قالوا فرنسا انذرت سلطاننا

قالوا فرنسا أنذرت سلطاننا
قطع العلائق والوعيد مهول
وتساءلوا ماذا يكون فعالها
فأجبتهم فاشودة وتزول
لك أن تلوم ولى من الأعذار
إن الهوى قَدَر من الأقدار
ما كنت أُسلم للعيون سلامتي
وأبيح حادثة الغرام وقارى
وطَر تعلَّقه الفؤاد وينقضى
والنفس ماضية مع الأوطار
يا قلب شأنك لا أمدّك في الهوى
أبدا ولا أدعوك للإقصار
أمرى وأمرك في الهوى بيد الهوى
لو أنه بيدى فككت إسارى
جَارِ الشبيبة وأنتفع بجوارها
قبل المشيب فما له من جار
مَثَل الحياة تُحَبُّ في عهد الصبا
مثَل الرياض تحب في آذار
أبدا فروق من البلاد هي المنى
ومناى منها ظبية بسوار
ممنوعة إلا الجمال بأسره
محجوبة إلا عن الأنظار
خطَواتها التقوى فلا مزهوَّة
تمشى الدلال ولا بذات نِفَار
مرت بنا فوق الخليج فأسفرت
عن جَنة وتلفتت عن نار
في نسوة يورِدن من شِئن الردى
نظَرا ولا ينظرن في الإِصدار
عارضتُهن وبين قلبي والهوى
أمر أحاول كتمه وأداري
وسالت ما شغل الملائك بالثرى
فأجبن عيد خليفة المختار
صبحَ الجلوس جلتك أشرف ليلة
وجلوت للدنيا أجل نهار
الملك بينهما بأيمن طالع
والدين بينهما بخير منار
تاب الزمان إليه عن أحداثه
بفتى على أحداثه جبار
عمر الأمانة لا تراه غافلا
عن حرمة أو نائما عن ثار
عش يا أمير المؤمنين لأمة
ترضاك في الإعلان والإسرار
لو كان يجلس في الجوارح مالك
لجلست في الأسماع والأبصار
إن الذي جعل الخلافة هالة
قد زانها بالبدر في الأقمار
ألقى أزِمتها إليك وحازها
لك عن خلائف أربعين كبار
تعطى المشارق كل عام عيدها
بمجمل الأعوام والأعصار
بابر ممدود البناء بنى لها
ركنا قد كانت بغير جدار
ويهز عطفيه الزمان ويزدهى
بأغر فيه محجل الآثار
جالى الجنودَ كأنهم شهب الدجى
ومنيرهم من كل ليث ضار
ولقد ينال حمى الإله ببعضهم
مالا تنال الأرض بالأسوار
أخليفة الرحمن دعوة مهتد
بإمامة في ضوء يلدز سار
لك أن تقرّ البيض في أغمادها
أو تترك الدنيا بغير قرار
فاختر لبأسك قرِنه وأربأ به
أن يلتقى بسفاسف الأحرار
إن يستعينوا بالسباب فإنه
حولُ الضعيف وحيلة المخوار
مما يبلغني رضاكم أنني
حسّان أبغى الله في أشعاري
ما زلت أهدى كل صالحة لكم
حتى وهبت لكم ثواب البارى

