هنيئا أمير المؤمنين فإنما

هَنيئاً أَميرَ المُؤمِنينَ فَإِنَّما
نَجاتُكَ لِلدينِ الحَنيفِ نَجاةُ
هَنيئاً لِطَهَ وَالكِتابِ وَأُمَّةٍ
بَقاؤُكَ إِبقاءٌ لَها وَحَياةُ
أَخَذتَ عَلى الأَقدارِ عَهداً وَمَوثِقاً
فَلَستَ الَّذي تَرقى إِلَيهِ أَذاةُ
وَمَن يَكُ في بُردِ النَبِيِّ وَثَوبِهِ
تَجُزهُ إِلى أَعدائِهِ الرَمَياتُ
يَكادُ يَسيرُ البَيتُ شُكراً لِرَبِّهِ
إِلَيكَ وَيَسعى هاتِفاً عَرَفاتُ
وَتَستَوهِبُ الصَفحَ المَساجِدُ خُشَّعاً
وَتَبسُطُ راحَ التَوبَةِ الجُمُعاتُ
وَتَستَغفِرُ الأَرضُ الخَصيبُ وَما جَنَت
وَلَكِن سَقاها قاتِلونَ جُناةُ
وَتُثني مِنَ الجَرحى عَلَيكَ جِراحُهُم
وَتَأتي مِنَ القَتلى لَكَ الدَعَواتُ
ضَحِكتَ مِنَ الأَهوالِ ثُمَّ بَكَيتَهُم
بِدَمعٍ جَرَت في إِثرِهِ الرَحَماتُ
تُثابُ بِغاليهِ وَتُجزى بِطُهرِهِ
إِلى البَعثِ أَشلاءٌ لَهُم وَرُفاتُ
وَما كُنتَ تُحييهِم فَكِلهُم لِرَبِّهِم
فَما ماتَ قَومٌ في سَبيلِكَ ماتوا
رَمَتهُم بِسَهمِ الغَدرِ عِندَ صَلاتِهِم
عِصابَةُ شَرٍّ لِلصَلاةِ عُداةُ
تَبَرَّأَ عيسى مِنهُمُ وَصِحابِهِ
أَأَتباعُ عيسى ذي الحَنانِ جُفاةُ
يُعادونَ ديناً لا يُعادونَ دَولَةً
لَقَد كَذِبَت دَعوى لَهُم وَشُكاةُ
وَلا خَيرَ في الدُنيا وَلا في حُقوقِها
إِذا قيلَ طُلّابُ الحُقوقِ بُغاةُ
بِأَيِّ فُؤادٍ تَلتَقي الهَولَ ثابِتاً
وَما لِقُلوبِ العالَمينَ ثَباتُ
إِذا زُلزِلَت مِن حَولِكَ الأَرضُ رادَها
وَقارُكَ حَتّى تَسكُنَ الجَنَباتُ
وَإِن خَرَجَت نارٌ فَكانَت جَهَنَّماً
تُغَذّى بِأَجسادِ الوَرى وَتُقاتُ
وَتَرتَجُّ مِنها لُجَّةٌ وَمَدينَةٌ
وَتَصلى نَواحٍ حَرَّها وَجِهاتُ
تَمَشَّيتَ في بُردِ الخَليلِ فَخُضتَها
سَلاماً وَبُرداً حَولَكَ الغَمَراتُ
وَسِرتَ وَمِلءُ الأَرضِ أَدرُعٌ
وَدِرعُكَ قَلبٌ خاشِعٌ وَصَلاةُ
ضَحوكاً وَأَصنافُ المَنايا عَوابِسٌ
وَقوراً وَأَنواعُ الحُتوفِ طُغاةُ
يَحوطُكَ إِن خانَ الحُماةَ اِنتِباهُهُم
مَلائِكُ مِن عِندِ الإِلَهِ حُماةُ
تُشيرُ بِوَجهٍ أَحمَدِيٍّ مُنَوِّرٍ
عُيونُ البَرايا فيهِ مُنحَسِراتُ
يُحَيِّ الرَعايا وَالقَضاءُ مُهَلِّلٌ
يُحَييهِ وَالأَقدارُ مُعتَذِراتُ
نَجاتُكَ نُعمى لِلإِلَهِ سَنِيَّةٌ
لَها فيكَ شُكرٌ واجِبٌ وَزَكاةُ
فَصَيِّر أَميرَ المُؤمِنينَ ثَناءَها
