مقادير من جفنيك حولن حاليا

مقادير من جفنيك حوّلن حاليا
فذقت الهوى من بعد ما كنت خاليا
نفذن علىّ اللب بالسهم مرسلا
وبالسحر مقضيا وبالسيف قاضيا
وألبستني ثوب الضنى فلبسته
فأحبِب به ثوبا وإن ضم باليا
وما الحب إلا طاعة وتجاوز
وإن اكثروا اوصافه والمعانيا
وما هو إلا العين بالعين تلتقى
وإن نوّعوا اسبابه والدواعيا
وعند الهوى موصفه لا صفاته
إذا سالوني ما الهوى قلت مابيا
وبي رشا قد كان دنياى حاضرا
فغادرني اشتاق دنياى نائيا
سمحت بروحي في هواه رخيصة
ومن يهو لا يؤثر على الحب غاليا
ولم تجر الفاظ الواشة برية
كهذى التي يجرى بها الدمع واشيا
اقول لمن ودعت والركب سائر
برغم فؤادي سائر بفؤاديا
امانا لقلبي من جفونك في الهوى
كفى بالهوى كاسا وراحا وساقيا
ولا تجعليه بين خديك والنوى
من الظلم ان يغدو لنارَيك صاليا
ولي ملك ملء الفؤاد محبب
جمعت الهوى في مدحه والقوافيا
وما الشعر إلا خطرة او سريرة
تصوغهما لفظا إلى النفس ساريا
فتى الشرق فت العالمين مكارما
ومن قبل فت النيران معاليا
سموت فلم تستبق للمجد غاية
تسوم السها هذى الخطى والمساعيا
واطيبُ من قرب الحبيب على رضى
مقامك في دار السعادة راضيا
وما زلت في ملك الخليفة اولا
وإن كنت في نادى الخليفة ثانيا
ولو سئل الإسلام ماذا يريده
لما اختار إلا ان تديما التلاقيا
فبينكما في الدين ودّ ورحمة
وفي الملك عهد الله ان لا تجافيا
وللودّ دل لا يكدِّر صفوه
ولكن كثيرا ما يغر الأعاديا
تقبل عزيز المالكين تحية
تقدّمها مصر وتهدى التهانيا
طلعت عليها والضحى في ربوعها
فيا حسنه يوما بشمسيه زاهيا
عروس سماء الشرق انت جمالها
إذا زُيّنت كنت الحلى والمجاليا
تغيّب حينا حسنها وشبابها
وقد ملات منها الغداة النواحيا
نشرت جلال الملك فيها وعزه
واعلامه موسومة والعواليا
واقبلتَ كالدنيا إذا هي اقبلت
وكالدهر حال الصفو لو دام صافيا
تشير بوجه ذى جلال وراحة
يفيضان في الناس الهدى والأياديا
فهذا هو البدر استقرّ به السرى
وهذا سحاب الجود القى المراسيا