جن علي حرم السماء اغاروا

جِنٌّ عَلَى حَرَمِ السَماءِ أَغاروا
أَم فِتيَةٌ رَكِبوا الجَناحَ فَطاروا
مِن كُلِّ أَهوَجَ في الهَواءِ عِنانُهُ
هَوَجُ الرِياحِ وَسَرجُهُ الإِعصارُ
يَبغي حِجابَ الشَمسِ يَطلُبُ عِندَها
عِزّاً تَحَمَّلَهُ الجُدودُ وَساروا
لَم يَبقَ مِنهُ وَمِن حَضارَةِ عَهدِهِ
إِلّا صُوى مَحجوبَةٌ وَمَنارُ
وَمَقالَةُ الأَجيالِ لَم يَلحَق بِهِم
بانٍ وَلَم يُدرِكُهُمُ حَفّارُ
طَلَعوا عَلى الوادي بِرايَةِ عَصرِهِم
وَلِكُلِّ عَصرٍ رايَةٌ وَشِعارُ
اِثنانِ ثَمَّ تَرى النُسورَ كَثيرَةً
مِن كُلِّ ناحِيَةٍ لَها أَوكارُ
سِرُّ النَجاحِ وَرُكنُ حَضارَةٍ
هِمَمٌ مِنَ المُتَطَوِّعينَ كِبارُ
نُسِخَت بِأَبطالِ السَماءِ بُطولَةٌ
في الأَرضِ يوشِكُ رُكنُها يَنهارُ
هَذا زَمانٌ لا الأَعِنَّةُ مَنزِلٌ
لِلبَأسِ فيهِ وَلا الأَسِنَّةُ دارُ
ما البَأسُ إِلّا مِن جَناحَي خاطِفٍ
في البَرِّ وَالبَحرِ اِسمُهُ الطَيّارُ
أَتُرى السَلامَةُ في السَماءِ وَظِلِّها
أَم بِالسَماءِ يَصولُ الاِستِعمارُ
حَرَمُ الهُدى وَالحَقُّ ريعَ جَلالُهُ
وَغَدا وَراحَ بِجانِبَيهِ دَمارُ
يا جائِبَ الصَحراءِ مِلءُ سَرابِها
غَرَرٌ وَمِلءُ تُرابِها أَخطارُ
يَكفيكَ مِن هِمَمِ الشَجاعَةِ لَيلَةٌ
لَكَ مِن غَوائِلِها خَلَت وَنَهارُ
لَمّا اِعتَمَدتَ عَلى الجَناحِ تَلَفَّتَت
بيدٌ وَقَلَّبَتِ العُيونَ قِفارُ
في كُلِّ صَحراءٍ وَكُلِّ تَنوفَةٍ
أَرضٌ عَلَيكَ مِنَ السَماءِ تَغارُ
حَسَنَينُ لَو لَم يَعذِروكَ لبادَرَت
لَكَ مِن لِسانِ جِراحِكَ الأَعذارُ
لِلَّهِ سَرجُكَ في السَماءِ فَإِنَّهُ
سَرجُ الأَهِلَّةِ ما عَلَيهِ غُبارُ
عَرَضَ الخُسوفُ لَهُ فَما أَزرى بِهِ
ما في الخُسوفِ عَلى الأَهِلَّةِ عارُ
أَوَ لَم تَطَءُ أَرضَ السَماءِ وَلَم تَدُر
حَيثُ الشُموسُ تَدورُ وَالأَقمارُ
أَلقى أَبو الفاروقِ نَحوَكَ بالَهُ
وَتَشاغَلَت بِكَ أُمَّةٌ وَدِيارُ
مَلِكٌ رُحِمتَ بِقُربِهِ وَجِوارِهِ
حَتّى كَأَنَّكَ لِلعِنايَةِ جارُ
نُصِبَ السُرادِقُ وَالمَطارُ وَحَلَّقَت
في الجَوِّ تَلمَسُ شَخصَكَ الأَبصارُ
فَلَمَستَ أَقضِيَةِ السَماءِ وَأَسفَرَت
حَتّى نَظَرَت وُجوهَها الأَقدارُ
قَدَرٌ عَلى يُمنى يَدَيهِ سَلامَةٌ
لَكَ حَيثُ مِلتَ وَفي السَماءِ عِثارُ
فَإِذا سَقَطتَ عَلى حَديدٍ مُضرَمٍ
صَدَفَ الحَديدُ وَلَم تَنَلكَ النارُ
ماذا لَقيتَ مِنَ النَجائِبِ كُلِّها
قُل لي أَعِندَكَ لِلنَجائِبِ ثارُ
هَذي تَعَثَّرُ في الزِمامِ وَتِلكَ لا
تَمضي وَأُخرى في السُلوكِ تَحارُ
فَشَلٌ يُعَظَّمُ كَالنَجاحِ عَلَيهِ مِن
شَرَفِ الجُروحِ وَنورِهِنَّ فَخارُ
لَو لَم يَكُن قَتلى وَجَرحى في الوَغى
لَم يَعلُ هامَ الظافِرينَ الغارُ