مَآثِرَ تُحيِ الأَرضَ وَهيَ مَواتُ
إِذا لَم يَفُتنا مِن وُجودِكَ فائِتٌ
فَلَيسَ لِآمالِ النُفوسِ فَواتُ
بَلَوناكَ يَقظانَ الصَوارِمِ وَالقَنا
إِذا ضَيَّعَ الصيدَ المُلوكَ سُباتُ
سَهِرتَ وَلَذَّ النَومُ وَهوَ مَنِيَّةٌ
رَعايا تَوَلّاها الهَوى وَرُعاةُ
فَلَولاكَ مُلكُ المُسلِمينَ مُضَيَّعٌ
وَلَولاكَ شَملُ المُسلِمينَ شَتاتُ
لَقَد ذَهَبَت راياتُهُم غَيرَ رايَةٍ
لَها النَصرُ وَسمٌ وَالفُتوحُ شِياتُ
تَظَلُّ عَلى الأَيّامِ غَرّاءَ حُرَّةً
مُحَجَّلَةً في ظِلِّها الغَزَواتُ
حَنيفِيَّةٌ قَد عَزَّها وَأَعَزَّها
ثَلاثونَ مَلكاً فاتِحونَ غُزاةُ
حَماها وَأَسماها عَلى الدَهرِ مِنهُمُ
مُلوكٌ عَلى أَملاكِهِ سَرَواتُ
غَمائِمُ في مَحلِ السِنينِ هَواطِلٌ
مَصابيحُ في لَيلِ الشُكوكِ هُداةُ
تَهادَت سَلاماً في ذَراكَ مَطيفَةً
لَها رَغَباتُ الخَلقِ وَالرَهَباتُ
تَموتُ سِباعُ الجَوِّ غَرثى حِيالَها
وَتَحيا نُفوسُ الخَلقِ وَالمُهَجاتِ
سَنَنتَ اِعتِدالَ الدَهرِ في أَمرِ أَهلِهِ
فَباتَ رَضِيّاً في دَراكَ وَباتوا
فَأَنتَ غَمامٌ وَالزَمانُ خَميلَةٌ
وَأَنتَ سِنانٌ وَالزَمانُ قَناةُ
وَأَنتَ مِلاكُ السِلمِ إِن مادَ رُكنُهُ
وَأَشفَقَ قُوّامٌ عَلَيهِ ثُقاتُ
أَكانَ لِهَذا الأَمرِ غَيرُكَ صالِحٌ
وَقَد هَوَّنَتهُ عِندَكَ السَنَواتُ
وَمَن يَسُسِ الدُنيا ثَلاثينَ حِجَّةً
تُعِنهُ عَلَيها حِكمَةٌ وَأَناةُ
مَلَكتَ أَميرَ المُؤمِنينَ اِبنَ هانِئٍ
بِفَضلٍ لَهُ الأَلبابُ مُمتَلَكاتُ
وَمازِلتُ حَسّانَ المَقامِ وَلَم تَزَل
تَليني وَتَسري مِنكَ لي النَفَحاتُ
زَهِدتُ الَّذي في راحَتَيكَ وَشاقَني
جَوائِزُ عِندَ اللَهِ مُبتَغَياتُ
وَمَن كانَ مِثلي أَحمَدَ الوَقتِ لَم تَجُز
عَلَيهِ وَلَو مِن مِثلِكَ الصَدَقاتُ
وَلي دُرَرُ الأَخلاقِ في المَدحِ وَالهَوى
وَلِلمُتَنَبّي دُرَّةٌ وَحَصاةُ
نَجَت أُمَّةٌ لَمّا نَجَوتَ وَدورِكَت
بِلادٌ وَطالَت لِلسَريرِ حَياةُ
وَصينَ جَلالُ المُلكِ وَاِمتَدَّ عِزُّهُ
وَدامَ عَلَيهِ الحُسنُ وَالحَسَناتُ
وَأُمِّنَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها
يَتامى عَلى أَقواتِهِم وَعُفاةُ
سَلامِيَ عَن هَذا المَقامِ مُقَصِّرٌ
عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ وَالبَرَكاتُ