إلى عرفات الله يا خير زائر

إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَيرَ زائِرٍ
عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ في عَرَفاتِ
وَيَومَ تُوَلّى وُجهَةَ البَيتِ ناضِراً
وَسيمَ مَجالي البِشرِ وَالقَسَماتِ
عَلى كُلِّ أُفقٍ بِالحِجازِ مَلائِكٌ
تَزُفُّ تَحايا اللَهِ وَالبَرَكاتِ
إِذا حُدِيَت عيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم
لِعيسِكَ في البَيداءِ خَيرُ حُداةِ
لَدى البابِ جِبريلُ الأَمينُ بِراحِهِ
رَسائِلُ رَحمانِيَّةُ النَفَحاتِ
وَفي الكَعبَةِ الغَرّاءِ رُكنٌ مُرَحِّبٌ
بِكَعبَةِ قُصّادٍ وَرُكنِ عُفاةِ
وَما سَكَبَ الميزابُ ماءً وَإِنَّما
أَفاضَ عَلَيكَ الأَجرَ وَالرَحَماتِ
وَزَمزَمُ تَجري بَينَ عَينَيكَ أَعيُناً
مِنَ الكَوثَرِ المَعسولِ مُنفَجِراتِ
وَيَرمونَ إِبليسَ الرَجيمَ فَيَصطَلي
وَشانيكَ نيراناً مِنَ الجَمَراتِ
يُحَيّيكَ طَهَ في مَضاجِعِ طُهرِهِ
وَيَعلَمُ ما عالَجتَ مِن عَقَباتِ
وَيُثني عَلَيكَ الراشِدونَ بِصالِحٍ
وَرُبَّ ثَناءٍ مِن لِسانِ رُفاتِ
لَكَ الدينُ يا رَبَّ الحَجيجِ جَمَعتَهُم
لِبَيتٍ طَهورِ الساحِ وَالعَرَصاتِ
أَرى الناسَ أَصنافاً وَمِن كُلِّ بُقعَةٍ
إِلَيكَ اِنتَهَوا مِن غُربَةٍ وَشَتاتِ
تَساوَوا فَلا الأَنسابُ فيها تَفاوُتٌ
لَدَيكَ وَلا الأَقدارُ مُختَلِفاتِ
عَنَت لَكَ في التُربِ المُقَدَّسِ جَبهَةٌ
يَدينُ لَها العاتي مِنَ الجَبَهاتِ
مُنَوِّرَةٌ كَالبَدرِ شَمّاءُ كَالسُها
وَتُخفَضُ في حَقٍّ وَعِندَ صَلاةِ
وَيا رَبِّ لَو سَخَّرتَ ناقَةَ صالِحٍ
لِعَبدِكَ ما كانَت مِنَ السَلِساتِ
وَيا رَبِّ هَل سَيّارَةٌ أَو مَطارَةٌ
فَيَدنو بَعيدُ البيدِ وَالفَلَواتِ
وَيا رَبِّ هَل تُغني عَنِ العَبدِ حَجَّةٌ
وَفي العُمرِ ما فيهِ مِنَ الهَفَواتِ
وَتَشهَدُ ما آذَيتُ نَفساً وَلَم أَضِر
وَلَم أَبغِ في جَهري وَلا خَطَراتي
وَلا غَلَبَتني شِقوَةٌ أَو سَعادَةٌ