شيعت احلامي بقلب باك

شَيّعـتُ أَحْـلامـي بقلـبٍ بـاكِ
ولَمَحتُ من طُرُق المِـلاحِ شِباكـي
ورجـعـتُ أَدراجَ الشبـاب ووِرْدَه
أَمشي مكانَهمـا علـى الأَشـواكِ
وبجـانبِـي واهٍ كـأَن خُفـوقَـه
لَمـا تلفَّـتَ جَهْشَـةُ المُتبـاكـي
شاكِي السلاحِ إذا خـلا بضلوعـه
فإذا أُهيـبَ بـه فليـس بـشـاكِ
قد راعـه أَنـي طوَيْـتُ حبائلـي
من بعـد طـول تنـاولٍ وفكـاكِ
وَيْحَ ابنِ جَنْبـي ؟ كلُّ غايـةِ لـذَّةٍ
بعـدَ الشبـابِ عـزيـزةُ الإدراكِ
لـم تَبـقَ منَّا ، يا فـؤادُ ، بقيّـةٌ
لـفـتـوّةٍ ، أَو فَضلـةٌ لـعِـراكِ
كنا إذا صفَّقْـتَ نستبـق الـهوى
ونَشُـدُّ شَـدَّ العُصبـةِ الـفُتَّـاكِ
واليومَ تبعـث فـيّ حيـن تَهُزُّنـي
مـا يبعـث الناقـوسُ فِي النُّسّـاكِ
يا جارةَ الوادي ، طَرِبْـتُ وعادنـي
ما يشبـهُ الأَحـلامَ مـن ذكـراكِ
مَثَّلْتُ فِي الذِكْرَى هَواكِ وفِي الكَرَى
والذِّكرياتُ صَدَى السّنينَ الحَاكـي
ولقد مررتُ على الريـاض برَبْـوَةٍ
غَـنَّـاءَ كنـتُ حِيالَهـا أَلقـاكِ
ضحِكَتْ إلـيَّ وجُوهها وعيونُهـا
ووجـدْتُ فِـي أَنفاسهـا ريّـاكِ
فذهبتُ فِي الأَيـام أَذكـر رَفْرَفـاً
بيـن الجـداولِ والعيـونِ حَـواكِ
أَذكَرْتِ هَرْوَلَةَ الصبابـةِ والـهوى
لـما خَطَـرْتِ يُقبِّـلان خُطـاكِ ؟
لم أَدر ما طِيبُ العِناقِ على الـهوى
حتـى ترفَّـق ساعـدي فطـواكِ
وتأَوَّدَتْ أَعطـافُ بانِك فِي يـدي
واحـمرّ مـن خَفَرَيْهمـا خـدّاكِ
ودخَلْتُ فِي ليلين: فَرْعِك والدُّجـى
ولثمـتُ كالصّبـح المنـوِّرِ فـاكِ
ووجدْتُ فِي كُنْهِ الجوانـحِ نَشْـوَةً
من طيب فيك ، ومن سُلاف لَمَـاكِ
وتعطَّلَتْ لغـةُ الكـلامِ وخاطبَـتْ
عَيْنَـيَّ فِي لُغَـة الـهَوى عينـاكِ
ومَحَوْتُ كلَّ لُبانـةٍ من خاطـري
ونَسِيـتُ كلَّ تَعاتُـبٍ وتَشاكـي
لا أَمسِ من عمرِ الزمـان ولا غَـد
جُمِع الزمانُ فكـان يـومَ رِضـاكِ
لُبنانُ ، ردّتنـي إليكَ مـن النـوى
أَقـدارُ سَـيْـرٍ للـحـيـاةِ دَرَاكِ
جمعَتْ نزيلَيْ ظَهرِهـا مـن فُرقـةٍ
كُـرَةٌ وراءَ صَـوالـجِ الأَفــلاكِ
نـمشي عليها فوقَ كـلِّ فجـاءَة
كالطير فـوقَ مَكامِـنِ الأَشـراكِ
ولو أَنّ بالشوق الـمزارُ وجدتنـي
مُلْقي الرحالِ على ثَـراك الذاكـي