رأيت على لوح الخيال يتيمة

رَأَيتُ عَلى لَوحِ الخَيالِ يَتيمَةً
قَضى يَومَ لوسيتانيا أَبَواها
فَيا لَكَ مِن حاكٍ أَمينٍ مُصَدَّقٍ
وَإِن هاجَ لِلنَفسِ البُكا وَشَجاها
فَواهاً عَلَيها ذاقَتِ اليُتمَ طِفلَةً
وَقُوِّضَ رُكناها وَذَلَّ صِباها
وَلَيتَ الَّذي قاسَت مِنَ المَوتِ ساعَةً
كَما راحَ يَطوي الوالِدَينِ طَواها
كَفَرخٍ رَمى الرامي أَباهُ فَغالَهُ
فَقامَت إِلَيهِ أُمُّهُ فَرَماها
فَلا أَبَ يَستَذري بِظِلِّ جَناحِهِ
وَلا أُمَّ يَبغي ظِلَّها وَذَراها
وَدَبّابَةٍ تَحتَ العُبابِ بِمَكمَنٍ
أَمينٍ تَرى الساري وَلَيسَ يَراها
هِيَ الحوتُ أَو في الحوتِ مِنها مَشابِهٌ
فَلَو كانَ فولاذاً لَكانَ أَخاها
أَبَثُّ لِأَصحابِ السَفينِ غَوائِلاً
وَأَلأَمُ ناباً حينَ تَفغَرُ فاها
خَئونٌ إِذا غاصَت غَدورٌ إِذا طَفَت
مُلَعَّنَةٌ في سَبحِها وَسُراها
تُبَيِّتُ سُفنَ الأَبرِياءِ مِنَ الوَغى
وَتَجني عَلى مَن لا يَخوضُ رَحاها
فَلَو أَدرَكَت تابوتُ موسى لَسَلَّطَت
عَلَيهِ زُباناها وَحَرَّ حُماها
وَلَو لَم تُغَيَّب فُلكُ نوحٍ وَتَحتَجِب
لَما أَمِنَت مَقذوفَها وَلَظاها
فَلا كانَ بانيها وَلا كانَ رَكبُها
وَلا كانَ بَحرٌ ضَمَّها وَحَواها
وَأُفٍّ عَلى العِلمِ الَّذي تَدَّعونَهُ
إِذا كانَ في عِلمِ النُفوسِ رَداها

رآك تحب السجع حتى تظنه

رآك تحب السجع حتى تظنه
هو الحسن لا ما جاء من جودة الطبع
فثقل من صفع بسجع وما درى
بأن أجل السجع ما خف في السمع