عَلى حِكمَةٍ آتَيتَني وَأَناةِ
وَلا جالَ إِلّا الخَيرُ بَينَ سَرائِري
لَدى سُدَّةٍ خَيرِيَّةِ الرَغَباتِ
وَلا بِتُّ إِلّا كَاِبنِ مَريَمَ مُشفِقاً
عَلى حُسَّدي مُستَغفِراً لِعِداتي
وَلا حُمِّلَت نَفسٌ هَوىً لِبِلادِها
كَنَفسِيَ في فِعلي وَفي نَفَثاتي
وَإِنّي وَلا مَنٌّ عَلَيكَ بِطاعَةٍ
أُجِلُّ وَأُغلي في الفُروضِ زَكاتي
أُبلَغُ فيها وَهيَ عَدلٌ وَرَحمَةٌ
وَيَترُكُها النُسّاكُ في الخَلَواتِ
وَأَنتَ وَلِيُّ العَفوِ فَاِمحُ بِناصِعٍ
مِنَ الصَفحِ ما سَوَّدتُ مِن صَفَحاتي
وَمَن تَضحَكِ الدُنيا إِلَيهِ فَيَغتَرِر
يَمُت كَقَتيلِ الغيدِ بِالبَسَماتِ
وَرَكِبَ كَإِقبالِ الزَمانِ مُحَجَّلٍ
كَريمِ الحَواشي كابِرِ الخُطُواتِ
يَسيرُ بِأَرضٍ أَخرَجَت خَيرَ أُمَّةٍ
وَتَحتَ سَماءِ الوَحيِ وَالسُوَراتِ
يُفيضُ عَلَيها اليُمنَ في غَدَواتِهِ
وَيُضفي عَلَيها الأَمنَ في الرَوَحاتِ
إِذا زُرتَ يا مَولايَ قَبرَ مُحَمَّدٍ
وَقَبَّلتَ مَثوى الأَعظَمِ العَطِراتِ
وَفاضَت مَعَ الدَمعِ العُيونُ مَهابَةً
لِأَحمَدَ بَينَ السِترِ وَالحُجُراتِ
وَأَشرَقَ نورٌ تَحتَ كُلِّ ثَنِيَّةٍ
وَضاعَ أَريجٌ تَحتَ كُلِّ حَصاةِ
لِمُظهِرِ دينِ اللَهِ فَوقَ تَنوفَةٍ
وَباني صُروحِ المَجدِ فَوقَ فَلاةِ
فَقُل لِرَسولِ اللَهِ يا خَيرَ مُرسَلٍ
أَبُثُّكَ ما تَدري مِنَ الحَسَراتِ
شُعوبُكَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها
كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ
بِأَيمانِهِم نورانِ ذِكرٌ وَسُنَّةٌ
فَما بالُهُم في حالِكِ الظُلُماتِ
وَذَلِكَ ماضي مَجدِهِم وَفَخارِهِم
فَما ضَرَّهُم لَو يَعمَلونَ لِآتي
وَهَذا زَمانٌ أَرضُهُ وَسَماؤُهُ
مَجالٌ لِمِقدامٍ كَبيرِ حَياةِ
مَشى فيهِ قَومٌ في السَماءِ وَأَنشَئوا
بَوارِجَ في الأَبراجِ مُمتَنِعاتِ
فَقُل رَبِّ وَفِّق لِلعَظائِمِ أُمَّتي
وَزَيِّن لَها الأَفعالَ وَالعَزَماتِ