بِنْـتَ البِقـاع وأُمَّ بَـرَ دُونِـيِّـها
طِيبي كجِلَّـقَ ، واسكنـي بَـرداكِ
ودِمَشْقُ جَنَّـاتُ النعيـم ،وإنـما
أَلفَيْـتُ سُـدَّةَ عَـدْنِهِـنَّ رُبـاكِ
قَسَماً لو انتمت الـجداول والرُّبـا
لتهلَّـل الفـردوسُ ، ثـمَّ نَمـاكِ
مَـرْآكِ مَـرْآه وَعَيْنُـكِ عَيْـنُـه
لِـمْ يا زُحَيْلـةُ لا يكـون أَبـاكِ ؟
تلـك الكُـرومُ بقيَّـةٌ مـن بابـلٍ
هَيْهَـاتَ! نَسَّـى البابلـيَّ جَنـاكِ
تُبْدِي كَوَشْيِ الفُرْسِ أَفْتَـنَ صِبْغـةٍ
للناظـريـن إلـى أَلَـذِّ حِـيـاكِ
خَرَزاتِ مِسْكٍ ، أَو عُقودَ الكهربـا
أُودِعْـنَ كافـوراً مـن الأَسـلاكِ
فكَّرْتُ فِي لَبَـنِ الجِنـانِ وخمرِهـا
لـما رأَيْتُ الـماءَ مَـسَّ طِـلاكِ
لـم أَنْسَ من هِبَةِ الزمـانِ عَشِيَّـةً
سَلَفَتْ بظلِّـكِ وانقضَـتْ بِـذَراكِ
كُنتِ العروسَ على مِنصَّة جِنْحِـها
لُبنانُ فِي الوَشْـيِ الكريـم جَـلاكِ
يـمشي إليكِ اللّحظُ فِي الديباج أَو
فِي العاج من أَي الشِّعـابِ أَتـاكِ
ضَمَّـتْ ذراعيْـها الطبيعـةُ رِقَّـةً
صِنِّيـنَ والحَـرَمُـونَ فاحتضنـاكِ
والبـدرُ فِي ثَبَـج السمـاءِ مُنَـوِّرٌ
سالت حُلاه على الثـرى وحُـلاكِ
والنيِّـرات مـن السحـاب مُطِلَّـةٌ
كالغِيـد من سِتْـرٍ ومـن شُبّـاكِ
وكأَنَّ كـلَّ ذُؤابـةٍ مـن شاهِـقٍ
كنُ الـمجرَّةِ أَو جـدارُ سِمـاكِ
سكنَتْ نواحـي الليـلِ ، إلا أَنَّـةً
فِي الأَيْكِ، أَو وَتَر اًشَجِـيَّ حَـراكِ
شرفاً ، عروسَ الأَرْز ، كلُّ خريـدةٍ
تـحتَ السماءِ من البـلاد فِـداكِ
رَكَـز البيـانُ علـى ذراك لـواءَه
ومشى ملـوكُ الشعـر فِي مَغنـاكِ
أُدباؤكِ الزُّهرُ الشمـوسُ ، ولا أَرى
أَرضاً تَمَخَّضُ بالشمـوس سِـواكِ
من كـلّ أَرْوَعَ علْمُـه فِي شعـره
ويراعـه مـن خُلْقـه بـمِـلاكِ
جمع القصائـدَ من رُبـاكِ ، وربّمـا
سرق الشمائلَ مـن نسيـم صَبـاكِ
موسى ببابكِ فِي الـمكارم والعـلا
وعَصاه فِي سحـر البيـانِ عَصـاكِ
أَحْلَلْتِ شعري منكِ فِي عُليا الـذُّرا
وجَمـعْـتِـه بـروايـة الأَمـلاكِ
إن تُكرمي يا زَحْلُ شعـري إننـي
أَنكـرْتُ كـلَّ قَـصـيـدَةٍ إلاَّكِ
أَنتِ الخيـالُ : بديعُـهُ ، وغريبُـه
اللهُ صـاغـك ، والـزمـانُ رَواكِ