أتغلبني ذات الدلال على صبري

أَتَغلِبُني ذاتُ الدَلالِ عَلى صَبري
إِذَن أَنا أَولى بِالقِناعِ وَبِالخِدرِ
تَتيهُ وَلي حِلمٌ إِذا ما رَكِبتُهُ
رَدَدتُ بِهِ أَمرَ الغَرامِ إِلى أَمري
وَما دَفعِيَ اللُوّامَ فيها سَآمَةٌ
وَلَكِنَّ نَفسَ الحُرِّ أَزجَرُ لِلحُرِّ
وَلَيلٍ كَأَنَّ الحَشرَ مَطلَعُ فَجرِهِ
تَراءَت دُموعي فيهِ سابِقَةَ الفَجرِ
سَرَيتُ بِهِ طَيفاً إِلى مَن أُحِبُّها
وَهَل بِالسُها في حُلَّةِ السُقمِ مِن نُكرِ
طَرَقتُ حِماها بَعدَ ما هَبَّ أَهلُها
أَخوضُ غِمارَ الظَنِّ وَالنَظَرِ الشَزرِ
فَما راعَني إِلّا نِساءٌ لَقَينَني
يُبالِغنَ في زَجري وَيُسرِفنَ في نَهري
يَقُلنَ لِمَن أَهوى وَآنَسنَ ريبَةً
نَرى حالَةً بَينَ الصَبابَةِ وَالسِحرِ
إِلَيكُنَّ جاراتِ الحِمى عَن مَلامَتي
وَذَرنَ قَضاءَ اللَهِ في خَلقِهِ يَجري
وَأَحرَجَني دَمعي فَلَمّا زَجَرتُهُ
رَدَدتُ قُلوبَ العاذِلاتِ إِلى العُذرِ
فَساءَلنَها ما اِسمي فَسَمَّت فَجِئنَني
يَقُلنَ أَماناً لِلعَذارى مِنَ الشِعرِ
فَقُلتُ أَخافُ اللَهَ فيكُنَّ إِنَّني
وَجَدتُ مَقالَ الهُجرِ يُزرى بِأَن يُزري
أَخَذتُ بِحَظِّ مَن هَواها وَبَينِها
وَمَن يَهوَ يَعدِل في الوِصالِ وَفي الهَجرِ
إِذا لَم يَكُن لِلمَرءِ عَن عيشَةٍ غِنىً
فَلا بُدَّ مِن يُسرٍ وَلا بُدَّ مِن عُسرِ
وَمَن يَخبُرِ الدُنيا وَيَشرَب بِكَأسِها
يَجِد مُرَّها في الحُلوِ وَالحُلوَ في المُرِّ
وَمَن كانَ يَغزو بِالتَعِلّاتِ فَقرَهُ
فَإِنّي وَجَدتُ الكَدَّ أَقتَلَ لِلفَقرِ
وَمَن يَستَعِن في أَمرِهِ غَيرَ نَفسِهِ
يَخُنهُ الرَفيقُ العَون في المَسلَكِ الوَعرِ
وَمَن لَم يُقِم سِتراً عَلى عَيبِ غَيرِهِ
يَعِش مُستَباحَ العِرضِ مُنهَتِكَ السِترِ
وَمَن لَم يُجَمِّل بِالتَواضُعِ فَضلَهُ
يَبِن فَضلُهُ عَنهُ وَيَعطَل مِنَ الفَخرِ

يقولون عن مصر بلاد عجائب

يقولون عن مصر بلاد عجائب
نعم ظهرت في أرض مصر العجائب
تقدّم فيها القائلون لشبهة
ونيلت بسجن الأبرياء المناصب
وأخر فيها كل أهل لرفعة
وقدم فهمي وحده والأقارب
فيالورد هذا الحكم والله مطلق
ومن مطلق الأحكام تأتي المصائب
ولم يبق إلا أنت فينا وقيصر
وقيصر مغلوب وإن قيل غالب

نظمنا سنى التهنئات نزفها

نظمنا سنىَّ التهنئات نزفها
إلى علم بين النوابغ مفرد
ولو أن من أقلامه في أكفنا
وقلنا لجاء القول إنجيل مهتد
ومن يتعهد للرجال صداقة
يطلب بالذي سر الصديق ويسعد
ومن يحفظ الخلان يحفظ مدارعا
عليه ويستثمر غراس التودد
وما حافظ إلا بناء مكارم
وزاخر عرفان وهضبة سؤدد
فتى يرفع الأشعار ما شاء قدرها
وترفعه الأشعار رتبة مخلد
ويلقى عليه في السلام وفي الوغى
رجاء يراع أو رجاء مهند
ألا عند مصر والبيان وأهله
يد للمعالي صادفت حافظ اليد