شجوني إذا جن الظلام كثير

شجوني إذا جُن الظلام كثير
يؤلبها عادي الهوى ويثير
إذا دهمت والليل من كل جانب
فنومي قتيل والصباح أسير
مشت لجناح واهن من جوانحي
ومالت على القلب الضعيف تُغير
فما ثار هذا الليل عندي وإنني
أليف له في جُنحه وسمير
إذ رقد الحياء نادمت نجمه
أدير له ذكر الكرى ويدير
ضعيفين لا نعطى حَراكا على الدجى
كلانا عليه مُقعد وعثور
نشدنا دفين الصبح في كل ظلمة
عليه كأنا منكر ونكير
يسائلني الساقي أَما لك نشوة
لعلك رضوى أو عساك ثبير
تكاد تخف الكأس من نفحاتها
وأنت على مر الكؤوس وقور
فقلت عوادي الهم بيني وبينها
تكاد تصدّ الكأس حين تدور
أتشغل قلبي الراح عن بعض ما به
وأشغال قلبي لو علمت كثير
برى البين ظُفريه وأذهب ريشه
وهدّ جناحيه فكيف يطير
يكاد يلين الجذع من زفراته
وييبس منها الفرع وهو نضير
كلانا غريب في المضاجع ليله
طويل وليل العالمين قصير
أقول له والغُدر بيني وبينه
ومن مدمعينا جدول وغدير
يلوم أناس ليس يدرون ما الهوى
لعلك دار يا حمام عذير
بعيشك خبرني وإن كنت عالما
هل الحب إلا جنة وسعير
أهنتُ عزيز الصبر فيك وخانني
إباء وفىٌّ في الخطوب وفير
وما أنا من ينضو عن النفس شيمة
ولكن سلطان الغرام قدير
خُلقت رحيم القلب آوى إلى الهوى
وأنكر ضيف الحقد حين يزور
وما خذلتني في بلاء سجية
وبعض السجايا خاذل ونصير
ولا رمت إلا النفع للناس مطلبا
ولا ارتاح لي إلا إليه ضمير
ومن يصحِب الأملاك عشرين حجة
يُجَمِّله خُلق في الخلال أمير
سما بي مديح الكابر ابن محمد
إلى حيث لا يبغى المزيد كبير
تجلى على الأبصار والصبح فانثنت
تباهي به شمس الضحى وتغير
وما استقبلت إلا ضياها تعيره
دليل الهوى من نورها ويعير
أغر تحلى بالحياء وبالهدى
فأعلاه نور والغضون نمير
فمتى الهمة الشماء فضلك سابق
وشعبك جاز بالولاء شكور
يروم رعاياك الذي نال غيرهم
وأنت بتحقيق المرام جدير
جمعت الأدانين الشجاعة والحجى
فكل عسير إن عزمت يسير
أتعلو علينا في المشارق أمة
وجدّك دل الشرق كيف يسير
حباه حياة في الحضارة جمة
يشير إليها العصر وهو فخور
وقد ترفع الأوطانَ للنجم همةُ
ويُرجع قوما للحياة شعور
ويبعث نورُ العلم شعبا تضمه
من المجهلات الحالكات قبور
ويمضي على حال ويأتي بضدها
زمان ظروف كله وأمور