قل للزمان يصب من احداثه

قل للزمان يصبّ من أحداثه
أو لا يصب فما بنا إشفاق
غمرت مصائبه فأُغرقنا بها
والغمر فيه تستوى الأعماق

الملك بين يديك في اقباله

المُلكُ بَينَ يَدَيكَ في إِقبالِهِ
عَوَّذتُ مُلكَكَ بِالنَبِيِّ وَآلِهِ
حُرٌّ وَأَنتَ الحُرُّ في تاريخِهِ
سَمحٌ وَأَنتَ السَمحُ في أَقيالِهِ
فيضا عَلى الأَوطانِ مِن حُرِيَّةٍ
فَكِلاكُما المُفتَكُّ مِن أَغلالِهِ
سَعِدَت بِعَهدِكُما المُبارَكِ أُمَّةٌ
رَقَّت لِحالِكِ حِقبَةً وَلِحالِهِ
يَفديكَ نَصرانِيُّهُ بِصَليبِهِ
وَالمُنتَمي لِمُحَمَّدٍ بِهِلالِهِ
وَفَتى الدُروزِ عَلى الحُزونِ بِشَيخِهِ
وَالمَوسَوِيُّ عَلى السُهولِ بِمالِهِ
صَدَقوا الخَليفَةَ طاعَةً وَمَحَبَّةً
وَتَمَسَّكوا بِالطُهرِ مِن أَذيالِهِ
يَجِدونَ دَولَتَكَ الَّتي سَعِدوا بِها
مِن رَحمَةِ المَولى وَمِن أَفضالِهِ
جَدَّدتَ عَهدَ الراشِدينَ بِسيرَةٍ
نَسَجَ الرَشادُ لَها عَلى مِنوالِهِ
بُنِيَت عَلى الشورى كَصالِحِ حُكمِهِم
وَعَلى حَياةِ الرَأيِ وَاِستِقلالِهِ
حَقٌّ أَعَزَّ بِكَ المُهَيمِنُ نَصرَهُ
وَالحَقُّ مَنصورٌ عَلى خُذّالِهِ
شَرُّ الحُكومَةِ أَن يُساسَ بِواحِدٍ
في المُلكِ أَقوامٌ عِدادُ رِمالِهِ
مُلكٌ تُشاطِرُهُ مَيامِنَ حالِهِ
وَتَرى بِإِذنِ اللَهِ حُسنَ مَآلِهِ
أَخَذَت حُكومَتُكَ الأَمانَ لِظَبيَهِ
في مُقفِراتِ البيدِ مِن رِئبالِهِ
مَكَّنتَ لِلدُستورِ فيهِ وَحُزتَهُ
تاجاً لِوَجهِكَ فَوقَ تاجِ جَلالِهِ
فَكَأَنَّكَ الفاروقُ في كُرسِيِّهِ
نَعِمَت شُعوبُ الأَرضِ تَحتَ ظِلالِهِ
أَو أَنتَ مِثلُ أَبي تُرابٍ يُتَّقى
وَيَهابُهُ الأَملاكُ في أَسمالِهِ
عَهدُ النَبِيِّ هُوَ السَماحَةُ وَالرِضى
بِمُحَمَّدٍ أَولى وَسَمحِ خِلالِهِ
بِالحَقِّ يَحمِلُهُ الإِمامُ وَبِالهُدى
في حاضِرِ الدُستورِ وَاِستِقبالِهِ
يابنَ الخَواقينِ الثَلاثينَ الأُلى
قَد جَمَّلوا الإِسلامَ فَوقَ جَمالِهِ
المُبلِغينَ الدينَ ذُروَةَ سَعدِهِ
الرافِعينَ المُلكَ أَوجَ كَمالِهِ
الموطِئينَ مِنَ المَمالِكِ خَيلَهُم
ما لَم يَفُز إِسكَندَرٌ بِوِصالِهِ
في عَدلِ فاتِحِهِم وَقانونِيِّهِم
ما يَحتَذي الخُلَفاءُ حَذوَ مِثالِهِ
أَمّا الخِلافَةُ فَهيَ حائِطُ بَيتِكُم
حَتّى يُبينَ الحَشرُ عَن أَهوالِهِ
أُخِذَت بِحَدِّ المَشرَفِيِّ وَحازَها
لَكُمُ القَنا بِقِصارِهِ وَطِوالِهِ
لا تَسمَعوا لِلمُرجِفينَ وَجَهلِهِم
فَمُصيبَةُ الإِسلامِ مِن جُهّالِهِ
طَمَعُ القَريبِ أَوِ البَعيدِ بِنَيلِها
طَمَعُ الفَتى مِن دَهرِهِ بِمَحالِهِ
ما الذِئبُ مُجتَرِئاً عَلى لَيثِ الشَرى
