّا الإِلَهُ رَسولا