وطن يرف هوى إلى شبانه

وَطَنٌ يَرُفُّ هَوىً إِلى شُبّانِهِ
كَالرَوضِ رِفَّتُهُ عَلى رَيحانِهِ
هُم نَظمُ حِليَتِهِ وَجَوهَرُ عِقدِهِ
وَالعِقدُ قيمَتُهُ يَتيمُ جُمانِهِ
يَرجو الرَبيعَ بِهِم وَيَأمَلُ دَولَةً
مِن حُسنِهِ وَمِنِ اِعتِدالِ زَمانِهِ
مَن غابَ مِنهُم لَم يَغِب عَن سَمعِهِ
وَضَميرِهِ وَفُؤادِهِ وَلِسانِهِ
وَإِذا أَتاهُ مُبَشِّرٌ بِقُدومِهِم
فَمِنَ القَميصِ وَمِن شَذى أَردانِهِ
وَلَقَد يَخُصُّ النافِعينَ بِعَطفِهِ
كَالشَيخِ خَصَّ نَجيبَهُ بِحَنانِهِ
هَيهاتَ يَنسى بَذلَهُم أَرواحَهُم
في حِفظِ راحَتِهِ وَجَلبِ أَمانِهِ
وَقَفوا لَهُ دونَ الزَمانِ وَرَيبِهِ
وَمَشَت حَداثَتُهُم عَلى حَدَثانِهِ
في شِدَّةٍ نُقِلَت أَناةُ كُهولِهِ
فيها وَحِكمَتُهُم إِلى فِتيانِهِ
قُم يا خَطيبَ الجَمعِ هاتِ مِنَ الحَلي
ما كُنتَ تَنثُرُهُ عَلى آذانِهِ
فَلَطالَما أَبدى الحَنينَ لِقِسِّهِ
وَاِهتَزَّ أَشواقاً إِلى سَحبانِهِ
نادِ الشَبابَ فَلَم يَزَل لَكَ نادِياً
وَالمَرءُ ذو أَثَرٍ عَلى أَخدانِهِ
اُمدُد حُداءَكَ في النَجائِبِ تَنصَرِف
يَهوى أَعِنَّتِها إِلى تَحنانِهِ
أَلقَ النَصيحَةَ غَيرَ هائِبِ وَقعِها
لَيسَ الشُجاعُ الرَأيِ مِثلَ جَبانِهِ
قُل لِلشَبابِ زَمانُكُم مُتَحَرِّكٌ
هَل تَأخُذونَ القِسطَ مِن دَوَرانِهِ
نِمتُم عَلى الأَحلامِ تَلتَزِمونَها
كَالعالَمِ الخالي عَلى أَوثانِهِ
وَتُنازِعونَ الحَيَّ فَضلَ ثِيابِهِ
وَالمَيتَ ما قَد رَثَّ مِن أَكفانِهِ
وَلَقَد صَدَقتُم هَذِهِ الأَرضَ الهَوى
وَالحُرُّ يَصدُقُ في هَوى أَوطانِهِ
أَمَلٌ بَذَلتُم كُلَّ غالٍ دونَهُ
وَفَقَدتُمُ ما عَزَّ في وُجدانِهِ
اللَيثُ يَدفَعُكُم بِشِدَّةِ بَأسِهِ
عَنهُ وَيُطعِمُكُم بِفَرطِ لِبانِهِ
وَيُريدُ هَذا الطَيرَ حُرّاً مُطلَقاً
لَكِن بِأَعيُنِهِ وَفي بُستانِهِ
أَوفَدتُمُ وَفداً وَأَوفَدَ رَبُّكُم
مَعَهُ العِنايَةَ فَهيَ مِن أَعوانِهِ
العَصرُ حُرٌّ وَالشُعوبُ طَليقَةً
ما لَم يَحُزها الجَهلُ في أَرسانِهِ
فاضَ الزَمانُ مِنَ النُبوغِ فَهَل فَتى
غَمَرَ الزَمانَ بِعِلمِهِ وَبَيانِهِ
أَينَ التِجارَةَ وَهيَ مِضمارُ الغِنى
أَينَ الصِناعَةُ وَهيَ وَجهُ عَنانِهِ
أَينَ الجَوادُ عَلى العُلومِ بِمالِهِ
أَينَ المُشارِكُ مِصرَ في فِدانِهِ
أَينَ الزِراعَةُ في جِنانٍ تَحتَكُم
كَخَمائِلِ الفِردَوسِ أَو كَجِنانِهِ
أَإِذا أَصابَ القُطنَ كاسِدُ سوقِهِ
قُمنا عَلى ساقٍ إِلى أَثمانِهِ
يا مَن لِشَعبٍ رُزؤُهُ في مالِهِ
أَنساهُ ذِكرَ مُصابِهِ بِكَيانِهِ
المُلكُ كانَ وَلَم يَكُن قُطنٌ فَلَم
يُغلَب أُبُوَّتُنا عَلى عُمرانِهِ
الفاطِمِيَّةُ شُيِّدَت مِن عِزِّهِ
وَبَنى بَنو أَيّوبَ مِن سُلطانِهِ
بِالقُطنِ لَم يَرفَع قَواعِدَ مُلكِهِ
فِرعَونُ وَالهَرَمانُ مِن بُنيانِهِ
لَكِن بِأَوَّلِ زارِعٍ نَقَضَ الثَرى
بِذَكائِهِ وَأَثارِهِ بِبَنانِهِ
وَبِكُلِّ مُحسِنِ صَنعَةٍ في دَهرِهِ
تَتَعَجَّبُ الأَجيالُ مِن إِتقانِهِ
وَبِهِمَّةٍ في كُلِّ نَفسٍ حَلَّقَت
في الجَوِّ وَاِرتَفَعَت عَلى كَيوانِهِ
مَلِكٌ مِنَ الأَخلاقِ كانَ بِناؤُهُ
مِن نَحتِ أَوَّلِكُم وَمِن صَوّانِهِ
فَأتوا الهَياكِلَ إِن بَنَيتُم وَاِقبُسوا
مِن عَرشِهِ فيها وَمِن تيجانِهِ