لنا صاحب قد مس إلا بقية

لَنا صاحِبٌ قَد مُسَّ إِلّا بَقِيَّةٌ
فَلَيسَ بِمَجنونٍ وَلَيسَ بِعاقِلِ
لَهُ قَدَمٌ لا تَستَقِرُّ بِمَوضِعٍ
كَما يَتَنَزّى في الحَصى غَيرُ ناعِلِ
إِذا ما بَدا في مَجلِسٍ ظُنَّ حافِلاً
مِنَ الصَخَبِ العالي وَلَيسَ بِحافِلِ
وَيُمطِرُنا مِن لَفظِهِ كُلَّ جامِدٍ
وَيُمطِرُنا مِن رَيلِهِ شَرَّ سائِلِ
وَيُلقي عَلى السُمّارِ كَفّاً دِعابُها
كَعَضَّةِ بَردٍ في نَواحي المَفاصِلِ

تولستوي تجري آية العلم دمعها

تولستويُ تُجري آيةُ العِلمِ دمعَها
عليكَ ويبكي بائسٌ وفقيرُ
وشَعبٌ ضعيفُ الركنِ زالَ نصيرُهُ
وما كلُّ يومٍ للضعيفِ نصيرُ
ويندبُ فلاّحونَ أنتَ منارُهم
وأنتَ سراجٌ غيّبوهُ منيرُ
يُعانونَ في الأكواخِ ظلماً وظُلمةً
ولا يملكونَ البثَّ وهوَ يسيرُ
تطوفُ كعيسى بالحَنانِ وبالرِضى
عليهم وتغشى دورَهم وتزورُ
ويأسى عليكَ الدينُ إذ لكَ لُبُّهُ
وللخادِمينَ الناقمينَ قشورُ
أيَكفرُ بالإنجيلِ من تلكَ كتبُهُ
أناجيلُ منها منذِرٌ وبشيرُ
ويبكيكَ إلفٌ فوقَ ليلى ندامةً
غداةَ مشى بالعامِريِّ سريرُ
تناولَ ناعيكَ البلادَ كأنّهُ
يراعٌ لهُ في راحتَيكَ صريرُ
وقيلَ تولّى الشيخُ في الأرضِ هائماً
وقيلَ بديرِ الراهباتِ أسيرُ
وقيلَ قضى لم يُغنِ عنهُ طبيبُهُ
وللطبِّ من بطشِ القضاءِ عذيرُ
إذ أنتَ جاورتَ المعرّيَّ في الثرى
وجاورِ رضوى في الترابِ ثبيرُ
وأقبلَ جمعُ الخالدينَ عليكما
وغالَى بمقدارِ النظيرِ نظيرُ
جماجمُ تحتَ الأرضِ عطّرها شذىً
جناهُنَّ مسكٌ فوقَها وعبيرُ
بِهِنَّ يُباهي بطنُ حوّاءَ واحتوى
عليهنَّ بطنُ الأرضِ وهوَ فخورُ
فقل يا حكيمَ الدهرِ حدّث عنِ البلى
فأنتَ عليمٌ بالأمورِ خبيرُ
أحطتَ منَ الموتى قديماً وحادثاً
بما لم يُحصِّل مُنكرٌ ونكيرُ
طوانا الذي يطوي السماواتِ في غدٍ
وينشرُ بعدَ الطيِّ وهوَ قديرُ
تقادَمَ عهدانا على الموتِ واستوى
طويلُ زمانٍ في البِلى وقصيرُ
كأن لم تَضِق بالأمسِ عنّي كنيسةٌ
ولم يُؤوِني ديرٌ هناكَ طهورُ
أرى راحةً بينَ الجنادلِ والحصى
وكلُّ فراشٍ قد أراحَ وثيرُ
نظرنا بنورِ الموتِ كلَّ حقيقةٍ
وكنّا كلانا في الحياةِ ضريرُ
إليكَ اعترافي لا لقسٍّ وكاهنٍ
ونجوايَ بعدَ اللهِ وهوَ غفورُ