في الغالِبِ مُعتَدِياً عَلى أَشبالِهِ
بِأَضَلَّ عَقلاً وَهيَ في أَيمانِكُم
مِمَّن يُحاوِلُ أَخذَها بِشِمالِهِ
رَضِيَ المُهَيمِنُ وَالمَسيحُ وَأَحمَدٌ
عَن جَيشِكَ الفادي وَعَن أَبطالِهِ
الهازِئينَ مِنَ الثَرى بِسُهولِهِ
الدائِسينَ عَلى رُؤوسِ جِبالِهِ
القاتِلينَ عَدُوَّهَم في حِصنِهِ
بِالرَأيِ وَالتَدبيرِ قَبلَ قِتالِهِ
الآخِذينَ الحُصنَ عَزَّ سَبيلُهُ
مِثلَ السُها أَو في اِمتِناعِ مَنالِهِ
المُعرِضينَ وَلَو بِساحَةِ يَلدِزٍ
في الحَربِ عَن عِرضِ العَدُوِّ وَمالِهِ
القارِئينَ عَلى عَلِيٍّ عِلمُها
وَعَلى الغُزاةِ المُتَّقينَ رِجالِهِ
المُلكُ زُلزِلَ في فُروقٍ ساعَةً
كانوا لَهُ الأَوتادَ في زِلزالِهِ
لَولا اِنتِظامُ قُلوبِهِم كَكُفوفِهِم
لَنَثَرتُ دَمعي اليَومَ في أَطلالِهِ
وَالمَرءُ لَيسَ بِصادِقٍ في قَولِهِ
حَتّى يُؤَيِّدَ قَولَهُ بِفِعالِهِ
وَالشَعبُ إِن رامَ الحَياةَ كَبيرَةً
خاضَ الغِمارَ دَماً إِلى آمالِهِ
شُكرُ المَمالِكِ لِلسَخِيِّ بِروحِهِ
لا لِلسَخِيِّ بِقيلِهِ أَو قالِهِ
إيهٍ فُروقُ الحُسنِ نَجوى هائِمٍ
يَسمو إِلَيكَ بِجَدِّهِ وَبِخالِهِ
أَخرَجتِ لِلعُربِ الفِصاحِ بَيانَهُ
قَبَساً يُضيءُ الشَرقَ مِثلَ كَمالِهِ
لَم تُكثِرِ الحَمراءُ مِن نُظَرائِهِ
نَسلاً وَلا بَغدادُ مِن أَمثالِهِ
جَعَلَ الإِلَهُ خَيالَهُ قَيسَ الهَوى
وَجُعِلتِ لَيلى فِتنَةً لِخَيالِهِ
في كُلِّ عامٍ أَنتِ نُزهَةُ روحِهِ
وَنَعيمُ مُهجَتِهِ وَراحَةُ بالِهِ
يَغشاكِ قَد حَنَّت إِلَيكِ مَطِيُّهُ
وَيَؤوبُ وَالأَشواقُ مِلءُ رِحالِهِ
أَفراحُهُ لَمّا رَآكِ طَليقَةً
أَفراحُ يوسُفَ يَومَ حَلِّ عِقالِهِ
وَسُرورُهُ بِكِ مِن قُيودِكِ حُرَّةً
كَسُرورِ قَيسٍ بِاِنفِلاتِ غَزالِهِ
اللَهُ صاغَكِ جَنَّتَينِ لِخَلقِهِ
مَحفوفَتَينِ بِأَنعُمٍ لِعِيالِهِ
لَو أَنَّ لِلَّهِ اِتِّخاذَ خَميلَةٍ
ما اِختارَ غَيرَكَ رَوضَةً لِجَلالِهِ
فَكَأَنَّما الصِفَتانِ في حُسنَيهِما
ديباجَتا خَدٍّ يَتيهُ بِخالِهِ
وَكَأَنَّما البُوسفورُ حَوضُ مُحَمَّدٍ
وَسَطَ الجِنانِ وَهُنَّ في إِجلالِهِ
وَكَأَنَّ شاهِقَةَ القُصورِ حِيالَهُ
حُجُراتُ طَهَ في الجِنانِ وَآلِهِ
وَكَأَنَّ عيدَكِ عيدُها لَمّا مَشى
فيها البَشيرُ بِبِشرِهِ وَجَمالِهِ
تيهي بِعيدِكِ في المَمالِكِ وَاِسلَمي
في السِلمِ لِلآلافِ مِن أَمثالِهِ
وَاِستَقبِلي عَهدَ الرَشادِ مُجَمَّلاً
بِمَحاسِنِ الدُستورِ في اِستِهلالِهِ
دارُ السَعادَةِ أَنتِ ذَلِكَ بابُها
شُلَّت يَدٌ مُدَّت إِلى إِقفالِهِ