أبثك وجدي يا حمام وأودع

أَبُثُّكَ وَجدي يا حَمامُ وَأودِعُ
فَإِنَّكَ دونَ الطَيرِ لِلسِرِّ مَوضِعُ
وَأَنتَ مُعينُ العاشِقينَ عَلى الهَوى
تَإِنُّ فَنُصغي أَو تَحِنُّ فَنَسمَعُ
أَراكَ يَمانِيّاً وَمِصرُ خَميلَتي
كِلانا غَريبٌ نازِحُ الدارِ موجَعُ
هُما اِثنانِ دانٍ في التَغَرُّبِ آمِنٌ
وَناءٍ عَلى قُربِ الدِيارِ مُروَعُ
وَمِن عَجَبِ الأَشياءِ أَبكي وَأَشتَكي
وَأَنتَ تُغَنّي في الغُصونِ وَتَسجَعُ
لَعَلَّكَ تُخفي الوَجدَ أَو تَكتُمُ الجَوى
فَقَد تُمسِكُ العَينانِ وَالقَلبُ يَدمَعُ
شَجاكَ صِغارٌ كَالجُمانِ وَمَوطِنٌ
نَدٍ مِثلَ أَيّامِ الحَداثَةِ مُمرَعُ
إِذا كانَ في الآجالِ طولٌ وَفُسحَةٌ
فَما البَينُ إِلّا حادِثٌ مُتَوَقَّعُ
وَما الأَهلُ وَالأَحبابُ إِلّا لَآلِئٌ
تُفَرِّقُها الأَيّامُ وَالسِمطُ يَجمَعُ
أَمُنكِرَتي قَلبي دَليلٌ وَشاهِدي
فَلا تُنكِريهِ فَهوَ عِندَكَ مودَعُ
أَسيرُكِ لَو يُفدى فَدَتهُ بِجَمعِها
جَوانِحُ في شَوقٍ إِلَيهِ وَأَضلُعُ
رَماهُ إِلَيكِ الدَهرُ في حالِقِ الهَوى
يُذالُ عَلى سَفحِ الهَوانِ وَيوضَعُ
وَمِن عَجَبٍ يَأسى إِذا قُلتُ مُتعَبٌ
وَيَطرَبُ إِن قُلتُ الأَسيرُ المُمَنَّعُ
لَقيتِ عَليماً بِالغَواني وَإِنَّما
هُوَ القَلبُ كَالإِنسانِ يُغرى وَيُخدَعُ
وَأَعلَمُ أَنَّ الغَدرَ في الناسِ شائِعٌ
وَأَنَّ خَليلَ الغانِياتِ مُضَيَّعُ
وَأَنَّ نِزاعَ الرُشدِ وَالغَيِّ حالَةٌ
تَجيءُ بِأَحلامِ الرِجالِ وَتَرجِعُ
وَأَنَّ أَمانِيَّ النُفوسِ قَواتِلٌ
وَكَثرَتُها مِن كَثرَةِ الزَهرِ أَصرَعُ
وَأَنَّ دُعاةَ الخَيرِ وَالحَقِّ حَربُهُم
زَمانٌ بِهِم مِن عَهدِ سُقراطَ مولَعُ

صحبت شكيبا برهة لم يفز بها

صحبت شكيبا برهة لم يفز بها
سواى على أن الصحاب كثير
حرصت عليها آنة ثم آنة
كما ضنّ بالماس الكريم خبير
فلما تساقينا الوفاء وتم لي
وداد على كل الوداد أمير
تفرّق جسمي في البلاد وجسمه
ولم يتفرّق خاطر وضمير

سر يا صليب الرفق في ساح الوغى

سِر يا صَليبَ الرِفقِ في ساحِ الوَغى
وَاِنشُر عَلَيها رَحمَةً وَحَنانا
وَاِدخِل عَلى المَوتِ الصُفوفَ مُواسِياً
وَأَعِن عَلى آلامِهِ الإِنسانا
وَاِلمُس جِراحاتِ البَرِيَّةِ شافِياً
ما كُنتَ إِلّا لِلمَسيحِ بَنانا
وَإِذا الوَطيسُ رَمى الشَبابَ بِنارِهِ
خُض كَالخَليلِ إِلَيهُمُ النيرانا
وَاِجعَل وَسيلَتَكَ المَسيحَ وَأُمَّهُ
وَاِضرَع وَسَل في خَلقِهِ الرَحمانا
اللَهُ جارُكَ في عَوانٍ لَم تَهَب
لِلَّهِ لا بِيَعاً وَلا صُلبانا
وَسَلِمتَ يا حَرَمَ المَعارِكِ مِن يَدٍ
هَدَمَت لِسِلمِ العالَمينَ كَيانا
يا أَهلَ مِصرَ رَمى القَضاءُ بِلُطفِهِ
وَأَرادَ أَمراً بِالبِلادِ فَكانا
إِنَّ الَّذي أَمرُ المَمالِكِ كُلِّها
بِيَدَيهِ أَحدَثَ في الكِنانَةِ شانا
أَبقى عَلَيها عَرشَها في بُرهَةٍ
تَرمي العُروشَ وَتَنثُرُ التيجانا
وَكَسا البِلادَ سَكينَةً مِن أَهلِها
وَوَقى مِنَ الفِتَنِ العِبادَ وَصانا
أَوَما تَرَونَ الأَرضَ خُرِّبَ نِصفُها
وَدِيارُ مِصرٍ لا تَزالُ جِنانا
يَرعى كَرامَتَها وَيَمنَعُ حَوضَها
جَيشٌ يَعافُ البَغيَ وَالعُدوانا
كَجُنودِ عَمروٍ أَينَما رَكَزوا القَنا
عَفّوا يَداً وَمُهَنَّداً وَسِنانا
إِنَّ الشُجاعَ هُوَ الجَبانُ عَنِ الأَذى
وَأَرى الجَريءَ عَلى الشُرورِ جَبانا
أُمَمُ الحَضارَةِ أَنتُمُ آباؤُنا
مِنكُم أَخَذنا العِلمَ وَالعِرفانا
رَقَّت لَكُم مِنّا القُلوبُ كَأَنَّما
جَرحاكُمُ يَومَ الوَغى جَرحانا
وَمِنَ المُروءَةِ وَهيَ حائِطُ دينِنا
أَن نَذكُرَ الإِصلاحَ وَالإِحسانا
وَلَئِن غَزاكُم مِن ذَوينا مَعشَرٌ
فَلَرُبَّ إِخوانٍ عَزَوا إِخوانا
حَتّى إِذا الشَحناءُ نامَت بَينَهُم
لَم يَعرِفوا الأَحقادَ وَالأَضغانا