فزهدُكَ لم يُنكرْهُ في الأرضِ عارفٌ
ولا متعالٍ في السماءِ كبيرُ
بيانٌ يُشَمُّ الوحيُ من نفحاتهِ
وعلمٌ كعلمِ الأنبياءِ غزيرُ
سلكتُ سبيلَ المُترَفينَ ولذَّ لي
بنونَ ومالٌ والحياةُ غرورُ
أداةُ شتائي الدفءُ في ظلِّ شاهقٍ
وعدّةُ صيفي جنّةٌ وغديرُ
ومتّعتُ بالدنيا ثمانينَ حِجّةً
ونضّرَ أيّامي غنىً وحبورُ
وذِكرٌ كضوءِ الشمسِ في كلِّ بلدةٍ
ولا حظَّ مثلُ الشمسِ حينَ تسيرُ
فما راعني إلّا عذارى أجرنني
وربَّ ضعيفٍ تحتَمي فيُجيرُ
أردتُ جوارَ اللهِ والعمرُ منقضٍ
وجاورتُهُ في العمرِ وهوَ نضيرُ
صِباً ونعيمٌ بينَ أهلٍ وموطنٍ
ولذّاتُ دنيا كلُّ ذاكَ نزورُ
بِهِنَّ وما يدرينَ ما الذنبُ خشيةٌ
ومن عجبٍ تخشى الخطيئةَ حورُ
أوانسُ في داجٍ منَ الليلِ موحشٍ
وللّهِ أُنسٌ في القلوبِ ونورُ
وأشبهُ طهرٍ في النساءِ بمريمٍ
فتاةٌ على نهجِ المسيحِ تسيرُ
تُسائلني هل غيَّرَ الناسُ ما بهم
وهل حدثت غيرَ الأمورِ أمورُ
وهل آثَرَ الإحسانَ والرفقَ عالمٌ
دواعي الأذى والشرِّ فيهِ كثيرُ
وهل سلكوا سُبلَ المحبّةِ بينهم
كما يتصافى أُسرةٌ وعشيرُ
وهل آنَ من أهلِ الكتابِ تسامحٌ
خليقٌ بآدابِ الكتابِ جديرُ
وهل عالجَ الأحياءُ بؤساً وشقوةً
وقلَّ فسادٌ بينهم وشرورُ
قُمِ انظر وأنتَ المالئُ الأرضَ حكمةً
أأجدى نظيمٌ أم أفادَ نثيرُ
أُناسٌ كما تدري ودنيا بحالها
ودهرٌ رخيٌّ تارةً وعسيرُ
وأحوالُ خلقٍ غابرٍ متجدّدٍ
تشابهَ فيها أوّلٌ وأخيرُ
تمرّ تباعاً في الحياةِ كأنها
ملاعبُ لا تُرخى لهنَّ ستورُ
وحرصٌ على الدنيا وميلٌ مع الهوى
وغِشٌّ وإفكٌ في الحياةِ وزورُ
وقامَ مقامَ الفردِ في كلِّ أُمّةٍ
على الحكمِ جمٌّ يستبدُّ غفيرُ
وحُوّرَ قولُ الناسِ مولىً وعبدُهُ
إلى قولِهم مُستأجرٌ وأجيرُ
وأضحى نفوذُ المالِ لا أمرَ في الورى
ولا نهيَ إلّا ما يرى ويشيرُ
تُساسُ حكوماتٌ بهِ وممالكٌ
ويُذعنُ أقيالٌ لهُ وصُدورُ
وعصرٌ بنوهُ في السلاحِ وحرصهُ
على السِلمِ يُجري ذكرَهُ ويديرُ
ومن عجبٍ في ظلِّها وهوَ وارفٌ
يُصادفُ شعباً آمِناً فيُغيرُ
ويأخذُ من قوتِ الفقيرِ وكسبهِ
ويُؤوي جيوشاً كالحصى ويميرُ
ولمّا استقلَّ البرَّ والبحرَ مذهباً
تعلَّقَ أسبابَ السماءِ يطيرُ