بكيا لاجل خروجه في زورة

بَكَيا لِأَجلِ خُروجِهِ في زَورَةٍ
يا لَيتَ شِعري كَيفَ يَومُ فِراقِهِ
لَو كانَ يَسمَعُ يَومَذاكَ بُكاهُما
رُدَّت إِلَيهِ الروحُ مِن إِشفاقِهِ

بيت علي ارض الهدي وسمائه

بَيتٌ عَلى أَرضِ الهُدى وَسَمائِهِ
الحَقُّ حائِطُهُ وَأُسُّ بِنائِهِ
الفَتحُ مِن أَعلامِهِ وَالطُهرُ مِن
أَوصافِهِ وَالقُدسُ مِن أَسمائِهِ
تَحنو مَناكِبُهُ عَلى شُعَبِ الهُدى
وَتُطِلُّ سُدَّتُهُ عَلى سينائِهِ
مَن ذا يُنازِعُنا مَقالِدَ بابِهِ
وَجَلالَ سُدَّتِهِ وَطُهرَ فِنائِهِ
وَمُحَمَّدٌ صَلّى عَلى جَنَباتِهِ
وَاِستَقبَلَ السَمَحاتِ في أَرجائِهِ
وَاليَومَ ضَمَّ الناسَ مَأتَمُ أَرضِهِ
وَحَوى المَلائِكَ مِهرَجانُ سَمائِهِ
يا قُدسُ هَيِّئ مِن رِياضِكَ رَبوَةً
لِنَزيلِ تُربِكَ وَاِحتَفِل بِلِقائِهِ
هُوَ مِن سُيوفِ اللَهِ جَلَّ جَلالُهُ
أَو مِن سُيوفِ الهِندِ عِندَ قَضائِهِ
فَتَحَ النَبِيُّ لَهُ مَناخَ بُراقِهِ
وَمَعارِجَ التَشريفِ مِن إِسرائِهِ
بَطَلٌ حُقوقُ الشَرقِ مِن أَحمالِهِ
وَقَضِيَّةُ الإِسلامِ مِن أَعبائِهِ
لَم تُنسِهِ الهِندُ العَزيزَةُ رِقَّةً
لِلشَرقِ أَو سَهَراً عَلى أَشيائِهِ
وَقِباؤُهُ نَسجُ الهُنودِ فَهَل تُرى
دَفَنوا الزَعيمَ مُكَفَّناً بِقَبائِهِ
النيلُ يَذكُرُ في الحَوادِثِ صَوتَهُ
وَالتُركُ لا يَنسونَ صِدقَ بَلائِهِ
قُل لِلزَعيمِ مُحَمَّدٍ نَزَلَ الأَسى
بِالنيلِ وَاِستَولى عَلى بَطحائِهِ
فَمَشى إِلَيكَ بِجَفنِهِ وَبِدَمعِهِ
وَإِلى أَخيكَ بِقَلبِهِ وَعَزائِهِ
اِجتَزتَهُ فَحواكَ في أَطرافِهِ
وَلَوِ اِنتَظَرتَ حَواكَ في أَحشائِهِ
وَلَقَد تَعَوَّدَ أَن تَمُرَّ بِأَرضِهِ
مَرَّ الغَمامِ بِظِلِّهِ وَبِمائِهِ
نَم في جِوارِ اللَهِ ما بِكَ غُربَةٌ
في ظِلِّ بَيتٍ أَنتَ مِن أَبنائِهِ
الفَتحُ وَهوَ قَضِيَّةٌ قُدسِيَّةٌ
يا طالَما ناضَلتَ دونَ لِوائِهِ
أَفتى بِدَفنِكَ عِندَ سَيِّدَةِ القُرى
مُفتٍ أَرادَ اللَهَ مِن إِفتائِهِ
بَلَدٌ بَنوهُ الأَكرَمونَ قُصورُهُم
وَقُبورُهُم وَقفٌ عَلى نُزَلائِهِ
قَد عِشتَ تَنصُرُهُ وَتَمنَحُ أَهلَهُ
عَوناً فَكَيفَ تَكونُ مِن غُرَبائِهِ

اقسمت لو امر الزمان سماءه

أَقسَمتُ لَو أَمَرَ الزَمانُ سَماءَهُ
فَسَعَت لِصَدرِكَ شَمسُها وَنُجومُها
ليُنيلَ قَدرَكَ في المَعالي حَقَّهُ
شَكَتِ المَعالي أَنَّهُ مَظلومُها