محمد ما أخلفتنا ما وعدتنا

محمد ما أخلفتنا ما وعدتنا
صدقت وقال الحق فيك ضمير
فأنت خضم العلم حال سكونه
وأنت خضم العلم حين تثور
وأنت أمير الحفظ والقول والنهى
إذا لم ينل تلك الثلاث أمير
ففوق عليم القوم منك معلِّم
وفوق وزير القوم منك وزير
إذا جهلت يوما علينا خصومنا
فإنك من جهل الخصوم مجير
وإن جردوا الأقلام جردت إثرها
يراعا له في الخافقين صرير
إذا صال لاقى ضيغم القوم ضيغما
له في نفوس الشانئين زئير
وأنت قريب في الولاء مؤمل
وأنت أبىّ في الخصام كبير
ويعجبني منك ألتقى حين لا تقى
وجدك حين الهازلون كثير

تفديك يا مكس الجياد الصلادم

تفَدّيكَ يا مَكسُ الجِيادُ الصَلادِمُ
وَتَفدي الأساةُ النُطسُ مَن أَنتَ خادِمُ
كَأَنَّكَ إِن حارَبتَ فَوقَكَ عَنتَرٌ
وَتَحتَ اِبنِ سينا أَنتَ حينَ تُسالِمُ
سَتُجزى التَماثيلَ الَّتي لَيسَ مِثلُها
إِذا جاءَ يَومٌ فيهِ تُجزى البَهائِمُ
فَإِنَّكَ شَمسٌ وَالجِيادُ كَواكِبٌ
وَإِنَّكَ دينارٌ وَهُنَّ الدَراهِمُ
مِثالٌ بِساحِ البَرلَمانِ مُنَصَّبٌ
وَآخَرُ في بارِ اللِوا لَكَ قائِمُ
وَلا تَظفَرُ الأَهرامُ إِلّا بِثالِثٍ
مَزاميرُ داوُدٍ عَلَيهِ نَواغِمُ
وَكَم تَدَّعي السودانَ يا مَكسُ هازِلاً
وَما أَنتَ مُسَوَّدٌ وَلا أَنتَ قاتِمُ
وَما بِكَ مِمّا تُبصِرُ العَينُ شُبهَةٌ
وَلَكِن مَشيبٌ عَجَّلَتهُ العَظائِمُ
كَأَنَّكَ خَيلُ التُركِ شابَت مُتونُها
وَشابَت نَواصيها وَشابَ القَوائِمُ
فَيا رُبَّ أَيّامٍ شَهِدتَ عَصيبَةٍ
وَقائِعُها مَشهورَةٌ وَالمَلاحِمُ

عجبت لهم قالوا سقطت ومن يكن

عجبت لهم قالوا سقطت ومن يكن
مكانك يأمن سقوط ويسلم
فأنت امرؤ ألصقت نفسك بالثرى
وحرمت خوف الذم ما لم يحرم
فلو أسقطوا من حيث أنت زجاجة
على الصخر لم تصدع ولم تتحطم