هل تهبط النيرات الأرض أحيانا

هَل تَهبِطُ النَيِّراتُ الأَرضَ أَحيانا
وَهَل تَصورُ أَفراداً وَأَعيانا
نَزَلنَ أَوَّلَ دارٍ في الثَرى رَفَعَت
لِلشَمسِ مُلكاً وَلِلأَقمارِ سُلطانا
تَفَنَّنَت قَبلَ خَلقِ الفَنِّ وَاِنفَجَرَت
عِلماً عَلى العُصُرِ الخالي وَعِرفانا
أُبُوَّةٌ لَو سَكَتنا عَن مَفاخِرِهِم
تَواضُعاً نَطَقَت صَخراً وَصَوّانا
هُم قَلَّبوا كُرَةَ الدُنيا فَما وَجَدَت
أَقوى عَلى صَولَجانِ المَلكِ أَيمانا
وَصَيَّروا الدَهرَ هُزءاً يَسخَرونَ بِهِ
حَتّى يَنالَ لَهُم بِالهَدمِ بُنيانا
لَم يَسلُكِ الأَرضَ قَومٌ قَبلَهُم سُبُلاً
وَلا الزَواخِرَ أَثباجاً وَشُطّانا
تَقَدَّمَ الناسَ مِنهُم مُحسِنونَ مَضَوا
لِلمَوتِ تَحتَ لِواءِ العِلمِ شُجعانا
جابوا العُبابَ عَلى عودٍ وَسارِيَةٍ
وَأَوغَلوا في الفَلا كَالأُسدِ وُحدانا
أَزمانَ لا البَرُّ بِالوابورِ مُنتَهَباً
وَلا البُخارُ لِبِنتِ الماءِ رُبّانا
هَل شَيَّعَ النَشءُ رَكبَ العِلمِ وَاِكتَنَفوا
لِعَبقَرِيَّةٍ أَحمالاً وَأَظعانا
وَسايَروا المَوكِبَ المَرموقَ مُتَّشِحاً
عِزَّ الحَضارَةِ أَعلاماً وَرُكبانا
يَسيرُ تَحتَ لِوائِهِ العَلَمُ مُؤتَلِفاً
وَلَن تَرى كَجُنودِ العِلمِ إِخوانا
العِلمُ يَجمَعُ في جِنسٍ وَفي وَطَنٍ
شَتّى القَبائِلِ أَجناساً وَأَوطانا
وَلَم يَزِدكَ كَرَسمِ الأَرضِ مَعرِفَةً
بِالأَرضِ داراً وَبِالأَحياءِ جيرانا
عَلَمٌ أَبانَ عَنِ الغَبراءِ فَاِنكَشَفَت
زَرعاً وَضَرعاً وَإِقليماً وَسُكّانا
وَقَسَّمَ الأَرضَ آكاماً وَأَودِيَةً
وَفَصَّلَ البَحرَ أَصدافاً وَمُرجانا
وَبَيَّنَ الناسَ عاداتٍ وَأَمزِجَةٍ
وَمَيَّزَ الناسَ أَجناساً وَأَديانا
وَفدَ المَمالِكِ هَزَّ النيلُ مَنكَبَهُ
لَمّا نَزَلتُم عَلى واديهِ ضيفانا
غَدا عَلى الثَغرِ غادٍ مِن مَواكِبِكُم
فَراحَ مُبتَسِمَ الأَرجاءِ جَذلانا
جَرَت سَفينَتُكُم فيهِ فَقَلَّبَها
عَلى الكَرامَةِ قَيدوماً وَسُكّانا
بِلُقاكُمُ بِسَماءِ البَحرِ ضاحِيَةً
وَتارَةً بِفَضاءِ البَرِّ مُزدانا
وَلَو نَزَلتُمُ بِهِ وَالدَهرُ مُعتَدِلٌ
نَزَلتُمُ بِعَروسِ المُلكِ عُمرانا
إِذِ الفَنارُ وَراءَ البَحرِ مُؤتَلِقٌ
كَأَنَّهُ فَلَقٌ مِن خِدرِهِ بانا
أَنافَ خَلفَ سَماءِ اللَيلِ مُتَّقِداً
يُخالُ في شُرَفاتِ الجَوِّ كيوانا
تَطوي الجَواري إِلَيهِ اليَمَّ مُقبِلَةً
تَجري بَوارِجَ أَو تَنسابُ خُلجانا
نورُ الحَضارَةِ لا تَبغي الرُكابُ لَهُ
لا بِالنَهارِ وَلا بِاللَيلِ بُرهانا
يا مَوكِبَ العِلمِ قِف في أَرضِ مَنفَ بِهِ
يُناجِ مَهداً وَيَذكُر لِلصِبا شابا
بَكى تَمائِمَهُ طِفلاً بِها وَبَكي
مَلاعِباً مِن رُبى الوادي وَأَحضانا
أَرضٌ تَرَعرَعَ لَم يَصحَب بِساحَتِها
إِلّا نَبِيّينَ قَد طابوا وَكُهّانا
عيسى اِبنُ مَريَمَ فيها جَرَّ بُردَتَهُ
وَجَرَّ فيها العَصا موسى بنُ عِمرانا
لَولا الحَياءُ لَناجَتكُم بِحاجَتِها
لَعَلَّ مِنكُم عَلى الأَيّامِ أَعوانا
إِذا تَفَرَّقتُمُ في الغَربِ أَلسِنَةً
لَيَّنتُمُ كُلَّ قَلبٍ لَم يَكُن لانا