طوي البساط وجفت الاقداح

طُوِيَ البِساطُ وَجَفَّتِ الأَقداحُ
وَغَدَت عَواطِلٌ بَعدَكَ الأَفراحُ
وَاِنفَضَّ نادٍ بِالشَآمِ وَسامِرٌ
في مِصرَ أَنتَ هَزارُهُ الصَدّاحُ
وَتَقَوَّضَت لِلفَنِّ أَطوَلُ سَرحَةٍ
يُغدى إِلى أَفيائِها وَيُراحُ
وَاللَهِ ما أَدري وَأَنتَ وَحيدُهُ
أَعَلَيهِ يُبكى أَم عَلَيكَ يُناحُ
إِسحاقُ ماتَ فَلا صَبوحَ وَمَعبَدٌ
أَودى فَلَيسَ مَعَ الغَبوقِ فَلاحُ
مَلِكُ الغِناءِ أَزالَهُ عَن تَختِهِ
قَدَرٌ يُزيلُ الراسِياتِ مُتاحُ
في التُربِ فَوقَ بَني سُوَيفَ يَتيمَةٌ
وَمِنَ الجَواهِرِ زَيِّفٌ وَصِحاحُ
ما زالَ تاجُ الفَنِّ تَيّاهاً بِها
حَتّى اِستَبَدَّ بِها الرَدى المُجتاحُ
لَو تَستَطيعُ كَرامَةً لِمَكانِها
مَشَتِ الرِياضُ إِلَيهِ وَالأَدواحُ
رُحماكَ عَبدَ الحَيِّ أُمُّكَ شَيخَةٌ
قَعَدَت وَهيضَ لَها الغَداةَ جَناحُ
كُسِرَت عَصاها فَهيَ بِلا عَصاً
وَقَضى فَتاها الأَجوَدُ المِسماحُ
اللَهُ يَعلَمُ إِن يَكُن في قَلبِها
جُرحٌ فَفي أَحشاءِ مِصرَ جِراحُ
وَالناسُ مَبكِيٌّ وَباكٍ إِثرَهُ
وَبُكا الشُعوبِ إِذا النَوابِغُ طاحوا
كانَ النَدامى إِن شَدَوتَ وَعاقَروا
سِيّانَ صَوتُكَ بَينَهُم وَالراحُ
فيما تَقولُ مُغَنِّياً وَمُحَدِّثاً
تَتَنافَسُ الأَسماعُ وَالأَرواحُ
فارَقتَ دُنيا أَرهَقَتكَ خَسارَةً
وَغَنِمتَ قُربَ اللَهِ وَهوَ رَباحُ
يا مُخلِفاً لِلوَعدِ وَعدُكَ مالَهُ
عِندي وَلا لَكَ في الضَميرِ بَراحُ
عَبَثَت بِهِ وَبِكَ المَنِيَّةُ وَاِنقَضى
سَبَبٌ إِلَيهِ بِأُنسِنا نَرتاحُ
لَمّا بَلَغنا بِالأَحِبَّةِ وَالمُنى
بابَ السُرورِ تَغَيَّبَ المِفتاحُ
زَعَموا نَعِيَّكَ في المَجامِعِ مازِحاً
هَيهاتَ في رَيبِ المَنونِ مِزاحُ
الجِدُّ غايَةُ كُلِّ لاهٍ لاعِبٍ
عِندَ المَنِيَّةِ يَجزَعُ المِفراحُ
رَمَتِ المَنايا إِذ رَمَينَكَ بُلبُلاً
أَراَهُ في شَرَكِ الحَياةِ جِماحُ
آهاتُهُ حُرَقُ الغَرامِ وَلَفظُهُ
سَجعُ الحَمامِ لَوَ انَّهُنَّ فِصاحُ
وَذَبَحنَ حَنجَرَةً عَلى أَوتارِها
تُؤسى الجِراحُ وَتُذبَحُ الأَتراحُ
وَفَلَلنَ مِن ذاكَ اللِسانِ حَديدَةً
يَخشى لَئيمٌ بَأسَها وَوَقاحُ
وَأَبَحنَ راحَتَكَ البِلى وَلَطالَما
أَمسى عَلَيها المالُ وَهوَ مُباحُ
روحٌ تَناهَت خِفَّةً فَتَخَيَّرَت
نُزُلاً تَقاصَرُ دونَهُ الأَشباحُ
قُم غَنِّ وِلدانَ الجِنانِ وَحورِها
وَاِبعَث صَداكَ فَكُلُّنا أَرواحُ