تفديك يا مكس الجياد الصلادم

تفَدّيكَ يا مَكسُ الجِيادُ الصَلادِمُ
وَتَفدي الأساةُ النُطسُ مَن أَنتَ خادِمُ
كَأَنَّكَ إِن حارَبتَ فَوقَكَ عَنتَرٌ
وَتَحتَ اِبنِ سينا أَنتَ حينَ تُسالِمُ
سَتُجزى التَماثيلَ الَّتي لَيسَ مِثلُها
إِذا جاءَ يَومٌ فيهِ تُجزى البَهائِمُ
فَإِنَّكَ شَمسٌ وَالجِيادُ كَواكِبٌ
وَإِنَّكَ دينارٌ وَهُنَّ الدَراهِمُ
مِثالٌ بِساحِ البَرلَمانِ مُنَصَّبٌ
وَآخَرُ في بارِ اللِوا لَكَ قائِمُ
وَلا تَظفَرُ الأَهرامُ إِلّا بِثالِثٍ
مَزاميرُ داوُدٍ عَلَيهِ نَواغِمُ
وَكَم تَدَّعي السودانَ يا مَكسُ هازِلاً
وَما أَنتَ مُسَوَّدٌ وَلا أَنتَ قاتِمُ
وَما بِكَ مِمّا تُبصِرُ العَينُ شُبهَةٌ
وَلَكِن مَشيبٌ عَجَّلَتهُ العَظائِمُ
كَأَنَّكَ خَيلُ التُركِ شابَت مُتونُها
وَشابَت نَواصيها وَشابَ القَوائِمُ
فَيا رُبَّ أَيّامٍ شَهِدتَ عَصيبَةٍ
وَقائِعُها مَشهورَةٌ وَالمَلاحِمُ